أوروبا: المظاهرات الحاشدة تنعش الآمال رغم الاعتداء على الحقوق وتقويض استقلال القضاء

قالت منظمة العفو الدولية اليوم إن حكومات أوروبا وآسيا الوسطى تنتهك حقوق شعوبها من خلال قمعها للمظاهرات، وسعيها لتقويض استقلال القضاء لتجنب المساءلة عن أفعالها. جاء ذلك في الاستعراض السنوي (ملخّص باللغة العربية) الذي أجرته المنظمة لأوضاع حقوق الإنسان في المنطقة.

وأشادت المنظمة بالشجعان الذين خرجوا إلى الشوارع للدفاع عن حقوقهم وحقوق الآخرين، ولكنها حذرت من تمادي حكومات المنطقة في ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان في غيبة من المساءلة والعقاب.

وقالت ماري ستروثرز، مديرة برنامج أوروبا في منظمة العفو الدولية: "واجه الناس في أوروبا وآسيا الوسطى خلال عام 2019 الترهيب والملاحقة القضائية، وقاسوا الاستخدام المفرط للقوة من جانب الشرطة، وشتى أشكال التمييز المجحف. ورغم ذلك فإن التعبئة الشعبية للشجعان الذين أقدموا على التصدي لتلك الحكومات ومساءلتها عن أفعالها، كان بمثابة بارقة أمل تعد بمستقبل مشرق".

أخطار تهدد استقلال القضاء

بدا استقلال القضاء معرضاً للخطر في بولندا في الوقت الذي اتخذ فيه الحزب الحاكم خطوات أجرأ من ذي قبل للتحكم في القضاة والمحاكم؛ واستقلال القضاء ضمانة جوهرية لعدالة المحاكمات وإعلاء شأن حقوق الإنسان.

ووجد القضاة والمدعون العامون أنفسهم عرضة للوقوع تحت طائلة التدابير التأديبية، بل حتى الوقوع ضحايا لانتهاكات حقوق الإنسان هم أنفسهم، إذا ما تجرأوا على الدفاع عن القضاء. وتعرض الكثيرون منهم لحملات تشويه السمعة في وسائل الإعلام الرسمية، ووسائل التواصل الاجتماعي.

كما تصاعدت بواعث القلق على استقلال القضاء في المجر، ورومانيا، وتركيا؛ ففي المجر تعرض القضاة للهجوم من جهات متعددة، بينما استمرت الحكومة في محاولاتها لتقويض استقلال القضاء. وفي مايو/أيار، حثت المفوضية الأوروبية رومانيا على معالجة مجموعة من القضايا الإشكالية من بينها تدخل السلطة التنفيذية في استقلال القضاء، محذرةً من أن التقاعس عن ذلك قد يؤدي إلى تعليق بعض حقوقها باعتبارها دولة طرف في المفوضية لاستمرارها في إهدار القيم التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي. وفي تركيا، أقر البرلمان مجموعة من الإصلاحات القضائية، ولكنها قاصرة عن حماية القضاء من  الضغوط السياسية المفرطة التي تمارس عليه، وعن وضع حد للمحاكمات الجائرة والملاحقات والأحكام القضائية التي تستند إلى دوافع سياسية.

حرية التجمع السلمي

بدت المنطقة في أمس الحاجة للقضاء المستقل خلال عام 2019 لحماية الحريات الفردية من سيطرة الحكومات عليها، إذ فرضت قيود على التظاهر في فرنسا وبولندا وتركيا، وتمت مقاضاة المتظاهرين في بلدان أخرى كثيرة.

وخرجت مظاهرات حاشدة في العديد من البلدان الأوروبية، مثل فرنسا والنمسا وبولندا ورومانيا والجمهورية التشيكية والمجر، وتنوعت أسبابها بين الاحتجاج على تدابير التقشف واستشراء الفساد، والدفاع عن العدالة  الاجتماعية واستقلال القضاء. وأصبحت المظاهرات والإضرابات التي تحث الحكومات على اتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة التغير المناخي حدثاً معتاداً في كبرى المدن الأوروبية.

