كشف النقاب عن انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا: أسئلة وأجوبة مع الدكتورة آنا نيستات

التقى موقع "سيريا ديبلي" Syria Deeply مع الدكتورة آنا نيستات وتحدث معها عن عملها السري من أجل حقوق الإنسان في سوريا على مدار السنوات الأربع الماضية، وأفكارها حول مستقبل النزاع.

 شبّت آنا نيستات في موسكو في ثمانينيات القرن الماضي، وتربت على أيدي والدين وصفتهما بأنهما "منشقان هادئان"، ووعت آنا يستات في سن مبكرة الأخطار التي تشكلها الدول الاستبدادية. نشأتها، ودراستها وممارستها القانون لاحقاً، أقنعتها بأن التغيير ممكن، بغض النظر عن الظروف، وأنه أمر يمكن أن تكون جزءاً منه.

 وكجزء من "فريق الطوارئ" في هيومن رايتس ووتش، أمضت الدكتورة نستات ثلاث سنوات في العمل على الأرض في سوريا، ذهبت في زيارات رسمية في البداية، وفي وقت لاحق، عبرت الحدود في رحلات سرية خطيرة وغير رسمية.

 وجرى توثيق رحلات الفريق عبر الحدود، وعمله الميداني ومحاولاته الكشف عن تفاصيل عيانية في خضم الفوضى من قبل مجموعة من المخرجين الذين قاموا، في العام الماضي، بنشر عملهم من خلال الفيلم الحائز على جائزة الفيلم الوثائقي والذي يحمل اسم "فريق الطوارئ" E-TEAM.

وحصل الفيلم الوثائقي على سيل من تنويهات النقاد في "مهرجان صندانس السينمائي" Sundance Film Festival في عام 2014، وخطف بسرعة من قبل عملاق الانترنت "نيتفليكس"، ولكن شارة النهاية تذكر المشاهدين على نحو تقشعر له الأبدان بالمخاطر التي انطوى إنجاز هذا العمل: فجيمس فولي، الذي عمل كأحد المصورين في الفيلم، اختفى بعد وقت قصير من انتهاء الفريق من التصوير. اختطف فولي، الذي كان يعمل كصحفي مستقل في المقام الأول لوكالة فرانس برس و"غلوبال بوست"، في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، من قبل مجموعة كانت في البداية غير واضحة الهوية، – إلى أن ظهر الفيديو المشؤوم في 19 أغسطس/آب 2014 ليعرض على الملأ ذبح أول مواطن أمريكي على يد  التنظيم الذي يطلق على نفسه اسم"الدولة الإسلامية".

وإثر انضمامها مؤخراً إلى منظمة العفو الدولية، بصفتها المديرة الجديدة المسؤولة عن الأبحاث، التقت الدكتورة نيستات مع "سيريا ديبلي" لمناقشة عملها السري في مجال حقوق الإنسان في سوريا خلال السنوات الأربع الماضية، ومراحل الصراع المختلفة، وتركيز الغرب المفرط حالياً على تنظيم "الدولة الإسلامية" ومستقبل الأزمة كما تراه.

 

"سيريا ديبلي": ما هي الفكرة من وراء فريق طوارئ هيومن رايتس وتتش؟ 

الدكتورة آنا نيستات: حسناً، كما تعلمون، أنا الآن اعمل في منظمة العفو الدولية، وقد انتهينا لتونا من تشكيل فريق مماثل يدعى "فريق مواجهة الأزمات"، والفكرة من وراء كل من الفريقين هو اتباع نهج مختلف قليلاً عن العمل التقليدي في مجال حقوق الإنسان. كنا نستغرق شهوراً وشهوراً لإجراء تحقيق مطول، ومن ثم معالجته ونشره، وأخيراً توجيه المناشدات. هذا النهج الجديد مفيد عندما تحاول القيام بعمل حقوق الإنسان في الوقت الحقيقي- وينطبق أساساً على حالات النزاع المسلح، وإن لم يكن بالضرورة.

