محوٌ لكل ما هو فلسطيني

MDE 15/1103/2026

التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل ضد التجمعات البدوية والرعوية في الضفة الغربية 

الملخص التنفيذي

“ما يحدث الآن هو محو للبشر والشجر والحجر، ولكل ما هو فلسطيني، على أيدي المستوطنين وبدعم من الجيش”. 

منتصر المالكي، أحد سكان قرية كفر مالك 

عاش البدو الفلسطينيون في خربة زنوتا في الضفة الغربية لأجيالٍ متعاقبة مقتاتين على الرعي والزراعة وإنتاج الألبان. صُنّفت القرية كجزء من المنطقة (ج) بموجب اتفاق أوسلو 2 الذي وُقّع عام 1995، ما يجعلها خاضعة بالكامل للسيطرة العسكرية والإدارية الإسرائيلية. واليوم، تتقلّص مساحة القرية مع تمدّد البؤر الاستيطانية والمستوطنات الإسرائيلية، وتُدمّر بفعل العنف والإرهاب المدعوم من الدولة.  

على بعد كيلومتر واحد فقط من زنوتا، أقام المستوطنون الإسرائيليون عام 2021 بؤرة استيطانية غير قانونية، تُعرف باسم مزرعة ميتاريم. وسرعان ما أطلقوا حملة متواصلة من الهجمات العنيفة والتهديدات ضد سكان زنوتا، أحرقوا خلالها خيام سكان القرية وصفوفهم المدرسية، واقتحموا منازلهم، واعتدوا عليهم بالضرب بالبنادق، ورشقوهم بالحجارة، وحطّموا ألواح الطاقة الشمسية والنوافذ، وأفرغوا خزانات المياه، وضخّوا مياه الصرف الصحي إلى أراضيهم الزراعية.  

Rubble on a rural area
 أنقاض في قرية زنوتا عقب تدميرها على أيدي المستوطنين، وتظهر في الخلفية بؤرة ميتاريم المقامة على التل المطلّ عليها. 1 سبتمبر/أيلول 2025

تختزل قصة زنوتا مصير العشرات من التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية التي هُجّرت قسرًا أو تواجه خطر التهجير القسري الوشيك في المنطقة (ج). ويكشف هذا التقرير بوضوح عن نطاق وجسامة حملة التطهير العرقي التي تستهدف هذه التجمعات، والتي تُنّفَّذ في إطار نظام الأبارتهايد والاحتلال غير المشروع، وفي ظلّ استمرار الإبادة الجماعية في قطاع غزة.  

وبخلاف ما يلمّح له الكثيرون في المجتمع الدولي، يُظهر هذا التقرير أيضًا أن الحملة ليست نتاجًا لأفعال بعض المستوطنين “المارقين”، أو المنظمات الاستيطانية أو الوزراء المتطرفين، أي أن عنف المستوطنين ليس حالة شاذة، بل هو جزءٌ لا يتجزأ من سياسة دولة منظّمة.  

يأتي العنف المتصاعد في زنوتا امتدادًا لعقودٍ من التمييز الممنهج الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية، بما في ذلك التهديدات المستمرة بهدم منازلهم لإجبارهم على المغادرة، وهي ممارسة شائعة تعتمدها إسرائيل لفرض نظام الأبارتهايد. أبلغ سكان زنوتا الشرطة الإسرائيلية مرارًا عن هجمات المستوطنين طلبًا للحماية، لكن لم يُتخذ أيّ إجراء قط.  

عندما داهم مستوطنو بؤرة ميتاريم القرية مرة أخرى في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانوا مصحوبين بالقوات الإسرائيلية، وهدّدوا بإيذاء السكان إذا لم يغادروا، فأدرك السكان أن لا خيار أمامهم سوى الفرار.  

وفي خطوة نادرة، في كلّ من يوليو/تموز 2024 وفبراير/شباط 2025، أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الشرطة والجيش بتسهيل عودة سكان التجمّع وحمايتهم من الهجمات، لكنهما تجاهلا الحُكمين. وقد قوبلت كل محاولة من السكان للعودة بالمزيد من عنف المستوطنين وبالموافقة الضمنية للقوات الإسرائيلية. وتؤكّد الأدلة الرقمية والمقابلات وصور الأقمار الصناعية من 30 مارس/آذار 2025 ما حدث، إذ أصبحت خربة زنوتا أثرًا بعد عين، حيث أُفرِغت قسرًا من سكانها ودُمّرت بشكلٍ واسع. 

في الوقت نفسه، تلقّى المستوطنون دعمًا من الدولة لتصعيد حملتهم العنيفة. ففي أبريل/نيسان 2025، أقام الوزيران الإسرائيليان، بتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك، فعالية في بؤرة ميتاريم، ومنحا المستوطنين المقيمين في البؤر الاستيطانية المقامة في محيط مدينة الخليل 19 مركبة دفع رباعي وكاميرات ومعدات رؤية ليلية، وكانت جميعها ممولة من الدولة.  

وقد أوضح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش السبب:

 “المستوطنون الأبطال والرواد الذين يعيشون هنا يمارسون الصهيونية، وهم بحاجة إلى الأمن…. نحن هنا لنبني معهم ولنستوطن الأرض”، في إشادة باستيلاء المستوطنين على الأراضي، وتأكيدًا على دور مركبات الدفع الرباعي في السيطرة على المراعي الفلسطينية. 

يُظهر التقرير أن حملة التطهير العرقي في المنطقة (ج) ترعاها الدولة، وتدفعها بسياساتها، وتنفذها بأدواتها؛ فهي تسعى إلى تسريع خطة الضم والتوسع الاستيطاني التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية وذلك من خلال ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وبناءً على ذلك، تطالب نتائج التقرير المجتمع الدولي بمواجهة المشروع الإسرائيلي الذي تقوده الدولة، وتسميته بمسمّاه، والتحرك بحزم لمنع تدمير التجمّعات الفلسطينية وضم الضفة الغربية. 

التحليل القانوني لمنظمة العفو الدولية 

وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تُعدّ قرية زنوتا واحدة من 117 تجمعًا فلسطينيًا بأغلبية بدوية ورعوية في الضفة الغربية المحتلة تعرّضت جميعها إما للتهجير القسري الكامل أو الجزئي بسبب هجمات المستوطنين وما يرتبط بها من قيود على التنقل والوصول ما بين يناير/كانون الثاني 2023 وأبريل/نيسان 2026. وبالمجمل، أُجبر نحو 5,910 فلسطينيين على المغادرة، تاركين خلفهم مساحات شاسعة مُفرّغة من السكان. وتقع معظم التجمّعات المتضررة ضمن تصنيف المنطقة (ج) والتي تشكّل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، وكانت على مدى عقود في صميم السعي الإسرائيلي للسيطرة الجغرافية والديموغرافية، وذلك بسبب ثرواتها الطبيعية، وأراضيها الزراعية والرعوية الحيوية، وقلّة عدد السكان الفلسطينيين فيها. 

A palestinian man overlooking hills
عليان عليان، الذي وُلد في قرية بتّير عام 1941، وهي قرية مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو في الضفة الغربية المحتلة جنوب القدس، ينظر من القرية إلى وادٍ أُقيم فيه بؤرة استيطانية إسرائيلية جديدة، في 8 يوليو/تموز 2024

في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2022، شكّل حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو الحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثين، في إطار ائتلاف يضم حزبين سياسيين بأيديولوجية قومية ودينية متطرفة. ورغم أن عنف المستوطنين المدعوم من الدولة كان مصدر قلق متزايد لدى التجّمعات الفلسطينية في الضفة الغربية على مدى العقود الثلاثة الماضية، شهدت المنطقة ارتفاعًا غير مسبوق في نطاق الهجمات وحدّتها منذ تشكيل تلك الحكومة.   

أصبحت الأساليب أكثر عدوانية بشكلٍ خاص بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد الهجوم الذي شنته حماس وغيرها من الجماعات الفلسطينية المسلحة على جنوب إسرائيل وقتلت فيه حوالي 1,200 شخصًا معظمهم من المدنيين، واقتادت قسرًا 251 آخرين إلى قطاع غزة حيث احتُجزوا كرهائن وتعرضوا لانتهاكات. وخلُصت منظمة العفو الدولية إلى أن هذه الأفعال تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.  

وردًا على ذلك، شنّت إسرائيل هجومًا عسكريًا على قطاع غزة المحتل بلغ مستوىً لا نظير له من حيث جسامته ونطاقه ومدته، وألحقت بالسكان المدنيين مستويات كارثية من الدمار والتهجير القسري والتجويع، وذلك بارتكاب الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. وبينما انصبّ معظم الانتباه العالمي على قطاع غزة، كثّفت إسرائيل من سياساتها وممارساتها التعسفية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وشجّع مسؤولون حكوميون هجمات المستوطنين ودعموها بشكلٍ علني. 

