تحذير بشأن المحتوى: يتضمن هذا المقال وصفًا لوقائع عنف، بما في ذلك عمليات إطلاق نار، وضرب، وتعذيب، وعنف جنسي، وتمييز. كما يتناول مسائل تتعلق بالانتحار. ونحن نُدرج هذه التفاصيل تكريمًا للضحايا ولأفراد عائلاتهم، الذين يريدون أن تظهر الحقيقة إلى العلن.
تعرَّض آلاف المحتجين في إيران للقتل أو التعذيب أو السجن لمطالبتهم بحقوقهم الإنسانية وبإحداث تغيير سياسي. ومع ذلك، لا يزال المسؤولون الذين يتحملون المسؤولية عن ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية المتصلة بالاحتجاجات يفلتون من العدالة، بينما يتعرَّض الناجون وأهالي الضحايا الذي يسعون لتحقيق العدالة للاضطهاد.
في أواخر عام 2022، اجتاحت إيران احتجاجات واسعة النطاق فيما أصبح يُعرف باسم انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية”. وبعد تحقيقات مُضنية استمرت سنوات، كشفت منظمة العفو الدولية كيف ارتكبت السلطات الإيرانية جرائم ضد الإنسانية لسحق الانتفاضة. واستنادًا إلى التوثيق المُفصل الذي أجرته منظمة العفو الدولية للجرائم المُرتكبة، وتحليلها لهياكل القيادة في قوات الأمن، حدَّدت المنظمة أسماء 87 مسؤولًا إيرانيًا يجب التحقيق معهم جنائيًا لدورهم في هذه الجرائم.
ومن الواضح أن السلطات الإيرانية غير راغبة في السعي إلى تحقيق المساءلة، حيث تعتمد سياسة دولة قائمة على استخدام القوة المُميتة لقمع المعارضة. لذلك، تحثُّ منظمة العفو الدولية المجتمع الدولي على السعي، على وجه السرعة، إلى تحقيق العدالة الجنائية الدولية بشأن عمليات القتل الجماعي المتكررة للمُحتجين في إيران. فمن شأن الإفلات من العقاب على هذه الجرائم أن يُعرِّض الإيرانيين لمزيد من الفظائع، كما شهد العالم يومي 8-9 يناير/كانون الثاني 2026، عندما قتلت قوات الأمن الإيرانية بشكل غير مشروع آلاف المحتجين والمارة. كما أن استمرار التقاعس عن تحقيق العدالة الدولية يرسِّخ بصورة أكبر تطبيع عمليات القتل الجماعي للمحتجين في إيران.
وقِّعوا على العريضة
انضموا إلى دعوتنا الموجهة إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من أجل إنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية بهدف ملاحقة الأشخاص الضالعين في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إيران.
ما الذي حدث خلال احتجاجات عام 2022؟
اندلعت انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” في 16 سبتمبر/أيلول 2022 بعد وفاة جينا مهسا أميني، وهي امرأة كردية تبلغ من العمر 22 عامًا، في الحجز إثر اعتقالها على أيدي عناصر “شرطة الآداب”، التي كانت تتولى فرض قوانين الحجاب الإلزامي التمييزية.
وعلى مدار الشهور الثلاثة التالية، خرج مئات الآلاف إلى الشوارع بصورة سلمية احتجاجًا على عقود من القمع والتمييز والإفلات من العقاب. وتصدَّرت النساء والفتيات طليعة الاحتجاجات، حيث رفضن القوانين التمييزية، التي أتاحت على مدى عقود ممارسة عنف الدولة، والاعتقال التعسفي، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، فضلًا عن الإقصاء من التعليم والتوظيف والمجالات العامة.
وحظيت صور النساء وهن يحرقن الحجاب ويُعبرن عن احتجاجهن بصدى واسع على الصعيدين الوطني والعالمي. وسرعان ما انتشر شعار “المرأة، الحياة، الحرية” في مختلف أرجاء إيران وعلى مستوى العالم. وردَّت السلطات بعنف دموي، حيث وصف شهود عيان الوحشية التي مُورست بأنها أشبه بساحة حرب، إذ أطلقت قوات الأمن النار مرارًا وبلا رحمة على المحتجين السلميين.
