لبنان: قانون الإعلام الجديد يحرز تقدمًا ولكنه يترك ثغرات خطيرة في حرية التعبير

قالت منظمة العفو الدولية اليوم إنّ لبنان أقرّ قانونًا جديدًا للإعلام يتضمن مجموعة من الإصلاحات المهمة القائمة على حقوق الإنسان، بعد سنوات من جهود المناصرة التي بذلتها منظمات المجتمع المدني والصحفيون والناشطون، لكنه يخفق في إحداث كل التغييرات اللازمة لضمان احترام الحق في حرية التعبير وحمايته وإعماله في البلاد.

أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون الإعلام الذي طال انتظاره في 11 أغسطس/آب 2026، ليحل محل تشريعات بالية تعود لعامَيْ 1962 و1994. ويستحدث القانون، الذي نُشر في الجريدة الرسمية في 3 سبتمبر/أيلول، عدة ضمانات طال انتظارها لحماية الصحفيين، والعاملين في مجال الإعلام، وكل من يمارسون حقهم في حرية التعبير عبر الإنترنت، بما في ذلك إلغاء تجريم القدح والذم في بعض الحالات، وإرساء ضمانات أقوى لحماية المصادر الصحفية، وحظر التوقيف الاحتياطي في القضايا المتعلقة بالإعلام، والحد من اختصاص المحاكم العسكرية للنظر في هذه القضايا، وتوسيع نطاق الحماية الممنوحة للتعبير عبر الإنترنت.. 

لكنّ مجلس النواب فوّت فرصة سانحة لمعالجة تهديدات أخرى تطال الحق في حرية التعبير؛ إذ أبقى مثلًا على أحكام في قانون العقوبات تفرض عقوبات بالحبس على أشكال من التعبير المحمي، مثل “تحقير” و “قدح وذم” دولة أجنبية، واستحدث في الوقت نفسه جريمة جزائية جديدة هي نشر “أخبار كاذبة أو مؤذية”.

وقالت رينا وهبي، مسؤولة حملات معنية بشؤون لبنان في منظمة العفو الدولية: “بعد سنوات من جهود المناصرة التي بذلتها منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات الحقوقية للدعوة إلى إصلاح تشريعي يحمي حرية التعبير في لبنان، يخطو قانون الإعلام الجديد عدة خطوات إلى الأمام، من بينها إلغاء العقوبات الجزائية عن بعض جرائم التحقير والقدح والذم، وتوسيع نطاق الحماية الممنوحة للتعبير عبر الإنترنت. لكن لا تزال في القانون اللبناني أحكام قديمة قائمة تُجرّم أشكالًا من التعبير المشروع، وقد ينتهي بها الأمر إلى تقويض ما أحرز من تقدم نحو إلغاء التجريم الذي أمضى مجلس النواب سنوات طويلة في التفاوض عليه”.

“وخلال السنوات الأخيرة، استُدعي أشخاص في لبنان نشروا أو كتبوا عن مواضيع مثيرة للجدل أو انتقدوا جهات نافذة، وأخضعوا للتحقيق أمام الأجهزة الأمنية أو أحيلوا إلى القضاء بسبب ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير، استنادًا إلى مواد فضفاضة في القانون تتعلق بالقدح والذم. يجب على مجلس النواب اللبناني ألا يغض الطرف عن الأحكام القانونية التي لا يزال بالإمكان استخدامها لملاحقة الأشخاص وترهيبهم بسبب تعبيرهم السلمي عن آرائهم؛ وعليه أن يكمل مسيرة الإصلاح بإلغاء جريمة نشر ‘أخبار كاذبة ومؤذية’، وهو جرم غير معترف به في القانون الدولي، وبإلغاء تجريم القدح والذم بشكل كامل، إضافة إلى إلغاء جرائم التحقير”.

وبما أن القانون الجديد ينظِّم التعبير المنشور عبر وسائل الإعلام، والمطبوعات، والمواقع الإلكترونية، والمنصات الرقمية، وغيرها من الوسائل الإلكترونية، فإن ضمانات الحماية والاستثناءات التي يرسيها لا تنطبق بالضرورة على سياقات أخرى يمكن أن تمارس فيها حرية التعبير.

استحداث ضمانات جديدة

من الجوانب الإيجابية في قانون الإعلام الجديد أنه يستحدث ضمانات تحدّ من خطر استخدام القانون الجزائي أو المؤسسات العسكرية أو الصلاحيات التحقيقية لقمع النقد أو الصحافة.

فالمادة 114 تحظر التوقيف الاحتياطي في الجرائم المرتكبة عبر وسائل الإعلام والوسائل الإلكترونية المنصوص عليها في القانون، أيًا كانت صفة الفاعل أو مهنته. ومن خلال توسيع مظلة هذه الحماية صراحةً لتشمل التعبير عبر الإنترنت، يحسم هذا النص القانوني غموضًا طال أمده في ظل الإطار القانوني السابق، إذ كان بالإمكان ملاحقة الصحفيين، وصانعي المحتوى، وغيرهم من الأفراد الذين ينشرون آراءهم على الإنترنت، بموجب قانون العقوبات، وحرمانهم من الضمانات الإجرائية المتاحة في قضايا النشر.

