لبنان: يجب التحقيق في الهجوم الإسرائيلي القاتل على الصحفية آمال خليل باعتباره جريمة حرب

قالت منظمة العفو الدولية اليوم إن الهجوم الإسرائيلي الذي أودى بحياة الصحفية آمال خليل وأصاب المصوّرة زينب فرج بجروح خطيرة في جنوب لبنان في 22 أبريل/نيسان 2026 كان هجومًا مباشرًا على مدنيتين وينبغي التحقيق فيه باعتبارهجريمة حرب.

وتشير شهادة الناجية الوحيدة وأفراد من فرق الاستجابة الأولية، المدعومة بمواد سمعية بصرية وسجلات تنسيق وتقارير خارجية، إلى أن الصحفيتين، وكلتاهما مدنيتين، كانتا قد لجأتا إلى المكان بعدما أودت غارة جوية على السيارة التي كانت أمامهما بحياة رجلين. وعلى مدى الساعتين التاليتين، ومع تحليق مسيّرتين على علو منخفض فوق الموقع، أصابت غارة سيارتهما المركونة في مكان قريب منهما، ثم أصابت غارة ثانية المبنى الذي كانتا تحتميان فيه.

يرسم تحقيق منظمة العفو الدولية صورة مروعة لهجوم مباشر على مدنيتين أثناء احتمائهما من الهجمات الإسرائيلية.

هبة مرايف، منظمة العفو الدولية

وقالت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية: “يرسم تحقيق منظمة العفو الدولية صورة مروعة لهجوم مباشر على مدنيتين أثناء احتمائهما من الهجمات الإسرائيلية. وبعدما كانت الضربة الأولى قد قتلت الرجلين اللذين قال الجيش الإسرائيلي إنهما هدف هذا الهجوم، ومع تحليق مسيّرتين على علو منخفض فوق المكان، كان الجيش الإسرائيلي يعلم، أو كان ينبغي له أن يعلم، أن امرأتين مدنيتين كانتا تحتميان في ذلك المبنى. ومع ذلك، مضى في تنفيذ الهجوم، الذي لدينا أسس معقولة للاعتقاد بأنه يرقى إلى هجوم مباشر على مدنيين، ما يدل على استخفاف صادم بالقانون الدولي الإنساني”.

“إنَّ وجود الصحفيتين في منطقة صنّفتها إسرائيل على أنها مشمولة في أوامر “عدم العودة” لا يجعلهما هدفين مشروعين. ويقع على عاتق جميع أطراف نزاع ما، في جميع الأوقات، التزام واضح بالتمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، وتوجيه هجماتها إلى الأهداف العسكرية فقط. ولا يمكن أن يكون هناك أي مبرر لاستهداف مدنيين لجأوا إلى مكان ما طلبًا للأمان. يجب التحقيق في هذا الهجوم على وجه السرعة وبصورة مستقلة ومحايدة باعتباره جريمة حرب”.

في 22 أبريل/نيسان، نفّذ الجيش الإسرائيلي ثلاث ضربات في بلدة الطيري بمحافظة النبطية، التي تقع ضمن منطقة صنّفها الجيش الإسرائيلي من جانب واحد على أنها منطقة “دفاع أمامي”، وحظر على السكان المدنيين العودة إليها. في الساعة 2:25 من بعد ظهر ذلك اليوم، أصابت الضربة الأولى سيارة وأودت بحياة رجلين. وكانت سيارة الصحفيتين تسير خلف سيارة الرجلين، فغادرتا سيارتهما ولجأتا إلى مبنى قريب، لأسباب تضمنت تحليق مسيّرتين فوق المكان وخشيتا أن يكون ذلك مؤشرًا إلى وقوع المزيد من الغارات.

وبعد نحو ساعة، استهدفت ضربة ثانية سيارة الصحفيتين المركونة في الجوار، وأدى الانفجار إلى إصابتهما بجروح. وبعد ساعة تقريبًا، أصابت ضربة ثالثة المبنى الذي لجأتا إليه، فأسفرت عن مقتل آمال خليل، الصحفية في جريدة “الأخبار” اللبنانية، وإصابة زينب فرج بجروح خطيرة”.