وكشفت تحقيقات منظمة العفو الدولية أن السلطات الإيرانية استخدمت على نطاق واسع وبشكل غير مشروع أسلحة عسكرية، وبنادق خرطوش محشوَّة بكريات معدنية، من أجل تفريق المُحتجين وترهيبهم ومعاقبتهم، وردع الآخرين عن ممارسة حقهم في حرية التجمع السلمي. وقُتل مئات المحتجين والمارة، ومن بينهم أطفال، على نحو غير مشروع.
وتعرَّض آلاف آخرون على أيدي قوات الأمن للاعتقال التعسفي، والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، والإخفاء القسري، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. وارتكبت قوات الأمن جرائم اغتصاب وغيرها من أعمال العنف الجنسي، بما في ذلك ضد أطفال، واضطهدت عائلات القتلى المكلومة.
ما هي الجرائم التي ارتكبتها السلطات الإيرانية؟
بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يشكِّل عدد من الأفعال المحظورة، بما في ذلك القتل العمد، والسجن، والإخفاء القسري، والتعذيب والاغتصاب أو غيره من أشكال العنف الجنسي، جرائم ضد الإنسانية إذا ارتُكبت “في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي مُوجَّه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين”.
وقد خلصت منظمة العفو الدولية إلى أن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها السلطات الإيرانية لسحق انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية”، ينطبق عليها توصيف الجرائم ضد الإنسانية المُتمثِّلة في:
- القتل العمد؛
- والتعذيب؛
- والاغتصاب؛
- والعنف الجنسي؛
- والإخفاء القسري؛
- والسجن؛
- والاضطهاد على أسس مُتداخلة سياسية وإثنية ودينية وأخرى متعلقة بالنوع الاجتماعي.
وقد ارتُكبت هذه الجرائم في سياق هجوم مُمنهج واسع النطاق ضد السكان المدنيين المُطالبين باحترام حقوق الإنسان وبالكرامة، تنفيذًا لسياسة الدولة الرامية إلى سحق الاحتجاجات، ومعاقبة المُحتجين، وخلق مناخ من الرعب لردع الاحتجاجات مُستقبلًا.
الجريمة ضد الإنسانية المُتمثِّلة في القتل العمد
قتل مئات المحتجين والمارة على نحو غير مشروع في إطار حملة القمع الدموي لانتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية”.
وما زال من المستحيل تحديد العدد الفعلي للضحايا، ولكن في أعقاب بحوث وتحقيقات مُكثَّفة، جمعت منظمة العفو الدولية معلومات وأدلة عن مقتل 377 من المحتجين والمارة، ومنهم 56 طفلًا، حيث لقوا مصرعهم خلال انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية”. وتنقسم هذه الوفيات إلى أربع فئات:
- عمليات القتل خلال الفض العنيف للاحتجاجات وفي المناطق ذات التواجد العسكري: قُتل إجمالًا 326 من الضحايا المُسجلين على أيدي قوات الأمن، التي استخدمت الأسلحة النارية أو غيرها من وسائل القوة المُميتة – وقُتل معظمهم خلال عمليات تفريق الاحتجاجات. وقُتل آخرون على أيدي قوات الأمن في مناطق قريبة من احتجاجات كانت جارية أو وقعت منذ فترة وجيزة، أو في مناطق كان بها تواجد عسكري لقوات الأمن، شمل دوريات مُسلحة، ونقاط تفتيش، وحواجز للطرق، ومطاردة مركبات، وأوامر بالتوقف، أو مداهمات عنيفة لمنازل أشخاص أو لأماكن عملهم.
- وفيات في حجز الدولة: لقي 18 من الضحايا المُسجلين مصرعهم في حجز الدولة، بعد اعتقالهم خلال عمليات قمع الاحتجاجات.
