هل كوبا جاهزة للخروج من العزلة؟

بقلم Robin Guittard, Caribbean Campaigner at Amnesty International

الصورة: EPA

بقلم روبن غويتارد، مسؤول حملات الكاريبي في منظمة العفو الدولية

شكلت مشاركة الرئيس الكوبي، راؤول كاسترو، رؤساء الأمريكيتين في القمة المنعقدة في بنما نهاية الأسبوع الفائت، مناسبة تاريخية لحكومة الجزيرة الكاريبية. وعلى الرغم من كل جروح الماضي واستمرار التوترات، فقد التقت جميع بلدان الشمال والجنوب الأمريكي حول مائدة واحدة للمرة الأولى.

ولفهم مغزى هذه اللحظة، من الأهمية بمكان إمعان النظر إلى الخلف وحساب ما حققته كوبا ودول الإقليم ككل من تقدم. ففي 1962، وخلال اجتماع في الأوروغواي، قررت "منظمة الدول الأمريكية"، التي عقدت قمة لها هذا الأسبوع، طرد كوبا من ناديها الإقليمي، عقب قيادة فيدل كاسترو ورفاقه ثورة للاستيلاء على السلطة في الجزيرة الكاريبية.

ووسط ذرى توترات الحرب الباردة، أعلنت "منظمة الدول الأفريقية" بصلافة عن المنطق الذي حكم قرارها العنجهي: " إن حكومة كوبا الحالية، التي عرّفت بنفسها رسمياً بأنها حكومة ماركسية- لينينية، لا تلبي مبادئ وأهداف نظام الدول الأمريكية".

وفي ذلك الوقت، كانت الطغم العسكرية تتوالد كالفطر في مختلف أرجاء القارة، وتجعل من الصعب التصديق بأن حقوق الإنسان والحريات والكرامة هي الدافع الحقيقي وراء القرار الإقليمي. فعلى مر العقود التي تلت، شهدت الأمريكيتان، بدءاً من جارتي كوبا الكاريبيتين، هايتي وجمهورية الدومينيكان، مروراً بأمريكا الوسطى، وانتهاء بالقرن الجنوبي، بعض أكثر الحكومات إثارة للرعب. ولكن طوال القسط الأكبر من هذه الحقبة، استمرت الإشارة إلى كوبا بصفتها المارق الوحيد.

 

 

وعلى الرغم من تاريخيتها، فإن رحلة الرئيس كاسترو الأخيرة إلى بنما قد شكلت فرصة لعدم التركيز على الماضي، وإنما للسؤال عما سيتبع ذلك بالنسبة للشعب الكوبي.
روبن غويتارد، مسؤول حملات الكاريبي في منظمة العفو الدولية

 

وعلى الرغم من تاريخيتها، فإن رحلة الرئيس كاسترو الأخيرة إلى بنما قد شكلت فرصة لعدم التركيز على الماضي، وإنما للسؤال عما سيتبع ذلك بالنسبة للشعب الكوبي.

ما الذي سيأتي به المستقبل؟ لربما كان هذا أحد الأسئلة التي ما انفك سيرو أليكسيس كاسانوفا بيريز يطرحها على نفسه من زنزانته في السجن، في إقليم فيلا كلارا، بوسط كوبا. وكانت منظمة العفو الدولية قد وصفته بأنه السجين الأخير في صف طويل من سجناء الرأي في الجزيرة، ممن اعتقلوا حصراً لممارستهم السلمية حقهم المشروع في حرية التعبير والتظاهر.

فكناشط منشق، قبض على سيرو في يونيو/حزيران وهو في طريقه إلى بيت والده للاحتفال بيوم الآباء. وكانت المحكمة قد وجدته في كانون أول الماضي مذنباً "بتعكير صفو النظام العام" وحكم عليه بالسجن لسنة واحدة. وكانت جريمته: عقد مظاهرة سلمية من رجل واحد ضد الحكومة الكوبية في شوارع بلدته، بلاسيتاس. وهو الآن يعد الأيام التي بقيت للإفراج عنه في يونيو/حزيران.