وظلّت مسيرتان تحومان فوقهما طوال الهجوم الذي استمر ساعتين. وقالت زينب فرج لمنظمة العفو الدولية:

“اقتربت المسيّرتان منا كثيرًا، ودخلتا عبر السقف المحطم الذي كنا نحتمي تحته. حلقّتا على بعد أقل من متر واحد منّا. كنت أغطي وجهي وأفكر في مقطع فيديو سبق أن شاهدته لمسيّرة تقتل شخصًا بهذه الطريقة. ظننت أنها ستنفجر في وجهي. لم تحمل المسيّرتان أي متفجرات ظاهرة، لكنهما كانتا تحلّقان باستمرار، عن قرب، وتثيران الخوف بشكل مستمرّ”.

الأهداف التي أعلن الجيش الإسرائيلي استهدافها

حامت مسيّرات استطلاع إسرائيلية على مقربة من الموقع منذ اللحظات التي أعقبت وقوع الغارة الجوية الأولى ولمدة قرابة ساعتين، ما يعني أن الجيش الإسرائيلي كان يعلم، أو كان ينبغي له أن يعلم، أن الشخصين الذي ادّعى أنه استهدفهما بسبب ضلوعهما المزعوم في الأنشطة العسكرية لحزب الله قُتلا على الفور في الغارة الأولى. حينها، وبعد مقتل الهدفين المقصودين، وبينما كانت المسيّرتان الإسرائيليتان تحومان فوق الموقع الذي احتمت فيه الامرأتان غير المسلّحتين اللتان كانتا ترتديان ملابس مدنية، كان ينبغي للقوات الإسرائيلية إلغاء الغارات اللاحقة والسماح للصحفيتين بالبحث عن الأمان.

وفي بيان نُشر باللغة العربية على حساب المتحدثة بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي للإعلام العربي على منصة اكس في الساعة 8:22 مساءً بتوقيت بيروت، قال الجيش إن القوات الإسرائيلية:

“رصدت […] في منطقة جنوب لبنان مركبتين خرجتا من مبنى عسكري يستخدمه حزب الله الإرهابي. وقد عبر المخربون خط الدفاع الأمامي واقتربوا من القوات بشكل يشكّل تهديدًا فوريًا. بعد أن تم تحديد أنهم يخرقون اتفاق وقف إطلاق النار، قام سلاح الجو بمهاجمة إحدى المركبتين، ثم استهدف مبنى لجأ إليه المخربون. وردت تقارير عن إصابة صحفيتين نتيجة الهجمات، ولا يمنع جيش الدفاع في هذه المرحلة وصول فرق الإنقاذ إلى المنطقة. تفاصيل الحادثة قيد الفحص. يجدر بالذكر أن خريطة خط الدفاع الأمامي قد نُشرت، وأن المنطقة مُخلاة. جيش الدفاع لا يستهدف الصحفيين بأي شكل من الأشكال، ويعمل قدر الإمكان على تقليل الأذى الذي قد يلحق بهم مع الحفاظ على أمن قواتنا”.

وفي ردّ الجيش الإسرائيلي في 22 يونيو/حزيران على رسالة أرسلتها منظمة العفو الدولية في 12 يونيو/حزيران في إطار تحقيقها في الهجوم، ذكر أن غارة 22 أبريل/نيسان، “التي قُتلت فيها صحفية… وقعت في سياق سلسلة من الأحداث جرى خلالها استهداف عنصرين عسكريين تابعين لحزب الله والقضاء عليهما، وهما علي نبيل بزي ومحمد الحوراني”.