التهجير القسري والتجريد من الملكية: جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية 

أرهب المستوطنون الإسرائيليون المؤدلجون التجمّعات الفلسطينية من خلال المداهمات المتكررة لقراهم ومنازلهم، والاعتداء عليهم بالضرب، وتهديدهم بالقتل، ومطالبتهم بالمغادرة، ومضايقتهم باستمرار، وتدمير الممتلكات والبنى التحتية للقرية، وقطع خطوط المياه والكهرباء، وسرقة مواشيهم وممتلكاتهم. وقد فاقمت هذه الممارسات عمدًا من حدّة البيئة القهرية القائمة أصلًا بهدف تهجير الفلسطينيين قسرًا وتجريدهم من ممتلكاتهم، وتجلّى ذلك في سياسات الدولة المتمثلة في فرض القيود على الوصول إلى الأراضي، وهدم المنازل، والتوسع الاستيطاني. وقد وجد الفلسطينيون الذين حاولوا الرجوع قراهم مسيّجة أو مدمّرة، أو واجهوا هجمات المستوطنين المتجددة والمضايقات والترهيب، ما أجبرهم على الفرار مرةً أخرى.  

تأتي هجمات المستوطنين نتيجةً طبيعية ومباشرة لسياسة الدولة التي اعتمدت رؤية “إسرائيل الكبرى” التي تتبناها الحركة الاستيطانية وسمحت بتنفيذها، وهي أيديولوجية تعتبر المنطقة الممتدة من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الأردن، بما في ذلك كامل الأرض الفلسطينية المحتلة، جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل. 

وقد تبنّى مسؤولون كبار في الحكومة السابعة والثلاثين هذه الرؤية بشكلٍ كامل، وشجعوا صراحة على عنف المستوطنين بحقّ التجمعات البدوية والرعوية وسهّلوه وغضّوا الطرف عنه باعتباره أداة تُستخدم عمدًا للتهجير القسري، وعبّروا عن ذلك بدرجة من الوضوح والفجاجة تفوق ما صدر عن أسلافهم، سعيًا منهم لتحقيق هدف ضم الضفة الغربية رسميًا بموجب القانون الإسرائيلي.  

ومنذ عام 1967، تفرض إسرائيل احتلالها عبر الأوامر والأنظمة العسكرية. وعليه، يخضع الوضع في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك المنطقة (ج) من الضفة الغربية بشكلٍ أساسي للقانون الدولي الإنساني (بما في ذلك قواعد قانون الاحتلال) والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وتنطبق القواعد نفسها على القدس الشرقية المحتلة، التي ضمّتها إسرائيل بصورة غير قانونية منذ عام 1967، رغم محاولاتها فصلها عن بقية الضفة الغربية من خلال نظام قائم على التقسيم والفصل القانوني.  

في هذا التقرير، تقدم منظّمة العفو الدوليّة أدلة قاطعة على أن هذه الانتهاكات، التي ارتُكبت في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2023 وديسمبر/كانون الأول 2025، ترقى إلى جريمة الحرب المتمثلة في الإبعاد أو النقل غير المشروعين، والجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الإبعاد أو النقل القسري للسكان، وقد ارتُكبت تلك الجرائم في إطار سياسة تهدف إلى التطهير العرقي للمنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة، من خلال التهجير القسري للتجّمعات الفلسطينية البدوية والرعوية وتوسيع المستوطنات غير القانونية على حسابهم.  

تستخدم منظمة العفو الدولية مصطلح التطهير العرقي في هذا التقرير لتصف نمطًا متعمدًا من الأفعال الرامية إلى إزالة التجمعات الفلسطينية البدوية والرعوية بشكلٍ دائم من مناطق محددة في الضفة الغربية المحتلة، لا سيما المنطقة (ج). وبالرغم من أن التطهير العرقي غير معترف به كجريمة مستقلة يشملها القانون الدولي، تستخدم المنظمة المصطلح تماشيًا مع تعريف لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بيوغوسلافيا السابقة، والتي تصفه بأنه “سياسة مدروسة تصمّمها مجموعة عرقية أو دينية لإزالة السكان المدنيين المنتمين لمجموعة عرقية أو دينية أخرى من مناطق جغرافية محدّدة باستخدام العنف وأساليب بثّ الرعب”.   

وبينما يغطي هذا التقرير الفترة الممتدة ما بين ديسمبر/كانون الأول 2022 وديسمبر/كانون الأول 2025، يستمر ارتكاب هذه الجرائم الفظيعة التي تمثل جزءًا لا يتجزأ من نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، ويظهر ذلك في توثيق منظمة العفو الدولية المستمر وفي تقاريرها المتعاقبة عن الوضع على أرض الواقع.

منهجية البحث

للوصول لهذه النتائج، أثبتت منظمة العفو الدولية بدايةً نية إسرائيل إضفاء الصفة الرسمية على ضم المنطقة (ج) بموجب القانون الإسرائيلي وتغيير تكوينها الديموغرافي، بما في ذلك من خلال ارتكابها انتهاكات للقانون الدولي تشكّل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وشمل ذلك تحليل مستفيض وشامل للسياسات التاريخية الإسرائيلية الموجّهة نحو الضم، والاتفاقيات الحكومية، والتصريحات الرسمية الصادرة عن وزراء الحكومة، والتشريعات المقترحة والمعتمدة، والتغييرات في نظام الحوكمة في الضفة الغربية المحتلة. وقيّمت المنظمة بعد ذلك أثر هذه السياسات على الفلسطينيين من التجمعات البدوية والرعوية، بالتركيز على ثلاث مناطق نموذجية في المنطقة (ج) إما تعرضت للتهجير القسري الناجم عن أفعال المستوطنين، أو واجهت خطر التهجير في الفترة ما بين عامي 2023 و2025: 

  • زنوتا في تلال جنوب الخليل؛  
  • عين سامية في الأغوار الوسطى؛  
  • وعين الحلوة ومكحول والفارسية، وهي مجموعة من التجمّعات الصغيرة في الأغوار الشمالية.  

كما يستند التقرير إلى أبحاث ميدانية ومكتبية بشأن أحداث وقعت في 22 تجمعًا بدويًا ورعويًا آخر.  

وبالمجمل، أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 64 شخصًا لإعداد هذا التقرير (وبعضهم أكثر من مرة)، من بينهم 45 رجلًا وامرأة فلسطينيين من 12 تجمعًا، إما تعرّضوا للتهجير القسري أو يواجهون خطر التهجير المحدق. كما أجرت المنظمة مقابلات مع 19 شخصًا من بينهم محامون ونشطاء أجانب وإسرائيليون يراقبون عنف المستوطنين، فضلًا عن مسؤولين فلسطينيين، وصحافيين، وممثلين عن منظمات غير حكومية فلسطينية وإسرائيلية. وقد تحقّقت المنظمة من صحة 423 صورة ومقطع فيديو مصوّر، وراجعت وثائق حكومية وقرارات صادرة عن المحكمة وخرائط وصور أقمار الصناعية وتقارير صادرة عن الأمم المتحدة والمجتمع المدني، وغيرها من المواد مفتوحة المصدر.  

وفي 13 مايو/أيار، شاركت منظمة العفو الدولية نتائجها مع عدد من الوزارات الإسرائيلية وهي وزارة الأمن القومي، ووزارة الدفاع، ووزارة العدل، ووزارة الشؤون المالية، وكذلك مع المستشارة القضائية للحكومة. وحتى وقت نشر هذا التقرير، لم تتلقّ المنظمة أي ردّ سوى من وحدة المتحدث العسكري. ومن جملة الادّعاءات، ذكرت الوحدة أن القوات الإسرائيلية تتصدّى لهجمات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وأنها تحتجز المشتبه بهم متى اقتضى الأمر حتى وصول الشرطة. كما ذكرت أنها تفتح تحقيقات في الحالات التي تفشل فيها القوات في الامتثال للأوامر أو التدخل لوقف عنف المستوطنين. غير أن الأدلة التي وثّقتها منظمة العفو الدولية وحلّلتها تُظهر واقعًا مختلفًا عن ادّعاءات الجيش، وقد أُرفقت نسخة من الرد في التقرير.

نيّة إسرائيل ضمّ المنطقة (ج) 

منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية (التي ضُمّت بصورة غير قانونية) وقطاع غزة، طرحت الحكومات الإسرائيلية المتتابعة خططًا للضم تسمح بفرض السيادة الحكومية الإسرائيلية على أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية، مع الإبقاء على وجود فلسطيني محدود. 

