خلفية

تتسم حالة حقوق الإنسان في تونس بالهشاشة أكثر من أي وقت مضى بعد مرور عام على هيمنة الرئيس قيس سعيّد على السلطة. فقد تم تفكيك الضمانات المؤسساتية لحمايتها بالكامل تقريبًا، وفقد القضاء الضمانات الواجبة للحفاظ على استقلاليته، واستهدفت المحاكم العسكرية بشكل متزايد منتقدي الرئيس بقوانين قمعية، في حين تقلّص الحق في حرية التعبير مع الملاحقة القضائية لما لا يقل عن 29 معارضًا بارزًا بتهم زائفة.

فمنذ 25 جويلية/تموز 2021، ما فتئت منظمة العفو الدولية ترصد وتوثق تراجع حالة حقوق الإنسان في البلاد، فضلاً عن تأثير قرارات الرئيس سعيّد على ضمانات حقوق الإنسان. في ذلك التاريخ، علّق الرئيس سعيّد عمل البرلمان، وأقال رئيس الوزراء وهيمن على السلطة التنفيذية، مستندًا إلى سلطات الطوارئ التي قال إنها مُنحت له بموجب الدستور.

ومنذ ذلك الحين، فكّك معظم المؤسسات المستقلّة التي تعتبر أساسية لحماية حقوق الإنسان، من بينها مجلس مستقل للإشراف على السلطة القضائية ومؤسسة مسؤولة عن مراقبة ما إذا كانت القوانين الجديدة تتفق مع الدستور التونسي لعام 2014، ومنح نفسه سلطات غير مقيدة تقريبًا للحكم.

بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الثورة التي أطاحت بدكتاتور تونس الذي دام حكمه لفترة طويلة، زين العابدين بن علي، الذي حكم البلاد بقبضة من حديد وارتكب انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان خلال حكمه الذي دام 23 عامًا، فإن الظروف اليوم مواتية للعودة إلى نظام استبدادي. ترزح حرية التعبير تحت الضغوط، وتتعرض حرية تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها للتهديد، بينما يُداس الحق في المحاكمة العادلة. والمؤسسات التي كانت تعتبر حصنًا ضد سوء المعاملة إما أنها ضعيفة أو مفككة.

ماذا حصل منذ 25 جويلية/تموز فصاعدًا؟


هيمنة الرئيس سعيّد على السلطة

©Presidency of Tunisia/ Handout via Anadolu Agency via Getty Images
انتهاك حقوق الإنسان: الحق في حرية التنقل

فرض قرارات حظر سفر تعسفي بحق ما لا يقل عن 50 شخصًا، بمن فيهم قضاة وكبار مسؤولي الدولة وموظفو الخدمة المدنية ورجل أعمال وأحد البرلمانيين على مدى شهر بعد الهيمنة على السلطة

اقرأوا المزيد
©FETHI BELAID/AFP via Getty Images
انتهاك حقوق الإنسان: ملاحقة مدنيين قضائيًا أمام المحاكم العسكرية

ملاحقة ما لا يقل عن 10 مدنيين قضائيًا أمام محكمة عسكرية، بينهم صحفي وبرلمانيان ومدون

اقرأوا الزيد
(Photo by Chedly Ben Ibrahim/NurPhoto via Getty Images)
انتهاك حقوق الإنسان: الاحتجاز التعسفي

إلقاء القبض على وزير العدل السابق نور الدين البحيري والمسؤول في وزارة الداخلية فتحي البلدي ونقلهما إلى مكانٍ لم يُفصح عنه. وقد أفرجت عنهما السلطات دون تهمة بعد 67 يوما من الاحتجاز التعسفي. 

