• الحملات

حياة تحت نير القيود

بقلم Natalia Prilutskaya London,

التقت ناتاليا بريلوتسكايا، مسؤولة الحملات المعنية بروسيا في منظمة العفو الدولية، مع ساشا كونكو، التي يرزح صديقها في السجن في روسيا منذ عامين. وكان قد قُبض عليه في أعقاب المظاهرات في ساحة بولوتنايا، في مايو/أيار 2014، عندما تظاهر عشرات الآلاف ممن الأشخاص احتجاجاً على نتائج الانتخابات الرئاسية التي كانت موضع خلاف كبير.

فى أبريل 2012 رقص ساشا و ستيبا طريقهم إلى نهائيات بطولة الرقصة “بوغى ووغى” و بعد شهرين قبض عليهم

كان المقهى الحديث في موسكو يعج بضجيج الثرثرة عندما وصلت. وكانت الموائد والمقاعد المخصصة لتناول الخمور مكومةً تحيط بها أرفف الكتب. وكان زوار المقهى يتزاحمون في صخب وهم يتناولون بأنفسهم أكواب الشاي والقهوة والشطائر، وكلها مجانية. ففي هذا المقهى لا يدفع المرء شيئاً إلا مقابل الوقت الذي يمضيه هناك.

منت قد ذهبت إلى هناك لمقابلة ساشا كونكو، البالغة من العمر 22 عاماً، والتي قُبض على صديقها ستيبان زيمين يوم 8 يونيو/حزيران 2012، بعد شهر من مشاركته في مظاهرة في ساحة بولوتنايا.


“مر عامان منذ أن تحدثنا هاتفياً”

لا تزال ذكريات ساشا عن ذلك اليوم حيةً. تحكي لي قائلةً: “كان الوقت صيفاً، وكان الطقسُ جميلاً، وكانت لدينا خطط رائعة لقضاء ذلك اليوم. وعندما حان وقت الغداء، تلقيت رسالةً على الهاتف من صديقة تسألني فيها “هل تعرفين ماذا حدث مع ستيبان؟”، ثم أرسلت إليَّ رابطاً لبرنامج تليفزيوني. شاهدته فوجدت أن الشرطة قد قبضت على ستيبان للاشتباه في أنه استخدم العنف ضد ضباط الشرطة وشارك في أعمال الشغب الواسعة. لم يُظهر البرنامج التليفزيوني صور ستيبان، ولكنه أورد اسمه وتاريخ ميلاده. كانت كل البيانات مطابقة. لم أصدق عيني. اتصلت بستيبان هاتفياً، ولكنه لم يُجب. هذا كل ما حدث، ومنذ ذلك اليوم لم أتحدث معه هاتفياً. لقد مرَّ ما يقرب من عامين…”. تقول ساشا هذا وتحني رأسها في أسى.

طلبت من ساشا أن تحدثني عن ستيبان، فأشرق وجهها وانطلقت تحكي: “تعرَّفنا على بعضنا البعض قبل عامين من القبض عليه. كنا صديقين حميمين. التقينا أثناء درس للرقص. كنا نتعلم رقصة “ليندي هوب”… كنا نذهب إلى حفلات الرقص ونشارك في مسابقات الرقص العالمية. كان ستيبان شخصاً متقد الحماس، ولديه هوايات كثيرة، من بينها الاطلاع على الثقافة الشرقية. فقد درس اللغة العربية، كما أمضى فترة تدريب في مصر”.

وتعود ساشا للحديث عن يوم القبض على صديقها، فتقول: “بحثتُ عنه حتى وقت متأخر من الليل. ساعدني منسق من منظمة “روس أوزنيك” [سجناء روسيا] التطوعية في العثور على محام، وذهبنا إلى [مركز احتجاز] لوبيانكا. وهناك أخبرونا أن ستيبان موجود لديهم ولكن ليس مسموحاً لنا بأن نقابله. في ذلك الوقت، كنتُ متأكدة أن الأمر لا يعدون أن يكون مجرد سوء تفاهم، وأن ستيبان سوف يخرج من الحبس بعد فترة وجيزة”.

وكانت جلسة المحكمة في اليوم التالي. وتقول ساشا عنها: “لم يُسمح لي بحضور الجلسة لأنني لست من أفراد العائلة المقربين، ولهذا انتظرتُ لساعات على باب المحكمة”.

