إيران: مهندسو الجرائم ضد الإنسانية لقمع الاحتجاجات يجب أن يواجهوا العدالة الدولية لردع ارتكاب مزيد من المجازر

  • تقرير جديد يتوصل إلى أن السلطات الإيرانية ارتكبت جرائم ضد الإنسانية خلال قمعها الدموي لانتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” في عام 2022
  • تحقيق مُستفيض يكشف التسلسل القيادي المسؤول عن تنفيذ سياسة الدولة المُتمثِّلة في استخدام القوة المُميتة لسحق الاحتجاجات، ويُحدد أسماء 87 مسؤولًا ينبغي التحقيق معهم بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية
  • السلطات الإيرانية استهدفت بشكل غير متناسب مجتمعيّ الأكراد والبلوش بالقمع الدموي، وارتكبت بحقهما جريمة الاضطهاد، وهي جريمة ضد الإنسانية
  • يتعيَّن على الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تُنشئ آلية دولية للعدالة الجنائية تتولى معالجة الإفلات من العقاب عن عمليات القتل الجماعي للمحتجين، والتي تكررت مرارًا، وبلغت ذروتها في مجازر المحتجين في يناير/كانون الثاني 2026
  • يصدر التقرير في وقت يشهد استمرار الأعمال القتالية المُسلحة منذ الهجمات غير المشروعة التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يؤكد الحاجة إلى وقف إطلاق النار بشكل دائم والمساءلة على انتهاكات ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكات القانون الدولي الإنساني


في تقرير تاريخي جديد، بمناسبة ذكرى مرور أربع سنوات على بدء انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية”، حذَّرت منظمة العفو الدولية من أن المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية، التي ارتُكبت لسحق الاحتجاجات في عموم البلاد بوحشية في عام 2022، ما زالوا حتى الآن يُسيطرون على أجهزة الدولة القمعية الدموية في إيران.

صدر التقرير بعنوان مهندسو الفظائع: أجهزة الدولة التي نسَّقت ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية خلال انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” في إيران عام 2022، وهو يتكون من أكثر من 1,000 صفحة، ويوضِّح بالتفصيل كيف ارتكبت السلطات الإيرانية الجرائم ضد الإنسانية المُتمثِّلة في القتل العمد، والتعذيب، والإخفاء القسري، والسجن، والاغتصاب، والاضطهاد على أساس سياسي، أو إثني، أو ديني، أو على أساس النوع الاجتماعي، من أجل سحق الانتفاضة. كما يوثِّق التقرير عمليات القمع الدموي للاحتجاجات، والهياكل القيادية الضالعة فيها، ويُحدِّد أسماء 87 مسؤولًا ينبغي إخضاعهم للتحقيق الجنائي بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وتدعو منظمة العفو الدولية إلى إنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية على وجه السرعة بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك لضمان محاسبة السلطات الإيرانية المسؤولة عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وللحيلولة دون ارتكاب مزيد من الفظائع، من قبيل مجازر المحتجين التي ارتُكبت على نطاق واسع يومي 8-9 يناير/كانون الثاني 2026.

وفي ضوء الأعمال القتالية المستمرة، في أعقاب الهجمات غير المشروعة التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، تُجدِّد المنظمة أيضًا دعوتها إلى وقف إطلاق النار بشكل دائم، وإجراء تحقيقات مستقلة بشأن الهجمات التي شُنَّت خلال النزاع. وتدعو المنظمة الأمم المتحدة إلى معالجة قضية المساءلة عن انتهاكات ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك جرائم الحرب المُحتملة.

وقالت أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية: “إن الأدلة الوفيرة التي جمعتها المنظمة وحللتها في تقريرها لا تدع مجالًا للشك في أن السلطات الإيرانية ارتكبت جرائم ضد الإنسانية لسحق انتفاضة ‘المرأة، الحياة، الحرية’ في عام 2022. فقد شنَّت هجومًا مُمنهجًا وواسع النطاق ضد سكان مدنيين يُطالبون باحترام الكرامة وحقوق الإنسان، وبإجراء تغيير سياسي جوهري، وكان ذلك تنفيذًا لسياسة الدولة المُتمثِّلة في استخدام القوة المُميتة للقضاء على المعارضة”.