Members of cabinet stand in front of flags of Israel, while two men in the front of them shake hands
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الدولة الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، وأعضاء الحكومة الإسرائيلية الجديدة، خلال التقاط صورة في منزل الرئيس بتاريخ 29 ديسمبر/كانون الأول 2022 في القدس

مثّل تشكيل الحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثين في ديسمبر/كانون الأول 2022 تحولًا كبيرًا في سرعة ونطاق العمل نحو إضفاء الصفة الرسمية على إجراءات الضم بموجب القانون الإسرائيلي. فالحكومة التي شُكّلت بقيادة حزب الليكود بزعامة نتنياهو، في إطار ائتلاف يضم حزبي “القوة اليهودية” بزعامة إيتمار بن غفير و”الصهيونية الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريتش، جعلت من توسيع الضم الرسمي بموجب القانون الإسرائيلي لمناطق أخرى في الضفة الغربية المحتلة علاوةً على القدس الشرقية، هدفًا سياسيًا معلنًا.  

فقد تبنت علنًا رؤية الحركة الاستيطانية لما يُسمّى بـ”إسرائيل الكبرى”، وكثّفت من سياسات التهويد التي تسعى إلى فرض الحد الأقصى من السيادة اليهودية-الإسرائيلية مع فرض القيود على الفلسطينيين الذين يعيشون في جيوب معزولة ومكتظة بالسكان للتقليل من وجودهم والحد من وصولهم إلى المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية. كما سرّعت إجراءات مصادرة الأراضي لا سيما من خلال إعلانها أراضٍ تابعة للدولة، وعملت على توسيع المستوطنات وما يتصل بها من مشاريع بنى تحتية بوتيرة غير مسبوقة. وبذلك، واصلت انتهاك القواعد الآمرة في القانون الدولي، بما في ذلك الحظر المفروض على الضم وإقامة المستوطنات في الأرض المحتلة. كما أنها تحدّت عددًا من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة الصادرة منذ عام 1967 بشأن عدم قانونية المستوطنات، والفتوَيْين الصادرتين عن محكمة العدل الدولية، كان آخرها الفتوى الصادرة في يوليو/تموز 2024 والتي وجدت الاحتلال غير مشروع، وأمرت إسرائيل بإنهاء وجودها على الأرض الفلسطينية المحتلة وتفكيك كافة المستوطنات. 

كما ألغت السلطات الإسرائيلية بنودًا في قانون فك الارتباط التي أدت إلى إخلاء أربع مستوطنات وبؤر استيطانية في شمال الضفة الغربية قبل حوالي عقدين من الزمن، وأضفت بأثر رجعي الصفة القانونية على بؤر استيطانية كانت أصلًا غير مرخصة حتى بموجب القانون الإسرائيلي، وزادت التمويل الحكومي والدعم اللوجيستي وسهّلت الحصول على تراخيص أسلحة شخصية لسكان تلك البؤر. والأهم، أن الحكومة مكّنت فعليًا حملة غير مسبوقة من عنف المستوطنين لتهجير الفلسطينيين قسرًا من المنطقة (ج).  

أُضفيَت الصفة الرسمية على هذه الأولويات في اتفاقيات الائتلاف الموقّعة ما بين حزب الليكود وحزبَي القوة اليهودية والصهيونية الدينية، وكذلك في المبادئ التوجيهية للحكومة. وفي انتهاكٍ كامل للقانون الدولي، تؤكد هذه المبادئ على أن الضفة الغربية المحتلة جزء لا يتجزأ من “أرض إسرائيل” وتُلزم الحكومة “بتعزيز وجود المستوطنات وتطويرها”، والاعتراف “بحق الشعب اليهودي الحصري الذي لا جدال فيه بجميع مناطق أرض إسرائيل”، ما يزيد من ترسيخ الهيمنة اليهودية الإسرائيلية على الفلسطينيين.  

وساهم تعيين كلّ من إيتمار بن غفير وزيرًا للأمن القومي ومنحه السلطة على شرطة حرس الحدود في الضفة الغربية، وتعيين بتسلئيل سموتريتش وزيرًا للمالية ووزيرًا إضافيًا داخل وزارة الدفاع للإشراف على الوحدات الرئيسية في الجيش الإسرائيلي المسؤولة عن تطبيق السياسات المدنية في الضفة الغربية، في وضع مستوطنين بارزين ومناصرين للضم في صميم عملية صنع القرار الحكومي.  

وعدا عن الاتفاقيات الرسمية، تكشف التصريحات العلنية الصادرة عن كبار المسؤولين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عن مسعىً مُنسّق ومُعلن عنه صراحةً نحو الضم والهيمنة الديموغرافية اليهودية في الضفة الغربية، لا سيما في المنطقة (ج).  

فعلى سبيل المثال، في فبراير/شباط 2023، أصرّ رئيس الوزراء نتنياهو أن “البناء والتنظيم في يهودا والسامرة [الضفة الغربية المحتلة] سيستمر وفقًا للخطة وجدول البناء الأصليين، دون أي تغييرات” وأنه “لم يحصل ولن يحصل أي تجميد لها”. وفي سبتمبر/أيلول 2025، أعلن بتسلئيل سموتريتش عن خطط لضمّ 82% من الضفة الغربية، موضحًا أن التوجه الرئيسي يجب أن يكون في جوهره “أراضٍ أكثر، عرب أقل” وذلك لتعزيز التفوق الديموغرافي اليهودي. وفي سبتمبر/أيلول 2025، دعا إيتمار بن غفير، في سياق حديثه عن كل من قطاع غزة والضفة الغربية، إلى إرساء “السيادة” الإسرائيلية وتشجيع التهجير القسري للفلسطينيين الذين يعيشون هناك: “لأن هذه أرضنا، ولأننا نحتاج إلى أن نخبر العالم بأسره ‘أن السيادة لنا إلى أبد الآبدين’…، وكذلك أن نشجع [الفلسطينيين] على الهجرة الطوعية، وهو ما يجب أن نفعله أيضًا في يهودا والسامرة”.

تسريع التوسع الاستيطاني وإجراءات الضم 

مباشرةً بعد تشكيلها، باشرت الحكومة بتطبيق رؤية الحركة الاستيطانية، والتي تتضمن إضفاء الطابع الرسمي على الضم والتوسع الاستيطاني وتسريع الاستيلاء على الأراضي، كما هو موضح في اتفاقيات الائتلاف. وتحقيقًا لهذه الغاية، نُقلت صلاحيات إدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية من الهيئات العسكرية إلى تلك المدنية. وبشكلٍ أساسي، عزّزت هذه الإجراءات من سلطة بتسلئيل سموتريتش وقدرته على صنع قرارات تمسّ الفلسطينيين في المنطقة (ج). وهذا ينتهك القانون الدولي الإنساني الذي يشترط على سلطة الاحتلال احترام القوانين القائمة، إلا في حالة الضرورة المطلقة.  

فبراير/شباط 2023: أنشأت وزارة الدفاع وحدة إدارة الاستيطان، وهي هيئة مدنية تحت إشراف بتسلئيل سموتريتش مسؤولة عن جميع مناحي الحياة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وتمتلك الهيئة الجديدة صلاحية إضفاء الصفة القانونية على البؤر الاستيطانية وتطبيق قوانين التخطيط والبناء على كلّ من الفلسطينيين والإسرائيليين في المنطقة (ج)، الأمر الذي أدى إلى وقفٍ فعلي لعمليات إزالة المباني التي أنشأها المستوطنون دون ترخيص إسرائيلي رسمي.   

يونيو/حزيران 2023: انتقلت مسؤولية تخطيط المستوطنات ومنح المصادقات بشكلٍ رسمي من وزير الدفاع إلى بتسلئيل سموتريتش بصفته وزيرًا إضافيًا. وسهّل هذا القرار بناء المستوطنات في الضفة الغربية دون قيود، وذلك بإزالة مستويات متعدّدة من الرقابة السياسية والعسكرية وبالاستغناء عن الحاجة لمصادقة وزير الدفاع ورئيس الوزراء. وبعد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بدأت تنعقد اجتماعات المصادقة على المستوطنات أسبوعيًا، وكانت تُعقد كحد أقصى كل ثلاثة أشهر، في تسارع لمعدّل المصادقة. 

مايو/أيار 2024: سمح الحاكم العسكري للضفة الغربية بتعيين نائب مدني للشؤون المدنية داخل الإدارة المدنية. وقد عُين مساعد مقرّب من بتسلئيل سموتريتش رئيسًا لوحدة إدارة الاستيطان، لا يخضع لإشراف رئيس الإدارة المدنية، بل لإشراف سموتريتش المباشر.  

مايو/أيار 2025: أعلنت السلطات الإسرائيلية استئناف تسجيل الأراضي في المنطقة (ج)، وهو إجراء مصمّم فعليًا لمصلحة المستوطنين الإسرائيليين، من خلال اعتبار الأراضي غير المسجّلة أراضي دولة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ما لم يتمكن الفلسطينيون من استيفاء معايير إثبات ملكية شبه مستحيلة لإثبات ملكيتهم. 