وقد وُجهت إلى ستيبان تهمة إلقاء قطعة من الأسفلت على أحد الضباط، مما أدى إلى جرح إصبعه. إلا إن الفحص الطبي أثبت أن الإصبع قد كُسر نتيجة التواء. وسألت ساشا عما إذا كانت النيابة قد قدمت أية أدلة أخرى على تلك التهمة، فأجابت: “كانت هناك شهادة من “المجني عليه” واثنين من زملائه، وهما من ضباط الشرطة، ولكنهم تلعثموا ولم يقدموا إجابات واضحة على أي من الأسئلة التي وجهها محامي ستيبان”. وبدت إمارات الغضب على صوت ساشا وهي تواصل قائلةً: “وهكذا، حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات ونصف السنة بسبب ما زُعم عن الإصبع المكسور… لا أدري كيف يمكنهم أن يواصلوا حياتهم بعد ذلك. ولا أدري ما إذا كانوا يفهمون حقاً ما فعلوه بستيبان”.

وتوقفت ساشا قليلاً، ثم استطردت قائلةً: “ما كان ينبغي أن يحدث هذا لنا أصلاً. من الصعب أن أصدق أن ستيبان قد أكمل العام العشرين من عمره في يناير/كانون الثاني، ولم تمض سوى ستة أشهر حتى كان قد زُج به في السجن”.

البقاء على صلة بالعالم الخارجي

من شأن الظلم أن يدفع الناس إلى الإحساس بالغضب، ولكن ساشا تقول إن ستيبان قد أصبح أكثر حكمة وهدوءاً. وتضيف قائلةً إنه من المدهش أن ستيبان قادر على العيش وعلى الاحتفاظ بهدوئه بالرغم من كل هذه الضغوط، وبالرغم من عبثية الموقف.

وسألت ساشا عما إذا كانت تعد الشهور المتبقية على إطلاق سراح ستيبان، فأجابت: “لا، الحياة تسير. إن هذا أسهل. فأنا أحاول أن أركز في الأمور الإيجابية، وأن أظل على صلة مع تسيبان من خلال الرسائل”.

وتضيف ساشا قائلةً: “كتابة الرسائل أمر مهم إلى أبعد الحدود عندما يكون شخص ما محروماً من الاتصال بالعالم الخارجي. ففي يوم من الأيام كان هذا الشخص يرى أصدقاءه، وكان لديه هاتف نقَّال، وكان لديه اتصال بالإنترنت، وكانت لديه خطط مستقبلية… ثم فجأة، يجد هذا الشخص نفسه في عزلة تامة بين أربعة جدران. ولهذا، فالرسائل تساعده على أن يظل متصلاً بالعالم. وكل جزئية صغيرة يعرفها من العالم الخارجي تذكِّره بملامح الحياة قبل القبض عليه”.

كما تحدثت ساشا عن الآخرين الذين لم تلتق بهم مطلقاً ولكنهم ما زالوا يرسلون رسائل تضامن إلى ستيبان، وأضافت تقول: “من المهم أن يعرف ستيبان أنه ليس منسياً، وأن هناك كثيرين يتضامنون معه ويشدون من أزره، حتى من الخارج. فلدينا تضامن واسع”.

ومضت ساشا تقول: هناك كثيرون يُسجنون ولا يعرف أحد عنهم شيئاً… وهكذا، يُترك الشخص وحيداً، ليواجه النظام بمفرده.

وفي ختام اللقاء، سألت ساشا عما إذا كانت لا تزال ترقص، فأجابت: “لقد تركت درس الرقص، فبدون شريكي، لم تعد هناك أية بهجة في الرقص”

بالرغم من التقلص السريع في نطاق حرية التعبير في روسيا، فما زال هناك كثيرون يجاهرون برأيهم. وفي الفترة من 6 إلى 12 أكتوبر/تشرين الأول 2014، يتضامن نشطاء منظمة العفو الدولية مع هؤلاء خلال أسبوع من التحركات، حتى يدرك زعماء روسيا أن باقي دول العالم لن تظل صامتة. بادر بالتحرك، وطالع المزيد على الموقع التالي:

www.amnesty.org/Speak-Out-Russia