حالياً، كلا الفريقين - في هيومان رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية - يركزان كثيراً على أزمة اللاجئين، التي تختلف قليلاً، لكنها مع ذلك تتطلب نوعاً سريعاً جداً من المواجهة. ولا يزال عملنا ينطوي على جميع العناصر التقليدية للعمل في مجال حقوق الإنسان. ما زلنا نجري التقصيات، ونسأل الشهود، ونستخدم تقانة الأقمار الصناعية، ونستخدم وسائل أخرى لجمع الأدلة، ولكن كل ذلك يحدث بشكل سريع جداً؛ والأهم من ذلك، نقوم بنشر هذه المعلومات تقريباً في وقت حصولنا عليها باستخدام وسائل الإعلام الاجتماعي، وذلك بإنتاج الفيديو في موقع الحدث – وباستخدام الكثير من الوسائط المتعددة – كما نقوم بالعمل الدعوي على الفور، وهذا يعني أننا نقوم برفع الهاتف ونتصل بالسفارة أو وكالة الأمم المتحدة المعنية في محاولة لحفز التغيير، سواء كان ذلك بتقديم الجناة إلى العدالة أو لفت انتباه الهيئات القضائية المعنية أو حماية الضحايا بإبعادهم عن طريق الأذى. من المفهوم أن كل حالة ربما تكون مختلفة جداً - ولكنها محاولة لإخراج الناس من الأوضاع التي تهدد حياتهم وحريتهم. لذا، فهي في بعض النواحي مكملة لعمل حقوق الإنسان التقليدي الذي تواصل المنظمتان القيام به، لكنني أعتقد أنه غير قواعد لعبة حقوق الإنسان قليلاً، ومن المثير جداً أن أكون جزءاً من هذه العملية.

 

سيريا ديبلي: هل تشعرين بأن هذا الايقاع السريع من العمل على أرض الواقع في مجال حقوق الإنسان هو أكثر فعالية في إحداث التغيير الحقيقي على أرض الواقع؟

الدكتورة نيستات: في بعض الحالات، ولكن ذلك يعتمد على المشكلة التي نعمل عليها. يعني إذا كنت تعمل بشأن قضية تتعلق بمسؤولية الشركات ضد مسؤولية شركة شل عن التلوث في نيجيريا، فهي ليست شيئاً يمكن تحقيقه في غضون ساعات أو أيام. وهو ما يعني عادة تحقيقات مطولة ومفصلة جداً مع وجود العديد من الأطراف المعنية والكثير من التحليل - وهذا هو الشيء الذي يستغرق شهوراً. إذا كنت تناضل ضد احتجاز الأحداث دونما إمكانية لإفراج مشروط عنهم في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، فمثل هذا الأمر قد يستغرق سنوات وسنوات لإنجازه. لذلك أعتقد أن هناك مجالاً لكلاهما على حد سواء، وهذا حقاً يتوقف على الوضع، ولكن إذا كنت تعمل وأنت تعلم أن اللاجئين هم على وشك أن يرسلوا إلى البلدان التي كانوا يفرون منها وكنت واقفاً هناك على الحدود في محاولة لمنع ذلك، لن تكون لديك رفاهية الوقت. ينبغي عليك توثيق ما يحدث وتحليله من منظور قانوني، ووضع أسس قانونية صحيحة وإطلاق المناشدة ،كل ذلك في الوقت نفسه. لذلك هناك حالات يكون فيها هذا النوع من العمل هو الى حد كبير الشيء الوحيد الذي يمكن أن يساعدك على حماية الأشخاص الذين يتعين حمايتهم.

 

سيريا ديبلي: بالتأكيد. الآن أود الانتقال أكثر إلى العمل الذي قمت به في سوريا. هل لك أن تخبيرنا بإيجاز عن عملك كمدير مشارك للبرامج وحالات الطوارئ في هيومن رايتس ووتش؟

الدكتورة نيستات: بدأت العمل في سوريا في الوقت الذي كان عدد قليل جداً من العاملين في مجال حقوق الإنسان يعملون هناك. وكان في بداية الانتفاضة، في ربيع عام 2011. وأتذكر، حتى نحن داخل المنظمة انتابتنا شكوك حول ما إذا كان الأمر يستحق استثمار الوقت والجهد، بالنظر إلى كل ما كان يحدث في العالم. لأنني لا أعتقد أن أحداً  كان يمكن أن يتوقع آنذاك أن يتحول الوضع إلى ما هو عليه الآن.

