لم يبقَ سوى أقل من أربع سنوات على انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم لعام 2022 أمام 86 ألف متفرج في “ملعب لوسيل الدولي” وملايين المشاهدين في شتى أنحاء العالم، وما زال سجل قطر بشأن حقوق العمال الأجانب مثار اهتمام وتدقيق.

وقد بدأت قطر، أخيراً، عملية إصلاح عالية المستوى ووعدت بالتصدي للاستغلال الواسع النطاق للعمال و“مراجعة قوانينها وممارساتها بما يتماشى مع المعايير الدولية للعمل“، ومع ذلك فما زال العمال عرضةً لانتهاكات جسيمة، من بينها العمل بالسخرة والقيود على حرية التنقل.

العمال الأجانب في قطر

خلفية: الاستغلال الذي طال عليه الأمد للعمال الأجانب في قطر

سجلت العمالة الأجنبية في قطر زيادة سريعة بدءاً من عام 2010 الذي مُنحت فيه قطر حق استضافة بطولة كأس العالم لعام 2022. فنتيجة لأسباب، من بينها الطفرة التي أعقبت ذلك العام في أعمال البناء والتشييد، قفز عدد سكان البلاد من 1,6 مليون نسمة في ديسمبر/كانون الأول 2010 إلى 2,7 مليون نسمة في أكتوبر/تشرين الأول 2018. ويمثل العمال الأجانب 95 بالمئة من القوة العاملة في قطر، وهم يفدون إليها من بعض أكثر بلدان العالم فقراً، ويعملون في قطاعات مثل البناء والفنادق والعمل في المنازل. لكن مع التزايد السريع لأعداد العمال الذين يفدون للاستفادة من الفرص الاقتصادية، سقط المزيد منهم ضحايا لنظام العمل الذي يتسم بالاستغلال في قطر.

ومنذ أن أُوكلت لقطر مهمة تنظيم بطولة كأس العالم، كان هناك توثيق مُكثَّف لما يتعرض له العمال الأجانب الذين يتقاضون أجوراً زهيدة من إساءة واستغلال يُعدَّان، في بعض الأحيان، عملاً بالسخرة، واتجاراً بالبشر. فعلى سبيل المثال، أفادت صحيفة “الغارديان” في أكتوبر/تشرين الأول 2013 بأن 44 عاملاً نيبالياً تُوفوا في قطر في فترة لا تتجاوز الشهرين، بينما وثَّقت تقارير منظمة العفو الدولية في عامي 2013 و2016 استغلالاً واسع النطاق للعمال في قطاع التشييد والبناء، بما في ذلك العمل بالسخرة كما هو الحال، مثلاً، في أعمال بناء “ملعب خليفة الدولي” في الدوحة. وفي عام 2014، أفاد “مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق المهاجرين” كذلك بأن “الاستغلال متفشٍ، وكثيراً ما يعمل الوافدون دون أجر، ويعيشون في ظروف دون المستوى”، ودعا إلى إلغاء نظام الكفالة المعمول به في البلاد.

وبالرغم من الإصلاحات الحديثة العهد، فما زال مثل هذا الاستغلال للعمال مستمراً على نطاق واسع حتى الآن. ففي سبتمبر/أيلول 2018، نشرت منظمة العفو الدولية نتائجَ تقصٍ لأعمال شركة هندسية تدعى “ميركوري مينا”تركت عشرات العمال مفلسين، وقد تقطعت بهم السبل في قطر، وشعروا في نهاية الأمر بأنهم مُضطرون للعودة إلى بلادهم مثقلين بالديون؛ برغم أن لهم آلاف الدولارات من الأجور والمستحقات. وكان العمال يشاركون في تشييد بنية أساسية حيوية تخدم المدينة والملعب اللذين سيستضيفان المباراتين الافتتاحية والنهائية لبطولة كأس العالم لعام 2022. وفي حالة أخرى لاقت اهتماماً كبيراً ووردت أنباؤها أول الأمر في مايو/أيار 2018، ظل 1200 عامل دون أجر لعدة أشهر، وعاشوا أسابيع دون مياه جارية أو كهرباء.

نظام الكفالة

نظام الكفالة يشكل أساس عملية التوظيف، حيث يربط العمال الأجانب قانوناً بمستخدميهم، فيقيِّد قدرة جميع العمال على تغيير عملهم، كما يمنع كثيرين منهم من مغادرة البلاد دون إذن مستخدميهم.

