"كنت أنام على وقع أصوات تطالب بموتي، وأستيقظ على أثر صيحات تدعو إلى قتلي"

بقلم Mohamed Cheikh Ould Mkhaïtir

المدون الموريتاني محمد امخيطير يروي أيامه الأولى في السجن 

في 29 تموز/ يوليو 2019، وبعد قرابة خمس سنوات من الاحتجاز، أطلق سراح المدون الموريتاني محمد الشيخ ولد امخيطير. كانت محاكمته قد بدأت في 23 ديسمبر / كانون الأول 2015. وكان قد حُكم على محمد امخيطير بالإعدام في اليوم التالي، بعد أن وُجهت إليه تهمة الردّة وإهانة النبي محمد. واعُتقل في 2 يناير/ كانون الثاني 2014 جراء نشره مدونة عن العبودية والتمييز. وكان قد حُكم عليه بالإعدام في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2015، وهو التاريخ الذي صادف اليوم التالي للشروع في محاكمته بتهمة الردّة وإهانة النبي محمد. وفي 9 نوفمبر / تشرين الثاني 2017، خفضت محكمة الاستئناف مدة عقوبته إلى عامي سجن، وهي المدة التي كان قد قضاها بالفعل، بالإضافة إل فرض غرامة مالية عليه. ومع ذلك، احتجزته السلطات قبل إطلاق سراحه في تموز/ يوليو من هذا العام. أما اليوم، فهو يتواجد في أوروبا، حيث كتب هذه المدونة الإلكترونية ليروي فيها ظروف احتجازه، وليشكر منظمة العفو الدولية على الحملة التي أطلقتها من أجل إطلاق سراحه.

إن اعتقال الأشخاص وسجنهم بسبب الجرائم المتصلة بحرية الرأي والتعبير ليس بالأمر الجديد خاصة في أفريقيا والعالم العربي.

وهذا ما حدث لي في 2 يناير/ كانون الثاني 2014 في بلدي موريتانيا. وذلك لمجرد نشري مدونة عن العبودية والتمييز اللذان تعاني منهما "فئة الحدادين" التي أنتمي إليها.

وعند إلقاء القبض عليّ، وُضِعتُ في الحبس الانفرادي مع البعوض والصراصير الذين كانوا رفقاء الزنزانة الوحيدين.

أما في الأيام الأولى من احتجازي، فقد كنت أخلد إلى النوم على وقع الأصوات من داخل السجن  تتمنى موتي. أما في الصباح، فكنت استيقظ على أثر صيحات قادمة من خارج السجن، وهي تدعو إلى قتلي.

كان أملي في الحياة يتضاءل يوما بعد يوم. فلا أحد من حولي يريدني أن أعيش. غير أنني حاولت إقناع نفسي بأنني أعيش في بلد يحكمه القانون، وأن مهمة المحامين الرئيسية تتمثّل في الدفاع عن حق جميع المحتجزين في محاكمة عادلة، تمهيدًا لإطلاق سراحهم.

إلا أنني صدمت باكتشاف أن العديد من الجهات الفاعلة في مجال العدالة قد انحازت إلى الأطراف التي تدعو إلى موتي! ففقدتُ الأمل ...

وفي 25 تموز /يوليو 2015، وبينما كنت قابعاً في زنزانتي في الحبس الانفرادي، سمعت صوت باب الممر يُفتَح ووقع سلسلة المفاتيح التي يضاهي كبر حجمها وثقلها حجم وثقل حذاء الشخص الذي يحملها.

فُتح الباب. عندها تساءلت ... هل سيأتي الحراس في هذا الوقت!!؟ ليس من عاداتهم فعل ذلك ... ما الأمر إذن؟

اقترب الحارس، ثم نطقت شفتاه بصوت مفعم بالحقد، ووجه يحمل تعابير التهجم والفظاظة. فقال لي: "هناك من يود زيارتك".

هذه الزيارة التي فتحت لي أبواب الأمل على مصراعيها. لقد جعلتني أشعر أنني لست وحيدا، وأن هناك أشخاص آخرون قد كرسوا حياتهم للدفاع عن المضطهدين، بغض النظر عن لونهم أو عرقهم أو جنسهم أو دينهم ...

لقد آمن هؤلاء الأشخاص بحق كل إنسان في الحرية، كما آمنوا بحرية الرأي والتعبير. إنهم من بين القلائل الذين يغرسون الأمل في نفوس الآخرين، والذين يسعون لنشر ثقافة الحياة، والذين لا يدخرون أي جهد للذهاب إلى أقصى بقاع الأرض وأكثر الأماكن عزلة للدعوة لإقامة دولة القانون ولاحترام حقوق الإنسان.

وفي 25 تموز/ يوليو 2015، زارني الأمل وكسر عزلتي. إذ تمثل هذا الأمل المسمى منظمة العفو الدولية، في ذلك اليوم، في شخص كيني فاطيم ديوب وغايتان موتو. وبالرغم من أنها كانت أول مرة ألقاهما فيها، غير أنني شعرتُ أننا نعرف بعضنا البعض منذ الأزل. شعرتُ كما لو أنني جالس أمازح أصدقائي أو أفراد أسرتي ...

منظمة العفو الدولية هي إحدى المنظمات التي لعبت دوراً حاسماً في إطلاق سراحي. إذ واصل كيني فاطيم وغايتان دعوتهما واستمرا في الطرق على جميع أبواب الأمل. وقد كنت أحد أولئك الذين فتحت لهم هذه الأبواب ... أبواب الحرية.

شكراً لمنظمة العفو الدولية ... أما أنت أيها الزمن، يا لك من ظالم... أنت، أيها الزمن الذي حرمني من فرصة رؤية غايتان مرة ثانية ... لقد وافته المنية قبل إطلاق سراحي، لكن غايتان سيبقى حيا إلى الأبد في الوعي البشري ... السلام على روحك، روحك الجميلة، أنت الصديق الذي التقيته مرة واحدة، أنت الأخ الذي اختفى في طرفة عين.