يُحسّن القانون الأحكام القائمة في القانون اللبناني فيما يتعلق بـ “التحريض على النزاع الطائفي أو على العنف ضد أشخاص أو جماعة بسبب انتمائهم أو عدم انتمائهم العرقي أو الديني أو المذهبي أو اللون أو الجنس”، وذلك بإلزام المحاكم بمراعاة عوامل مثل السياق، والنية، وشكل الخطاب، ومدى انتشاره، وأرجحية الضرر، عند تقييم ما إذا كان الخطاب يبلغ حد التحريض غير المشروع، بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. وتساعد هذه الضمانات على التمييز بين التحريض الفعلي والتعبير المشمول بالحماية، على الرغم من استمرار المخاوف بشأن غموض مفهوم “النزاع الطائفي” وعدم تعريفه بشكل واضح.

تنزع المادة 113 من القانون اختصاص المحاكم العسكرية في جميع الجرائم المتعلقة بالتعبير والإعلام المنصوص عليها في القانون. يعالج هذا التعديل أحد بواعث القلق لدى منظمة العفو الدولية التي سبق أن وثّقت حالات أُحيل فيها مدنيون، بمن فيهم صحفيون، إلى القضاء العسكري بسبب قضايا مرتبطة بالتعبير.

وترسي المادتان 115 و116 ضمانات صريحة لاستقلالية التحرير، وتحميان الصحفيين من التدخل والترهيب والانتقام الهادف إلى التأثير في عملهم، وتصونان حقهم في التنظيم النقابي، كما توفران ضمانات قوية للحفاظ على سرية المصادر عبر تقييد إجراءات الكشف عن هويتها، والمراقبة، والتفتيش، والحجز التي قد تكشف عن هوية المصدر، إلا في حالات محددة وخاضعة للرقابة القضائية.

إلى جانب ذلك، يُحدّث القانون الإطار الإعلامي اللبناني عبر الاعتراف الصريح بالإعلام الرقمي، وإرساء نظام تسجيل واضح قائم على نظام العلم والخبر، للمواقع والمنصات الإعلامية الإلكترونية، التي لا تخضع لأي موافقة أو ترخيص مسبق. كما يلغي القانون شرط الترخيص المسبق للمطبوعات الدورية، ويُسقط القيود المفروضة على عدد المطبوعات الدورية السياسية، ويزيل التمييز بين المطبوعات السياسية وغير السياسية، ويسمح لوسائل الإعلام العاملة عبر الإنترنت والأقمار الصناعية بمزاولة نشاطها بموجب نظام العلم والخبر، بدلًا من نظام الترخيص، ويُلغي الرقابة المسبقة على طباعة المطبوعات غير الدورية ونشرها وتوزيعها.

وتمنح المادة 98 وزنًا قانونيًا مهمًا للمصلحة العامة، إذ تنص صراحةً على حماية البث الإعلامي الذي يكشف عن قضايا الفساد، أو يخضع المسؤولين العموميين للمساءلة، أو يتناول غير ذلك من القضايا المشروعة التي تهم الرأي العام أو تمت بصلة للمصلحة العامة.

وقالت رينا وهبي: “هذه الضمانات الجديدة تمثل ثمرة سنوات طويلة من العمل الدؤوب والمتفاني الذي بذله ناشطون ومدافعون عن حقوق الإنسان وصحفيون من أجل تحسين بيئة حرية التعبير في لبنان. ويقع على عاتق الدولة الآن أن تكفل الالتزام الصارم بهذه الضمانات في الأيام والأشهر المقبلة”.

ثغرات خطيرة لا تزال قائمة في حماية حرية التعبير

على الرغم من أهمية هذه التطورات الإيجابية، لا تزال هناك ثغرات عدة لم يعالجها القانون، إذ أبقى على أحكام إشكالية تنتهك حرية التعبير.

ويخطو القانون الجديد خطوة إلى الوراء بتجريمه المعلومات المضللة من دون تعريفها بشكل واضح. فالمادة 104(ب) من القانون الجديد تستحدث جريمة جديدة تعاقب “كل من تعمّد اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية” بالحبس لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

وهذا الحكم إشكالي لأنه عرضة لسوء الاستخدام، باعتبار أن المصطلحات الفضفاضة والمبهمة من قبيل “الأخبار المؤذية” تحمل في طياتها خطرًا بالغًا يتمثل في الاستدعاءات والتحقيقات والملاحقات القضائية التعسفية بحق الصحفيين، والعاملين في وسائل الإعلام، وغيرهم.

وقالت رينا وهبي: “المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة لها أثر ضار على حقوق الإنسان، ومن المهم أن تتخذ الدول خطوات لمنعها ورصدها والتصدي لها، إلا أن تجريمها ليس وسيلة فعالة لمعالجة هذه الظاهرة. ونظرًا إلى أن نطاق هذا الجرم سوف يظل في الغالب غير واضح، فإن هذه المادة قد تتحول إلى أداة جديدة لاستهداف وملاحقة الأشخاص الذين يمارسون حقهم في حرية التعبير.