يكشف تقريرنا كيف تستمر الجرائم ضد الإنسانية في إيران من خلال بنية الإفلات من العقاب، المتأصلة في الأُطر الدستورية، والتشريعية، والسياسية، والقضائية في البلاد.

أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية

“يكشف تقريرنا أيضًا كيف تستمر الجرائم ضد الإنسانية في إيران من خلال بنية الإفلات من العقاب، المتأصلة في الأُطر الدستورية، والتشريعية، والسياسية، والقضائية في البلاد. وكانت النتيجة المُروِّعة لذلك هي تصاعد وتيرة عمليات القتل الجماعي خلال الاحتجاجات، والتي بلغت ذروتها في المجازر التي راح ضحيتها آلاف المحتجين في غضون 48 ساعة فقط، يومي 8-9 يناير/كانون الثاني 2026. لذا يجب على الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تضع حدًا لهذا التطبيع غير الأخلاقي لعمليات القتل الجماعية خلال الاحتجاجات في إيران، وأن تُنشئ آلية دولية للعدالة الجنائية، بهدف محاكمة أولئك الأكثر تورطًا في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية”.

“يصدر هذا التقرير في وقت يواجه فيه الناس في إيران أيضًا العواقب المُدمرة للهجمات غير المشروعة التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل. وتعارض منظمة العفو الدولية بشكل قاطع انتهاكات القانون الدولي من جانب جميع الأطراف، كما ترفض أي محاولات لاستخدام المعاناة التي يكابدها ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في إيران كوسيلةٍ لتبرير الهجمات غير المشروعة، التي تُلحق مزيدًا من الأذى بالمدنيين”.

“فعلى مدار سنوات، واجه الشعب الإيراني القمع الوحشي، والاضطهاد، والإفلات من العقاب، على أيدي سلطات بلاده. وفي الوقت الراهن، يتحمَّل الكثيرون أيضًا التكلفة البشرية للعمل العسكري غير المشروع الذي تقوم به الولايات المتحدة وإسرائيل. ويقتضي الرد القائم على المبادئ رفض الإفلات من العقاب على الجرائم ضد الإنسانية، ورفض الاستخدام غير المشروع للقوة، على حد سواء. ويجب على المجتمع الدولي أن يتبنى استراتيجيات دبلوماسية تُركِّز على عموم الناس، وتضع حماية المدنيين، ومنع الفظائع، وتحقيق العدالة والمساءلة في صدارة اهتماماتها. وبعد مرور أكثر من ستة أشهر على الغارات الجوية التي أسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين، وألحقت أضرارًا بالبيئة، وتسبَّبت في دمار كبير لمرافق البنية الأساسية المدنية، فإن ثمة حاجة ماسة إلى وقف إطلاق النار بشكل دائم، وإجراء تحقيقات مستقلة، واتخاذ إجراءات من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة لمعالجة قضية المساءلة عن انتهاكات ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكات القانون الدولي الإنساني وجرائم الحرب المُحتملة التي ارتكبتها جميع الأطراف في النزاع”.

يصدر تقرير منظمة العفو الدولية بعد أربع سنوات من الاحتجاجات التي عمَّت البلاد إثر وفاة جينا مهسا أميني أثناء احتجازها على أيدي شرطة “الآداب”، وهو يُوثِّق كيف حشدت السلطات الإيرانية قوات الأمن المُسلحة بأسلحة نارية عسكرية وبنادق خرطوش محشوَّة بكريات معدنية، وأصدرت أوامر سهَّلت أعمال القتل غير المشروع لمئات المحتجين والمارة، وبينهم عشرات الأطفال. كما تشمل الجرائم ضد الإنسانية عمليات الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة بحق آلاف الرجال والنساء والأطفال، بالإضافة إلى اضطهاد الأقارب المكلومين.

وإلى جانب التقرير، تُصدر منظمة العفو الدولية أيضًا وثيقة بعنوان: أرواح أُزهقت بوحشية: ضحايا الجرائم ضد الإنسانية خلال انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” في إيران عام 2022، وهي وثيقة تُسجل حالات وفاة 377 من المحتجين والمارة، وبينهم 56 طفلًا، وذلك استنادًا إلى المعلومات والأدلة التي جمعتها المنظمة في سياق تحقيقاتها بخصوص أنماط القتل على أيدي قوات الأمن في شتى أنحاء البلاد. وتتضمن الوثيقة صورًا للضحايا ولمواقع قبورهم حيثما توفرت.