نظام الكفالة

وهناك عدة عوامل أساسية وراء هذا الاستغلال الذي يتعرض له العمال الأجانب، من بينها التأخر في دفع الأجور وعدم دفعها، وهو ما يؤدي إلى تفاقم مشكلة الديون الكبيرة التي تثقل كاهل العمال بسبب ممارسات التوظيف غير القانونية وغير الأخلاقية؛ العقبات التي تعترض سبل نيل العدالة عند انتهاك الحقوق؛ حظر التنظيمات العمالية؛ والتقاعس في إنفاذ القوانين القطرية التي يُفترض أن تحمي حقوق العمال.

عوامل وراء الاستغلال الذي يتعرض له العمال الأجانب

وبعيداً عن الأضواء المسلَّطة على استعدادات كأس العالم، وطفرة التوسع العمراني الأوسع في قطر، لا تزال العمالة المنزلية في البلاد عرضةً بشكل حاد للإساءات ومستبعدة من بعض إجراءات الحماية الأساسية والإصلاحات.

العمالة المنزلية

وعود الإصلاح

بعد وعود متكررة لا يتبعها إلا تحرك محدود على مدى سنوات (انظر التسلسل الزمني)، وقَّعت قطر في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 اتفاقاً مع “منظمة العمل الدولية” التابعة للأمم المتحدة أثار قدراً أكبر من التفاؤل. وتعمل “منظمة العمل الدولية”، التي صار لها الآن مكتب في قطر، مع السلطات في عملية إصلاح واسعة تشمل خمسة مجالات تتعلق بالعمل، وهي: إصلاح نظام الكفالة، وسبل نيل العدالة، وأصوات العمال، والصحة والسلامة، والأجور والتوظيف.

وقد أصدرت الحكومة في الفترة التي انقضت منذ عام 2017 عدة تشريعات جديدة تستهدف منفعة العمال الأجانب، من بينها وضع حد أدنى مؤقت للأجور، وسن قانون للعمالة المنزلية، وإقامة لجان جديدة لفض المنازعات، وإنشاء صندوق لدعم وتأمين العمال، كما صدَّقت على معاهدتين دوليتين مهمتين لحقوق الإنسان؛ برغم أنها أشارت إلى أنها لن تتقيد ببعض التزاماتهما الأساسية، مثل تلك المتعلقة بحق العمال في تشكيل نقابات. وأجرت الحكومة أيضاً إصلاحاً جزئياً لنظام الكفالة دون إلغائه بالكامل، فألغت شرط “مأذونية الخروج” لأغلب العمال، وهو ما يعني أن بمقدور المستفيدين من هذا الإلغاء الآن مغادرة البلاد دون إذن مستخدميهم.

لكن برغم هذه الإصلاحات المرحب بها، فقد ظل الواقع بالنسبة إلى كثير من العمال الأجانب في قطر قاسياً، وسيظل كذلك حتى اكتمال عملية الإصلاح وإحكام تنفيذها بشكل أفضل بكثير في الممارسة العملية وتطبيقها على جميع العمال. فعلى سبيل المثال، ما زال 174 ألف عامل من عمال المنازل من بين عدة فئات من العمال مستثناة من إلغاء “مأذونية الخروج”، وما زال “الحد الأدنى لأجور العمال” منخفضاً، وما زال التراخي في إنفاذ القوانين عقبة في سبيل التقدم الحقيقي في أرض الواقع، وما زال ممكناً أن تستغرق “لجان فض المنازعات العمالية” الجديدة شهوراً كثيرة في نظر الشكاوى، وقد لا تضمن بعد ذلك دفع المستحقات عندما تمتنع الشركات عن الدفع أو لا تقدر عليه.

ولعل ما يستلفت النظر أنه لم يجر أي إصلاح يُعتد به للبنود القانونية التي تمنع العمال من تغيير وظائفهم دون موافقة صاحب العمل، والتي تُعرف باسم “إذن عدم الممانعة”. وهذا يعني أن من الإنصاف القول إن نظام الكفالة ما زال راسخاً في مكانه، حيث يمثل ركيزةً أساسيةً لنظام للعمل يتسم بالاستغلال، ويواصل منع العمال من الهرب من الاستغلال والإساءات.

عمل دائم، بدون أجر

في مارس/آذار 2018، أنشأت قطر لجان فض المنازعات العمالية (اللجان). يعد استبدال محاكم العمل سيئة السمعة، وغير الفعالة، باللجان إحدى أكثر الخطوات المشجعة في إصلاح ظروف العمال في قطر؛ ووعد العمال بحل شكاويهم، ومنحهم حكماً قانونياً قابل للتنفيذ في غضون ستة أسابيع.