- وفيات بعد الإفراج من الحجز: هناك إجمالًا 10 أشخاص تُوفوا بعد الإفراج عنهم من الحجز، مع وجود تقارير، نشرها مدافعون عن حقوق الإنسان أو صحفيون، تُشير إلى أن وفاتهم كانت لأسباب تتعلق بظروف السجن، سواء بسبب الإصابات الجسدية التي لحقت بهم من جراء التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة، أو بسبب الانتحار بعد فترة وجيزة من الإفراج عنهم.
- الوفيات المُشتبه فيها، وكثيرًا ما حدثت عقب فترة من الاختفاء: اختفى ما مجموعه 23 من الضحايا المُسجلين في عداد المفقودين بعد مشاركتهم في الاحتجاجات أو تأييدهم لها، ولا تتوفر أي معلومات عن ملابسات اعتقالهم أو اختطافهم ثم وفاتهم في نهاية المطاف. وهناك مؤشرات عديدة تدلُّ على أن الضحايا قُتلوا على أيدي عناصر تابعة للدولة.
الجريمة ضد الإنسانية المُتمثِّلة في التعذيب
تعمَّدت قوات الأمن إلحاق إصابات مؤلمة بالمُحتجين والمارة من خلال الاستخدام غير المشروع للقوة، الذي يرقى إلى مستوى التعذيب. فقد استخدمت القوات أسلحة نارية من قبيل البنادق الهجومية والرشاشات، بالإضافة إلى أسلحة محظورة لا يجوز مُطلقًا استخدامها في التعامل الشُرطي مع الاحتجاجات، مثل بنادق الخرطوش المحشوَّة بكُريات معدنية. وقد قُتل ما لا يقل عن 45 شخصًا بعد أن أطلقت قوات الأمن النار عليهم من مسافة قريبة باستخدام بنادق الخرطوش هذه. وتُوفي كثيرون من جراء الإصابات التي لحقت بهم، بما في ذلك حالات منعت فيها قوات الأمن المصابين من الوصول إلى المستشفيات. وعانى بعض الناجين من المحتجين والمارة من صدمات جسدية شديدة، بما في ذلك فقدان البصر الدائم وإصابات أخرى غيَّرت مجرى حياتهم.
وقامت السلطات الإيرانية أيضًا بتعذيب أفراد في حجز الدولة. وشملت أساليب التعذيب، على سبيل المثال لا الحصر، أساليب جسدية، مثل الضرب والصعق بالصدمات الكهربائية؛ وأساليب نفسية، مثل التهديد باغتصاب أفراد من أسرة الضحية أو بإخفائهم قسريًا.
الجريمة ضد الإنسانية المُتمثِّلة في السجن
اعتُقل تعسفيًا عشرات الآلاف من الأشخاص خلال الانتفاضة، وكان من بينهم أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 10 سنوات. وتُبيِّن الأدلة المتوفرة لدى منظمة العفو الدولية أن هذه الاعتقالات كانت في أغلبيتها الساحقة بسبب أفعال تحظى بالحماية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك التظاهر السلمي، وترديد الهتافات، والرقص، ونزع أغطية الرأس، وكتابة شعارات، وإطلاق أبواق السيارات، وإظهار التضامن على الإنترنت، بالإضافة إلى المطالبة بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة، كما في حالة العائلات المكلومة.
وفي كثير من الحالات، اعتقلت قوات الأمن أفرادًا من دون أمر قضائي، واختطفتهم، وعذبتهم، ثم تركتهم في مناطق نائية. وسُجل آخرون في نهاية المطاف داخل منشآت للاحتجاز تُديرها قوات الأمن، حيث تعرَّضوا لمزيد من التعذيب، ثم أُجبروا على كتابة “اعترافات” زائفة، أدت إلى إصدار أحكام بالسجن لمدد طويلة وحتى عقوبة الإعدام.
وفي جميع الحالات المُوثَّقة، كانت عمليات الاعتقال والاحتجاز تنتهك الحق في محاكمة عادلة. فقد حُرم المعتقلون من الاتصال بمحامين، ومن الحماية من التعذيب، ومن الحصول على معلومات في الوقت المناسب بشأن التهم المُوجّهة إليهم، ومن الحق في التزام الصمت، ومن الحق في افتراض البراءة، ومن القدرة على الطعن في قانونية احتجازهم، وعلى إعداد دفاعهم على نحو كافٍ ومباشرة إجراءات فعَّالة لاستئناف الأحكام.