وبالإضافة إلى دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية، بالنظر إلى الجمود السياسي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وفداحة الجرائم المُرتكبة ونطاقها، والمخاطر الكبيرة بتكرارها، فإن منظمة العفو الدولية تحثُّ الدول أيضًا على دعوة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى إحالة الوضع في إيران إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية. كما تحثُّ المنظمة سلطات النيابة في مختلف أنحاء العالم على البدء في إجراء تحقيقات، بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية أو أي أشكال أخرى من الولاية القضائية خارج الحدود الوطنية، بحق المسؤولين الإيرانيين الذين يُزعم أنهم مسؤولون عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بمن في ذلك المسؤولون الذين وردت أسماؤهم في هذا التقرير، وإصدار مذكرات اعتقال، حيثما تتوفر أدلة كافية.

وشملت البحوث، التي أجرتها منظمة العفو الدولية على مدى سنوات لإعداد هذا التقرير، مقابلاتٍ مع 270 شخصًا، بينهم محتجون، ومعتقلون سابقون، وأقارب لأشخاص قُتلوا أو اعتُقلوا، وشهود عيان، ومحامون، ومدافعون عن حقوق الإنسان، وصحفيون، وعاملون في المجال الطبي. كما حلَّلت المنظمة ما يزيد على 2,000 من مقاطع الفيديو وأدلة وثائقية وفيرة، من بينها تصريحات وبيانات رسمية، ووثائق رسمية مًسربة، وأوامر من النيابة، وأحكام صادرة عن محاكم، وسجلات للطب الشرعي.

وبعثت منظمة العفو الدولية برسائل إلى المرشد العام وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين، لعرض النتائج التي توصلت إليها وإخطارهم بأسماء المسؤولين الذين حُدِّدت أسماؤهم في التقرير، وعددهم 87 مسؤولًا. وبحلول وقت نشر التقرير، لم تكن المنظمة قد تلقت أي رد.

هجوم على مستوى البلاد ارتُكب تنفيذًا لسياسة الدولة

كشفت تحقيقات منظمة العفو الدولية في الجرائم ضد الإنسانية، التي ارتُكبت لسحق انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” في عام 2022، أن هناك جهازيْن أساسييْن من قوات الأمن، وهما الحرس الثوري الإيراني وقوات الشرطة “فراجا”، قادا عمليات التفريق الدموية للاحتجاجات، تنفيذًا لسياسة الدولة التي وضعها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ومجلس أمن الدولة، والمجالس الأمنية على مستوى المحافظات والمقاطعات.

ودأب عناصر قوات الشرطة والحرس الثوري مرارًا على إطلاق النار على حشود، باستخدام بنادق هجومية عسكرية، ومسدسات، وبنادق خرطوش محشوَّة بكريات معدنية. وبالإضافة إلى إطلاق النار على الحشود، كان عناصر الأمن يُطاردون المحتجين والمارة، ويُحكمون الخناق على الضحايا العُزل، الذين لم يشكلوا خطرًا على قوات الأمن أو على غيرهم، ثم يقتلونهم بإطلاق النار عليهم من مسافة قريبة.

ومن بين فروع قوات الشرطة المشاركة، الشرطة الوقائية، ووحدات المساندة، والوحدات الخاصة. ومن بين أفرع الحرس الثوري المشاركة، أقسام العمليات، والوحدات الأمنية على مستوى المحافظات، بالإضافة إلى العديد من كتائب الباسيج، مثل كتائب الإمام علي وكتائب بيت المقدس. وكانت أفرع الحرس الثوري تعمل تحت قيادة الفيالق الإقليمية المعنية لقوات الحرس الثوري، التي يخضع كل منها بدوره لإشراف المقر الإقليمي لقوات الحرس الثوري.

وتكشف التصريحات والبيانات الرسمية، والوثائق المُسربة، والتي حُلِّلت في سياق التقرير، سياسة الدولة كما تنعكس في الاجتماعات الاستراتيجية، والأوامر المُلزمة، وخطط الانتشار، وتخصيص الأموال والأسلحة، والتعليمات بالرد “بشكل حازم وشديد”. وتُبين وثيقة مُسربة صدور أمر إلى القوات يدعوها إلى “الرد بلا رحمة، حتى لو أدى الأمر إلى القتل”.