ذهبت لأول مرة هناك في أبريل/نيسان 2011 بعد التحركات الأولى، حيث بدأت الاحتجاجات في درعا، ولكنها انتشرت بالفعل إلى حمص ودمشق وبعض المناطق الأخرى. كانت رحلة غريبة. وكان بإمكاني الوصول إلى دمشق. والوصول إلى حمص. كان هناك سياح ينزلون في الفنادق نفسها مثلنا. وجنباً إلى جنب مع زميلي، ركزنا على الاستخدام المفرط للقوة من جانب قوات أمن الأسد أثناء الاحتجاجات، ولكن أيضاً على الاعتقالات والتعذيب. تمكنا من توثيق ونشر عدد غير قليل من الحالات من دوما خارج دمشق، حيث اعتقل أشخاص  وتعرضوا للتعذيب في أعقاب الاحتجاجات.

 كنا أيضاً قادرين على كشف المزيد حول ما يجري في درعا، على الرغم من عدم قدرتنا على الوصول إلى هناك. تمكنا من إحضار شهود من درعا إلى دمشق والحصول على شهاداتهم حول ما حدث خلال الاحتجاجات هناك. لذلك كان هذا بمثابة رحلة استطلاعية والمحور الأول لعملي. بقيت سورية المحور الرئيسي لعملي على مدى السنوات الثلاث التالية.

قمنا بعدة رحلات الى الحدود - كان هناك الكثير من الرحلات إلى الحدود - ولكن كان هناك وقت لم نتمكن فيه من الدخول لفترة من الوقت. لم نعرف الأمور اللوجستية والجوانب الأمنية. خلال هذا الوقت، بدأ اللاجئون يتدفقون على الحدود، لذلك ذهبنا إلى تركيا والأردن. هناك ركزنا على المنشقين من الجيش، في محاولة للتعرف عليهم - وهذا كان عندما بدأ الصراع يسخن وكانت هناك علامات على تشكل "الجيش السوري الحر"، وقررنا أننا بحاجة إلى تتبع خطى الجناة. كان عملاً رائعاً – وأحد الأنشطة التي ما زلت فخور جداً بها، وآمل أن تصل نتائجه، عاجلا أو آجلا، إلى المحكمة الصحيحة.

 لغايات هذا المشروع، أجرينا مقابلات مع المنشقين من الجيش في تركيا، ومعظمهم كانوا قد فروا إلى الأردن. كان هناك مخيم خاص للمنشقين العسكريين في الأردن، وقابلنا الكثير منهم - ووثقنا شهاداتهم - وتمكنا في النهاية من التعرف تحديداً على القادة العسكريين المسؤولين عن الانتهاكات التي وثقناها في وقت سابق. على سبيل المثال، حددنا القادة الذين أعطوا أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، والقادة الذين يديرون مرافق الاحتجاز حيث يجري التعذيب وغيره من الانتهاكات، وكنا قادرين على تسمية العشرات والعشرات منهم. انتهى بهم المطاف على قائمة العقوبات التي جمعها الاتحاد الأوروبي، وكلي أمل في أن لا يذهب هذا النوع من العمل هباءً، بالرغم من أنه يحتاج إلى بعض الوقت. ولكن استناداً إلى ما حدث في يوغوسلافيا ... يبدو الآن أن العدالة بالفعل تصل إلى الجناة عاجلاً أو آجلاً. لذلك، كما تعلمون، نخبئ هذا الملف قريباً من قلوبنا وفي مكان آمن.

 

سيريا ديبلي: إذاً أنت واثقة أن بعض الأفراد الذين تمكنتم من تحديدهم ستتم محاكمتهم في مرحلة ما في المستقبل؟

الدكتورة نيستات: حسناً، بعضهم لقي حتفه. عند نقطة ما، صاروا يقتلون بمعدل ينذر بالخطر. لذلك بدأنا نقلق من أنه لن يبقى هناك أحد لمحاكمته. ولكن البعض منهم لا يزال على قيد الحياة. اثبتنا في وقت مبكر جداً على أن المسؤولية ترتقي إلى أعلى المستويات الحكومية، بما في ذلك الرئيس وشقيقه وآخرون في عائلته، الذين كانوا مسؤولين عن مختلف فروع المخابرات  والجيش. لذلك، كلمة ثقة ربما كانت كلمة قوية، ولكن أملي قوي بما يكفي بأني لن أتخلى عن هذا العمل، دعونا نضع الأمر بهذه الطريقة.