اقرأوا المزيد
Private
انتهاك حقوق الإنسان: حرية تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها

تسريب مشروع قانون لتنظيم منظمات المجتمع المدني. يحتوي المشروع على العديد من الأحكام التي من شأنها عرقلة العمل المدني والتمويل

اقرأوا المزيد
©FETHI BELAID/AFP via Getty Images
انتهاك حقوق الإنسان: حرية التجمع

السلطات التونسية تحظر التجمعات العامة قبيل 14 جانفي/يناير 2022، الذكرى 11 للثورة التونسية

اقرأوا المزيد
©Nacer Talel/Anadolu Agency via Getty Images
انتهاك حقوق الإنسان: الحق في المحاكمة العادلة

الرئيس قيس سعيّد يصدر المرسوم عدد 11 لعام 2022 بحل المجلس الأعلى للقضاء المستقل واستبداله بهيئة مؤقتة يسيطر عليها بشكل كبير

اقرأوا المزيد
Gaidi/Anadolu Agency via Getty Images)
انتهاك حقوق الإنسان: حرية التعبير

الحكم على النائب ياسين العياري بالسجن لمدة عشرة أشهر غيابيًا بالاستناد إلى منشورات على فيسبوك ينتقد فيها هيمنة الرئيس سعيّد على السلطة.

اقرأوا المزيد
(Photo by Chedly Ben Ibrahim/NurPhoto via Getty Images)
انتهاك حقوق الإنسان: حرية التعبير

سجنت محكمة عسكرية المحامي البارز والرئيس السابق لنقابة المحامين عبد الرزاق الكيلاني بناء على مشادات كلامية بينه وبين ضباط شرطة. حكم عليه بالسجن لمدة شهر في 19 ماي/أيار 2022

اقرأوا المزيد
©Amnesty International
انتهاك حقوق الإنسان: حرية التعبير

تضمين مرسوم لمكافحة المضاربة أحكام مبهمة الصياغة يمكن أن تؤدي إلى أحكام بالسجن تتراوح بين عشر سنوات ومدى الحياة بما في ذلك للنقاش العلني حول الاقتصاد.

اقرأوا المزيد
©Yassine Gaidi / Anadolu Agency via Getty Images
انتهاكات حقوق الإنسان: حرية التعبير وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها أو الانضمام إليها والتجمع السلمي

فتح تحقيقات جنائية ضد ما لا يقل عن 20 برلمانيًا شاركوا في جلسة عامة عبر الإنترنت للاحتجاج على هيمنة الرئيس سعيّد على السلطة.

اقرأوا المزيد
©Fethi Belaid/ AFP via Getty Images
انتهاك حقوق الإنسان: الحق في المحاكمة العادلة

اصدار الرئيس سعيّد المرسوم عدد 35 للعام 2022 الذي يمنحه سلطة إعفاء القضاة والوكلاء العامين على هواه. تم إعفاء 57 قاضيًا تعسفيًا في اليوم نفسه

اقرأوا المزيد
©Yassine Gaidi / Anadolu Agency via Getty Images
انتهاك حقوق الإنسان: حرية التعبير

اعتقال الصحفي صالح عطية وسجنه بسبب تصريحات أدلى بها على قناة الجزيرة بشأن الرئيس سعيّد والجيش التونسي

اقرأوا المزيد
Private
انتهاك حقوق الإنسان: حقوق المحاكمة العادلة

إصدار السلطات التونسية مشروع دستور جديد بعد عملية مبهمة ومُسرّعة يقوض الضمانات المؤسسية لحقوق الإنسان ويزيد من تقليص استقلالية القضاء