وكثيرًا ما وصف الشهود منظر الشوارع التي بدت وكأنها ساحات معارك، نظرًا لإطلاق النار المتواصل من جانب قوات الأمن. ففي مقابلة مع منظمة العفو الدولية، قالت مهشيد، وهي إحدى المحتجات في مدينة مهاباد في محافظة أذربيجان الغربية: “لم يسبق أن رأيتُ مثل هذه المشاهد مُطلقًا… كان الوضع مُخيفًا للغاية، ويُشبه منطقة حرب. ظلَّ عناصر قوات الأمن يُطلقون النار”.

وقُتل معظم الأشخاص، البالغ عددهم 377 من المحتجين والمارة، والذين سجَّلت منظمة العفو الدولية ملابسات وفاتهم، على أيدي قوات الأمن خلال عمليات تفريق الاحتجاجات، خلال الفترة من سبتمبر/أيلول إلى ديسمبر/كانون الأول 2022. وتُوفي آخرون أثناء احتجازهم، أو بعد الإفراج عنهم، أو في ملابسات مُريبة تُشير إلى مسؤولية الدولة عن الوفاة.

وتماشيًا مع أنماطٍ راسخةٍ منذ أمد طويل تتمثَّل في الإنكار والتستُّر، اعترفت السلطات بوقوع 202 حالة وفاة فقط، وادعت زورًا أن معظم حالات الوفاة وقعت على أيدي جهات فاعلة غير تابعة للدولة، أو “مثيري الشغب”، أو “إرهابيين مسلحين”، بالرغم من وجود أدلة دامغة تُثبت عكس ذلك. وبدلًا من العمل على وقف الجرائم مع تزايد ظهور الأدلة، دأب كبار المسؤولين على الإشادة بقوات الأمن، وأصدروا تعليمات بمواصلة العمليات.

تحديد 87 مسؤولًا ينبغي إخضاعهم للتحقيق الجنائي

استنادًا إلى توثيق مُفصل لقوات الأمن المشاركة، وتحليل عميق لهياكل قيادتها، حدَّدت منظمة العفو الدولية أسماء 87 مسؤولًا إيرانيًا ينبغي التحقيق معهم جنائيًا بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وتمتد هذه القائمة، بالرغم من أنها ليست حصرية، من أعلى مستويات الجهاز الأمني في إيران إلى مسؤولين يعملون على مستوى المحافظات والمقاطعات.

وتشمل قائمة المسؤولين، البالغ عددهم 87 شخصًا، 62 من قادة قوات الأمن – وبينهم 33 من قادة الحرس الثوري، و27 من قادة قوات الشرطة (فراجا) – بالإضافة إلى 25 من مسؤولي وزارة الداخلية، وبينهم محافظون وحكام مقاطعات. ومن بين هؤلاء 10 مسؤولين على المستوى الوطني، و77 مسؤولًا على مستوى الأقاليم والمحافظات والمقاطعات، يتولون مسؤوليات تخصُّ 17 مقاطعة في محافظات كردستان، وكرمانشاه، وأذربيجان الغربية، التي أجرت فيها منظمة العفو الدولية تحقيقات مُستفيضة.

ومن بين الذين حُددت أسماؤهم المرشد الأعلى والقائد العام لجميع القوات المسلحة الراحل على خامنئي؛ ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية الراحل محمد باقري؛ وقد قُتل الاثنان في فبراير/شباط 2026 في غارات جوية شُنَّت خلال الهجمات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كما أوردت منظمة العفو الدولية اسم وزير الداخلية آنذاك، أحمد وحيدي، والذي أصبح يتولى منذ ذلك الحين منصب القائد العام لقوات الحرس الثوري الإيراني؛ واسم نائب وزير الداخلية لشؤون الشرطة والأمن آنذاك، مجيد مير أحمدي. 

وقالت أنياس كالامار: “يكشف هذا التحقيق عن مستويات القيادة والتنسيق الكامنة وراء حملات القمع الدموي التي شنَّتها السلطات الإيرانية ضد المحتجين. لقد كان عناصر الأمن في الشوارع يعملون ضمن تسلسل قيادي هرمي يربطهم بمسؤولين أصدروا تعليمات بارتكاب الجرائم على نطاق واسع، ومكّنوها وسهّلوا ارتكابها، وقدّموا الدعم لها”.