لكن أنظر إلى رواندا - مرت عشرات السنين وكل حين وأخر كان هناك ضوء في نهاية النفق عندما يجلب اثنان من الجنرالات أو نحو ذلك إلى العدالة. لو كنت مكان القيادة السورية، لن أنام ملئ جفوني مرة أخرى لأنني أعتقد أنه عاجلاً أو آجلاً، فإن العدالة سوف تطالها، بغض النظر عن مقدار الاعتماد على مؤيديها الروس، أو الإيرانيين أو أي شخص آخر.

 كما واصلنا عملية التوثيق في لبنان، حيث قمنا بأبحاث موسعة عن الوضع في حمص، ولكن، كما تعلمون، كل ذلك كان يجري القيام به بالإضافة إلى سعينا المتواصل لمعرفة وسيلة للعودة إلى سوريا. وكان من الواضح أننا لن نكون قادرين على الدخول رسمياً، لذلك كان الوضع السري أكثر صعوبة بكثير.

 مرة أخرى، وهي المرة الأولى التي ذهبنا فيها عبر الحدود، بشكل غير رسمي، وكانت قبل بدء التدفق الرئيسي للصحفيين نحو سوريا، في مايو/أيار 2012، على ما أعتقد. دخلنا عبر تركيا. تستطيع أن تشاهد المرة الأولى التي تسللت فيها عبر الحدود في الفيلم الوثائقي "فريق الطوارئ"- في المشاهد التي نظهر فيها عندما كنا نزحف تحت الأسلاك الشائكة عند الفجر. ولم نعرف حقاً حتى اللحظة الأخيرة ما إذا كنا سنحصل على تصريح أمني من زملائنا في نيويورك، وإذا ماكنا سنتمكن من وضعه موضع التنفيذ... إذ كان الوضع صعباً جداً.

 وكما تعلمون، ليس من المعتاد لمنظمات حقوق الإنسان أن تفعل شيئاً من هذا القبيل - لا يعني أننا فخورون بشكل خاص، ولكن كما تعلمون، نحن نحاول عدم كسر القانون أو الإقدام على شيء محفوف بالمخاطر دون وضع خطة جيدة في الاعتبار. كان هناك عدد قليل جداً من الناس يفعل ذلك في ذلك الوقت.

أتذكر هذه الرحلة بشكل جيد للغاية - ومع كل المجازفة والخطر والمآسي، كانت هناك أيضاً بعض اللحظات التي كانت مضحكة تقريباً لأن مهربينا كانوا غير محترفين أبداً. السيارة كانت تتعطل، الهواتف كانت تتوقف عن العمل، بينما كنا نعبر الحدود - كل ما يمكن أن يقع من أخطاء حدث. ولكنها كانت مخاطرة مجزية تماماً لأنها كانت في الوقت عينه عندما كان يحاول كوفي عنان التفاوض على نوع من الصفقة وكان من المهم جداً بالنسبة لنا إظهار ما حاولت الحكومة السورية أن تفعله في الأسبوعين اللذين سبقا المفاوضات. إذ استغلت هذا الهدوء النسبي لشن هجوم كبير في منطقة إدلب. لذلك عملنا في خمس مدن مختلفة، ووثقنا الاعتداءات وعمليات القتل والإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب والاختفاء ... وكان هذا يظهر حقاً مدى السخرية والوحشية في تصرفات النظام في ذلك الوقت.

أذكِّر الزملاء دائماً بهذه المرحلة من الزمن. الآن كل ما نتحدث عنه هو مخاطر "الدولة الإسلامية" والجماعات المتطرفة الأخرى، ولكن الناس يميلون إلى نسيان أنهم ببساطة لم يكونوا هناك في ذلك الوقت. هذه المجموعات هي إلى حد كبير من صنع المجتمع الدولي وعدم قدرة المعارضة المعتدلة و"الجيش السوري الحر" على تلقي الدعم من الغرب ... أو من أي مكان آخر. مع كل رحلة، كنا نبحث في ما إذا كانت الجماعات الإسلامية المتطرفة تشكل خطراً حقيقياً، وأساساً، لم يكونوا كذلك. في ذلك الوقت، كما تعلمون، كان هناك بعض الأحاديث عن أعداد صغيرة منها في الجبال، لكنها لا تشكل خطراً حقيقياً على أي شخص. كان هذا في 2012. وعدنا في أغسطس/آب 2012 - الكثير من الأحداث التي صورت في الفيلم حدثت خلال هذه الرحلة - ومرة أخرى، يمكنك أن ترى أننا كنا قادرين على العمل بسهولة نسبية. السيطرة على المناطق الحدودية كانت من قبل "الجيش السوري الحر". واجهنا بعض الشيوخ المتطرفين (قادة اجتماعيين إسلاميين) في بعض المناطق، ولكنهم لم يشكلوا تهديداً جدياً. هذه الجماعات المتطرفة لم تكن تملك أي قوة كبيرة على الإطلاق. ولكن بعد ذلك، عندما عدنا في عام 2013، شاهدنا بالفعل صورة مختلفة جداً.