الجريمة ضد الإنسانية المُتمثِّلة في الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي
وثَّقت منظمة العفو الدولية 45 حالة من حالات الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على أيدي قوات الأمن، وكان ضحاياها من المحتجين أو المارة. شملت أعمال الاغتصاب الإيلاج باستخدام الهراوات الخشبية والمعدنية، والقناني الزجاجية، وخراطيم المياه، وكذلك الأعضاء الجنسية لعناصر قوات الأمن وأصابعهم. وتعرَّض البعض للاغتصاب على أيدي العديد من العناصر. وارتُكبت أفعال العنف الجنسي ضد نساء وفتيات وفتيان ورجال، وشملت اعتداءات جسدية، بالإضافة إلى التعذيب النفسي، من قبيل التهديدات بالاغتصاب.
وتعرَّضت نساء وفتيات لتحسُّس أجسادهن، ولضربهن، وتجريدهن من ملابسهن (بما في ذلك أمام المُحتجزين الذكور)، وإجراء تفتيش جسدي مهين لهن؛ واحتجازهن عارياتٍ لساعاتٍ أو أيامٍ، وكان ذلك أحيانًا أمام كاميرات الفيديو وفي أجواء البرد القارص. كما أُجبر رجال وفتيان على التجرُّد من ملابسهم، وتعرَّض بعضهم لصدمات كهربائية، وغير ذلك من أشكال التعذيب، في أعضائهم التناسلية. وبالإضافة إلى ذلك، كانت هناك تهديدات باغتصابهم واغتصاب أقارب لهم.
الجريمة ضد الإنسانية المُتمثِّلة في الإخفاء القسري
كثيرًا ما أقدمت السلطات على تعريض بعض المعتقلين للإخفاء القسري لأيام أو أسابيع، عن طريق حجب جميع المعلومات المتعلقة بمصيرهم أو مكان وجودهم عن ذويهم. وقد احتُجز البعض في مراكز احتجاز رسمية، بينما احتُجز البعض الآخر في أماكن غير رسمية، مثل المستودعات والمدارس والمباني السكنية، التي تُشير إليها قوات الأمن باللهجة العامية باسم “المنازل الآمنة”.
ووصف بعض الأقارب، الذين أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات معهم، تفاصيل زياراتهم لمراكز الشرطة، ومقار النيابة، والمحاكم الثورية، والسجون، بحثًا عن ذويهم. وكثيرًا ما كان المسؤولون يُخفون المعلومات، رغم علمهم بأن الأشخاص المعنيين مُحتجزون، أو كانوا يُقرون بأن هؤلاء الأشخاص رهن الاحتجاز ولكنهم يرفضون الإفصاح عن مكانهم.
وتسبَّب عدم اليقين هذا في أذى نفسي بالغ لأفراد عائلاتهم، حيث جعلهم في حالة من المعاناة الشديدة بشأن ما إذا كان أحباؤهم أمواتًا أم أحياءً.
الجريمة ضد الإنسانية المُتمثِّلة في الاضطهاد
يُعرَّف الاضطهاد بأنه حرمان أفراد جماعة ما حرمانًا شديدًا ومُتعمَّدًا من حقوقهم الأساسية بسبب هويتهم (استنادًا إلى أسباب سياسية، أو عِرقية، أو قومية، أو إثنية، أو ثقافية، أو دينية، أو أسباب تتعلق بالنوع الاجتماعي، أو غيرها من الأسباب المحظورة)، وأن يكون ذلك مُتصلًا بأفعال محظورة، مثل القتل العمد، والتعذيب، والإخفاء القسري، والسجن.
تعرَّض جميع المحتجين ومؤيديهم خلال حملة القمع الوحشية للاضطهاد لأسباب سياسية؛ وتعرَّضت النساء والفتيات اللاتي يرفضن الحجاب الإلزامي للاضطهاد لأسباب سياسية مُتداخلة مع أسباب دينية وأخرى تتعلق بالنوع الاجتماعي؛ وتعرَّض المحتجون من الأقليتين الكردية والبلوشية المضطهدتين للاضطهاد لأسباب سياسية متداخلة مع أسباب تتعلق بالإثنية؛ بينما تعرَّضت عائلات القتلى للاضطهاد لأسباب سياسية.