“ولا يزال هؤلاء المسؤولون الذين وردت أسماؤهم بمنأى عن يد العدالة في إيران. ولا يزال معظمهم في مناصب تُتيح لهم تنفيذ مزيد من حملات القمع الدموي، بل وصعد بعضهم إلى مراتب أعلى في التسلسل القيادي عقب الجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت عام 2022. وهكذا كانت التكلفة لاستمرار الإفلات من العقاب مُدمرة. وقد آن الأوان لإنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية خاصة بإيران قبل ارتكاب مجزرة أخرى بحق المحتجين”.  

خسائر فادحة في أوساط الأكراد والبلوش

تكبَّد المحتجون من مجتمعيّ الأكراد والبلوش، المُضطهديْن في إيران، نصيبًا مروِّعًا من القمع الدموي، حيث شكَّلوا 62% من مجموع عدد الضحايا المُسجَّلين، في حين أن البلوش يُشكلون حوالي 5% من مجموع السكان في البلاد، بينما تتراوح نسبة الأكراد ما بين 10-15% من السكان.

وسجَّلت منظمة العفو الدولية مصرع 106 أشخاص من المحتجين والمارة البلوش، وبينهم 20 طفلًا، في عمليات القتل غير المشروع على أيدي قوات الأمن في محافظة سيستان وبلوشستان (أي ما يُمثِّل 33% من مجموع الضحايا المُسجَّلين). ففي يوم 30 سبتمبر/أيلول 2022 وحده، قُتل 87 شخصًا بشكل غير مشروع، عندما فتحت قوات الأمن النار عقب صلاة الجمعة في مدينة زاهدان، في حملة قمعية أصبحت تُعرف على نطاق واسع باسم “الجمعة الدامية”.

كما وثَّقت المنظمة الملابسات المُحيطة بعمليات القتل غير المشروع التي راح ضحيتها 95 من المحتجين والمارة الأكراد، وبينهم 13 طفلًا، في سياق عمليات تفريق الاحتجاجات، أو في مناطق شهدت تواجدًا عسكريًا بالقرب من احتجاجات كانت مستمرةً أو وقعت قبل فترة وجيزة في 17 مقاطعة في محافظات كردستان، وكرمانشاه، وأذربيجان الغربية (وهم يُمثِّلون 29% من مجموع الضحايا المُسجَّلين). وقُتل معظم هؤلاء الضحايا بإطلاق النار عليهم؛ بينما لقي آخرون مصرعهم من جراء الضرب حتى الموت، أو الإصابة بعبوات الغاز المُسيل للدموع، أو الدهس المتعمَّد بمركبات قوات الأمن.

وقالت إيمان، وهي شاهدة عيان من سنندج في محافظة كردستان: “كان عناصر [قوات الأمن] يُطلقون النار على أي شخص في مرمى بصرهم، ولا يكترثون إن كانوا نساءً، أو أطفالًا، أو مارّة، أو محتجين”.

وتوصلت منظمة العفو الدولية إلى أن قوات الأمن في محافظات كرمانشاه، وكردستان، وأذربيجان الغربية دأبت على استخدام بنادق قنص عسكرية، وبنادق هجومية، ورشاشات خفيفة، ومدافع رشاشة ثقيلة مُثبَّتة على شاحناتٍ صغيرة.

وخلصت المنظمة إلى أن أعمال القتل والتعذيب ارتُكبت بحق المحتجين من الأكراد والبلوش بقصد ينطوي على التمييز، استنادًا لأسباب سياسية وإثنية، وأن أركان الجريمة ضد الإنسانية المُتمثِّلة في الاضطهاد متوفرةٌ بالنسبة لهذه الجماعات المُستهدفة.  

الإفلات المتعمد من العقاب

في إيران، يُعتبر الإفلات من العقاب عن الجرائم التي يشملها القانون الدولي وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أمرًا مُمنهجًا ومُتعمدًا.