 

سيريا ديبلي: أجل، هذه نقطة أردت أن أتطرق لها. في أي مرحلة شاهدت بدايات تغير النزاع إلى ما هو عليه اليوم؟ 

الدكتورة نيستات: أستطيع أن أقول لكم متى بالضبط. كان هذا أثناء الرحلة التي قمنا بها في أبريل/نيسان 2013. وبحلول ذلك الوقت، كان المشهد مختلف جداً بالفعل في حلب. الجزء غير الخاضع للسيطرة الحكومية في المدينة كان مقسماً في الأساس بين قوى المعارضة التابعة "للجيش السوري الحر" وأساساً بدايات ما هو اليوم "الدولة الإسلامية" - حينها كان معظمهم أعضاء في "جبهة النصرة". كانت هناك أنظمة موازية للعدالة. كان لكل منها محاكمها. وكان لكل منها نقاط التفتيش الخاصة بها. وكان التنقل من الصعوبة بمكان، وكان الجو مختلفاً جداً. يمكنك ملاحظة كيف كانت جميع النساء يرتدين الحجاب في مدينة مثل حلب، حيث لم يكن أمراً شائعاً من قبل. بدأ عدد أكبر من الرجال يطلقون اللحى وعدد أكبر يرتدون الملابس التقليدية. كان يمكن أن نرى كيف كان هناك نوع من التغيير ينتشر في الأنحاء .. ناهيك عن الخوف.

كان هذا هو الوقت الذي بدأنا نواجه فيه تعقيدات خطيرة في عملنا. بالرغم من أنه كان لدينا أوراق من "الجيش السوري الحر" ومجموعة متنوعة من الجماعات الأخرى. شعرنا أننا أكثر عرضة للخطر من ذي قبل. بعد ذلك، بوقت قصير، أصبح من المستحيل تقريباً الدخول إلى هذه المناطق بعد اختطاف عدد من الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني. بدأ العديد من المعابر [على طول الحدود] التي كانت متاحة سابقاً للصحفيين والمراقبين يقع تحت سيطرة "الدولة الإسلامية"، وهذا جعل عملنا صعباً للغاية.

بطبيعة الحال، واصلنا مراقبة الوضع وما زلنا نفعل حتى يومنا هذا، ولكن ليس لدينا النوع نفسه من الوجود أو سبل الوصول. كان فريق منظمة العفو الدولية في شمال سوريا قبل نحو شهر فقط، وعمل في المناطق الكردية، وقدم فعلاً للتو تقريراً جيداً عن الانتهاكات التي ترتكبها القوات الكردية.

 وستصدر منظمة العفو الدولية قريباً أيضاً تقريراً آخر حول حالات الاختفاء، وهذا شيء كان بطبيعة الحال على رأس جدول الأعمال منذ بداية النزاع. نحن نتحدث عن آلاف الأشخاص الذين اعتقلوا والآن لا أحد يعرف مكان وجودهم. البعض منهم شخصيات بارزة جداً. البعض الآخر من الرجال والنساء العاديين. ولكنني سعيدة لأننا سنضعه في تقرير، وكمسألة منفصلة على جدول أعمالنا، في نهاية المطاف.

لا يزال هناك الكثير مما يتعين القيام به، ولكن أصبح تحقيقه من الصعب دون إمكانية الدخول إلى المناطق. الآن بالطبع، ما صب الزيت على النار هو تورط الروس وهذا بوضوح مصدر قلق كبير. هيومن رايتس ووتش، بمن فيهم زوجي أولا، تتابع عن كثب زيادة استخدام الذخائر العنقودية لأن الروس يلقون القنابل العنقودية من الطائرات ولكن أيضاً يبدو أنها زادت من الاستخدام العام للذخائر العنقودية من خلال المدفعية - والتي تشكل بالطبع خطراً كبيراً على السكان المدنيين.