وأضاف أن “الحادثة خضعت لمراجعة أولية، وطُبقت الدروس المستخلصة ذات الصلة بناءً على ذلك”. وقال الجيش الإسرائيلي إنه “يأسف لأي أذى لحق بالصحفيتين. ويحترم حرية الصحافة ولا يتعمّد استهداف الصحفيين بصفتهم هذه. وينبغي التشديد على أنه يجري، قبل كل غارة، تقييم الظروف العملياتية ذات الصلة في حينها، بما في ذلك طبيعة الهدف، ودوره العسكري، والمعلومات الاستخباراتية المتاحة في الوقت الفعلي، والأضرار العرضية المتوقعة، والتدابير الاحترازية التي يمكن اتخاذها للحد منها”. وذكر البيان أيضًا أن تحذيرات مسبقة تصدر حين يكون ذلك ممكنًا من الناحية العملياتية.

وبموجب القانون الدولي الإنساني، يتمتع المدنيون بالحماية ولا يمكن استهدافهم، إلا إذا شاركوا مباشرةً في الأعمال القتالية وخلال مدة تلك المشاركة فقط. ويقع على عاتق الطرف المهاجم واجب بذل كل ما هو ممكن للتحقق مما إذا كان الشخص مقاتلًا يجوز استهدافه. وفي حال الشك، يجب اعتبار الشخص مدنيًا.

وتُحظر الهجمات المباشرة على المدنيين والأعيان المدنية، وتشكّل جرائم حرب. وبموجب القانون الدولي الإنساني، يُعد الصحفيون مدنيين ويجب حمايتهم على هذا الأساس.

موقع الهجوم – منطقة “الدفاع الأمامي”

وقع الهجوم في بلدة الطيري، الواقعة على بعد نحو سبعة كيلومترات عن الحدود الإسرائيلية، في قضاء بنت جبيل بجنوب لبنان، ضمن منطقة “الدفاع الأمامي” التي تغطي 6% من الأراضي اللبنانية. ينتشر الجيش الإسرائيلي في المنطقة التي تشملها أوامر “عدم العودة” ونفّذ تدميرًا واسعًا بداخلها.

وقالت هبة مرايف: “إن إعلان منطقة ما محظورة على المدنيين لا يعفي إسرائيل من واجباتها بموجب القانون الدولي الإنساني؛ وعلى وجه الخصوص، لا يمنحها الحق في التعامل مع هذه المناطق كمناطق رماية حرّة يُعدّ فيها كل مدني بقي أو عاد إليها هدفًا عسكريًا”.

ويجب على الجيش الإسرائيلي، في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن، بما في ذلك المناطق المحظورة على المدنيين، التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وكذلك بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وبذل كل ما هو ممكن للتحقق مما إذا كان الهدف المقصود هو هدف عسكري أو أحد المقاتلين. وعند مهاجمة هدف عسكري، يجب على الجيش الإسرائيلي اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق ضرر عرضي بالمدنيين، أو التقليل منه إلى أدنى حد ممكن.

ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وثَّقت منظمة العفو الدولية نمطًا أوسع من الغارات الجوية الإسرائيلية غير المشروعة في لبنان، من بينها هجمات مباشرة على مدنيين، بمن فيهم صحفيون وعاملون في المجال الطبي، وأعيان مدنية، فضلًا عن هجمات عشوائية. ودعت المنظمة إلى التحقيق في هذه الجرائم باعتبارها جرائم حرب، وحذّرت مرارًا وتكرارًا من أن الإفلات المتواصل من العقاب على مثل هذه الانتهاكات يشجّع القوات الإسرائيلية على مواصلة شن هجمات غير مشروعة من دون خوف من المساءلة.

الغارة الأولى على رجلين في مركبة متحركة

كانت الصحفيتان آمال خليل (42 عامًا) وزينب فرج (21 عامًا) تغطيان الأحداث في مختلف أنحاء جنوب لبنان، وتوثقان آثار النزاع المسلح.