فبراير/شباط 2026: أعادت السلطات الإسرائيلية تفعيل آلية جديدة لتسجيل الأراضي نقلت بموجبها صلاحية رسم الخرائط والقياسات في المناطق غير المسجلة من الإدارة المدنية إلى وزارة العدل. وبحلول نهاية ذلك الشهر، كانت السلطات الإسرائيلية قد استولت على نصف الأراضي غير المسجّلة في المنطقة (ج)، والتي تشكّل 58% من مساحتها.  

صادق مجلس الوزراء الأمني على إجراءات إضافية لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية. شملت هذه الإجراءات: إلغاء قانون يعود لفترة الحكم الأردني ينصّ على منع غير الفلسطينيين من شراء الأراضي في الضفة الغربية دون الحصول على تصريح من السلطات الفلسطينية؛ وإعادة تفعيل آلية من خلال هيئة داخل الإدارة المدنية تسمح للدولة الإسرائيلية بشراء الأراضي مباشرةً من الفلسطينيين دون الحاجة إلى الحصول على أي موافقة إضافية. كما أقرّت الحكومة إجراءات مبسّطة للمصادقة على المستوطنات.

تمويل التوسّع الاستيطاني 

منذ توليها السلطة، زادت الحكومة بشكلٍ هائل التمويل المخصص لتنفيذ خطة الحركة الاستيطانية، متخذة من الهجمات التي قادتها حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ذريعة لتصعيد الإجراءات والممارسات العدوانية المرتبطة بمساعي الضم في الضفة الغربية.  

وُجهت موارد كبيرة إلى شُعبة الاستيطان، وهي الهيئة المكلّفة بتخطيط إنشاء المستوطنات وتوسيعها والإشراف عليهما، وإلى مشاريع بنى تحتية ضخمة؛ وصُنّفت مستوطنات معينة كمناطق ذات أولوية قومية ضمن برامج الدعم المالي الحكومية. وكانت وزارة الاستيطان والمهام الوطنية بقيادة أوريت ستروك، ووزارة الدفاع، ووزارة المواصلات والأمان على الطرق، ووزارة الزراعة والأمن الغذائي، من بين الوزارات التي ضخّت الأموال للمشاريع الاستيطانية.  

فعلى سبيل المثال، خلال السنوات الثلاث الأولى من حكم الحكومة، زادت الميزانية السنوية لوزارة الاستيطان والمهام الوطنية بنسبة 122%، حيث وصلت بحلول عام 2026 إلى 764 مليون شيكل إسرائيلي (254,5 مليون دولار أمريكي). وفي عام 2023، خصّصت الحكومة مبلغ 3,5 مليار شيكل إسرائيلي (حوالي 1,1 مليار دولار أمريكي) لوزارة المواصلات لتوسعة الطرق وتطويرها لخدمة المستوطنين في الضفة الغربية على مدى خمس سنوات. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، صودق على خطة إضافية لدعم المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها وتطويرها، خُصصت لها ميزانية قدرها 2,75 مليار شيكل إسرائيلي (919 مليون دولار أمريكي).  

علاوةً على ذلك، قدّمت الحكومة بشكلٍ مباشر التمويل والمعدّات للبؤر الاستيطانية غير المرخصّة. وكشفت منظمة “السلام الآن” عن أدلة تثبت أن الحكومة قدمت في عام 2023 مبلغ 28 مليون شيكل إسرائيلي (8 مليون دولار أمريكي) لـ68 بؤرة استيطانية رعوية و33 بؤرة استيطانية أخرى، وقد استخُدم المبلغ لشراء طائرات مسيّرة ومركبات وكاميرات وألواح شمسية وبوابات كهربائية. وفي يوليو/تموز 2024، أكّدت وزيرة الاستيطان والمهام الوطنية أن مكتبها خصّص 75 مليون شيكل إسرائيلي (23 مليون دولار أمريكي) لتطوير البنية التحتية الأمنية في البؤر الاستيطانية. وفي الفترة ما بين أبريل/نيسان ويوليو/تموز 2025، نقلت الحكومة ما لا يقل عن 48 مركبة دفع رباعي للبؤر الاستيطانية غير المرخصة، كما زوّدت سكّانها بنظارات الرؤية الليلية، والمسيّرات، ومعدّات الاتصال، والمولدات الكهربائية. 

A person wearing a green sweatshirt stands in front of a wired fence
 لقطة من فيديو تُظهر مستوطنين إسرائيليين وهم يقيمون سياجًا حول قرية زنوتا. يرتدي المستوطنون قمصانًا تحمل شعار منظمة “هاشومير يوش”، وهي منظمة استيطانية مدعومة من الدولة. الفيديو بتاريخ 15 فبراير/شباط 2024

كما موّلت السلطات الإسرائيلية بشكلٍ مباشر المنظمات الاستيطانية المنخرطة في أعمال تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم. فعلى سبيل المثال، تلقّت منظمة هاشومير يوش، والتي تستقطب متطوعين للعيش في البؤر الاستيطانية أو المشاركة في أنشطة تُقام فيها، ما لا يقل عن 3 مليون شيكل إسرائيلي (أكثر من 1 مليون دولار أمريكي) من التمويل الحكومي منذ عام 2023، رغم وجود مقاطع فيديو مؤكّدة يظهر فيها أعضاء المنظمة وهم يضايقون الفلسطينيين من التجمعات البدوية والرعوية ويعتدون عليهم، ويُتلفون ممتلكاتهم، ويمنعون المهجرين منهم من العودة إلى منازلهم.

ارتفاع حاد في أعمال بناء المستوطنات 

“معاليه أدوميم جزء لا يتجزأ من وطننا، وسيكون هناك المزيد من أمثال معاليه أدوميم في وطننا”

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو متحدثًا عن المصادقة على 3,401 وحدة سكنية جديدة في معاليه أدوميم، خلال زيارة للمستوطنة في 11 سبتمبر/أيلول 2025. ومعاليه أدوميم هي مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة يسكنها أكثر من 38,000 مستوطن.

أسفرت التغييرات في سياسات الحكومة عن ارتفاع حاد غير مسبوق في أعمال بناء المستوطنات. وبينما بلغ المتوسط السنوي بين عامي 2012 و2022 نحو 5,443 وحدة استيطانية جرى المصادقة عليها، ارتفع هذا المتوسط إلى نحو 16,928 وحدة سنويًا في ظل الحكومة السابعة والثلاثين.

وما بين عامي 2023 و2025، أعلنت السلطات الإسرائيلية 25,959 دونمًا (حوالي 2,596 هكتارًا) في المنطقة (ج) أراضٍ تابعة للدولة. وبحسب منظمة “السلام الآن”، دعمت الحكومة في نفس الفترة خططًا لبناء 50,785 وحدة سكنية استيطانية. وفي عام 2025 وحده، صادق المجلس الأعلى للتخطيط على بناء 27,941 وحدة، وهو أعلى رقم مسجّل على الإطلاق. 

A construction site on hill
صورة لمبانٍ جديدة في مستوطنة “عِلي” الإسرائيلية، جنوب نابلس في الضفة الغربية. في مايو/أيار 2025، صادقت الحكومة الإسرائيلية على توسع كبير للمستوطنات اليهودية واستأنفت تسجيل الأراضي في المنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة، ما سرّع جهود الضم. 19 مايو/أيار 2025

علاوةً على ذلك، هدمت السلطات الإسرائيلية 3,407 منازل ومنشآت أخرى فلسطينية في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2023 وأبريل/نيسان 2026، ما أدّى إلى تهجير 2,996 فلسطينيًا. 

كما لم تتخذ السلطات سوى إجراءات محدودة حيال البؤر الاستيطانية الإسرائيلية التي أقامها مدنيون إسرائيليون في الضفة الغربية بدون أي ترخيص من الدولة، بالرغم من أنها تُعدّ غير قانونية حتى بموجب القانون الإسرائيلي. في الواقع لم يُفكك سوى ست بؤر استيطانية، في حين أقيمت العشرات غيرها، ومُنحت الصفة القانونية لاحقًا. ويُثبت ذلك أن الحكومة تشجع فعليًا أعمال البناء الاستيطانية غير المرخصة، بل وتحميها. 

ووفقًا لمنظمة “السلام الآن”، بحلول نهاية أبريل/نيسان 2026، كان المستوطنون الإسرائيليون قد أقاموا 363 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية. أُنشئ 212 (أكثر من 58%) منها في ظل الحكومة السابعة والثلاثين، وكان بعضها في المنطقة (ب)، التي يُفترض أن تخضع للسيطرة الإدارية الكاملة للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو. وعلى سبيل المقارنة، أقيمت 153 بؤرة استيطانية ما بين عام 1996، الذي بدأت فيه البؤر بالظهور، وعام 2023، شملت العشرات من البؤر الرعوية التي يستخدمها المستوطنون للسيطرة على مساحات شاسعة من الأرض الفلسطينية من خلال الرعي.  