اقرأوا المزيد
©Yassine Gaidi / Anadolu Agency via Getty Images

ما هو الوضع الحالي؟

مشروع دستور يُعرّض حقوق الإنسان للخطر

في 30 جوان/حزيران 2022، قدّم الرئيس سعيّد مشروع دستور من شأنه أن يعزز صلاحياته ويُعرّض حقوق الإنسان للخطر. وقد صدرمشروع الدستور بعد مسار صياغة مبهم ومُسرّع دون التشاور الجدي مع منظمات المجتمع المدني أو الأحزاب السياسية. ولا يوفر مشروع الدستور للسلطة القضائية التونسية الضمانات اللازمة للعمل باستقلال ونزاهة كاملين، ويزيل آليات الرقابة النافذة لمحاسبة السلطات. وهو يتضمن أحكامًا مثيرة للقلق من شأنها أنّ تفسح المجال للسلطات لتفسير الحقوق بطرق تقييدية ورجعية باسم الإسلام. وفي حين أنَّ المسودة على الورق لا تزال تشير إلى عدد من الحقوق الرئيسية، إلا أنها تمنح الرئيس سلطات طوارئ غير مقيّدة إلى حد كبير يمكن ممارستها للحد من حقوق الإنسان. وإذا تمَّ إقراره، فإنه سيحل محل دستور عام 2014، الذي صاغه المجلس الوطني التأسيسي المنتخب من خلال عملية شاملة وشفافة لمدة عامين وتضمّن ضمانات قوية لحقوق الإنسان. ومن المقرر إجراء استفتاء على الدستور الجديد المقترح في 25 جويلية/تموز، في ذكرى مرور عام على تعليق الرئيس سعيّد البرلمان ومنح نفسه الحق الحصري في الحكم بمراسيم وإعادة صياغة الدستور التونسي

تزايد حالة عدم التسامح مع النقد الموجه إلى الرئيس وأفعاله

منذ 25 جويلية/تموز 2021، وجد تونسيون بمن فيهم صحفيون وبرلمانيون وشخصيات سياسية ورئيس سابق أنفسهم في مرمى نيران السلطات وتعرّضوا للملاحقة القضائية لمعارضتهم هيمنة الرئيس على السلطة. وتعرّض ما لا يقل عن 29 شخصًا للملاحقة القضائية على جرائم تتصل بحرية التعبير، بينهم ستة أمام محاكم عسكرية، وهو ضعف عدد المدنيين الذين تعرّضوا للملاحقة القضائية أمام محاكم عسكرية في عام واحد مقارنة بالسنوات العشر التي تلت الإطاحة بزين العابدين بن علي.

وفي حين انتقد الكثيرون في تونس تصّرف الرئيس دون مواجهة عواقب جنائية، فقد لاحقت المحاكم قضائيًا معارضين بارزين للرئيس لوصفهم أفعاله بأنها “انقلاب”، أو الإدلاء بتصريحات اعتبرتها السلطات كاذبة أو مهينة. ولا تُعتبر الملاحقة القضائية بسبب الانتقاد العلني للسلطات أمرًا جديدًا في تونس، فمنذ ثورة 2011، عرّضت السلطات عشرات المدونين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والصحفيين للملاحقة القضائية، لكن تركيز المحاكم على المنتقدين البارزين للرئيس هو شكل جديد من أشكال عدم التسامح مع ممارسة حرية التعبير يأخذ طابعًا سياسيًا متزايدًا.

وكان البرلماني ياسين العياريمن بين أوائل المنتقدين البارزين للرئيس قيس سعيّد وهيمنته على السلطة، إذ رد على ما حدث في 25 جويلية/تموز على فيسبوك بانتقاد الرئيس والإشارة إلى هيمنته على السلطة باعتباره “انقلابًا عسكريًا بتخطيط وتنسيق أجنبي”.  