وبحسب زينب فرج، فبعدما تلقت الصحفيتان تقارير تفيد بانسحاب الجيش الإسرائيلي من بلدة الطيري، توجهتا بالسيارة إلى المنطقة للتحقق من هذه المعلومات، خلف مركبة أخرى يستقلها علي نبيل بزي، مختار بنت جبيل، وصديقه محمد الحوراني، وهو أحد السكان النازحين. وكان الرجلان يريدان أيضًا التحقق بنفسيهما من الانسحاب الإسرائيلي من الطيري، وفقًا لما قالته زينب فرج.

وقرابة الساعة 2:25 بعد الظهر، استُهدفت المركبة التي كان يستقلها علي بزي ومحمد الحوراني بعد دخولها بلدة الطيري مباشرة، وتلقى الصليب الأحمر اللبناني أول اتصال لطلب سيارة إسعاف في الساعة 2:38 بعد الظهر. ووصف الجيش الإسرائيلي، في رده على منظمة العفو الدولية، علي بزي ومحمد الحوراني بأنهما “عنصران عسكريان تابعان لحزب الله” جرى “استهدافهما والقضاء عليهما”.

وقالت زينب فرج لمنظمة العفو الدولية إنها كانت مع آمال خليل في سيارة آمال التي كانت تسير خلف السيارة الأخرى حين وقعت الغارة. وأضافت أنهما رأتا كيف أدت الغارة إلى انفجار السيارة التي كانت أمامهما، وقذف الرجلين خارجها، واندلاع النيران فيها.

واتصلت آمال خليل فورًا بمسعف الدفاع المدني اللبناني موسى شعلان في الساعة 2:26 بعد الظهر للإبلاغ عن الغارة. وأخبر موسى شعلان منظمة العفو الدولية أن آمال أبلغته بأن “رجلان استُهدفا أمامي في الطيري”، فبدأ فورًا الاتصال بزملائه في الدفاع المدني والصليب الأحمر اللبناني، وبضباط في الجيش اللبناني مسؤولين عن تنسيق طلبات منع التضارب عبر آلية المراقبة. وهو في طريقه إلى الموقع، طُلب من موسى شعلان التوقف عند حاجز للجيش اللبناني عند مدخل الطيري. بينما كان عمال الإنقاذ ينتظرون الحصول على تصريح من الجيش الإسرائيلي، عبر آلية المراقبة، يتيح لهم دخول البلدة بأمان.

وتتولى اللجنة العسكرية التقنية من أجل لبنان (MTC4L)، التي يُشار إليها عادة باسم آلية تنفيذ ومراقبة وقف إطلاق النار، تنسيق الحصول على تصاريح لدخول البلدات الواقعة داخل ما يسمى منطقة “الدفاع الأمامي”. وتضم هذه الآلية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفل)، وقد أُنشئت لمراقبة وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين لبنان وإسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بما في ذلك تنسيق مسارات آمنة لفرق الإنقاذ بعد موافقة الجيش الإسرائيلي على الامتناع عن إطلاق النار.

ووفقًا لتحقيق أجرته صحيفة واشنطن بوست: “قال ممثل عن اليونيفل إن الصليب الأحمر اللبناني اتصل بهم للمرة الأولى قبل الساعة 3:00 بعد الظهر بقليل، وأبلغها بمساره المزمع سلوكه. ونقلت اليونيفيل، التي تسهل المرور الآمن لأطقم الإنقاذ، المعلومات فورًا إلى الجيش الإسرائيلي، ومن ضمنها موقع الصحفيتين. في الوقت نفسه تقريبًا، اتصل الجيش اللبناني بلجنة دولية معروفة باسم آلية وقف إطلاق النار… وقالت إدارة الصليب الأحمر إن مركباتها انطلقت إلى الموقع قبل الساعة 5:00 بعد الظهر بقليل، بعدما أكدت اليونيفل المسار الآمن. وقال ممثل اليونيفل إن الجيش الإسرائيلي أكد تلقي الطلب في نحو ذلك الوقت لكنه لم يكن قد منح عمال الإنقاذ إذنًا بالمرور الآمن بعد”.