علاوةً على ذلك، ومنذ يناير/كانون الثاني 2023، أضفت السلطات الإسرائيلية الصفة القانونية على ما لا يقل عن 39 بؤرة استيطانية بأثرٍ رجعي واعتبرتها مستوطنات. وبحسب منظمة “السلام الآن”، وصل إجمالي عدد المستوطنات الجديدة التي أعلنت عنها الحكومة إلى 102 مستوطنة بحلول 30 أبريل/نيسان 2026، ويُعزى ذلك إلى القرارات الحكومية التي تنص على تصنيف بعض الأحياء الاستيطانية كمستوطنات مستقلة، وإعادة إنشاء أربع مستوطنات وبؤر استيطانية في شمال الضفة الغربية كانت قد فُككت بموجب خطة فك الارتباط أحادية الجانب لعام 2005، والإعلان عن مستوطنات جديدة بالكامل. وهذا هو أكبر عدد من المستوطنات الجديدة التي أقرّتها حكومة واحدة في تاريخ إسرائيل. 

عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين كسياسة رسمية للدولة 

“منذ قرابة عام، لم أقطع الطريق العام [طريق آلون]. كانوا [المستوطنون] يضايقونني أنا ورعاة آخرين، وكنا نحاول تجنبهم، لكن الجيش بدأ بالحضور لحمايتهم، مطلقًا النار في الهواء”. أيمن سليمان، رجل فلسطيني مهجّر من عين سامية 

بدعمٍ سياسي وقانوني ومالي كامل من الدولة، في ظل الحكومة السابعة والثلاثين، صعّد المستوطنون ممارساتهم القائمة وتبنّوا أساليب أشدّ عدوانية لتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أرضهم. وقد أدى ذلك إلى مستويات قياسية من التهجير القسري، والقتل، وإلحاق الإصابات، وتدمير الممتلكات، والاستيلاء غير المشروع على الأراضي. 

يستخدم المستوطنون ثلاثة أساليب لتهجير التجمعات الفلسطينية قسرًا:  

  • الهجمات على المنازل والقرى والممتلكات؛  
  • المضايقات والتهديدات والاعتداءات الجسدية المستمرة؛  
  • والاستهداف الممنهج لسبل العيش بفرض القيود على الوصول إلى المراعي وموارد المياه وسرقة أو قتل المواشي، وتدمير الحقول الزراعية وإتلاف المحاصيل.  

وتسهّل السلطات الإسرائيلية فعليًا هذه الهجمات من خلال تسليح المستوطنين والسماح للجيش والشرطة بدعم تلك الهجمات أو حتى المشاركة فيها. وفي كثيرٍ من الحالات التي وثّقتها منظمة العفو الدولية، خضع الفلسطينيون الذين أبلغوا عن عنف المستوطنين للتحقيق، أو فرضت عليهم غرامات، أو اعتُقلوا. 

عقب الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة ردًا على الهجمات التي قادتها حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، خفّفت الحكومة معايير منح تراخيص حيازة الأسلحة النارية الخاصة، وشكّلت المئات من وحدات “الاستجابة السريعة” في جميع أنحاء إسرائيل والضفة الغربية المحتلة، مسلّحة المدنيين للتصدي لحالات الأعمال “الإرهابية” وغيرها من حالات الطوارئ. كما وزّعت الآلاف من الأسلحة الإضافية على “وحدات الدفاع الإقليمي” التي شُكّلت حديثًا والمكونة إلى حدٍ كبير من المستوطنين الذين جرى استدعاؤهم للخدمة في قوات الاحتياط في الجيش. وبحلول يناير/كانون الثاني 2026، كان أكثر من 240,000 مواطن إسرائيلي قد حصلوا على تراخيص حمل السلاح الناري، من بينهم مستوطنين إسرائيليين.  

وفي معظم الحوادث التي وثّقتها منظمة العفو الدولية، كان المستوطنون مسلحين. وحتى في الحالات التي لم تُستخدم فيها الأسلحة، فإن مجرد وجودها غيّر جذريًا من طبيعة الهجمات وشدتها التي واجهها الفلسطينيون على مدى عقود، حيث سمح ذلك للمستوطنين بتدمير الممتلكات الفلسطينية، وسرقة المواشي، وإرهاب التجمّعات البدوية والرعوية بحدة وعنف لم يسبق لهما مثيل. 

مداهمات عنيفة واعتداءات جسدية 

قال فلسطينيون من التجمّعات الرعوية والزراعية في المنطقة (ج) ممن قابلتهم منظمة العفو الدولية إن هجمات المستوطنين على منازلهم ومنشآت تجمّعهم ما بين مطلع عام 2023 ونهاية عام 2025 أصبحت أكثر تواترًا وضراوة، واستهدفت المنازل بشكلٍ متكرر، حتى لم يعد لهم أي مكان يشعرون فيه بالأمان. وقد أفادوا مرارًا بأن المستوطنين استهدفوا سبل عيشهم لإجبارهم على المغادرة، وغالبًا ما كان ذلك بدعم من الجنود الإسرائيليين أو ممثلي المجالس الإقليمية للمستوطنات.  

Three cars parked on a road and surrounded by people
لقطة من فيديو تُظهر مستوطنين في قرية قريوت وهم يدمّرون جابية مياه يستخدمها الفلسطينيون لريّ المحاصيل، بينما تقف القوات الإسرائيلية في المكان دون تدخل، 29 فبراير/شباط 2024

تُظهر مقاطع مصورة موثقة لبعض هذه الهجمات المستوطنين وهم يشاركون في اقتحامات، وتخريب المنازل والمركبات والخيام والمدارس والأدوات الزراعية والجرارات، وتدمير خزانات المياه وألواح الطاقة الشمسية والمؤن الغذائية، وإشعال النار في الخيام والمنازل. وفي العديد من المداهمات، كان المستوطنون مصحوبين بالجنود الإسرائيليين أو بمستوطنين يرتدون زيًا عسكريًا، ما تسبّب بشكلٍ مباشر في التهجير القسري الكامل أو الجزئي للتجمّعات. وتُظهر بعض مقاطع الفيديو المستوطنين وهم يضايقون الرعاة الفلسطينيين، ويدهسون قطعانهم بالمركبات، ويسرقون مواشيهم أو يعتدون عليها، وفي بعض الحالات يقتلونها. 

تعرّض العديد من الفلسطينيين ممن أُجريت معهم مقابلات وكذلك أربعة متطوعين شخصيًا لعنف المستوطنين أو شهدوه بأعينهم. قالوا إن المستوطنين دفعوا رجالًا فلسطينيين، وفي بعض الأحيان أطفالًا، أو اعتدوا عليهم بالضرب بأيديهم أو باستخدام العصي أو أعقاب البنادق؛ ورشقوهم بالحجارة أو وجهوا سلاحهم وبنادقهم نحوهم؛ وأطلقوا النار في الهواء لإرهابهم؛ وطعنوا أشخاصًا بالسكاكين؛ وحاولوا دهسهم بمركباتهم.  

حدثت هذه الهجمات في مناطق الرعي، وفي الحقول الزراعية، وداخل التجمّعات وحتى في المنازل، وكانت في كثيرٍ من الأحيان مصحوبة بإهانات لفظية، حيث كان المستوطنون يهددون بخنق السكان أو إطلاق النار عليهم للسيطرة على منازلهم، وأمروهم صراحةً بمغادرة تجمّعاتهم. علاوةً على ذلك، دأب المستوطنون على مضايقة الفلسطينيين بتصويرهم دون موافقتهم.  

قال راعٍ من شِعب البطم في تلال جنوب الخليل إنه بعد حوالي ثلاثة أيام من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حضر عدة مستوطنين مسلحين وملثمين إلى منزله وهدده أحدهم بقتل أطفاله إذا لم تغادر العائلة منزلها. وأضاف أنه في اليوم التالي عاد نفس المستوطن وضغط بالبندقية على صدره، وركله في بطنه، وهدّده بإطلاق النار عليه. وقد وقع هذا العنف أمام بناته المذعورات. وأضاف أنه في يوم آخر أجبره المستوطن نفسه على الاستلقاء أرضًا ووجهه إلى الأسفل تحت تهديد السلاح، وغطّى رأسه ببطانية بمساعدة مستوطن آخر وهدّده بالقتل. ثم دمّروا خزانات مياه الراعي وقطعوا خطوط الكهرباء، وسرقوا المعدات الزراعية، وحطّموا هاتف زوجته عندما حاولت تصوير الاعتداء.  

ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ارتفع متوسط عدد حالات مقتل الفلسطينيين على أيدي المستوطنين إلى ثماني حالات سنويًا بين عامي 2023 و2025، مقارنة بأقل من 1.7 حالة سنويًا خلال السنوات الست السابقة. وخلال الفترة نفسها، تضاعف عدد الإصابات بأكثر من ثلاث مرات، وقد سُجّلت زيادة ملحوظة في الإصابات الناجمة عن الأسلحة النارية. وبالمجمل، نفّذ المستوطنون ما لا يقل عن 4,575 هجومًا على التجمّعات الفلسطينية خلال تلك السنوات الثلاث، أسفرت عن وقوع إصابات أو أضرار بالممتلكات أو كليهما. 

الاستهداف المتعمّد لسبل العيش

تعمّد المستوطنون أيضًا تدمير الأراضي الزراعية ومواشي الفلسطينيين. فقد قال سكان مكحول وزنوتا وعين سامية إن المستوطنين كانوا يسيّرون مواشيهم باستمرار على الأراضي الفلسطينية المزروعة، حيث كانوا يتلفون المحاصيل ويدمّرون الحقول الزراعية عمدًا. وتعزّز أدلة مصوّرة من عشر حوادث هذه الشهادات، وتظهر أيضًا المستوطنين وهم يشقّون طرقًا ويسيّجون مناطق واسعة لمنع الفلسطينيين من الزراعة. وفي حادثة بالغة الوحشية، في 17 يوليو/تموز 2025، أطلق المستوطنون النار وطعنوا 180 إلى 200 من الأغنام التي سرقوها من تجمّع حمّامات الميتة، وهو تجمّع صغير في الأغوار الشمالية، حيث قتلوا حوالي 120 منها.  

وبسبب التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين المستمر، تراجعت بشكل حاد إمكانية وصول الفلسطينيين لأراضي الرعي في المنطقة (ج). وتظهر المقابلات والأدلة المرئية الموثقة نمطًا متكررًا استغل فيه المستوطنون اعتماد التجمعات الفلسطينية البدوية والرعوية على الماشية في معيشتهم لتهجيرهم قسرًا. وبدلًا من فتح تحقيقات في انتهاكات المستوطنين، استخدمت السلطات والقوات الإسرائيلية مصادرة المواشي أو التهديد بمصادرتها كأداة لمنع السكان المهجّرين من العودة إلى منازلهم أو مراعيهم. 

دور القوات والسلطات الإسرائيلية في عنف المستوطنين 

على مدى عقود، غضّت القوات والسلطات الإسرائيلية الطرف عن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين أو تقاعست عن منعه أو سهّلته أو شاركت فيه بشكلٍ مباشر. وفي ظل الحكومة السابعة والثلاثين، بلغ هذا الدعم مستويات جديدة.  

فرغم الالتزامات التي تقع عليه بصفته سلطة احتلال والمتمثلة في حماية أرواح السكان الواقعين تحت الاحتلال وسبل عيشهم، شارك الجيش الإسرائيلي بشكلٍ مباشر في هجمات المستوطنين أو تقاعس عمدًا عن التدخل فيها، ما يشير إلى سياسة تسمح بهذه الهجمات وتحمي المعتدين من المساءلة. 

وثّقت منظمة العفو الدولية 14 حالة حضر فيها الجنود الإسرائيليين أثناء هجمات المستوطنين العنيفة أو شاركوا فيها بشكلٍ مباشر. وتراوحت أفعالهم بين الاكتفاء بالمشاهدة بينما يتعرض الفلسطينيون للاعتداء، إلى تسهيل أفعال المستوطنين أو المشاركة فيها بما في ذلك المضايقات والترهيب وتدمير الممتلكات أو الاعتداء الجسدي على الأفراد. وفي بعض الحالات، حضر الجنود مع المستوطنين، في إشارةٍ إلى تنسيق مسبق بينهم. كما طردوا الرعاة من مناطق الرعي، وهدّدوهم بإطلاق النار عليهم أو مصادرة مواشيهم، ونفّذوا عمليات تفتيش عنيفة، ومنعوا النشطاء من الوصول إلى مواقع اعتداءات المستوطنين، ما سمح باستمرار هذه الهجمات. وقد ساهمت هذه الأفعال في حمل السكان الفلسطينيين على مغادرة منازلهم.  

 لقطة من فيديو تُظهر ينون ليفي (مرتديًا قميصًا أبيض)، وهو مستوطن فرضت عليه المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات، أثناء تجوّله في قرية زنوتا برفقة القوات الإسرائيلية في 24 أغسطس/آب 2024. ويشير إلى منشآت قال إن فلسطينيين عائدين شيدوها دون تصاريح

عقب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، زوّدت السلطات الإسرائيلية آلاف المستوطنين بالأسلحة النارية والزي العسكري، ما صعّب على الفلسطينيين التمييز بينهم، حيث طُمست الفروقات ما بين المستوطنين والجنود. وقد مكّن ذلك المستوطنين من استغلال السلطة المرتبطة باللباس العسكري لارتكاب الانتهاكات. وتظهر مقاطع مصورة موثقة أن مستوطنين كانوا يعتدون على الفلسطينيين سابقًا بزي مدني باتوا يفعلون ذلك الآن بزيٍ عسكري. 

على سبيل المثال، في شعب البطم في مسافر يطا، أفاد السكان بأنه منذ سبتمبر/أيلول 2024، دأب مستوطن من البؤرة الاستيطانية متسبيه يائير التي تقع على مقربة من التجمّع، على دخول القرية مرارًا لالتقاط الصور وتخريب الممتلكات، وكان يحمل مسدسًا ويرتدي زيًا عسكريًا. وتُظهر مقاطع الفيديو المستوطن وهو يجوب القرية صباحًا ومساءً، ويدمّر السياج والبوابات. ورغم ظهوره ممتشقًا بندقيته ومرتديًا زيًّا ذا طابع عسكري، فإنه يقود مركبة دفع رباعي مدنية يستخدمها المستوطنون بالعادة. 

ويشمل تواطؤ الدولة مع هجمات المستوطنين اعتقال الفلسطينيين تعسفيًا واحتجازهم لفترات قصيرة، وهو ما شهد ارتفاعًا حادًا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ووصف الفلسطينيون اعتقالات واحتجازات طالتهم على خلفية مزاعم مثل “الاشتباك مع المستوطنين”، استنادًا فقط إلى شهادات المستوطنين، حتّى في الحالات التي قالوا فيها إنهم كانوا هدفًا لهجمات المستوطنين أو مضايقاتهم أو سرقاتهم، بينما لم يُحقّق مع المستوطنين. وقد احتُجز بعضهم بعد وصولهم لمراكز الشرطة لتقديم شكوى إثر تعرّضهم لهجمات المستوطنين، ليُعاملوا هم أنفسهم كمشتبه بهم في ذات الاعتداءات التي أبلغوا عنها. 

كما تُفرض غرامات باهظة على الفلسطينيين المتّهمين بالرعي في مناطق محظورة، مثل الأراضي التي صنّفتها السلطات الإسرائيلية “أراضي دولة”، أو مناطق عسكرية مغلقة، أو أراضٍ تقع ضمن اختصاص المجالس الإقليمية للمستوطنات – وهي جميعها تصنيفات تستخدمها إسرائيل للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بصور غير مشروعة بعد عام 1967- ما يُجبرهم في بعض الأحيان على بيع مواشيهم لدفع هذه الغرامات أو لاتخاذ إجراءات قانونية مكلِفة للطعن فيها. 

الإفلات من العقاب على الجرائم ضد الفلسطينيين 

Despite a wealth of publicly available videos and victims’ and eyewitness aبالرغم من وفرة المقاطع المصورة المتاحة علنًا، وشهادات الضحايا وشهود العيان، تقاعست جهات إنفاذ القانون الإسرائيلية باستمرار عن إجراء تحقيقات فعّالة ومحاسبة مرتكبي هجمات المستوطنين. وبحسب منظمة ييش دين، في الحالات التي رصدتها المنظمة في الأعوام ما بين 2005 و2025، أُغلقت حوالي 94% من التحقيقات في جرائم المدنيين الإسرائيليين بحقّ الفلسطينيين دون توجيه لائحة اتهام، ولم تُفضِ سوى 3% من التحقيقات إلى أحكام إدانة جزئية أو كاملة.  

وقال معظم الناجين الفلسطينيين من الهجمات ممن قابلتهم منظمة العفو الدولية إنهم توقفوا عن تقديم شكاوى لدى الشرطة لأنها على الأرجح لن تتّخذ أي إجراء.  

