من رجل أعمال إلى "جاسوس": محنة مواطن إيراني كندي في سجن إفين بطهران

مادت الأرض تحت قدمي حميد القاسمي شال عندما قال له حارس السجن: "لقد تُوفي أخوك".وكان حميد القاسمي شال، وهو إيراني كندي ويشارك في ملكية شركة للحاسب الآلي، محتجزاً آنذاك في سجن إفين في العاصمة الإيرانية طهران منذ عام. كما كان شقيقه ألبورز القاسمي، وهو مهندس ميكانيكي سابق في الجيش الإيراني، محتجزاً في السجن نفسه.وكان الاثنان قد حُكم عليهما بالإعدام، حيث أُدينا في عام 2008 بتهم ملفقة، هي التجسس والتعاون مع منظمة "مجاهدي خلق إيران"، وهي منظمة سياسية حُظرت في عام 1981. واحتُجز الاثنان لعدة شهور في انتظار تنفيذ الحكم بإعدامهما.وبعد أن أبلغ الحارس حميد القاسمي بوفاة شقيقه، قال له: "عليك أن تتصل بأهلك لكي يحضروا ويتسلموا الجثة".ولا تزال هناك شكوك جدية تحيط بوفاة ألبورز القاسمي. فقد ادعت السلطات الإيرانية أنه كان يعاني من سرطان في المعدة قبل أشهر قليلة من وفاته. إلا إن الطبيب الشرعي الذي فحص الجثة أشار إلى وجود جرح كبير في رأسه.وبعد وفاة ألبورز، أمضى شقيقه حميد أربع سنوات أخرى في السجن، إلى أن أُفرج عنه أخيراً وتمكن من العودة إلى تورنتو بكندا، في سبتمبر/أيلول 2013.إلا إن آثار المحنة التي كابدها خلال تلك السنوات الخمس في السجن لا تزال ماثلةً أمام عينيه.ويقول حميد: "إنني أحمِّل السلطات الإيرانية المسؤولية عن وفاة أخي، وعن الشهور الأربعة والستين التي ضاعت من حياتي في السجن، وعن الآلام والمعاناة التي قاساها كل أفراد العائلة: زوجتي أنتونيلا، وأختي وأمي وأخي وزوجة أخي. لا عذر لها في ذلك"."قضية ملفَّقة"بدأت مأساة حميد في مايو/أيار 2008، عندما عاد من كندا إلى إيران إثر وفاة والده، لكي يمضي بعض الوقت مع والدته وأخيه ألبورز وغيرهما من الأهل. وكان حميد يعيش في تورنتو منذ أن غادر إيران في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979.ولم تكد تمضي سوى أيام قلائل بعد وصول حميد حتى داهم أفراد من الأمن الإيراني منزل الأسرة، وصادروا جوازات السفر الخاصة بأفراد الأسرة، وقبضوا على ألبورز، الذي كان مقيماً في إيران طوال الوقت.وعندما توجه حميد إلى مكتب المدعي العسكري لاسترداد جواز سفره والاستفسار عن أخيه، أُلقي القبض عليه واقتيد إلى مركز احتجاز تابع للجيش للتحقيق معه.ويشرح حميد ما حدث آنذاك قائلاً: "لم يخبروني بأن من حقي الاتصال بمحامٍ. كبلوا يدي وعصبوا عيني وأخذوني إلى زنزانة. وخلال التحقيق، كانت المعاملة سيئة جداً. كانوا يضربونني ويعذبونني نفسياً طيلة ثمانية أشهر".ويضيف حميد قائلاً: "هذه قضية ملفَّقة. فهم في حاجة للقبض على بعض الأشخاص، ولا يعنيهم إن كان هؤلاء الأشخاص لم يرتكبوا أي جرم، فكل ما يعنيهم هو الإعلان عن أنهم قبضوا على أشخاص بهذا النوع من التهم".وعادةً ما كانت جلسات التحقيق مع كل من الأخوين تتم في غرفة صغيرة وتستغرق بضع ساعات أو اليوم كله. وقد خضع الأخوان للاستجواب كل على حدة، وفيما بعد عرف كل منهما ما تحمله شقيقه من معاناة: فقد كان حميد يُستجوب بينما يجلس على مقعد معدني، وقد كُبلت إحدى يديه بالأصفاد في أحد قوائم المنضدة. وكان الاستجواب يتم من خلال مرآة مثبتة عليه، بحيث لا يمكنه أن يرى من يراقبون ومن يشاركون في استجوابه. ويحكي حميد لمنظمة العفو الدولية تفاصيل استجوابه قائلاً: "كنتُ أظل هناك لساعات، وأحياناً يستمر الاستجواب حتى منتصف الليل. كانوا يطلبون مني أن أجيب على الأسئلة وأنا أنظر إلى صورتي في المرآة، فأشعر أنني أُحدِّث نفسي. وهذا كفيل بأن يدفع المرء للجنون"."كانوا يسألون عن الأشخاص الذين لي صلات معهم، وعن نوعيتهم، وعن المعلومات التي قدمها لي أخي. بل وسألوني إن كانت لي علاقة عاطفية".وقد اتُهم حميد بالسعي للحصول على معلومات حساسة تتعلق بالقوات المسلحة الإيرانية، واستندت هذه التهمة إلى ما يصر حميد على أنها رسالة ملفَّقة بالبريد الإلكتروني إلى شقيقه ألبورزن الذي كان يعمل من قبل مهندساً ميكانيكياً في الجيش.