في ظل تصدي أوروبا لوباء فيروس كوفيد-19، شبح وباء من نوع آخر يلاحقها: العنف الأسرى

بقلم Nils Muiznieks is Europe Director for Amnesty International

حذرت الأمم المتحدة في الشهر الماضي مما وصفته بـ"شبح وباء" يصاحب وباء فيرس كوفيد-19، وهو تصاعد مد العنف الأسرى في العالم.

فقد شهد العالم في مختلف أنحائه ارتفاعاً حاداً في التقارير والبلاغات التي تفيد بتعرض النساء والفتيات للعنف أثناء إجراءات الإغلاق الشامل، وغير ذلك من القيود التي أجبرت الكثير من النساء والفتيات على البقاء في بيوتهن مع من يعتدون عليهن ويؤذونهن، أو جعلت من العسير أو المستحيل عليهن بلوغ الخدمات اللازمة لمساندتهن أو اللجوء إلى مكان آمن لهن.

لقد أبرز تصاعد مد العنف الأسري أثناء وباء فيروس كوفيد-19 الضرورة الملحة لأن تسارع الحكومات في مختلف أنحاء العالم بتعزيز ما لديها من ضمانات لحماية حقوق النساء والفتيات.
نيلز مويزنيكس، مدير برنامج أوروبا بمنظمة العفو الدولية

ففي بولندا، مثلاً، بات من المحتمل أن تصبح أوضاع النساء والفتيات حتى أخطر من ذي قبل، بعد أن أعلن وزير العدل البولندي زبيغنيو زيوبرو في نهاية الأسبوع الماضي عن اقتراح بالانسحاب من اتفاقية إسطنبول، وهي معاهدة أوروبية تُعدُّ بمثابة علامة فارقة، وترمي إلى القضاء على العنف ضد المرأة، بما في ذلك العنف الأسري. وزعم زيوبرو أن المعاهدة "ضارة" لأنها "تتضمن عناصر ذات طابع أيديولوجي"، وتفرض على المدارس تعليم التلاميذ عن قضايا تتعلق بالنوع الاجتماعي. ويقول الناقدون إن هذه الصياغة تخفي رغبة أوسع لدى الحكومة في دعم النظام الأبوي، في الوقت الذي تسعى فيه لشيطنة حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين.

 وقال رئيس الوزراء اليوم إنه يجب عرض الاتفاقية على المحكمة الدستورية للنظر في تماشيها مع الدستور البولندي، وهو الأمر الذي قد يؤخر صدور القرار، ولكنه على أي حال تطور يبعث على القلق، خاصة وأن استقلالية المحكمة محل شك شديد.

ومن المعهود عن حزب القانون والعدالة الحاكم، وشركائه في الائتلاف الحاكم، ولاؤهم الشديد للكنيسة الكاثوليكية، ويدفعون بقوة نحو تنفيذ برنامج اجتماعي يتبناه تيار المحافظين الجدد؛ وقد دأبوا منذ عدة سنوات على إساءة تصوير حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين على أنها ما يصفونه بـ"أيديولوجية النوع الاجتماعي"، مما أجج الاعتداءات على حقوق أفراد مجتمع الميم. ولطالما ظلت اتفاقية إسطنبول هدفاً للانتقادات من قبل أنصار التيار الشعبوي الذين يؤيدون الزعم الباطل لوزير العدل البولندي بأنها تشكل خطراً يهدد "القيم الأسرية التقليدية".

في بولندا، مثلاً، بات من المحتمل أن تصبح أوضاع النساء والفتيات حتى أخطر من ذي قبل، بعد أن أعلن وزير العدل البولندي زبيغنيو زيوبرو في نهاية الأسبوع الماضي عن اقتراح بالانسحاب من اتفاقية إسطنبول.
نيلز مويزنيكس

وتشي كلمات الوزير باحتقار عميق لحقوق النساء والبنات وأفراد مجتمع الميم؛ وإذا انسحبت بولندا من اتفاقية إسطنبول، فسوف يكون ذلك إجراء خطيراً ذا عواقب وخيمة على الملايين من النساء والبنات، وعلى المنظمات التي تقدم دعماً حيوياً لضحايا العنف الجنسي والأسري. وينطوي هذا الإجراء على رسالة مؤداها أن السلامة الشخصية للنساء والبنات ولضحايا العنف الجنسي والأسري ليست جديرة بالحماية؛ كما أنه يعد بمثابة خطوة انتكاسية يحظرها القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وتظهر الإحصاءات الرسمية، على نقصها، صورة مروعة؛ فإحصاءات عام 2019 تشير إلى أن أكثر من 65 ألف امرأة و120 ألف طفل في بولندا أبلغوا عن حوادث عنف أسري، أو تبين أنهم وقعوا ضحايا للعنف الأسري. وخلال ذلك العام، فتحت تحقيقات بشأن 2527 حالة اغتصاب فقط، وتشير تقديرات منظمات غير حكومية إلى أن نسبة حالات الاغتصاب المبلغ عنها منخفضة للغاية.