“يجب على مجلس النواب أن يعدّل القانون على وجه السرعة بما يضمن أن تكون أي أحكام تتناول الأخبار الكاذبة محددة بدقة ومتسقة بالكامل مع المعايير الدولية لحرية التعبير. فبعد سنوات من النقاش، يجب أن يشكّل هذا القانون تحولًا حاسمًا بعيدًا عن العقوبات الجزائية على التعبير، لا أن يستحدث أدوات جديدة للرقابة والملاحقة القضائية”.

يتضمن قانون العقوبات وقانون القضاء العسكري اللبنانيان عددًا من الجرائم المتعلقة بالتعبير التي استُخدمت لتقييد انتقاد المسؤولين العموميين، ومؤسسات الدولة، وغيرها من الجهات النافذة.

 في خطوة إلى الأمام، يُلغي قانون الإعلام الجديد الجرائم التي تمس الشعور الديني أو الوطني، وينقل إطار معالجة عدد من جرائم الرأي والتعبير المتعلقة بالقدح والذم والتحقير من إطار المسؤولية الجزائية إلى المسؤولية المدنية، بالنسبة إلى وسائل التعبير التي يشملها القانون.  كما يوسّع القانون ضمانات الحماية لانتقاد المسؤولين العموميين والشخصيات العامة، إذ يتيح للمتهمين الاستناد إلى الأدلة والقرائن على صحة الوقائع واعتبارات المصلحة العامة في معرض دفاعهم.

غير أن قانون الإعلام الجديد يقصر عن الوفاء بالمطلوب، إذ يستثني من هذا التحول عددًا من الجرائم الجزائية المتعلقة بالرأي والتعبير. فعلى سبيل المثال، تبقى المادة 292 من قانون العقوبات سارية المفعول، وهي التي تُجرّم تحقير دولة أجنبية، أو القدح والذم الواقع علانية على رئيس دولة أجنبية، أو وزرائها، أو ممثليها السياسيين في لبنان.

بالإضافة إلى ذلك، لا يزال الغموض يكتنف ما إذا كانت قضايا القدح والذم الموجَّهة ضد السلطات العامة والمسؤولين العوميين قد انتقلت من إطار المسؤولية الجزائية إلى إطار المسؤولية المدنية بالنسبة لوسائل التعبير التي يشملها القانون.

تتطرّق المادتان 107 و108، اللتان تنشئان إطار المسؤولية المدنية الجديد، لحالات القدح والذم التي تطال الموظفين العموميين والشخصيات العامة. لكن المادة 105 لم تتضمن فيما أوردته من الجرائم المتعلقة بالتعبير التي أُلغيت عقوباتها الجزائية، أي إشارة صريحة إلى المواد 385 إلى 387 من قانون العقوبات، التي تُجرّم القدح والذم بحق الموظفين العموميين، والقضاة، والمؤسسات العامة، والجيش، ورئيس الجمهورية. قال الخبراء القانونيون الذين استشارتهم منظمة العفو الدولية إن المشرّع، في تقديرهم، كان يقصد على الأرجح نقل هذه الجرائم إلى الإطار المدني الجديد؛ ولكن غياب إشارة صريحة يترك مجالًا أمام السلطات القضائية للاستمرار في تطبيق أحكامها الجزائية.

وتواصل منظمة العفو الدولية الدعوة إلى إلغاء القوانين التي تُجرّم “تحقير” الدول، أو المسؤولين العموميين، أو غيرهم من الشخصيات العامة. فمن المشروع أن تخضع الشخصيات العامة للنقد والمعارضة السياسية، وينبغي أن تتحمل قدرًا أكبر من النقد مقارنة بالأفراد العاديين.

خلفية

لقد وثقت منظمة العفو الدولية مرارًا وتكرارًا كيف استخدمت السلطات قوانين التحقير والقدح والذم، وغيرها من القوانين اللبنانية المتعلقة بالتعبير، كسلاح لإخضاع الصحفيين والناشطين ومنتقدي السلطات للتحقيق، والملاحقة القضائية، والمضايقات. وفي عام 2023، أطلقت المنظمة حملة # رأيي مش جريمة للمطالبة بإلغاء تجريم التحقير والقدح والذم، وإنهاء اختصاص المحكمة العسكرية بالنظر في قضايا التعبير المدني، والامتثال الكامل للمعايير القانونية الدولية.

بدأت عملية إصلاح القوانين المنظمة للإعلام في عام 2010 بمشروع قانون تقدّم به النائب السابق غسان مخيبر ومؤسسة مهارات لاستبدال قانون المطبوعات لعام 1962. على مدى 16 عامًا، خضع مشروع القانون لتعديلات موسّعة في اللجان النيابية المختلفة، ثم أقر نهائيًا في 11 أغسطس/آب 2026. وطوال هذه العملية، واصلت منظمة العفو الدولية وشركاؤها في “تحالف الدفاع عن حرية الرأي والتعبير” في لبنان نضالهم الدؤوب من أجل إلزام التشريعات اللبنانية بحماية النقاش السلمي وحرية الإعلام بدلًا من قمعهما.