استهداف الأقليتين الإثنيتين الكردية والبلوشية
يُشكِّل الضحايا من الأكراد والبلوش 62% من مجموع عدد الضحايا المُسجَّلين، في حين تتراوح نسبة الأكراد ما بين 10-15% من مجموع السكان في البلاد، بينما تبلغ نسبة البلوش حوالي 5% من السكان. وقد توصلت منظمة العفو الدولية إلى أن هذا العدد المرتفع بشكل غير متناسب من الضحايا لا يمكن تفسيره بحجم الاحتجاجات فقط؛ فقد كانت أنماط استخدام القوة المُميتة بشكل مُتعمد ضد هذه المجتمعات أنماطًا متفردةً وأكثر حدةً بشكل ملحوظ.
سجَّلت منظمة العفو الدولية أسماء 106 من المحتجين والمارة البلوش، الذين قُتلوا على أيدي قوات الأمن في محافظة سيستان وبلوشستان، أثناء تفريق الاحتجاجات. ومن بين هؤلاء الذين تم التعرُّف عليهم، قُتل 87 شخصًا، بينهم 15 طفلًا، بشكل غير مشروع على أيدي قوات الأمن في يوم واحد، خلال عملية قمع دموي يوم الجمعة 30 سبتمبر/أيلول 2022، والذي أصبح يُعرف بين الإيرانيين باسم “الجمعة الدامية”.
كما توصلت بحوث المنظمة إلى تحديد 95 من المحتجين والمارة الأكراد، الذين قُتلوا بشكل غير مشروع على أيدي قوات الأمن الإيرانية في محافظات كردستان، وكرمانشاه، وأذربيجان الغربية. ويشمل هذا العدد 79 رجلًا، وثلاث نساء، و13 طفلًا. وفي هذه المحافظات الثلاث، دأبت قوات الأمن على استخدام أسلحة نارية عسكرية.
من الذي ارتكب هذه الجرائم؟
أصبح تخطيط الجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت خلال انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” وتوجيهها وتنظيمها وتنفيذها ممكنًا بفضل وجود جهاز أمني واسع ومتكامل. وخلصت بحوث منظمة العفو الدولية إلى أن قوتيْن أساسيتيْن من قوات الأمن تتحملان المسؤولية عن الجرائم المُوثَّقة، وهما:
- قوات الحرس الثوري الإيراني: ومن بين أفرع الحرس الثوري المشاركة، أقسام العمليات، والوحدات الأمنية على مستوى المحافظات، بالإضافة إلى العديد من كتائب الباسيج. وكانت أفرع الحرس الثوري تعمل تحت إشراف فيلق الحرس الثوري الإيراني في المحافظة المعنية، الذي كان بدوره خاضعًا لإشراف المقر الإقليمي لقوات الحرس الثوري.
- قيادة قوات الشرطة في جمهورية إيران الإسلامية (وتُعرف باسمها المختصر في اللغة الفارسية “فراجا”): ومن بين فروع قوات الشرطة المشاركة، الشرطة الوقائية، ووحدات المساندة، والوحدات الخاصة. وتتولى الشرطة الوقائية مهام الشرطة الاعتيادية، بما في ذلك التدخل الأولي في الاحتجاجات. وتُنشر الوحدات الخاصة عندما تتصاعد الاحتجاجات إلى مستوى يتجاوز قدرة الشرطة الوقائية على التفريق.
وتخضع هاتان القوتان لإشراف هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، التي تخضع بدورها لقيادة المُرشد الأعلى، الذي يتولى منصب القائد العام لجميع قوات الأمن.