إلا أن بحث منظمة العفو الدولية – الذي سلط الضوء على حالات 2000 عامل من ثلاث شركات – قد وجد أن  قطر لا تزال تفتقر إلى توفير سبل كافية لوصول العمال إلى العدالة. فاللجان الجديدة، بكل بساطة، مثقلة بالشكاوى . فالكثير من القضايا مخصصة لعدد قليل جدًا من القضاة يعني أن العمال سينتظرون شهورًا – وأحيانًا تصل إلى ثمانية أشهر- لمعالجة شكاويهم وفي تلك الحالات التي يحصل فيها العمال على أحكام إيجابية، مع عدم وجود تنفيذ فعال لها، يعني أن الشركات غالباً ما تتقاعس عن دفع التعويضات المطلوبة، مما يضطر العمال إلى مواصلة كفاحهم في المحاكم المدنية في محاولة لاسترداد أموالهم.

فبعد أن تم التخلي عن العمال من قبل شركاتهم، ومع عدم الحصول على أجر لمدة أشهر، ونقص في الغذاء والماء، يعيش العمال على المعونات الخيرية. وإن أوضاعهم المزرية  تعني أن الكثير منهم يشعرون أنه ليس لديهم خيار سوى مغادرة قطر، والعودة إلى ديارهم بجيوب خاوية.

أما إذا أرادت قطر تغيير المسار والوفاء بالتزاماتها بشأن تحسين سبل الوصول إلى العدالة، فعليها أن تتخذ إجراء سريعاً لزيادة قدرة اللجان على النظر في القضايا؛ وتعزيز قدرتها على مساءلة الجناة؛ وتشغيل صندوق دعم وتأمين العمال، في أقرب وقت ممكن، حتى يتمكنوا من الحصول على ما يستحقونه في نهاية المطاف.

عمل دائم، بدون أجر

اللإصلاحات حتى الآن

ماذا عن عمال كأس العالم؟

بالإضافة إلى الإصلاحات على مستوى البلاد، من المفترض كذلك أن يستفيد زهاء 30 ألف عامل، يعملون تحديداً في المشروعات التي تشرف عليها “اللجنة العليا للمشاريع والإرث” (اللجنة العليا)، وهي الهيئة المسؤولة عن تخطيط وإنشاء البنية الأساسية اللازمة لاستضافة كأس العالم، من معايير أكثر صرامة للعمل والحماية من خلال “معايير رعاية العمال” التي استُحدثت في عام 2014. وهذه المعايير، التي تُدرج في العقود الممنوحة للشركات العاملة في مشاريع  كأس العالم، تتناول عدة موضوعات، من بينها التوظيف الأخلاقي، ودفع الرواتب في مواعيدها، والحظر التام للعمل القسري. ونُقل عمال كأس العالم كذلك إلى مساكن جديدة أُقيمت حديثاً تفي بمعايير محددة، بينما بدأت “اللجنة العليا” أيضاً برنامجاً لتقديم مدفوعات لآلاف العمال الذين دفعوا رسوم توظيف.

وقد أدت هذه المعايير إلى بعض التحسينات الحقيقية، لكنها لا تُحترم في جميع الحالات. ففي أغسطس/آب 2018، مثلاً، اعترف منظمو كأس العالم في قطر بأن بعض الشركات المتعاقدة العاملة في إنشاء أحد الملاعب استعداداً لعام 2022 انتهكت حظراً للعمل في بعض ساعات الصيف حيث يمنع العمل في الأماكن المكشوفة في أوقات ارتفاع درجات الحرارة، ما يمثل خطراً جديا على صحة العمال. وفي فبراير/شباط 2018، كشف تدقيق في أعمال 19 شركة متعاقدة تعمل في مشروعات كأس العالم عن استمرار وجود مخالفات في أعمال أغلبية كبيرة من الشركات التي تناولها التدقيق، مثل تبديل العقود، والعمل ساعات طويلة تتجاوز كثيراً الحد المقرر. وتقول “اللجنة العليا” إنها مستمرة في العمل على التصدي للتحديات التي يكشف عنها مثل هذا التدقيق.

ما الذي ينبغي لقطر أن تقوم به؟

مع مرور الوقت حتى إنه لم يبق سوى أقل من أربعة أعوام على انطلاق بطولة كأس العالم، فضلاً عن مرور أكثر من عام منذ توقيع الاتفاق مع “منظمة العمل الدولية”، من الضروري للسلطات القطرية أن تُعجِّل جهودها لتحسين إجراءات الحماية المتاحة لعمالها الأجانب تحسيناً جذرياً حقيقياً.

