قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام- "عدم التسامح " يعني عدم حماية المغتصِبين

بقلم Joanne Mariner, Senior Crisis Response Advisor at Amnesty International @jgmariner

أما وقد صدمته الروايات المروعة بشأن الانتهاكات الجنسية على أيدي قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، فقد تحدث الأمين العام للأمم المتحدة بحرارة عن ضرورة وقف مثل هذه الجرائم بين صفوف أفرادها.

"لن يهدأ لنا بال إلا بعد اجتثاث مثل هذه الممارسات من جذورها، وضمان إخضاع المتورطين فيها  للمساءلة التامة."

إن هذه الكلمات تشبه كثيراً تلك التي تفوَّه بها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي- مون في الأسبوع الماضي رداً على الأنباء الواردة بشأن الانتهاكات الجنسية التي ارتُكبت من قبل أفراد حفظ السلام في جمهورية أفريقيا الوسطى.

ولكنها كلمات قيلت قبل أكثر من عشر سنوات، حيث كان الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان أول من من تعهَّد بالقضاء على آفة الانتهاكات الجنسية في الأمم المتحدة.

والحق أنه يُحسب لكوفي عنان أنه فعل أكثر من إعلان الشجب لهذه المشكلة: فقد أعلن سياسة "عدم التسامح"، وأوعز بإعداد تقرير أصيل حول هذه القضية، وساعد الأمم المتحدة على إجراء إصلاحات عدة.

ومع ذلك فقد استمرت فضائح الانتهاكات الجنسية في الظهور. ففي وقت سابق من هذا الشهر، وجدت منظمة العفو الدولية أدلة ذات صدقية على قيام أحد أفراد قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في جمهورية أفريقيا الوسطى بالاعتداء الجنسي على فتاة في الثانية عشرة من العمر أثناء تفتيش منزل عائلتها في الساعة الثانية فجراً. وقالت الفتاة إنه جرَّها إلى بقعة معزولة من باحة المنزل وصفعها عندما شرعت في الصراخ ومزَّق ثيابها واغتصبها. وقد أثبتت الأدلة الطبية صحة ادعاءاتها.

وفي يوم الأربعاء كشفت الأمم المتحدة عن المزيد من المزاعم المتعلقة بإساءة المعاملة الجنسية للفتيات أو النساء الشابات على أيدي أفراد قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في جمهورية أفريقيا الوسطى.

ورداً على ما كُشف عنه النقاب في وقت سابق، قرر بان كي- مون عزل رئيس بعثة حفظ السلام في البلاد ودعا إل عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للتصدي لهذه لمسألة.

من المعروف أن الرؤوس في الأمم المتحدة لا تتدحرج كثيراً. ولذا فإن المشهد المزري لإرغام أحد الرؤوس على الاستقالة لا بد أن يمثل أمراً لا يبعث على الاحترام بالنسبة لرؤساء قوات حفظ السلام في أماكن أخرى من العالم. وعلى الأقل يجب أن يشجع على زيادة اليقظة حيال مشكلة الانتهاكات الجنسية.

ومن المؤسف أنه بات واضحاً تماماً على مدى العقدين الماضيين أن جمهورية أفريقيا الوسطى ليست البلد الوحيد الذي ارتُكبت فيه جرائم جنسية على أيدي الأشخاص أنفسهم المكلفين بحماية السكان المحليين من التعرض للأذى.

وقد أصبحت قائمة البلدان التي شهدت حالات إساءة معاملة واستغلال جنسيين على أيدي أفراد قوات حفظ السلام طويلة جداً، حيث من الواضح أن ممارسات إساءة المعاملة الجنسية باتت ممنهجة في بعضها.