وتشمل مهام هذه القوات: “الدفاع المقدس عن الإسلام”، و”حماية مكتسبات الثورة الإسلامية”، و”توسيع نطاق حكم شريعة الله”، و”مكافحة العناصر والحركات التي تخلّ بالأمن القومي”. واستخدمت هاتان القوتان أساليب قمعية صاغها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ومجلس أمن الدولة، والمجالس الأمنية على مستوى المحافظات والمقاطعات. ونُفِّذت هذه الأساليب بموجب أوامر من وزير الداخلية والمحافظين وحكام المقاطعات.
ولا تُميِّز هذه المهام الفِضفاضة ذات التعريفات المُبهمة بين أعمال العنف والمعارضة السلمية. ويؤدي هذا إلى منح قوات الأمن سلطات واسعة لقمع الحق في حرية التعبير، وحرية تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، وحرية التجمع السلمي، وكذلك لاستخدام القوة المُميتة ضد من ينتقدون المؤسسة الحاكمة، ويتحدُّون سلطة المرشد الأعلى، ويدعون سلميًا إلى رؤى علمانية وسياسية واجتماعية بديلة.
من هم القادة والمسؤولون، البالغ عددهم 87 شخصًا، الذين تقول منظمة العفو الدولية إنه ينبغي التحقيق معهم جنائيًا بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية؟
استنادًا إلى توثيق مُفصل لقوات الأمن المشاركة في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في محافظات كردستان، وكرمانشاه، وأذربيجان الغربية، بالإضافة إلى تحليل عميق لهياكل قيادتها، حدَّدت منظمة العفو الدولية أسماء 87 شخصًا ينبغي التحقيق معهم جنائيًا. ويشمل هؤلاء 10 مسؤولين على المستوى الوطني، بالإضافة إلى 77 مسؤولًا على مستوى الأقاليم والمحافظات والمقاطعات.
وقد طبَّقت منظمة العفو الدولية في تحديد المسؤولين معيارَ الإثبات المُتمثِّل في وجود “أسباب معقولة للاعتقاد”. وهذا يعني أنه كان من المعقول الاعتقاد بأن هؤلاء الأشخاص يتحملون المسؤولية عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، استنادًا إلى الأدلة المُتاحة بشأن ما كانوا يمارسونه من السلطة والسيطرة ضمن الهيكل القيادي لقوات الأمن الإيرانية، أو بشأن دورهم الجوهري في تنسيق وتسهيل ارتكاب هذه الجرائم.
وعند تحديد أسماء الأشخاص المطلوب إخضاعهم لتحقيقات جنائية، بحثت منظمة العفو الدولية العناصر التالية:
- المنصب الذي كان يشغله هذا الشخص في التسلسل الهرمي لجهاز الأمن الإيراني، والدور الذي لعبه، بحكم منصبه؛
- طبيعة السلطة والسيطرة التي مارسها هذا الشخص بصفته رئيسًا على المرؤوسين؛
- الأفعال التي قام بها الشخص لتقديم المساعدة أو التشجيع أو إبداء الدعم المعنوي لارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، والأثر الجوهري الذي أحدثته هذه المساعدة على ارتكاب تلك الجرائم؛
- التصريحات العلنية التي أدلى بها عدد من كبار قادة قوات الأمن ومسؤولي وزارة الداخلية، التي شجَّعت أو دعمت العناصر التي ارتكبت جرائم ضد الإنسانية على الأرض؛
- الأوامر الرسمية المُسربة التي أجازت أو سهَّلت ارتكاب جرائم ضد الإنسانية؛
- و/أو صلة الشخص بما تم توثيقه من الجرائم ضد الإنسانية.
ولا تُعتبر النتائج التي توصلت إليها منظمة العفو الدولية شاملةً وحصرية بأي حال من الأحوال، وينبغي ألا تحول دون النظر في دور مسؤولين آخرين، لم تذكر المنظمة أسماءهم، في ارتكاب الجرائم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
هل هناك صلة بين احتجاجات عام 2022 والاحتجاجات في يناير/كانون الثاني 2026؟
نعم هناك صلة، فهاتان الواقعتان تعكسان نمطًا متكرِّرًا من الفظائع التي ترتكبها آلة القمع الدموية ذاتها التابعة للدولة ضد سكان مدنيين خرجوا إلى الشوارع مرارًا للمطالبة باحترام حقوق الإنسان، والكرامة، والتغيير السياسي.
