إسرائيل/الأرض الفلسطينية المحتلة: الإفلات من العقاب دوليًا يؤجّج إجراءات الضم غير القانونية التي تتخذها إسرائيل في الضفة الغربية

قالت منظمة العفو الدولية اليوم إنه منذ ديسمبر/كانون الأول 2025، أطلقت السلطات الإسرائيلية حزمة من التدابير غير القانونية المصممة عمدًا لتجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، ولجعل ضم الأراضي أمرًا واقعًا لا رجعة فيه.   

وتمثّل هذه القرارات تصعيدًا غير مسبوق من حيث النطاق والوتيرة، وذلك في سياق مشروع إسرائيل الرامي لتوسيع المستوطنات غير القانونية. فهي تسهل الاستيلاء على المزيد من الأرض الفلسطينية، وترخّص إنشاء عدد قياسي من المستوطنات الجديدة وتوسيع القائم منها، وتضفي طابعًا رسميًا على تسجيل الأراضي في الضفة الغربية بوصفها أملاك دولة إسرائيل. وبينما انتهجت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسات ترمي إلى توسيع المستوطنات وترسيخ الاحتلال ونظام الأبارتهايد، تُظهر الإجراءات الأخيرة كيف كثّفت الحكومة الإسرائيلية الحالية هذه الجهود بشكل غير مسبوق، في ظل الإبادة الجماعية في قطاع غزة.  

قالت إريكا غيفارا روساس كبيرة مديري البحوث وأنشطة كسب التأييد والسياسات والحملات في منظمة العفو الدولية: “ما نشهده هو دولة، يقودها رئيس وزراء مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تتباهى صراحة بتحدي القانون الدولي. فعلى الرغم من المئات من قرارات الأمم المتحدة، والفتوى الاستشارية التي أصدرتها محكمة العدل الدولية، والإدانة العالمية، تواصل إسرائيل توسيع المستوطنات غير القانونية بصورة سافرة، مرسخةً بذلك نظام الأبارتهايد الوحشي ومدمرةً حياة الفلسطينيين وسبل عيشهم”. 

“ما شجّع إسرائيل على المضيّ قدمًا في تصعيد انتهاكاتها غير القانونية هو الدعم غير المشروط الذي تتلقاه من الولايات المتحدة الأمريكية، وغياب المساءلة الدولية عن الإبادة الجماعية التي ترتكبها ضد الفلسطينيين في قطاع غزة وعن عقودٍ من جرائم يشملها القانون الدولي مرتبطة باحتلالها غير المشروع ونظام الأبارتهايد الذي تفرضه. ويشمل ذلك إضفاءها الصفة الرسمية على الاستيلاء على الأراضي، بثقة تامة بأنها لن تواجه أي عواقب”. 

إن هذا التوسع المتسارع للمستوطنات غير القانونية وتصاعد وتيرة عنف المستوطنين المدعوم من الدولة والجرائم المرتكبة في جميع أنحاء الضفة الغربية إشارة قاطعة على فشل المجتمع الدولي الكارثي في اتخاذ إجراءات حاسمة.

إريكا غيفارا روساس كبيرة مديري البحوث وأنشطة كسب التأييد والسياسات والحملات في منظمة العفو الدولية

“إن هذا التوسع المتسارع للمستوطنات غير القانونية وتصاعد وتيرة عنف المستوطنين المدعوم من الدولة والجرائم المرتكبة في جميع أنحاء الضفة الغربية إشارة قاطعة على فشل المجتمع الدولي الكارثي في اتخاذ إجراءات حاسمة. فقد تقاعست الدول الثالثة في الوفاء بالتزاماتها القانونية، إذ امتنعت عن استخدام الأدوات المتاحة أمامها، مثل تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، لردع الأخيرة عن تنفيذ أجندتها غير المشروعة”. 

في 10 ديسمبر/كانون الأول 2025، طرحت سلطة أراضي إسرائيل مناقصة لبناء 3,401 وحدة سكنية في منطقة E1 الواقعة شرق القدس في الضفة الغربية المحتلة. وتهدف هذه الخطة إلى توسيع مستوطنة “معاليه أدوميم” وخلق تواصل عمراني يربطها بالقدس الشرقية المحتلة، ما يؤدي إلى تقسيم الضفة الغربية إلى جزأين منفصلين، وقطع التواصل الحضري الفلسطيني نهائيًا بين رام الله والقدس الشرقية المحتلة وبيت لحم. ومع الشروع في إنشاء طريق التفافي يُتوقع أن تبدأ الأعمال فيه هذا الشهر، ستفضي هذه الخطة إلى التهجير القسري للتجمّعات الفلسطينية المقيمة في المنطقة.  