ففي هاييتي على سبيل المثال، أظهرت دراسة أُجريت مؤخراً أن أفراد بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام هناك تورطوا في أعمال "مقايضة جنسية" طالت ما لا يقل عن 229 امرأة مقابل تزويدهن بمواد ضرورية كالغذاء والدواء. وقالت الدراسة نفسها إنه في الفترة بين عامي 2008 و 2013 قُدمت نحو 500 شكوى بشأن إساءة المعاملة والاستغلال الجنسيين ضد أفراد قوات حفظ السلام، ثلثها طاول قاصرات.

وفي كتاب استقالته أشار رئيس بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جمهورية أفريقيا الوسطى إلى إمكانية أن تكون الانتهاكات الجنسية على أيدي أفراد قوات حفظ السلام "مشكلة ممنهجة" تقتضي معالجة هيكلية. وهذا هو الحال بالتأكيد.

إن الإفلات من العقاب هو جذر المشكلة: إذ أن أحداً من المشتبه في مسؤوليتهم الجنائية عن جرائم العنف الجنسي لا يواجه تهديداً حقيقياً بالخضوع للملاحقة القضائية الجنائية على جرائمهم. وفي الأمم المتحدة هناك العديد من الحالات التي لا يتم فيها إجراء تحقيقات شاملة وفورية. ولكن حتى إذا كشف تحقيق الأمم المتحدة النقاب عن أن شخصاً مشتبهاً به مسؤول عن جريمة اغتصاب، فإن ذلك الكشف لا يترتب عليه أية عواقب.

فعادةً ما تتم إعادة الجاني المزعوم إلى بلده، وتنتهي القضية عند ذلك الحد. وبسبب القواعد المشكوك في صحتها فيما يتعلق بحصانة أفراد حفظ السلام، فإن عبء المسؤولية عن الملاحقات القضائية يقع على عاتق البلد المرسل لقوة حفظ السلام. ولكن تلك البلدان نادراً ما تفعل ذلك، أو لا تفعله على الإطلاق.

وفي الآونة الخيرة برز اسم الهند في نشرات الأخبار لقيامها بمعاقبة عدد قليل من جنودها على الانتهاكات الجنسية التي ارتُكبت في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ولكن العقوبات كانت على شكل إجراءات تأديبية عسكرية، وليست عقوبات جنائية. هذا بالإضافة إلى أن عدد هذه الحالات لا علاقة له بحجمها الحقيقي.

إن ثمة حاجة إلى مقاربة أشد صرامة لإحقاق العدالة على ارتكاب مثل هذه الجرائم. وينبغي اتخاذ تدابير وقائية فعالة. وينبغي أن تكون المساءلة حقيقية وعلنية، وليست نظرية فحسب. ويجب أن تشعر البلدان بضغوط حقيقية لحملها على تقديم قضايا الانتهاكات الجنسية إلى محاكم مدنية؛ وإذا لم تفعل ذلك فإنه ينبغي فضحها. ولا بد من توخي المتابعة والشفافية في التعامل مع هذه القضايا.

ونظراً لأن المساءلة تبدأ من الداخل، فإن الأمم المتحدة يجب أن تنظر بعين نقدية إلى إخفاقاتها في التعامل مع الانتهاكات الجنسية. وقد اتخذت خطوة بهذا الاتجاه بإنشاء لجنة مراجعة لفحص طريقة تعاطيها مع مزاعم الاستغلال وإساءة المعاملة الجنسيين في جمهورية أفريقيا الوسطى. فإما أن يتم توسيع نطاق صلاحياتها، أو أن يتم إجراء تقييم أكثر شمولية واستقصائية لرد فعل الأمم المتحدة على مزاعم الاستغلال وإساءة المعاملة الجنسيين.

وكما قال بان كي- مون: "كفى، فقد طفح الكيل". وبعد سنوات من المناقشات والوعود والاستراتيجيات، بات يتعين على الأمم المتحدة أن تحل مشكلة الانتهاكات الجنسية التي يرتكبها أفراد قوات حفظ السلام، مرةً وإلى الأبد.

 

ملحوظة: نُشر هذا المقال أصلاً في صحيفة "ذي غارديان".