في كوبا اليوم، ما برح من شبه المستحيل لأي شخص أن يعبِّر بصورة سلمية عن أفكار مناهضة للحكومة الكوبية. فجميع وسائل الإعلام تخضع للسيطرة الصارمة من جانب الدولة، وكذلك النقابات. وعلى الرغم من الإفراج عن عشرات السجناء السياسيين، عقب ذلك، في وقت سابق من العام الحالي، إلا أن إجراءات القبض على المنشقين السياسيين وناشطي حقوق الإنسان لفترة قصيرة ومضايقتهم تظل واقعاً مثيراً للقلق على الجزيرة.

حيث تتخذ مضايقة المنشقين أحياناً شكل عمليات التعزير. وتتجسد هذه في مظاهرات تنسِّقها الحكومة، وتعقد في العادة أمام بيوت الخصوم السياسيين. وأثناء فعالية التعزير، يخضع الخصوم السياسيون وناشطو حقوق الإنسان للإهانات اللفظية والبدنية على أيدي مجموعات من الأشخاص تردد شعارات مؤيدة للحكومة.

 

في كوبا اليوم، ما برح من شبه المستحيل لأي شخص أن يعبِّر بصورة سلمية عن أفكار مناهضة للحكومة الكوبية
روبن غويتارد

إن على قادة "منظمة الدول الأمريكية" الضغط على كوبا كي تحسِّن من سجلها في مضمار حقوق الإنسان. ولا بد للحكومات في مختلف أرجاء الإقليم أن توصل الرسالة بأنه على الرغم من أن كوبا تعود بتؤدة إلى الحضن السياسي "لمنظمة الدول الأمريكية"، فإن من الضروري أن ترفد ذلك بالتقيد بنظام الدول الأمريكية لحقوق الإنسان.

فمن خلال هيئاته- أي اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان (اللجنة الأمريكية) والمحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان- شكَّل هذا النظام الإقليمي عنصراً حاسماً في رفد تدابير حماية حقوق الإنسان التي تكفلها الهيئات الوطنية في الأمريكيتين. وعلى مر السنين، وجد آلاف ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وعائلاتهم، في مختلف أرجاء القارة، أملهم الأخير في العدالة في هذه المحاكم الإقليمية بعد أن حرمتهم محاكم بلادهم منها.

كما يمكن للحكومة الكوبية أن تبعث، من خلال العمل وفق هذا النظام، برسالة إلى العالم بأنها ترحب الآن بالمساءلة والشفافية والمراقبة المستقلة. ولكن الرسالة التي ما انفكت تبعث بها مختلفة كثيراً. ففي الشهر الماضي، وعندما عقدت اللجنة الأمريكية جلسة استماع بشأن سجل كوبا لحقوق الإنسان، ظلت المقاعد المخصصة لوفد الحكومة الكوبية خالية، كما كان الحال في جلسات الاستماع السابقة.

وهذا الغياب المثير للريبة يحكي مجلدات عن عدم الرغبة المستمر لدى كوبا في أن تخضع للدرجة نفسها من التدقيق والتفحص، كما هو الحال بالنسبة لقريناتها من دول الأمريكيتين.

وبالنسبة لبلد يريد الدفاع عن سجله لحقوق الإنسان، يجب أن يخضع للمساءلة وفق النظام الأمريكي. والسبيل الجيد إلى إظهار هذا يبدأ بإخلاء سبيل سيرو ألكسيس كاسانوفا بيريز فوراً ودون قيد أو شرط، وضمان أن يكون آخر سجناء الرأي الكوبيين. فقد حان الوقت لضمان تمكين جميع الآراء، في نهاية المطاف، من أن تعبر عن نفسها سلمياً فوق الجزيرة.

نشر هذا المقال الافتتاحي أصلاً في مجلة نيوزويك الأمريكية