الغارة الثانية على سيارة الصحفيتين بالقرب من ملجأهما

في انتظارهما وصول الدفاع المدني، ومع تحليق المسيّرات فوق المكان، غادرت الصحفيتان سيارتهما واحتمتا بمحاذاة جدار منخفض، تحت سقف متضرر من الصفيح، قرب مبنى مهجور في البلدة يضم متجرًا في الطابق الأرضي.

وتحقق مختبر أدلة الأزمات التابع لمنظمة العفو الدولية من صور التقطتها زينب فرج بين الساعة 2:35 والساعة 2:49 بعد الظهر، تُظهر سيارة الصحفيتين على جانب طريق على بُعد نحو خمسة أمتار من المركبة المدمرة. وتُظهر إحدى الصور أيضًا السقف الذي كانت الصحفيتان تنتظران فرق الإنقاذ تحته.

التعليق على الصورة: صورة التقطتها المصوّرة زينب فرج تظهر الموقع الذي لجأت إليه الصحفيتان في أثناء انتظارهما فرق الإنقاذ. (مصدر الصورة: زينب فرج)

تحدثت زينب فرج إلى منظمة العفو الدولية بعد 10 أيام من الهجوم، ووصفت كيف حلّقت مسيّرات فوق المكان فور وقوع الغارة الأولى على السيارة، وقالت إنها تتذكر بوضوح كيف “اقتربت المسيّرات منا كثيرًا عبر السقف، إلى مسافة تقل عن متر من وجهي ووجه آمال”.

وبالنظر إلى تحليق مسيّرات الاستطلاع على مسافة قريبة فوق المكان، كان الجيش الإسرائيلي يعلم، أو كان ينبغي له أن يكون قد علم بحلول ذلك الوقت، أن الرجلين اللذين ادّعى أنه استهدفهما بسبب انتمائهما المزعوم لحزب الله قُتلا على الفور في الغارة الأولى. وبالنظر لتحليق المسيّرات على هذه المسافة القريبة، كان ينبغي للجيش الإسرائيلي أن يتمكن من تحديد أن الصحفيّتين مدنيّتان.

واتصل مسعف الدفاع المدني موسى شعلان، الذي كان لا يزال عند الحاجز، بآمال خليل عند الساعة 3:31 بعد الظهر، وحثها على العودة إلى السيارة ومغادرة المنطقة، لأنه لم يكن قد تلقى بعد تصريحًا من آلية المراقبة لدخول البلدة، ما يعني أنه لم يكن لديه أي ضمانات بأن الجيش الإسرائيلي لن يشن غارة.

وقرابة الساعة 3:40 بعد الظهر، أصابت غارة ثانية مركبة الصحفيتين التي كانت مركونة قرب المكان الذي لجأتا إليه.

وفي الساعة 3:38 بعد الظهر، عاودت آمال خليل الاتصال بموسى شعلان لإبلاغه أنها أُصيبت في غارة جوية ثانية على سيارتها، وقالت: “لا أستطيع فعل أي شيء. موسى، تعال وخذني”.

أصيبت المرأتان في الانفجار الذي قذف أحد أبواب السيارة باتجاههما، فاستخدمته زينب فرج درعًا لحمايتهما من ألسنة اللهب. وقالت:

“تطاير الزجاج والحطام نحونا. شعرت كأن أذني انفجرت. كانت [آمال خليل] تنزف بشدة من أنفها ورأسها، وكانت قد تعرضت لإصابات بشظايا في ذراعها وفخذها؛ ولم تكن قادرة على تحريك ساقها”.

مع اشتداد ألسنة اللهب، تمكنت المرأتان من الزحف إلى داخل المبنى عبر باب لفّ متضرر، واختبأتا في غرفة صغيرة.