 

سيريا ديبلي: أين ترين اتجاه النزاع من هنا؟ وما هي أكبر مخاوفك؟

الدكتورة نيستات: بصراحة، أنا لا أرى أي نهاية في الأفق. وبطبيعة الحال، فإن السؤال هو ما إذا كانت ستغدو حرباً حقيقة بالوكالة بين روسيا والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة - أعتقد أن هذا ربما يكون مبالغاً فيه، ولكن بطبيعة الحال، لا يمكن استبعاده. أعتقد أن ما نراه هو، من جهة، أن الضربات الروسية تساعد على تقوية الحكومة، وهذا هو سبب وجودهم هناك، ولكن لا يبدو أن الحكومة تمكنت من كسب أراض من "الدولة الإسلامية". قلقي هو أن مشاركة روسيا سوف تزيد من إضعاف المعارضة المعتدلة، والتي هي بالطبع القوة المعقولة الوحيدة للتعامل معها في سوريا في هذه الأيام. أنا قلقة للغاية أن روسيا لا تستخدم نفوذها السياسي، والذي بالطبع يمكنها استخدامه، للتوسط في حل سياسي للصراع. بطبيعة الحال، لا أعتقد أن أحداً يقبل أي حل سياسي دون مساءلة القيادة الحالية، ولكن أعتقد أنه كان يمكن أن يكون أكثر فعالية من جانب روسيا وللرأي العام على المدى الطويل في المنطقة إسقاط دعمهم  للنظام الذي أثبت كونه مجرماً تماماً، والذي فقد جميع أشكال الدعم الأخرى إلا من عدد قليل من القوات المهمشة في المنطقة - مثل إيران وحزب الله - والتحول إلى إيجاد حل يتضمن القوى الأخرى التي يمكنها أن تنقذ سوريا كدولة وتنقلها إلى المرحلة المقبلة. ولكن هذا لا يبدو مدرجاً على جدول أعمال روسيا، وأنا لا أعرف ما إذا كان سوف يكون في أي وقت.

بالطبع، هناك مسألة سياسية أكبر بكثير هي ماذا يعني التورط في سوريا بالنسبة لروسيا نفسها. سواء أكانت ستصبح لروسيا أفغانستان جديدة، الأمر الذي سيؤدي في النهاية لأن يكون له تأثير مدمر على روسيا ويمكن أن تتغير اللعبة بأكملها. ولكن هنا، ما الذي نتحدث عنه، عشر سنوات من سفك الدماء المستمر في حالة المقارنة بأفغانستان؟ لذلك، هذا ليس سيناريو متفائلاً أيضاً.

لست متأكدة تماماً لماذا لم تكن ضربات التحالف على "الدولة الإسلامية" ناجحة جداً حتى الآن. أعني، جزء منه هو مجرد طبيعة هذا النوع من العمليات، ولكن جزء منه هو ربما أنهم بحاجة إلى رفع مستوى اللعب والجمع بين ذلك وبين الدعم الحقيقي، وليس الافتراضي، للمعارضة. أعتقد، وقد أظهرت آخر الكشوفات عن مستوى استثمار مثير للشفقة من قبل الولايات المتحدة في المعارضة، ومرة أخرى، لا أدري لماذا، فقد كان ذلك على جدول الأعمال لوقت طويل جداً. هذا ليس شيء جديد بالنسبة للولايات المتحدة، وليست هذه هي المرة الأولى التي تقوم بتسليح قوات المعارضة في بلد آخر. والروس يعرفون أيضاً كيف يفعلون ذلك - وأعتقد أن هذا هو الموضع الذي كان يجب أن يتعاونا فيه، لكني قد بدأت الآن بتجاوز نطاق صلاحياتي المتعلقة بحقوق الإنسان.

 

نشرت هذه المقالة بدعم من "فريق التأثير"، وهو مؤسسة تدعم صناعة الأفلام الوثائقية من خلال الاستثمارات والمنح لمراحل الإنتاج الأخيرة، وتنمية الجمهور. وقد كرست طوال شهر أكتوبر/تشرين الأول لنشر عمل "فريق الطوارئ". وبإمكانكم الدخول إلى مواقع الويب الخاصة بهم لقراءة مقابلات مع المحققين السابقين والمدراء المشاركين للانتاج، فضلاً عن غيرها من مواد النقاش.

 

نشرت هذه المقالة لأول مرة من قبل سيريا ديبلي.