وكان من شأن الإفلات الممنهج من العقاب، وانعدام سُبل المساءلة على المستوى المحلي، فضلًا عن تقاعس العالم عن السعي لتحقيق العدالة الجنائية الدولية، أن يُمهد الطريق لارتكاب مجازر بحق المحتجين في يناير/كانون الثاني 2026. وتحمل هذه المجازر غير المسبوقة نفس سمات الجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت في عام 2022، ولكن على نطاق أكثر ترويعًا.
شجّع غيابُ المساءلة عن عمليات القمع الدموية السابقة لموجات متعاقبة من الاحتجاجات، بما فيها انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية”، السلطاتَ الإيرانيةَ على مواصلة القمع. وردّت السلطات على الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 بشنّ حملة قمع ذات طابع عسكري.
وفي يومي 8 و9 يناير/كانون الثاني 2026، ومع انتشار الاحتجاجات في شتى أنحاء البلاد على نطاق لم تشهده إيران منذ ثورة عام 1979، لجأت قوات الأمن الإيرانية إلى استخدام الأسلحة النارية على نطاق غير مسبوق وقتلت بشكل غير مشروع آلاف المحتجين والمارة. وكانت حملة القمع هذه هي الأكثر دموية في إيران على مدى عقود من بحوث منظمة العفو الدولية.
ما هي المخاطر التي يواجهها الإيرانيون في الوقت الراهن؟
لا يزال الإيرانيون عُرضةً لمزيد من المجازر خلال الاحتجاجات. فلم تُعالَج المظالم التي دفعت إلى اندلاع احتجاجات متكررة في أنحاء البلاد، ما يزيد من احتمال اندلاع احتجاجات في المستقبل. ولا تزال السلطات تعتمد على القوة المُميتة باعتبارها جزءًا من سياسة الدولة لسحق المعارضة، ولم تواجه من قبل أي عواقب تُرغمها على تغيير هذا النهج.
وبالإضافة إلى ذلك، واجه الإيرانيون، منذ 28 فبراير/شباط 2026، هجمات مميتة وغير مشروعة شنَّتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وقد تسبَّبت عشرات الآلاف من الغارات الجوية التي شُنت على إيران في أضرار جسيمة للمدنيين. ووفقًا للأرقام الرسمية التي أعلنتها السلطات الإيرانية، أسفرت الغارات الجوية، خلال الفترة من 28 فبراير/شباط 2026 إلى 24 يوليو/تموز 2026، عن مقتل ما لا يقل عن 1,469 مدنيًا، من بينهم مئات الأطفال. كما ألحقت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية دمارًا هائلًا وأضرارًا جسيمة بمرافق البنية التحتية المدنية، ما زجَّ بالسكان في ضائقة اقتصادية أشد وطأة، وأمعن في الإضرار بالبيئة.
فمن جهة، يتعرَّض الإيرانيون لانتهاكات القانون الدولي الإنساني وجرائم الحرب الناجمة عن الهجمات غير المشروعة التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن جهة أخرى، فإنهم يتعرَّضون منذ عقود للقمع الوحشي والعنف على أيدي السلطات الإيرانية، دون إنصاف يُذكر. وفضلًا عن ذلك، استخدمت السلطات ستار “ظروف الحرب” من أجل تكثيف القمع الداخلي، وهدَّدت علنًا بارتكاب عمليات قتل جماعي للمُحتجين والمعارضين، وصعَّدت من عمليات الإعدام التعسفي بدوافع سياسية. وفي هذه الظروف، الإيرانيون عالقون بين مطرقة الهجمات الأمريكية الإسرائيلية غير المشروعة وسندان القمع الداخلي الدموي.