واعتُقل في 30 جويلية/تموز 2021، بعد رفع الحصانة عنه لقضاء عقوبة صدرت ضده عام 2018 في محكمة عسكرية. وأثناء وجوده في السجن، فتح وكيل عام محكمة عسكرية تحقيقًا جديدًا ضده بناء على منشوراته على فيسبوك بعد 25 جويلية/تموز بتهمة ارتكاب امر موحش إزاء رئيس الجمهورية، واتهام مسؤول عام بأعمال غير قانونية دون دليل، والمس بسمعة الجيش، وفي 14 فيفري/شباط 2022، بدأت جلسات المحكمة العسكرية لمحاكمة العياري بهذه التهم. وفي 18 فيفري/شباط، حكمت عليه المحكمة غيابيًا بالسجن عشرة أشهر.
الصحفي صالح عطيةهو تونسي آخر يلاحق قضائيًا أمام محكمة عسكرية بسبب ممارسته حقه في حرية التعبير. وينبع اعتقاله من تصريح أدلى به على قناة الجزيرة ذكر فيه أنَّ الجيش رفض أوامر رئاسية بإغلاق مقر الاتحاد العام التونسي للشغل. ويُحتجز صالح عطية حاليًا في سجن المرناقية في تونس العاصمة على ذمة مزيد من التحقيقات. وهو ثاني صحفي والمدني رقم 12 على الأقل الذي يلاحَق قضائيًا أمام محكمة عسكرية منذ هيمنة الرئيس قيس سعيّد على السلطة.

في 30 مارس/آذار 2022، اجتمع حوالي 120 عضواً من أصل 217 عضواً في البرلمان المعلّق عبر الإنترنت للاحتجاج على هيمنة الرئيس سعيّد على السلطة وإلغاء قراراته.

وفي اليوم التالي، وبعد تعليقات حادة من الرئيس، الذي اتهم البرلمانيين المجتمعين بالتحريض على انقلاب والتآمر ضد أمن الدولة، تمَّ استدعاؤهم للاستجواب وفُتحت تحقيقات ضدهم بموجب الفصل 72 من المجلة الجزائية (قانون العقوبات) التي تُنزل عقوبة الإعدام على “تبديل هيئة الدولة”.

حرية تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها في خطر

أخذ الفضاء المدني في تونس بالنمو بعد ثورة 2011 ويرجع الفضل في ذلك جزئيًا إلى مرسوم جديد يسمح لمنظمات المجتمع المدني بالعمل بحريّة ووفقًا للمعايير الدولية المتعلقة بحرية تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها. ويمثل مرسوم عدد 88 لعام 2011 الصادر في 24 سبتمبر/أيلول 2011 كسرًا واضحًا لحقبة بن علي القمعية التي اتسمت بالسيطرة وفرض القيود.

منذ عام 2011، ازدهرت منظمات المجتمع المدني التي تعمل على مجموعة متنوعة من القضايا مثل التعليم والصحة والبيئة والعمل الخيري. كما ساهمت جمعيات المجتمع المدني في المرحلة الانتقالية في تونس بعد الثورة من خلال طرح مبادئ مثل حقوق الإنسان وسيادة القانون في فضاء النقاش العام وتكوين مجموعات ضغط للتأثير على سياسة الدولة. وقد نقلت منظمات من دول مجاورة مثل ليبيا ومصر مكاتبها إلى تونس وبدأت العمل من هناك. 

منذ 25 جويلية/تموز 2021، أدلى الرئيس سعيّد بتعليقات اتسمت بالعدائية تجاه منظمات المجتمع المدني. ووجه انتقادات علنية في خطاب مسجل بالفيديو في 24 فيفري/شباط 2022، متهمًا إياها بخدمة مصالح أجنبية. وفي نفس الخطاب، قال إنه يعتزم حظر كافة أشكال التمويل الأجنبي عنها. يعتمد ما يقرب من 40 بالمائة من المنظمات إما جزئيًا أو بشكل رئيسي على التمويل الأجنبي وفقًا لدراسة أجريت في 2018. ومن شأن فرض حظر على التمويل الأجنبي أن يُعرّض القطاع غير الربحي برمته للخطر، ويحد من قدرة هذه الجمعيات على خدمة التونسيين. ووفقًا لمركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات (IFEDA)، تعمل الغالبية العظمى من منظمات المجتمع المدني في مجالات الحياة الثقافية أو التعليم أو الرياضة.