وواصلت آمال خليل من داخل المبنى إجراء اتصالات لطلب الإنقاذ. غير أن زينب فرج قالت إن جميع من اتصلتا بهم قالوا إنهم لن يتمكّنوا من الوصول إلى موقعهما لأنهم “كانوا ينتظرون التصريح” من آلية المراقبة، الذي سيعني عمليًا موافقة الجيش الإسرائيلي على الامتناع عن إطلاق النار للسماح لفرق الإنقاذ بالدخول.

وقال موسى شعلان لمنظمة العفو الدولية: “قلت لضابط الجيش عند الحاجز إنني سأدخل رغم الخطر. لكنه أقنعني بالعدول عن ذلك عندما قال: “ماذا لو استُهدفت قبل الوصول إليها؟ من الأفضل انتظار التصريح، من أجلها ومن أجلك”.

ومع مرور الوقت، وهنت آمال خليل بشدة، بحسب زينب فرج، التي قالت: “رأيتها تذوي… وفقدتُ الوعي”.

أجرت آمال خليل آخر مكالمة هاتفيه لها مع شقيقتها في الساعة 4:22 بعد الظهر.

الغارة الثالثة على المبنى الذي لجأت إليه الصحفيتان 

نحو الساعة 4:25 بعد الظهر، أصابت غارة ثالثة المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق الذي لجأت إليه الصحفيتان، فانهار ودُفنتا تحت الأنقاض. وتذكرت زينب فرج قائلةً: “استعدت [الوعي] لأجد نفسي أختنق، أكافح من أجل التنفس”.

وقال موسى شعلان لمنظمة العفو الدولية إنه شاهد من موقعه، على بُعد نحو كيلومترين، غارة جوية في ذلك الوقت:

“شاهدت الطائرة الحربية ترتفع وتنفذ الضربة. أدركت أنهما المستهدفتان. اتصلت [بهاتفها] مرة أخرى؛ ولم يجب أحد. فقلتُ لنفسي: ماتوا”.

راجعت خبيرة أسلحة في منظمة العفو الدولية مقاطع فيديو مصورة من موقع الغارة، وخلُصت إلى أن نمط الأضرار يتسق مع ما قد تسببه غارة جوية. وتُظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 24 أبريل/نيسان أيضًا أثرًا جديدًا للاحتراق في موقع المبنى، وهو أثر شوهد بصورة اعتيادية في المناطق التي شنَّ فيها الجيش الإسرائيلي غارات جوية.

وبعد الساعة 5:00 بعد الظهر بقليل، مُنح الصليب الأحمر اللبناني وحده تصريحًا بدخول المنطقة. وانتشل المسعفون زينب فرج من تحت الأنقاض، وكانت قد أصيبت بكسر في الجمجمة، وتعاني من إصابات خطيرة في ساقها اليمنى وعينها اليمنى، وتهشمت يدها. ولم يتمكنوا من الوصول إلى آمال خليل، التي بقيت مفقودة تحت الأنقاض.

وقبل الساعة 6:00 مساءً بقليل، قال متطوعو الصليب الأحمر اللبناني الذين كانوا متواجدين في الموقع أنهم أُجبروا على الانسحاب من الموقع بسبب التهديدات بشن هجوم آخر، ونقلوا معهم زينب فرج المصابة وجثماني الرجلين اللذين قُتلا في الهجوم الأول.

وبعد جولة أخرى من الاتصالات من جانب السلطات اللبنانية، بما في ذلك مكتبا رئاسة الجهورية ورئاسة مجلس الوزراء، ومن جانب هيئات دولية، مُنح تصريح مرة أخرى في الساعة 7:20 مساءً، سمح لمسعفي الصليب الأحمر وسيارة إسعاف وجرافة صغيرة بالعودة إلى موقع الغارة. واحتاج المسعفون إلى معدات أثقل لإزالة أنقاض الطوابق الثلاثة المنهارة. وبدأت عمليات الانتشال باستخدام حفارة قرابة الساعة 9:00 مساءً.

وقال موسى شعلان إنهم عثروا على آمال خليل مدفونة تحت عمود وجدار، وأضاف: “كانت قد سُحقت بالكامل… انتشلتها بيديّ”.