وقد أجريت مؤخراً دراسة استقصائية على صعيد أوروبا، أظهرت أن عدد حالات العنف الأسري التي يبلغ عنها النساء البولنديات أقل من نظيرها في سائر دول الاتحاد الأوروبي. وهذا المستوى المنخفض من البلاغات المقدمة للشرطة - كما أوضحت أبحاث منظمة العفو الدولية في أوروبا - مرتبط بانخفاض الثقة في نظام العدالة الجنائية، وبخشية الضحايا من ألا تصدقهن السلطات.

ومنذ تفشي وباء فيروس كوفيد-19، أفادت خطوط المساعدة الهاتفية ومراكز إيواء النساء في مختلف أنحاء أوروبا بأن مكالمات النساء المعرضات لخطر العنف قد شهدت تصاعداً حاداً يبعث على القلق بسبب الإغلاق الشامل، وغيره من الإجراءات المقيدة. وليست بولندا استثناءً في هذا الصدد؛ ولئن كانت القيود ضرورية لمكافحة تفشي الفيروس، فمن واجب الحكومات أيضاً الاستجابة من خلال اتخاذ تدابير كافية لضمان سلامة النساء والبنات. أما الانسحاب من الاتفاقية فهو يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً.

وتتضمن اتفاقية إسطنبول طائفة من ضمانات بالغة الأهمية للنساء والبنات؛ وهي أول معاهدة أوروبية تستهدف التصدي للعنف ضد المرأة والعنف الأسرى على وجه التحديد. وتغطي الاتفاقية كافة أشكال العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي. والدول التي صادقت على الاتفاقية، بما فيها بولندا، ملزمة بحماية ودعم ضحايا هذا النوع من العنف. كما يجب عليها إنشاء خدمات من قبيل الخطوط الساخنة، ومراكز الإيواء، والخدمات الطبية، والإرشاد، والمساعدة القانونية.

ولو قررت بولندا الانسحاب من اتفاقية اسطنبول، فكأنها توجه للعالم رسالة تبعث على الانزعاج البالغ، مؤداها أن ضمان حق النساء والفتيات في أن يعشن حياتهن بمأمن من العنف لم يعد من بين أولوياتها.
نيلز مويزنيكس

وحتى اليوم، وقعت على الاتفاقية الغالبية العظمى من الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي ككل، وصادقت عليها 34 من هذه الدول. وفي عام 2018 وحده، دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في تسع دول (كرواتيا، وقبرص، وألمانيا، وإستونيا، واليونان، وأيسلندا، ولوكسمبرغ، ومقدونيا الشمالية، وسويسرا)، وفي عام 2019 صادقت أيرلندا هي الأخرى على المعاهدة، في أعقاب تصويت تاريخي وضع حداً للحظر شبه الكامل على الإجهاض في البلاد.

ولكن الرغبة في الانسحاب من الاتفاقية تصدرت اهتمامات بعض الدول؛ ففي تركيا، مثلاً، تعرب المجموعات النسائية عن قلقها إزاء ارتفاع الأصوات المطالبة بالانسحاب من الاتفاقية المزمع مناقشتها في اجتماع اللجنة التنفيذية المركزية للحزب الحاكم في 5 أغسطس/آب، وذلك في سياق تتناقل فيه الكثير من وسائل الإعلام أنباء العديد من جرائم القتل الوحشي التي ارتكبها رجال بحق النساء.

وفي بلدان أخرى، مثل بلغاريا وسلوفاكيا، ومؤخراً المجر، لم تصادق البرلمانات على الاتفاقية بسبب سوء فهم المقصود من مصطلح "النوع الاجتماعي"، والتجاهل المتعمد للآثار الضارة للقوالب النمطية للنوع الاجتماعي السائدة في المجتمعات التي تعرض النساء والبنات لخطر العنف.

وثمة تصورات خاطئة مشابهة تؤخّر المصادقة على الاتفاقية في أوكرانيا حيث لا تزال القوانين القائمة بشأن مكافحة العنف الأسري تُنفذ بصورة هزيلة.

ورغم أن قضية المصادقة على الاتفاقية ليس مدرجاً على جدول أعمال البرلمان الأوكراني، فإن الحكومة تنظر في هذه القضية بعد أن وقّع أكثر من 25 ألف شخص على عريضة تطالب الرئيس الأوكراني بالبدء في إجراءات المصادقة.

وفي عام 2018، أفتت المحكمة الدستورية في بلغاريا بأن الاتفاقية لا تتمشى مع دستور البلاد، مما ساهم في إدامة التصورات الخاطئة والضارة بشأن نطاق الاتفاقية وطبيعتها.

لقد أبرز تصاعد مد العنف الأسري أثناء وباء فيروس كوفيد-19 الضرورة الملحة لأن تسارع الحكومات في مختلف أنحاء العالم بتعزيز ما لديها من ضمانات لحماية حقوق النساء والفتيات.

ولو قررت بولندا السير في الاتجاه المعاكس لذلك تماماً، فكأنها توجه للعالم رسالة تبعث على الانزعاج البالغ، مؤداها أن ضمان حق النساء والفتيات في أن يعشن حياتهن بمأمن من العنف لم يعد من بين أولوياتها.

نيلز مويزنيكس مدير برنامج أوروبا بمنظمة العفو الدولية  

نُشر موقع قناة يورونيوز Euronews هذه المقالة أولا على هذا الرابط