كما رسّخت الإجراءات التي يتّخذها المسؤولون الحكوميون من حالة الإفلات من العقاب. فبحسب تقارير إعلامية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أصدر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تعليمات لكبار ضباط الشرطة في الضفة الغربية بالامتناع عن تطبيق القانون على المستوطنين المتطرفين والمجموعات اليمينية التي ترتكب اعتداءات بحق الفلسطينيين. وبعد ذلك بعام، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن خطته لوقف استخدام أوامر الاعتقال الإداري ضد المستوطنين العنيفين، وهي أوامر استُخدمت لسنوات طويلة بشكل شبه حصري ضد الفلسطينيين، قائلًا إنها ترسل “رسالة واضحة مفادها دعم المستوطنات التي تتصدر مواجهة الإرهاب الفلسطيني وتشجيعها”.  

وحتى عندما فرضت بعض الدول الأجنبية عقوبات على مستوطنين أو منظمات استيطانية، شملت تجميد الأصول وحظر السفر، لم يواجهوا في إسرائيل سوى عواقب محدودة أو لم يواجهوا أي عواقب على الإطلاق، بالرغم من التوثيق الواسع للعنف الذي حرّضوا عليه أو ارتكبوه. والأهم من ذلك أنهم واصلوا ارتكاب انتهاكات بحقّ الفلسطينيين.  

A man holds a child on his lap
الناشط الفلسطيني عودة الهذالين مع طفله في قرية أم الخير. قُتل في 28 يوليو/تموز 2025 على يد المستوطن الإسرائيلي ينون ليفي، الذي فُرضت عليه عقوبات. 

وفي حادثة بارزة، صُوّر ينون ليفي، مؤسس بؤرة ميتاريم، وهو يطلق النار على الناشط الفلسطيني الأعزل عودة الهذالين ويُرديه قتيلًا، في قرية أم الخير في 28 يوليو/تموز 2025. واعتقلت السلطات الإسرائيلية ليفي لفترة وجيزة للاشتباه في تورطه في جريمة “القتل غير العمد”، ولكنها أفرجت عنه في صباح اليوم التالي، ووضعته قيد الإقامة الجبرية في منزله لمدة ثلاثة أيام فقط. وتظهر مقاطع فيديو أنه عاد لاحقًا إلى أم الخير لمضايقة السكان الفلسطينيين وتهيئة الأرض لبناء بؤرة استيطانية جديدة غير مرخصة. وحتى وقت كتابة هذا التقرير، لم توجّه إلى ينون ليفي بعد لائحة اتهام بقتل عودة الهذالين، رغم أن الادعاء العام عبّر عن نيته القيام بذلك في فبراير/شباط 2026. ورغم وجود مقاطع فيديو يظهر فيها وهو يرتكب اعتداءات بحق سكان أم الخير وزنوتا وغيرها من التجمعّات، لم يُفتح أي تحقيق في ذلك، ما يعكس نمطًا أوسع يتمثّل في عدم محاسبة المستوطنين الذين يقيمون بؤرًا استيطانية غير مرخصة. 

وفي بعض الحالات القليلة التي قدّمت فيها المحاكم إنصافًا جزئيًا، مثل الأمر بأن يُسمح للفلسطينيين المهجّرين بالعودة إلى منازلهم، كما هو الحال في قراريْ المحكمة العليا الصادرين بشأن زنوتا، أو إصدار أوامر منع التعرّض بحق أفراد من المستوطنين، تجاهلت الشرطة والجيش الإسرائيليان هذه الأحكام بشكل متكرر، ما يترك الفلسطينيين دون أي أفق لتحقيق العدالة. 

سياسات الحكومة تسهّل التهجير القسري للفلسطينيين 

إلى جانب عنف المستوطنين المتزايد الذي تدعمه السلطات الإسرائيلية أو تتغاضى عنه، تسهّل سياسات حكومية أخرى التهجير القسري للفلسطينيين، بما في ذلك أنظمة التخطيط والبناء التمييزية، والتوسع الاستيطاني، وعمليات الهدم، والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي وموارد المياه.  

ويعدّ تجمع عين سامية، على أرض قرية كفر مالك في المنطقة (ج) شمال شرق رام الله، مثالًا واضحًا على ذلك. فعلى مدى أجيال، كانت منطقة عين سامية مركزًا زراعيًا ورعويًا يعتمد عليه المزارعون ومربو المواشي من قرية كفر مالك والقرى المجاورة، بما في ذلك تجمّع عين سامية البدوي. وبمرور الوقت، أصبحت المنطقة مقيّدة بشكل متزايد بسبب الإجراءات الإسرائيلية التمييزية الرامية إلى الاستيلاء على الأراضي، مقرونةً بالتوسع المطّرد في المستوطنات والبؤر الاستيطانية المجاورة، بما في ذلك مستوطنة كوخاف هشاحر التي أُقيمت على بعد أقل من 2 كم عام 1977. وبحلول أبريل/نيسان 2026، كان المستوطنون قد أقاموا ما لا يقل عن 12 بؤرة استيطانية في محيط مستوطنة كوخاف هشاحر، لتحيط بشكلٍ تدريجي عين سامية وتعزز سيطرة المستوطنين على الأرض والموارد. 

وواجه التجمع البدوي، ومعظم سكانه من الرعاة، عقودًا من أوامر الهدم في ظل نظام تخطيط تمييزي جعل حصول الفلسطينيين على تصاريح البناء شبه مستحيل. وفرضت السلطات غرامات ضخمة على الرعاة بسبب الرعي في أراضٍ صنّفتها “أراضي دولة” وهدّدت بمصادرة أغنامهم.   

ومع توسع البؤر الاستيطانية وتكثيف عمليات الهدم، تصاعد عنف المستوطنين، إذ قالت “رحمة”، وهي امرأة فلسطينية هُجرت لاحقًا من عين سامية، لمنظمة العفو الدولية: 

“بدأ المستوطنون بالحضور يومًا تلو الآخر. يقلبون خزانات المياه، ويضايقون الشباب، ويأتون ليلًا ونهارًا. لم نعُد نستطيع التنفس. لا نشعر بالراحة أبدًا، لا ليلًا ولا نهارًا. أنا امرأة كبيرة بالسن، أقسم بالله، لا أستطيع النوم. أظل جالسة على كرسي. فهم إذا حضروا، لا يستثنون أحدًا”. 

بسبب العنف والتهديدات المتكررة، حُصر الفلسطينيون في جزءٍ متقلص من مناطق رعيهم السابقة، ما أجبرهم على شراء الأعلاف والمياه، وقد أدّى ذلك إلى انخفاض إنتاج الحليب والدخل، وتسبّب في تدهور الأراضي. وبعد الهجمات اليومية المتكررة، أُجبر التجمّع على مغادرة عين سامية في 22 مايو/أيار 2023. وعُرقلت محاولات الرجوع أو رُدعت بفعل هجمات المستوطنين، والاعتقالات، وهدم السلطات لمدرسة عين سامية، وتدمير شبكات إمداد المياه وتعطيلها. 

تجمّعات في خطر 

تواجه الكثير من التجمّعات الفلسطينية خطرًا جسيمًا يتمثل في التهجير القسري. 

ففي الأغوار الشمالية وحدها، أصبح ما لا يقل عن 38 تجمّعًا رعويًا، يسكنها نحو 7,000 فلسطيني، مهددًا بخطر التهجير، حيث تمضي إسرائيل بسياساتها المرتبطة بالضم. وتشكّل المنطقة حوالي 75% من محافظة طوباس وتقع معظمها ضمن المنطقة (ج)، وتصنّف السلطات الإسرائيلية نحو 90% منها كأراضي دولة، و”مناطق عسكرية مغلقة”، ومحميات طبيعية، ومواقع أثرية. تستخدم السلطات الإسرائيلية هذه التصنيفات كذرائع لإصدار أوامر هدم بحق التجمعات الفلسطينية ومنع الرعاة الفلسطينيين من الرعي. ومنذ يناير/كانون الثاني 2023، أعلنت إسرائيل أكثر من 20,000 دونم (2,000 هكتار) في منطقة الأغوار أراضٍ تابعة للدولة. 

يزيد التوسع الاستيطاني من تفتيت التجمّعات الفلسطينية وعزلها عن بعضها، إذ تساهم ثماني مستوطنات إسرائيلية، وما لا يقل عن 19 بؤرة استيطانية، وطرق وبنى تحتية متنامية مخصّصة للمستوطنين فقط، في حصر الفلسطينيين في جيوب آخذة في التقلص، وتعرّضهم لعنف المستوطنين المتصاعد ومضايقات الجيش.  

وتدرك التجمّعات الفلسطينية المعرضة لخطر التهجير جيدًا المصير الذي ينتظرها. فقد واجه سكّان عين الحلوة، وهو تجمّع رعوي صغير مكوّن من حوالي 50 شخصًا، تصاعدًا في عنف المستوطنين منذ أواخر عام 2023، إلى جانب اعتقالات وترهيب على أيدي القوات الإسرائيلية، وتوسع متزايد للبؤر الاستيطانية والمستوطنات المجاورة الذي صاحبه تسييج للمنطقة يقيّد حركتهم. وفي يوليو/تموز وأغسطس/آب 2025، هدمت القوات الإسرائيلية جميع منشآت التجمع، وجعلت جميع سكانه فعليًا بلا مأوى.  