وبعد ثمانية أشهر، أُدين الشقيقان بتهمة "محاربة الله ورسوله"، لما نُسب إليهما من التجسس والتعاون مع منظمة "مجاهدي خلق إيران"، وذلك في أعقاب محاكمة جائرة، حسب وصف منظمة العفو الدولية آنذاك، أمام محكمة ثورية.وخلال جلسات المحاكمة المتتابعة، حُرم الاثنان من الاتصال بصفة منتظمة بمحامين من اختيارهما، ولم يُوفر لهما محام إلا عند نظر القضية أمام المحكمة العليا. وقد أُبلغت منظمة العفو الدولية آنذاك أن "دليل" الإدانة ضد الشقيقين كان عبارة عن نسخة من رسالة بالبريد الإلكتروني تطلب معلومات عن أمور عسكرية. ولم يكن عنوان البريد الإلكتروني يخص حميد القاسمي شال. وقد التمس حميد من السلطات أن تراجع عنوان بريده الإلكتروني بأية وسيلة، بما في ذلك التحقق عن طريق سؤال شركة "ياهو"، ولكن السلطات تجاهلت طلبه. إلا إنه كان بوسع السلطات الاطلاع بلا أية قيود على حسابات البريد الإلكتروني للشقيقين.وقد حُكم على الاثنين بالإعدام، ونُقلا إلى سجن إفين في طهران.وفي عدة مرات، كان حميد على وشك أن يُعدم، ولم تكن تفصله عن ذلك سوى ساعات قلائل، بل وبضع دقائق. ففي إحدى المرات، أخذه حراس السجن معصوب العينين وجرُّوه بطول السلالم، وأوقفوه أمام جدار بمفرده حتى ظن أنه سوف يُقتل. وربما كانت تلك عملية إعدام وهمي بهدف بث الرعب في نفسه.وفي نهاية فبراير/شباط 2011، اتصلت شقيقة حميد بزوجته أنتونيلا وقالت لها إنه قد يُعدم في أية لحظة.وتصف أنتونيلا شعورها في تلك الأثناء بقولها: "هذه تجربة مريرة لا يمكن تصورها أو تخيلها. لقد جعلتني أعتقد أننا نتعامل مع مجهول غامض لا يمكن تخيله"."لم أكن أعرف ما يجري"بينما كان الشقيقان يحاولان التأقلم مع الحياة في السجن وتقبل احتمال إعدامهما، بادرت أنتونيلا زوجة حميد، التي كانت مقيمة في كندا، بالاتصال بمنظمة العفو الدولية، وشنَّت حملة عالمية من أجل الإفراج عن زوجها وشقيقه.وتسترجع أنتونيلا أحداث تلك الفترة قائلةً: "كنتُ في كندا، ولم أكن أعرف ما يجري. وعندما علمت أنه قُبض عليهما، أدركت أن الأمر سيء"."كنتُ أشعر أنني رهينة، أو سجينة. فكل ما أفعله، أياً كان، يمكن أن يعرض زوجي للخطر. ثم إنني لا أتكلم لغة البلد، ومن ثم شعرتُ أنني وقعت في هوة ساحقة ومظلمة".وقد امتدت الحملة التي أطلقتها أنتونيلا إلى مختلف أنحاء كندا، وانتقلت فيما بعد إلى شتى أرجاء العالم، مما ساعد في الإفراج عن حميد. وفي 21 سبتمبر/أيلول 2013، أُبلغ حميد أنه سوف يُوضع على متن طائرة تُقلِّه إلى كندا.وكان حميد ضمن عشرات من السجناء السياسيين الذين أُطلق سراحهم في إيران بعد وقت قصير من تولي الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني مهام منصبه.وعندما تلقَّت أنتونيلا مكالمةً هاتفية من شقيقة حميد في إيران تبلغها فيها بنبأ الإفراج عن حميد، لم تصدق ما سمعته. وتصف أنتونيلا شعورها آنذاك قائلةً:"بالنسبة لي، لم أصدق أن الأمر حقيقة إلا عندما رأيته واقفاً أمامي في المطار في كندا. لم أتمالك نفسي، وبالكاد كنتُ أقوى على الوقوف. كل ما كنتُ أريده آنذاك هو أن أحضنه وأتأكد أن كل الأحوال على ما يُرام".أما حميد فيقول إنه لن ينسى ما حدث مطلقاً، وإنه لا يزال يحاول جاهداً أن يتعايش مع الحقيقة المرَّة المتمثلة في أنه لا يعرف كيف مات شقيقه.وبالرغم من مرور عقود من الحملات والمناشدات، فإن السلطات الإيرانية، على حد علم منظمة العفو الدولية، لم تقدم حتى الآن أي مسؤول إلى ساحة العدالة بتهمة ارتكاب مخالفة. فلا يزال الإفلات من العقاب هو القاعدة السائدة في إيران اليوم، في ظل الرئيس روحاني، تماماً كما كانت في ظل الإدارات السابقة.وينهي حميد حديثه قائلاً: "كل ما أريده هو اعتذار لأسرتي. فلم يكن لديهم أي دليل يبرر احتجازي ولو لدقيقة واحدة، كما إن أخي تُوفي".