وسجّل اختصاصي الطب الشرعي في شهادة وفاتها أن وقت الوفاة كان الساعة 7:00 مساءً، وأن سببها “توقف في القلب” ناتج عن “إصابة في الرأس ونزيف حاد”.

إفلات القوات الإسرائيلية من العقاب

نددت منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات الحقوقية ونقابات ومنظمات الصحفيين مرارًا بقتل الصحفيين على أيدي القوات الإسرائيلية في لبنان وفي قطاع غزة المحتل، مع إفلاتها التام من العقاب.

وفي 2023، نشرت منظمة العفو الدولية تحقيقًا معمقًا في مقتل المصور الصحفي الذي كان يعمل في وكالة رويترز عصام عبد الله، وخلص التحقيق إلى أن الغارة الجوية التي شنها الجيش الإسرائيلي وأودت بحياته وأصابت ستة صحفيين آخرين بجروح ترقى إلى مستوى هجوم مباشر على مدنيين، ودعت المنظمة إلى التحقيق فيها باعتبارها جريمة حرب.

إن إفلات القوات الإسرائيلية من العقاب على قتل صحفيين وغيرهم من المدنيين في لبنان على مدى السنوات الثلاث الماضية مكّن الجيش الإسرائيلي من مواصلة شن غاراته الجوية غير المشروعة، بما في ذلك هجمات مباشرة على مدنيين. ويجب التحقيق في مقتل آمال خليل بصورة مستقلة ومحايدة.

هبة مرايف

واختتمت هبة مرايف حديثها بالقول: “إن إفلات القوات الإسرائيلية من العقاب على قتل صحفيين وغيرهم من المدنيين في لبنان على مدى السنوات الثلاث الماضية مكّن الجيش الإسرائيلي من مواصلة شن غاراته الجوية غير المشروعة، بما في ذلك هجمات مباشرة على مدنيين. ويجب التحقيق في مقتل آمال خليل بصورة مستقلة ومحايدة. لقد تأخر المجتمع الدولي كثيرًا في فرض حظر شامل على توريد الأسلحة إلى إسرائيل.

“ونحث الحكومة اللبنانية أيضًا على قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في ما يخص الجرائم المرتكبة على أراضيها منذ أكتوبر/تشرين الزول 2023، وعلى مباشرة تحقيقات محلية في جرائم الحرب”.

خلفية

في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أطلق حزب الله صواريخ نحو إسرائيل، وأعقب ذلك عمليات عسكرية إسرائيلية اشتدت حدتها في سبتمبر/أيلول 2024. وعلى الرغم من الاتفاق على ما سُمي وقفًا لإطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، استمرت الأعمال القتالية على طول الحدود. وتصاعدت الأعمال القتالية مرة أخرى في 2 مارس/آذار 2026 واستمرت رغم الإعلانات اللاحقة عن وقف إطلاق النار.

وفي 20 أبريل/نيسان 2026، حدّد الجيش الإسرائيلي منطقة أطلق عليها اسم منطقة “الدفاع الأمامي”، تمتد على مسافة 8 إلى 12 كيلومترًا داخل لبنان (وتبلغ مساحتها نحو 600 كم²)، ففرض قيودًا على الوصول إلى عشرات البلدات والمناطق الواقعة جنوب معالم جغرافية رئيسية، منها نهر الليطاني.

ومنذ 2 مارس/آذار، قُتل ما يزيد على 4,333 شخصًا في لبنان، بحسب ما ذكرته وزارة الصحة العامة، التي لا تُصنّف القتلى بحسب ما إذا كانوا مدنيين أم مقاتلين. وأسفرت هجمات حزب الله على إسرائيل عن مقتل مدنييْن على الأقل في إسرائيل، بينما ذكرت تقارير صادرة عن وسائل إعلام إسرائيلية أن ما لا يقل عن 39 جنديًا إسرائيليًا قُتلوا في جنوب لبنان.