منذ تسعينيات القرن الماضي، سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى تنفيذ خطة E1، إلا أنها بقيت مجمّدة لعقود من الزمن بفعل الضغوط الدولية. ويشير التقدم السريع في تنفيذ الخطة إلى حكومة تسعى بشكل سافر لتنفيذ أجندتها للتوسع الاستيطاني، في ظل ضعف الردع الدولي.  

منذ احتلال إسرائيل الأرض الفلسطينية عام 1967، أنشأت منظومة إدارية وقانونية قمعية وطوّرتها لنزع أملاك الفلسطينيين وإحكام السيطرة عليهم. وتواصل الحكومة الحالية تسريع هذا المشروع بلا هوادة من خلال تسريع توسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي. وفي 11 ديسمبر/كانون الأول 2025، صادق المجلس الوزاري الأمني على مخططات لإنشاء 19 مستوطنة جديدة، ليرتفع الرقم الإجمالي الذي صادق عليه الائتلاف الحكومي الحالي إلى 68 مستوطنة في غضون ثلاث سنوات فقط، وليبلغ العدد الإجمالي للمستوطنات الرسمية نحو 210 مستوطنات. ويعيش حوالي 750,000 مستوطن إسرائيلي بشكل غير قانوني في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. 

وتشمل المستوطنات الجديدة إضفاء الشرعية بأثر رجعي على البؤر الاستيطانية التي أنشئت في انتهاك حتى للقوانين الإسرائيلية المحلية. وتشير تقارير إعلامية موثوقة إلى أن ما لا يقل عن ثلاثة من هذه المواقع أقيمت على أراضٍ هُجرت منها تجمعات فلسطينية قسرًا، مثل عين سامية ورأس عين العوجا، بسبب عنف المستوطنين المدعوم من الدولة. 

ووفقًا لمنظمة السلام الآن الإسرائيلية التي ترصد التوسع الاستيطاني، في عام 2025 وحده، أنشئت 86 بؤرة استيطانية وهو رقم قياسي، وكان معظمها بؤرًا “رعوية” أو “زراعية”، ما أسهم بشكل كبير في تصاعد عنف المستوطنين المدعوم من الدولة والتهجير القسري للتجمعات الفلسطينية. وتتمتع هذه البؤر الاستيطانية بحماية الجيش الإسرائيلي وتمويل وزارة الزراعة الإسرائيلية، ما حوّل حياة المزارعين والرعاة الفلسطينيين إلى جحيم، ولا سيما في المنطقة (ج). يمنع المستوطنون في البؤر الاستيطانية الرعاة الفلسطينيين من الوصول إلى مراعيهم بالقوة، ويحرمونهم من سبل عيشهم الأساسية، كما يستولون على الأراضي بالقوة، ويخرّبون الممتلكات ويسرقون المواشي ويهاجمون الفلسطينيين ومنازلهم.  

وبحسب منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية بتسيلم، اقتُلع أكثر من 21 تجمعًا فلسطينيًا بشكل كامل أو جزئي عام 2025 كنتيجة لعنف المستوطنين المدعوم من الدولة. وقالت أم لثلاثة أطفال من رأس عين العوجا، بالقرب من مدينة أريحا لمنظمة العفو الدولية: “أجبرنا خوفنا من الهجمات على أن نجعل أطفالنا ينامون بأحذيتهم لأننا قد نضطر للفرار في أي لحظة”. وفي يناير/كانون الثاني 2026، طُردت هي وعائلتها في البرد القارس مع 122 عائلة أخرى؛ وبذلك يكون أكثر من 600 فلسطيني قد هُجّر قسريًا من هذا التجمع.  