وعمدت حكومات دول كثيرة إلى قمع المظاهرات من خلال تدابير تنتهك حق الإنسان في حرية التجمع والتعبير السلمي. ففي فرنسا والنمسا وإسبانيا، أصيب المئات من المتظاهرين على أيدي الشرطة أثناء المظاهرات؛ ولجأت الشرطة الفرنسية إلى استخدام القوة المفرطة لفض المظاهرات، في حين استخدمت الشرطة التركية أساليب عنيفة لتفريق التجمعات السلمية، حيث لجأت السلطات في  كثير من الأحيان إلى فرض حظر شامل على التجمعات لحرمان الأفراد من حقهم في حرية التجمع السلمي. وكثيراً ما تقاعست الحكومات عن مساءلة أجهزتها الأمنية عما تمارسه من أساليب العنف أثناء المظاهرات.

وفي بولندا، تعرض بعض القضاة الذين عرضت عليهم قضايا تتعلق بالمظاهرات للمضايقة أو قامت السلطات بتخفيض درجتهم الوظيفية.

أما موسكو وغيرها من المدن الروسية، فقد خرجت في شوارعها مظاهرات سلمية حاشدة، بأعداد لم تشهد مثلها في السنوات الأخيرة، احتجاجاً على رفض السلطات السماح لمرشحي المعارضة بخوض الانتخابات البلدية. وأفضت الإجراءات التي اتخذتها السلطات لقمع المظاهرات إلى فرض عقوبات جنائية على 24 من المتظاهرين لا لشيء سوى ممارستهم حقهم في التظاهر.

وقالت ماري ستروذرز "لقد كانت الأعمال الانتقامية التي اتخذتها السلطات ضد المشاركين في المظاهرات الحاشدة في موسكو بمثابة الشرارة التي أطلقت حملة تضامنية لم يسبق لها مثيل، أيقظت المزيد من الوعي بحقوق الإنسان وسلطة الشعب في روسيا."

الهجرة

 استمرت حكومات الدول الأوروبية في تجنب المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن سياساتها المتعلقة بالهجرة، عن طريق الإسناد الخارجي لعمليات مراقبة الحدود إلى دول أخرى ذات سجلات مشبوهة في مجال حقوق الإنسان. وخلال عام 2019، ظلت سياسات الهجرة الأوروبية تجعل لحماية الحدود الأسبقية على حماية أرواح البشر؛ واستمرت الدول الأوروبية في التعاون مع ليبيا لاحتواء المهاجرين وطالبي اللجوء وإبقائهم في هذا البلد بالرغم من تردي الأوضاع الأمنية هناك.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، قامت الحكومة الإيطالية بتمديد اتفاقها مع ليبيا بشأن الهجرة لمدة ثلاث سنوات أخرى، بالرغم من استمرار الأدلة التي تشير إلى وقوع انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب، في مراكز الاعتقال الليبية.

وبالرغم من تواتر الأنباء عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي يتعرض لها طالبو اللجوء واللاجئون، والاستمرار في حرمانهم من الوصول إلى سبل الحماية، إلا أن ذلك لم يمنع  الاتحاد الأوروبي في الانخراط في شراكة مع تركيا بهدف الحد من الهجرة في إطار الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا المبرم عام 2016. وقبل التوغل التركي في شمال شرقي سوريا في أكتوبر/تشرين الأول، أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع عشرات من  الأشخاص، وتبين منها أن المئات من السوريين قد تم ترحيلهم قسراً من تركيا على الأرجح خلال الفترة بين مايو/أيار وسبتمبر/أيلول، تحت ستار ما وصف بـ "العودة الطوعية". كما تسبب الاتفاق في اكتظاظ غير مسبوق في المخيمات بجزر بحر إيجة حيث يرزح عشرات الآلاف من الأشخاص تحت وطأة الفقر المدقع .

الاعتداءات على المدافعين عن حقوق الإنسان

واجه المجتمع المدني والصحفيون وغيرهم ممن يسعون لمساءلة الحكومات ضغوطاً خلال عام 2019.

وقالت ماري ستروثرز "لقد تعرض لأقسى حملات القمع الحكومية في عام 2019 المدافعون عن حقوق الإنسان والصحفيون والمنظمات غير الحكومية، وغيرهم ممن يناضلون من أجل إقامة مجتمع أكثر عدلاً وإنصافاً".

واختتمت ماري ستروثرز قائلة: "ونضال هؤلاء من أجل مساءلة السلطات سوف يكون أكثر أهمية وإلحاحاً أثناء أزمة وباء كوفيد-19 وفي أعقابها؛ فما أحوج العالم الآن لما يبدونه من تعاطف وتضامن إنساني مع الفئات المهمشة في مجتمعاتنا، وسوف تظل الحاجة إلى هذا التضامن الإنساني على أشدها أثناء مرحلة التعافي من وباء كوفيد-19".