لا يقتصر التهديد الذي يطال الفضاء المدني في تونس على الهجمات اللفظية. في جانفي/كانون الثاني، سُرب مشروع قانون مُعدّل لمرسوم عدد 88 لعام 2011 إلى منظمات المجتمع المدني في تونس. وفي حال اعتماده، سيعرقل العمل المدني من خلال منح سلطات واسعة للسلطات للتدخل في عمل منظمات المجتمع المدني ومصادر تمويلها. ومن شأن المشروع أن يستعيد شرطًا يعود لحقبة بن علي يتمثل بالحصول على إذن حكومي قبل أن تتمكن مجموعة من منظمات المجتمع المدني من العمل؛ وينظم أنشطة منظمات المجتمع المدني والمواد المنشورة استنادًا إلى مصطلحات مبهمة وفضفاضة للغاية مثل “تهديد وحدة الدولة”؛ ويُخضع التمويل من الخارج لمنظمات المجتمع المدني لموافقة مسبقة من البنك المركزي التونسي؛ ويسمح للسلطات بحل منظمات المجتمع المدني دون إشراف قضائي.

لم تؤكد السلطات التونسية رسميًا عزمها تعديل مرسوم عدد 88 لعام 2011، كما أنها لم تعلّق علنًا على المشروع المسرب. لكن تداول مشروع القانون الجديد إلى جانب خطاب الرئيس في 24 فيفري/شباط أثار قلقًا واسع النطاق بين منظمات حقوق الإنسان التونسية والدولية.

وفي 11 مارس/آذار، دعت منظمة العفو الدولية و12 منظمة محلية ودولية أخرى السلطات التونسية إلى الإلغاء الفوري لخطط فرض قيود جديدة على منظمات المجتمع المدني.

 لقد قوّض الرئيس بإصداره المراسيم من دون إشراف أو مراجعة، العديد من الإنجازات الرئيسية التي حققتها البلاد في مجال حقوق الإنسان في السنوات العشر التي أعقبت ثورة 2011 التي أنهت حكم الرئيس السابق بن علي

هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا

طالبوا السلطات التونسية بوضع حد لتراجع حالة حقوق الإنسان في تونس

None

الحق في المحاكمة العادلة تحت الهجوم

تجسّدت الهجمات اللفظية التي شنّها الرئيس قيس سعيّد على القضاء على هيئة مراسيم تقوّض استقلالية القضاء والحق في المحاكمة العادلة في تونس. وعلاوة على ذلك، فإن مشروع الدستور الذي أصدرته السلطات في 30 جوان/حزيران يتماشى مع رؤية الرئيس لنظام العدالة باعتباره مجرد وظيفة للدولة وليس سلطة منفصلة ومستقلّة تحرسها ضمانات قوية لحمايتها من تدخل الحكومة. ويمكّن مشروع الدستور الرئيس من تعيين القضاة بموجب أمر رئاسي، كما يفتح الباب أمام الحكومة لاتخاذ إجراءات تأديبية ضد القضاة بدلًا من منح هذا الامتياز حصريًا لمؤسسة مستقلة. تعيد هذه الرؤية للسلطة القضائية للأذهان آلية عملها في عهد الديكتاتور التونسي السابق بن علي عندما كان القضاة والوكلاء العامون رهن موافقته ونفوذه.

بعد الإطاحة بحكم بن علي في 2011، أنشأت السلطات التونسية المجلس الأعلى للقضاء، للإشراف على مسيرة القضاة المهنية والعمل كحصن ضد تدخل السلطة التنفيذية. وبعد أكثر من 10 سنوات بمدة قليلة، قام الرئيس سعيّد بحل المجلس من جانب واحد. في 5 فيفري/شباط 2022، وبعد أشهر من اتهامه القضاء بالفساد والإهمال، أعلن، في خطاب مسجّل بالفيديو في وزارة الداخلية، أنَّ المجلس الأعلى للقضاء “يجب أن يُعتبر في عداد الماضي من هذه اللحظة”. وفي 12 فيفري/شباط 2021، أصدر سعيّد المرسوم عدد 11 لعام 2022، بحلّ المجلس، واستبداله بمجلس جديد مؤقت، ومنح نفسه نفوذًا كبيرًا على المسارات الوظيفية القضائية والإجراءات التأديبية.