وينبغي للحكومة القطرية، مع دعم “منظمة العمل الدولية” وتشجيع شركائها على تنفِّذ الخطوات التالية:

  • إصلاح نظام الكفالة إصلاحاً جذرياً: وذلك بالسماح لكل العمال الأجانب بتغيير وظائفهم دون إذن صاحب العمل، وإلغاء تهمة “الهروب”، وتوسيع إلغاء “مأذونية الخروج” ليشمل جميع العمال، وتنفيذ الحظر على جواز السفر.
  • معالجة مشكلة ديون العمال وضمان دفع أجور ملائمة: وذلك بتشديد إجراءات حماية العمال من ممارسات التوظيف المسيئة، ووضع حد أدنى كاف للأجور لجميع العمال، ومراجعته دورياً وفرض الالتزام به، وضمان أن يؤدي “نظام حماية الأجور” إلى تحرك لإنصاف العامل في حالة الاستمرار في عدم دفع الأجر، وتوفير موارد كافية “لصندوق دعم وتأمين العمال”.
  • تعزيز إنفاذ قوانين العمل: وذلك بضمان القيام بعمليات تفتيش دورية صارمة لأماكن العمل من خلال إجراءات، من بينها زيادة عدد المفتشين الذين يتحدثون لغات أخرى غير العربية والإنجليزية، ومحاسبة أي صاحب عمل أو كفيل لا يحترم القوانين والقواعد القطرية.
  • تحسين سبل التماس العدالة وتعبير العمال عن أنفسهم: وذلك بضمان توفير الموارد “للجان فض المنازعات العمالية” حتى تتمكن من النظر في القضايا خلال المدة القانونية المحددة، والسماح بتشكيل نقابات عمالية، وسحب التحفظات المتعلقة بذلك على المعاهدات الدولية.
  • تشديد الحماية للعمالة المنزلية: وذلك بتعديل “قانون العمالة المنزلية” لكي يتماشى مع المعايير الدولية فيما يتعلق بأمور من بينها، مثلاً، ساعات العمل، وتشديد آليات فرض إنفاذ القانون وتوفير الحماية للضحايا، ومحاسبة أصحاب العمل المسيئين بما في ذلك ملاحقتهم جنائياً.

ما الذي ينبغي لقطر أن تقوم به؟

ماذا عن الاتحاد الدولي لكرة القدم والشركات العاملة في قطر؟

 المسؤوليات والحلول لا تقع على عاتق الحكومة القطرية وحدها. وتوضح “مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان” أنه ينبغي للشركات، كحد أدنى، أن تحترم حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق العمال. وهذا يعني اتخاذ إجراءات كافية لمنع انتهاكات حقوق الإنسان ذات الصلة بعملياتها، وتخفيف أثرها، واتخاذ إجراءات للإنصاف، كلما دعت الضرورة. وينبغي للشركات ألا تنتهز بأي حال عيوب نظام العمل القطري لاستغلال العمال.

أما بالنسبة للهيئات مثل “الاتحاد الدولي لكرة القدم” (“الفيفا”)، فهذا يعني أنها تتحمل مسؤولية مستمرة عن منع الانتهاكات، والتصدي للانتهاكات التي وقعت نتيجة لعملياتها التجارية المرتبطة بكأس العالم. وهذا يعني أنه يتعين على “الفيفا”، تماشياً مع “سياسة حقوق الإنسان” الخاصة به، ألا يضمن فحسب احترام حقوق العمال في أعمال بناء ملاعب كأس العالم، بل وأن يستخدم أيضاً ثقله في ضمان احترام الحقوق في نطاق أوسع من مشروعات البنية الأساسية اللازمة لإقامة بطولة كأس العالم لسنة 2022 مثل أنظمة التبريد أو مجمعات الإقامة التي سُلِّط عليها الضوء في حالة “ميركوري مينا”، أو مشروعات النقل ذات الصلة.

وحيث إن الوقت يمر، ينبغي على “الفيفا” أيضاً أن ينشط في السعي للتأثير على السلطات القطرية حتى تفي بشكل كامل وعلى وجه السرعة بوعودها المتعلقة بالإصلاح حتى تكون حماية جميع العمال الأجانب في البلاد إرثاً إيجابياً وطويل الأمد لكأس العالم لعام 2022.

ويمكن لأصحاب الشأن الآخرين، كالحكومات الأخرى واتحادات كرة القدم الوطنية والجهات الراعية، أن تضيف أيضا صوتها وتقوم بدور مؤثِّر في هذه المرحلة الحرجة.

التقرير الكامل بنسخة PDF

 الواقع عن كثب: أوضاع حقوق العمال الأجانب قبل أقل من أربع سنوات من بدء بطولة كأس العالم لعام 2022 في قطر