في 5 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت الإدارة المدنية الإسرائيلية تخصيص 694 دونمًا من أراضي البلدات الفلسطينية دير استيا وبديا وكفر ثلث في شمال الضفة الغربية باعتبارها “أراضي دولة” بالإضافة إلى إعلان المجلس الوزاري الأمني في 8 فبراير/شباط سلسلة من الإجراءات الرامية إلى توسيع السيطرة على الضفة الغربية، وهو ما شكل تصعيدًا إضافيًا في استيلاء إسرائيل على الأراضي. 

وتشمل هذه الإجراءات إلغاء تشريعات أردنية ما زالت سارية للسماح للمستوطنين الإسرائيليين بشراء أراضٍ فلسطينية دون رقابة، وتعزيز سيطرة الإدارة المدنية الإسرائيلية على التخطيط والبناء في مدينة الخليل وقبر راحيل في بيت لحم، فضلًا عن منح السلطات الإسرائيلية صلاحيات إنفاذ جديدة في المواقع الأثرية وفي القضايا المتعلقة بالمياه والبيئة في المنطقتين (أ) و (ب).  

في 15 فبراير/شباط 2026، أصدر المجلس الوزاري الإسرائيلي قرارًا يرقى إلى الضم بموجب القانون الإسرائيلي. حيث خصّص أكثر من 244 مليون شيكل إسرائيلي لإنشاء آلية حكومية تسهل تسجيل أراضي المنطقة (ج)، بما ينقل صلاحيات تسجيل الأراضي من الإدارة المدنية إلى وزارة العدل الإسرائيلية.   

ووفقًا لمنظمة السلام الآن، فإن أكثر من 58% من أراضي المنطقة (ج) في الضفة الغربية المحتلة غير مسجلة حاليًا. وقد استولت إسرائيل بالفعل على أكثر من نصف المنطقة عبر تخصيصها “أراضي دولة”. ويواجه الفلسطينيون عقبات تكاد تكون شبه مستحيلة لإثبات ملكيتهم للأراضي، بسبب اعتماد إسرائيل تفسيرًا قديمًا لقوانين الأراضي العثمانية، يُلزمهم بتقديم مجموعة واسعة من الوثائق والخرائط وسجلات أخرى لا يستطيع معظم الفلسطينيين الوصول إليها. 

لا تنخدعوا، فالهدف هو الضمّ الكامل، وقد شرعت إسرائيل بالفعل في وضع معظم الأسس اللازمة لتحقيقه. ولم يعد وزراء الحكومة الحالية يشعرون بالحاجة إلى إخفاء نواياهم.

إريكا غيفارا روساس

وأضافت إريكا غيفارا روساس: “إن تسجيل الأراضي ليس سوى مصطلح مضلّل تتذرع به إسرائيل للاستيلاء على الأراضي وانتزاعها من الفلسطينيين. لا تنخدعوا، فالهدف هو الضمّ الكامل، وقد شرعت إسرائيل بالفعل في وضع معظم الأسس اللازمة لتحقيقه. ولم يعد وزراء الحكومة الحالية يشعرون بالحاجة إلى إخفاء نواياهم”.

“لقد تنكّرت إسرائيل تمامًا لالتزاماتها كقوة احتلال تجاه المدنيين الفلسطينيين، ومضت بدلًا من ذلك في الدفع عمدًا وبصورة ممنهجة بأجندتها العدوانية الرامية إلى الضمّ، في انتهاكٍ صارخ للقانون الدولي الذي يحظر بشكل قاطع ضمّ الأراضي وإنشاء المستوطنات في الأرض المحتلة”.  

“وتأتي هذه التدابير في تحدٍ سافر للفتوتين الصادرتين عن محكمة العدل الدولية عامي 2004 و2024، حيث خلصت الأخيرة بشكل قاطع لا لبس فيه إلى أن وجود إسرائيل في الأرض المحتلة غير مشروع. كما حدّد قرار لاحق للجمعية العامة للأمم المتحدة شهر سبتمبر/أيلول 2025 موعدًا نهائيًا لإنهاء هذا الاحتلال غير المشروع. وبدلًا من الامتثال، واصلت إسرائيل ابتكار أساليب جديدة لانتهاك القانون الدولي، لتمعن في ترسيخ احتلالها غير المشروع ونظام الأبارتهايد، في وقتٍ يكتفي فيه المجتمع الدولي، في أحسن الأحوال، بتصريحات شكلية حول حقوق الفلسطينيين دون اتخاذ أي إجراءات فعالة”.