لا أستطيع أنّ أخبرك بأي من الاتهامات التي تتعلق بقرار إعفائي ولن أتمكن من ذلك طالما أنني لست متهمًا رسميًا بأي شيء. أتكهن أنَّ ذلك بسبب كتاباتي وأنشطتي للاحتجاج على الخطوات التي اتخذها الرئيس والحكومة لتقويض استقلال القضاء

حمادي الرحماني

في 1 جوان/حزيران 2022، شدّد سعيّد سيطرته على القضاء بشكل أكبر من خلال إصدار المرسوم عدد 35 لعام 2022، المعدّل للمرسوم عدد 11 لعام 2022، الذي يمنح الرئيس سلطة إقالة القضاة والوكلاء العامين على هواه. وبموجب المرسوم عدد 35 لعام 2022، تُثار الدعوى العمومية ضدّ كل قاض يتم إعفاؤه على سوء السلوك المزعوم. وفي اليوم نفسه، نشر مرسوم في (الرائد الرسمي) الجريدة الرسمية التونسية بأسماء 57 قاضيًا أعفاهم الرئيس سعيّد بشكل تعسفي.

في 10 جوان/حزيران، أدانت منظمة العفو الدولية وعشر منظمات حقوقية هجمات الرئيس سعيّد المتكررة على القضاء، ودعتهإلى إلغاء المرسوم عدد 35 لعام 2022.

وبدأ ثلاثة من 57 قاضيًا أعفاهم الرئيس سعيد بإجراءات موجزة إضرابًا عن الطعام في 22 جوان/حزيران احتجاجًا على إعفائهم ولحماية استقلالية القضاء. وقال حمادي الرحماني وهو من بين القضاة الثلاثة الذين كانوا مضربين عن الطعام والمستشار في محكمة التعقيب في تونس العاصمة والمنتقد الصريح لقرارات الرئيس سعيّد بشأن القضاء:

الاعتقالات التعسفية وحظر السفر

في أعقاب 25 جويلية/تموز 2021، لجأت السلطات التونسية إلى فرض الإقامة الجبرية التعسفية وحظر السفر غير القانوني ضد عشرات الأفراد.

وكان من بين الأفراد الذين وضعوا قيد الإقامة الجبرية وزير العدل السابق نور الدين البحيري والمسؤول السابق في وزارة الداخلية فتحي البلدي. نور الدين البحيري هو أيضًا شخصية بارزة في حزب النهضة، الذي كان القوة الرئيسية للمعارضة في البرلمان الذي يعتبر بحكم المنحل الآن. وكانت السلطات التونسية قد اعتقلتهما خارج منزليهما واقتادتهما إلى مكان لم يُفصح عنه. وقد أمضيا 67 يومًا رهن الاحتجاز التعسفي دون أن يتمكنا من مقابلة محام. وأخيرًا أفرجت عنهما السلطات دون توجيه اتهامات رسمية بحقهما.

في الشهرين التاليين لهيمنة الرئيس سعيّد على السلطة، نفذت السلطات موجة من قرارات حظر السفر التعسفي طالت العديد من الأشخاص، بمن فيهم قضاة وعدد من كبار مسؤولي الدولة وموظفو الخدمة المدنية ورجال أعمال وعضو برلمان. وقد وثقت منظمة العفو الدولية 50 حالة من هذا القبيل، لم تتعلق أي منها بشخص كان موضوع قضية تُنظر أمام المحكمة أو محل تحقيق جنائي جارٍ، أو أي أمر قضائي يجيز حظر السفر.