A palestinian man standing on a rural area
راعٍ فلسطيني في منطقة مكحول ينظر إلى مراعٍ قرب التجمع. وتظهر في الخلفية منشأة شيّدها مستوطنون إسرائيليون بشكل غير قانوني.

واجه تجمع مكحول أساليب تهجير مشابهة على مدى فترة أطول من الزمن. فبعدما كان يضم عشرات العائلات، تقلّص عدد سكانه إلى أربع عائلات فقط عقب هدم جميع منشآته البالغ عددها 58 منشأة في عام 2013، وما تلا ذلك من عمليات هدم إضافية. ويصف السكّان حالة الترهيب المستمر التي يعيشونها حيث تحيط بهم الآن القواعد العسكرية والمستوطنات والبؤر الاستيطانية. ومنذ أواخر عام 2023، ازداد عنف المستوطنين بشكلٍ حاد، حيث استهدفوا المواشي عبر الاعتداء على الرعاة، وأحرقوا الممتلكات عمدًا، وسرقوا المواشي، ودهسوا القطعان بالمركبات، وهددوا الأطفال. كما تعرض التجمّع لحالات تعدي متكررة من المستوطنين، ومضايقات، وأعمال بناء بالقرب من منازلهم، عدا عن رعي المستوطنين الممنهج ليلًا لإتلاف المحاصيل. ويقول السكان إنهم يعيشون في خوف من أن يؤدي غيابهم عن أرضهم لفترة وجيزة إلى استيلاء دائم على أراضيهم. 

النتائج والتوصيات 

تظهر أبحاث منظمة العفو الدولية بشكلٍ لا لبس فيه أن السلطات الإسرائيلية ترتكب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في سعيها لتنفيذ سياسة التطهير العرقي في المنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة، وذلك في إطار الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع ونظام الأبارتهايد الذي تفرضه على جميع الفلسطينيين، وفي ظلّ الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة. وتُنفَّذ هذه السياسة عبر التهجير القسري للتجمّعات البدوية والرعوية الفلسطينية، وهي أفعال ترقى لجريمة الحرب المتمثلة في الإبعاد أو النقل غير المشروعين، والجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الإبعاد أو النقل القسري للسكان، وكذلك عبر إنشاء المستوطنات وتوسيعها، والتي ترقى لجريمة الحرب المتمثلة في النقل غير المشروع. 

في سبتمبر/أيلول 2024، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يطالب إسرائيل بإنهاء وجودها غير المشروع في الأرض الفلسطينية المحتلة خلال 12 شهرًا، وذلك امتثالًا للفتوى التاريخية التي أصدرتها محكمة العدل الدولية، والتي تحدد التزامات الدول الثالثة الناشئة عن احتلال إسرائيل غير المشروع للأرض الفلسطينية. وقد حثّت الدول على عدم تقديم العون أو المساعدة للاحتلال الإسرائيلي غير المشروع في أي تعاملات دبلوماسية أو سياسية أو قانونية أو عسكرية أو اقتصادية أو تجارية أو مالية مع إسرائيل. ومن جملة تدابير أخرى، دعت إلى فرض عقوبات موجهة على أفراد وكيانات ضالعة في ترسيخ الاحتلال، بما في ذلك فيما يتعلق بعنف المستوطنين، ووقف استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية ووقف إمدادات الأسلحة إلى إسرائيل.  

تقاعست معظم الدول عن اتخاذ إجراءات فعّالة تضمن عدم تقديم العون أو المساعدة للوجود الإسرائيلي غير المشروع في الأرض الفلسطينية ولمستوطناتها غير القانونية؛ وعن التعاون لإنهاء نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين، وعن ضمان المحاسبة على الجرائم التي يشملها القانون الدولي. وعندما اتخذت إجراءات، اقتصرت على فرض عقوبات على عدد قليل من المستوطنين الأفراد المعروفين بشن هجمات على الفلسطينيين أو التحريض ضدهم، وعلى بعض البؤر الاستيطانية التي أقاموها، وعلى عدد من المنظمات الاستيطانية المتورطة في تمويل البؤر الاستيطانية أو دعمها أو بناءها أو رفع دعاوى قضائية لتجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم. 

ومن خلال حصر التركيز على البؤر الاستيطانية وما يُسمى بـ”المتطرفين”، أساءت هذه الإجراءات توصيف عنف المستوطنين باعتباره حالة شاذة، بدلًا من مجابهته لما هو عليه: فهو عنف ترعاه الدولة، وعنصر أساسي في حملة تطهير عرقي تهدف إلى ترسيخ نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين، وتوسيع سيطرتها على الأرض الفلسطينية وتجزئتها، وضمان ضمّها في نهاية المطاف، وجميعها أفعال محظورة بموجب القانون الدولي وعدة قرارات تبناها المجتمع الدولي.  

من بين توصيات عديدة يقدّمها هذا التقرير، تدعو منظمة العفو الدولية كلّ من: 

– الدول الثالثة إلى فرض حظر على العلاقات التجارية والاستثمارية وأي أنشطة تسهم في أو ترتبط بشكلٍ مباشر بالاحتلال الإسرائيلي غير المشروع ونظام الأبارتهايد والتطهير العرقي للفلسطينيين، بالإضافة إلى حظر تقديم التمويل أو أي شكل من أشكال المساعدة للمنظمات التي تعدّ عنصرًا أساسيًا في المشاريع الاستيطانية ونظام الأبارتهايد. وعلى وجه التحديد، يجب على الاتحاد الأوروبي تعجيل التعليق الذي طال انتظاره لاتفاقية الشراكة مع إسرائيل، وتعليق نظام الإعفاء من التأشيرة لجميع المستوطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في الأرض الفلسطينية المحتلة. ولمنع مواصلة إفراغ المنطقة (ج) من تجمّعاتها البدوية والرعوية الفلسطينية، يجب على الدول ضمان أن وجودها الدبلوماسي يحمي فعليًا حقوق هذه التجمعات، بما في ذلك من خلال زيارة السكان المهجّرين أو الذين يواجهون خطر التهجير ودعمهم. ويجب عليهم استخدام جميع الوسائل المتاحة تحت تصرفهم للضغط على إسرائيل لإنهاء حملة التطهير العرقي والاحتلال غير المشروع وتفكيك نظام الأبارتهايد الذي تفرضه على الفلسطينيين.  

– الدول الثالثة إلى فرض عقوبات موجهة أحادية الجانب على كبار المسؤولين الإسرائيليين لتورطهم بشكلٍ مباشر في حملة إسرائيل للتطهير العرقي، بمن في ذلك بنيامين نتنياهو، وإيتمار بن غفير، ويسرائيل كاتس، وبتسلئيل سموتريتش، وأوريت ستروك، وبسبب مسؤوليتهم المشتبه بها عن ارتكاب جرائم جسيمة يشملها القانون الدولي بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية بما في ذلك التهجير القسري للتجمّعات البدوية والرعوية الفلسطينية، وبسبب إبقائهم على احتلال غير مشروع والجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في نظام الأبارتهايد. وينبغي أن تشمل هذه التدابير حظر السفر وتجميد الأصول وغيرها من القيود المالية الموجهة، بما يتماشى مع التزامات الدول بموجب القانون الدولي. إن العقوبات الموجهة رد ضروري ومشروع على استمرار الإفلات من العقاب وإخفاق الآليات القائمة في منع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المستمرة. 

– السلطات الإسرائيلية إلى الوقف الفوري للتهجير القسري للتجمّعات الرعوية والبدوية الفلسطينية في المنطقة (ج) من الضفة الغربية وفي أي مكان آخر في الأرض الفلسطينية المحتلة، وذلك بتفكيك جميع المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية، والسماح للفلسطينيين المهجرّين بالعودة إلى منازلهم. وإلى حين عودتهم، عليها أن تضمن تلبية الاحتياجات الإنسانية لجميع المدنيين المهجرين، بما في ذلك توفير الوصول للمياه والغذاء والمأوى والرعاية الصحية، بما يتماشى مع التزامات إسرائيل بصفتها سلطة احتلال، وتقديم التعويضات لجميع من تعرّضت ممتلكاتهم للإتلاف أو التدمير أو المصادرة بصورة غير مشروعة. ويجب أن يحصل جميع الضحايا الفلسطينيين على جبر كامل للضرر الذي لحق بهم، بما في ذلك حالات القتل والإصابات البالغة، ويجب محاسبة مرتكبي هذه الجرائم.