ما هي التحديات المُتفرِّدة التي تعترض السعي لتحقيق العدالة عن هذه الجرائم في إطار النظام القضائي المحلي في إيران؟
تشهد إيران أزمةً تتمثَّل في الإفلات من العقاب، حيث لا تُوجد أي سُبل على المستوى المحلي لتحقيق العدالة بشأن الجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الجرائم التي يشملها القانون الدولي. والإفلات من العقاب مُتعمَّد ومُتأصِّل في النظام القضائي والقانوني والدستوري للبلاد. ومن شأن ترسيخ هذا الإفلات من العقاب أن يمنح الجناة الثقة لمواصلة جرائمهم، وفرض سياسة الدولة المُتمثِّلة في سحق المعارضة، من خلال ارتكاب جرائم يشملها القانون الدولي، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
ولطالما رفضت السلطات الإيرانية إجراء أي تحقيقات فعَّالة ومُستقلة ونزيهة وشفافة وشاملة بشأن هذه الجرائم المُحتملة في سياق قمع الاحتجاجات. وللحفاظ على هذا الوضع، أقامت السلطات آليةً للإنكار والتستُّر الرسمي، تبدأ في العمل بمجرد ظهور أنباء عن عمليات القتل غير المشروع أو ممارسات التعذيب. وتتعزَّز هذه الآلية لاحقًا عن طريق جهاز قضائي بُني ليتعاون في إسكات المعارضة وحماية المسؤولين المعنيين من قبضة العدالة.
وعلى المستوى الدستوري، يُعاني النظام القضائي من انعدام تام للاستقلالية والحياد، حيث تخضع أجهزته لسيطرة المرشد الأعلى والقائد العام. وعلى المستوى التشريعي، تزيد القوانين القمعية من إفساح المجال لوقوع انتهاكات حقوق الإنسان، من خلال تجريم ممارسة الحقوق، والسماح باستخدام الأسلحة النارية لتفريق الاحتجاجات، وإعفاء عناصر قوات الأمن من المسؤولية الجنائية عن عمليات القتل غير المشروع الناجمة عن استخدام القوة على هذا النحو، فضلًا عن منح الاختصاص القضائي للمحاكم العسكرية.
وقد أتاح هذا الوضع تكرار الجرائم المستمرة التي يشملها القانون الدولي وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وخلصت تحقيقات منظمة العفو الدولية إلى أن نظام القضاء الجنائي في إيران يفتقر إلى الرغبة والقدرة على تحقيق العدالة فيما يخص الجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت في البلاد.
ما هي مسارات العدالة والمساءلة على المستوى الدولي؟
لا يزال تحقيق العدالة والمساءلة، من الناحية الواقعية، أمرًا بعيد المنال على المستوى المحلي، ومن ثم فإن النهج الفعَّال لتطبيق العدالة الدولية يتطلب استجابات دولية قوية. وينبغي أن تشمل هذه الاستجابات:
- إحالة الوضع في إيران إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، بموجب قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛
- العمل من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة على إنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية بهدف ملاحقة أولئك الأكثر تورطًا في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إيران؛
- إجراء تحقيقات جنائية مُنسَّقة على المستوى الوطني، استنادًا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية أو غيرها من أشكال الولاية القضائية خارج الحدود الوطنية، بحق المسؤولين الإيرانيين الذين يُزعم أنهم مسؤولون عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم أخرى يشملها القانون الدولي، بما في ذلك المسؤولون الذين وردت أسماؤهم في تقرير منظمة العفو الدولية.
كيف يمكنكم المساعدة؟
يستحق الناجون وأهالي الضحايا الذين سقطوا في عمليات القتل الجماعي المتكررة في إيران أن يشهدوا تحقيق العدالة. ولا يزال الإفلات من العقاب عن هذه الجرائم يُشجع السلطات الإيرانية على ارتكاب مزيد من الفظائع ضد الإيرانيين.
تجمع منظمة العفو الدولية توقيعات على عريضة تُطالب بإنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية بشأن الجرائم ضد الإنسانية في إيران. ويُمكننا، بتضافر جهودنا معًا، أن نجعل هذا المطلب مطروحًا بقوة في شتى أنحاء العالم، بحيث لا يستطيع المجتمع الدولي أن يتجاهله.
وقّعوا على العريضة
انضموا إلى دعوتنا الموجّهة إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من أجل إنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية بهدف ملاحقة الأشخاص المتورطين في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إيران.