فالدستور الإيراني يضع النظام القضائي تحت السيطرة المباشرة للمرشد الأعلى، الذي لا يقتصر دوره على أنه القائد الأعلى لقوات الأمن، بل يتولى أيضًا تعيين رئيس السلطة القضائية، الذي يتولى بدوره تعيين القضاة ووكلاء النيابة. وتتولى مكاتب النيابة العسكرية والمحاكم العسكرية النظر في القضايا التي تنطوي على انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ارتكبها عناصر من قوات الأمن، وقد يكون القضاة ووكلاء النيابة أنفسهم من المنتمين إلى قوات الأمن، كما أنهم عادةً ما يعتمدون على أقوال الأجهزة الأمنية نفسها الضالعة في الجرائم.

وينصُّ القانون الإيراني بشأن استخدام الأسلحة النارية من جانب القوات المسلحة في الحالات الضرورية على جواز استخدام الأسلحة النارية لتفريق الاحتجاجات، في تجاهل صارخ لأحكام القانون الدولي، الذي لا يُجيز استخدام الأسلحة النارية إلا كملاذ أخير لمواجهة تهديد وشيك بالموت أو الإصابة الخطيرة. كما ينصُّ القانون على إعفاء العناصر التابعة للدولة من المسؤولية المدنية والجنائية.

وقالت أنياس كالامار: “ظلّ الناجون وعائلات الضحايا في إيران عالقين في نظام تسيطر فيه السلطات التي تلطخت أيديها بالدماء على المؤسسات ذاتها التي يُفترض أن تحقق العدالة. وتتعرض العائلات التي تسعى إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة للاضطهاد”.

من الواضح أن توجيه دعوات المساءلة إلى السلطات القضائية الإيرانية، المتواطئة في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، هو أمر لا يمتُّ للواقع بصلة. لذا يجب على المجتمع الدولي المُضي قُدمًا في مسارات دولية لتحقيق العدالة الآن.

أنياس كالامار

“ومن الواضح أن توجيه دعوات المساءلة إلى السلطات القضائية الإيرانية، المتواطئة في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، هو أمر لا يمتُّ للواقع بصلة. لذا يجب على المجتمع الدولي المُضي قُدمًا في مسارات دولية لتحقيق العدالة الآن. ويجب على الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تتصدى لأزمة الإفلات من العقاب، التي تُعرِّض الإيرانيين بشكلٍ متكررٍ ومتصاعدٍ لعمليات القتل الجماعي أثناء الاحتجاجات”.

خلفية

تُصدر منظمة العفو الدولية تقريرها بينما يواجه الإيرانيون خطر الجرائم التي يشملها القانون الدولي على جبهتين. فعلى الجبهة الأولى، يتعرَّض الناس لانتهاكات القانون الدولي الإنساني منذ أن شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات غير مشروعة على إيران، في انتهاك لميثاق الأمم المتحدة، في 28 فبراير/شباط 2026.

وعلى الجبهة الأخرى، فإنهم يواجهون خطر التعرُّض لمزيد من الجرائم ضد الإنسانية في سياق حملات قمع الاحتجاجات. واستخدمت السلطات الإيرانية ستار “ظروف الحرب” من أجل تكثيف القمع الداخلي، وزادت من إضفاء الطابع العسكري على الأماكن العامة، وهدَّدت علنًا بارتكاب عمليات قتل جماعية للمحتجين والمعارضين، وصعَّدت من عمليات الإعدام التعسفي بدوافع سياسية.

وتشهد إيران موجات متتالية من الاحتجاجات المناهضة للنظام منذ ديسمبر/كانون الأول 2017، حيث تظاهر المحتجون مرارًا في الشوارع، مُطالبين باحترام حقوق الإنسان، والكرامة، والحرية، وبإنهاء نظام الجمهورية الإسلامية، والانتقال إلى نظام حكم جديد يحترم الحقوق. وتكشف الأبحاث المُستفيضة التي أجرتها منظمة العفو الدولية بشأن رد السلطات على الموجات المتتالية من الاحتجاجات، في الفترة من ديسمبر/كانون الأول 2017 إلى يناير/كانون الثاني 2018، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وفي الفترة من سبتمبر/أيلول إلى ديسمبر/كانون الأول 2022، وفي يناير/كانون الثاني 2026، عن نمط متكرر من أعمال القتل الجماعي غير المشروع، وعمليات التعذيب، والإخفاء القسري وغيرها من الجرائم التي يشملها القانون الدولي.