وبعد تزايد الانتقادات العلنية لإجراءات حظر السفر، أصدر الرئيس سعيد بيانًا في 17 سبتمبر/أيلول 2021 دعا فيه شرطة الحدود إلى حصر حظر السفر خارج البلاد بالأشخاص الخاضعين للإجراءات القضائية. 

فعلى سبيل المثال، في 15 جوان/حزيران 2022، حاولت النائبة البرلمانية السابقة عن حزب النهضة السيدة الونيسي السفر مع ابنتها إلى فرنسا عبر مطار تونس العاصمة، لكن أفراد من شرطة الحدود أخبروها أنَّ محكمة قد منعتها من السفر إلى الخارج. اتصلت بقاض في المحكمة الابتدائية بتونس للتحقيق في المسألة واستفسرت كذلك لاحقًا من مسؤول في المحكمة. ونفى كلاهما وجود أي أمر قضائي أو إجراء يحظر على الونيسي السفر إلى الخارج، لكنهما لم يستطيعا تزويدها بوثائق بهذا الشأن. وحاول أسامة الصغير، وهو أيضًا برلماني سابق في حزب النهضة، السفر إلى إيطاليا في مناسبتين في جوان/حزيران 2022، لكن ضباط شرطة الحدود أبلغوه بأنه يخضع لحظر السفر ولم يتمكن الضباط من تقديم تفسير أو وثيقة رسمية تبرر هذا الحظر.

تونس: تدهور حقوق الإنسان على مدى عام منذ هيمنة الرئيس على السلطة

الخلاصة والتوصيات

شكّل العام الذي انقضى منذ انتزاع الرئيس سعيّد سلطات واسعة في 25 جويلية/تموز 2021 خسارة عميقة بالنسبة لحالة حقوق الإنسان وضمانات حقوق الإنسان في تونس. فقد فكّك الرئيس سعيّد أو أضعف أو هدّد الضمانات الرئيسية لحقوق الإنسان. وتدعو منظمة العفو الدولية السلطات التونسية إلى:

  • وقف الممارسة المتعلقة بمحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية ووقف التحقيق الجنائي والملاحقة القضائية بحق الأشخاص لمجرد ممارستهم السلمية لحقوقهم الإنسانية، بما في ذلك حرية التعبير.

  • الالتزام العلني بضمان حماية الحيز المدني للمجتمع المدني في تونس وضمان الاحتفاظ بالحقوق الممنوحة بموجب المرسوم عدد 88 لعام 2011. وتوضيح ما إذا كانت الحكومة تعتزم تعديل المرسوم وكيف تخطط للتشاور بشكل هادف مع المنظمات غير الحكومية حول أي تغييرات تشريعية من هذا القبيل.

  • الإلغاء الفوري للمرسوم عدد 35 لعام 2022 ومرسوم عدد 11 لعام 2022، لإلغاء سلطة الرئيس في إعفاء القضاة وتعزيز استقلالية القضاء من خلال إعادة تفعيل المجلس الأعلى للقضاء الذي تمّ حله مؤخرًا.

  • وقف ممارسات حظر السفر التعسفي، والإقامة الجبرية التعسفية، وضمان فرض أي من هذه التدابير بدقة بإذن قضائي، وأن تكون محددة زمنيًا وقابلة للطعن، وفقًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

تتطلب الحالة الهشة لحقوق الإنسان في تونس اتخاذ إجراءات فورية. انضموا إلينا وادعوا السلطات التونسية إلى ضمان وقف ملاحقة المدنيين قضائيًا أمام المحاكم العسكرية والامتناع عن اعتماد تشريعات جديدة من شأنها أن تهدد حرية تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها. حثوا الرئيس سعيّد على وقف تقويضه لضمانات المحاكمة العادلة، من خلال إلغاء سلطاته في إعفاء القضاة وإعادة القضاة الذين أعفاهم تعسفيًا. 

©Yassine Gaidi / Anadolu Agency via Getty Images