الاضطهاد في الجامعات يزهق روح الحرية الأكاديمية في إيران

 قالت منظمة العفو الدولية في تقرير صدر اليوم إن السلطات الإيرانية قد شنت حملة قمعية لا هوادة فيها على مدى العقود الثلاثة الماضية ضد الطلاب والأكاديميين، الذين يتعرضون بشكل روتيني للمضايقات أو الاعتقال أو المنع من الدراسة أو التدريس بسبب أنشطتهم السلمية، أو آرائهم أو معتقداتهم.

 

ويبرز تقرير تكميم الأفواه والطرد والسجن: قمع الطلاب والأكاديميين في إيران التمييز الواسع النطاق، لا سيما ضد النساء والأقليات الدينية، في نظام التعليم العالي في البلاد.

 

وفي هذا السياق، قالت حسيبة حاج صحراوي، نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: "لطالما اعتبرت الجامعات في إيران أرضاً خصبة للمعارضة. ولم تتسامح السلطات مطلقاً مع الأصوات المعارضة في الجامعات. ومارست الفصل الفوري والاعتقال والتعذيب والحبس بحق الطلاب والأكاديميين لمجرد تعبيرهم عن آرائهم أو دعمهم المعارضين السياسيين".

 

ومضت إلى القول: "احتفظت السلطات الإيرانية بقبضة من حديد على المؤسسات الأكاديمية، مجيزة لهيئات الأمن والاستخبارات في الدولة الإشراف على الإجراءات التأديبية في حرم الجامعات. وبذلت جهوداً دؤوبة لتشديد الخناق على الحرية الأكاديمية، وتهميش الطلبة من الناشطين السلميين، ومعهم النساء والأقليات الدينية، مطبقة الخناق على المؤسسات الأكاديمية في إيران بما لا يترك مجالاً يذكر لحرية الفكر أو التعبير".

 

ويوضح تقرير منظمة العفو الدولية كيف عززت السلطات استخدام التكتيكات القمعية، لا سيما في أعقاب انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد في 2005. حيث شملت هذه الجهود "أسلمة" المناهج الدراسية الأكاديمية وتطهيرها من التأثيرات "الغربية" والعلمانية، فضلاً عن اتخاذ تدابير لتقليص عدد الطالبات الجامعيات. وعلى سبيل المثال، تم تعديل مساقات مثل 'دراسات المرأة' لاستبعاد حقوق المرأة بموجب القانون الدولي ومن أجل التأكيد على "القيم الإسلامية".

 

ورسخت السلطات ممارسة "التشهير" كسياسة عامة، حيث منعت الطلاب الذين لا يتفقون مع الآراء الاجتماعية والسياسية التي تفرضها الدولة بشكل ثابت أو مؤقت من مواصلة التعليم العالي.

 

وتحت حكم الرئيس محمود أحمدي نجاد، توقفت فجأة الزيادة المطردة في أعداد النساء اللائي يلتحقن بالتعليم العالي- حيث شكلت الإناث أكثر من نصف عدد الطلاب في التعليم العالي قبل 2002. واتخذت تدابير لسد السبل أمام تسجيل النساء في عدد من المساقات الدراسية التي ينظر إليها على أنها أكثر ملاءمة للرجال، مثل هندسة التعدين. كما فرض نظام محاصصة بين الجنسين للحد من عدد النساء اللائي يتم قبولهن في الجامعات.

 

ورغم الترحيب بالخطوات الأولية لإدارة الرئيس حسن روحاني بالسماح بعودة عدد من الطلاب والأكاديميين المحظورين إلى الجامعات، إلا أن الوضع ما زال بائساً. ويتواصل حرمان مئات الطلاب من التعليم العالي، وكثيرون ما زالوا في السجن، ناهيك عن بعض الاعتقالات الجديدة منذ انتخاب الرئيس حسن روحاني.

 

وبينما يشرف العام الدراسي الأول تحت إدارته على الانتهاء، لا يزال العديد من القيود ساري المفعول، ولم تقم السلطات الإيرانية باتخاذ إجراءات لضمان احترام الحرية الأكاديمية، وإلغاء بعض التدابير المجحفة التي أدخلت في ظل رئاسة محمود أحمدي نجاد.

 

فالمعدلات العالية من "أسلمة" التعليم العالي، بما في ذلك تطبيق الفصل بين الجنسين في الحرم الجامعي والزي المعتمد للنساء والفتيات على نحو أشد صرامة، فضلاً عن تحديد الحصص المخصصة للمرأة، التي أقرت في عهد محمود أحمدي نجاد، لا تزال تترك بصماتها الرادعة للنساء اللواتي يلتحقن بالتعليم العالي.

 

ويتواصل أيضاً انتقاد السلطات والزعماء الدينيين لتعليم المرأة بوصفه عاملاً يسهم في ارتفاع معدلات بطالة الذكور وارتفاع معدلات الطلاق وانخفاض معدل المواليد، وسط خطابات للمرشد الأعلى دعا فيها في الأونة الأخيرة إلى زيادة معدلات النمو السكاني.

 

وقالت حسيبة حاج صحراوي: "إن الحدود المفروضة من الحكومة على إمكانية حصول المرأة على التعليم العالي تمييزية بطبيعتها وانتهاك صارخ لالتزامات إيران بضمان أن يصبح التعليم متاحاً على قدم المساواة في جميع المجالات على أساس الجدارة. كما إن الفصل بين الجنسين، والمحاصصة التمييزية وفرض حظر على دراسة النساء والبنات لمساقات معينة يتعين أن تلغى فوراً".

 

ولا تقتصر القيود على الوصول إلى التعليم العالي على المرأة فقط. ففي كل سنة يمنع عشرات من الطلاب البهائيين إما من الالتحاق بالتعليم العالي بعد اجتياز امتحانات القبول أو يتم طردهم في وقت لاحق. حيث تنظر السلطات إلى البهائيين على نطاق واسع بأنهم موضع اشتباه ويواجهون الاضطهاد، بما في ذلك الاعتقال والاحتجاز والسجن. ورغم تعاظم الأدلة التي تشير إلى عكس ما تعلنه السلطات، فإنها تواصل إنكار تعرض أي شخص في إيران للطرد أو السجن على أساس معتقده الديني.

 

وشددت حسيبة حاج صحراوي على أنه "يتعين على السلطات الإيرانية أن تكفل احترام الحق في التعليم للجميع. ويتعين على الرئيس حسن روحاني أن يفي بوعوده المتعلقة بتكافؤ الفرص للجميع بغض النظر عن الدين أو الأصل الإثني. فواقع الحال في إيران يشير إلى أنك يمكن أن تمنع من التعليم الجامعي إذا ما كنت من الأقليات أو إذا كنت تحمل وجهات نظر لا تتفق مع الأفكار التي تقرها الدولة".

 

وبحسب القانون الدولي، لا ينبغي أن يمنع أحد من إكمال تعليمه على أساس جنسه أو هويته أو ميوله الجنسية، أو أصله الإثني أو القومي أو معتقده الديني أو أية معتقدات يرتضيها ضميره.

 

وكانت الاحتجاجات الجماهيرية التي أعقبت الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها في 2009 في إيران قد أدت إلى حملة قمع وحشية، بما في ذلك إلى شن غارات على الجامعات ومهاجع الطلبة، ومحاصرة مئات الطلاب وتعرضهم للضرب والاعتقال. حيث احتجز العديد من الطلاب لفترات طويلة من دون محاكمة وتعرضوا للتعذيب، في العديد من الحالات، أو لسوء المعاملة أثناء الاحتجاز. ولا يزال العشرات يقضون مدد محكوميتهم في السجون حتى اليوم.

 

ويورد التقرير حالات عشرات من الطلاب والأكاديميين الذين ما زالوا وراء القضبان بعد إدانتهم بتهم شتى تتعلق بالأمن القومي، مثل "نشر الدعاية ضد النظام" أو "إهانة المرشد الأعلى". وكثيرون منهم هم سجناء رأي تم احتجازهم لممارستهم حقوقهم بصورة سلمية فحسب.

 

وخلصت حبيبة حاج صحراوي إلى القول: "إن رفع قوات الأمن قبضتها عن المؤسسات الأكاديمية، ومدى تقيدها بذلك سيشكل اختباراً حاسماً لحكومة إيران في ظل الرئيس حسن روحاني. فالجامعات يجب أن تنال الحرية كي تؤسس نفسها كمعاقل للفكر المستقل وحرية التعبير، لا أقل".