لبنان: من حق أهالي المختفين معرفة مصير أحبائهم

بقلم Lynn Maalouf, Middle East Research Director at Amnesty International

بقلم لين معلوف*

"تنذكر وما تنعاد". في 13 أبريل/نيسان من كل عام، وعلى مدار 29 سنة مضت، كان هذا هو شعار عائلات من اختفوا واعتبروا في عداد المفقودين إبان الحرب الأهلية اللبنانية، التي انطلقت شرارتها في 13 أبريل/نيسان 1976. وكل عام، تردد هذه العائلات هذا الشعار، بإصرار وبتحدٍ، في وجه أمة صمّت آذانها عن صرخة الحقيقة.. أمة تم اختراقها وتشكّل وعيها تحت وطأة عدالة المنتصر، التي لم تترك للمساءلة مكاناً، ناهيك عن الاعتراف بالجرم الذي وقع.

بيد أن 13 أبريل/نيسان من هذا العام مختلف.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أقر البرلمان اللبناني قانوناً بشأن المفقودين والمختفين من المفترض أن يفتح الأبواب أمام تشكيل هيئة وطنية تملك صلاحية التحقيق في الحالات الفردية للمختفين، والتعرف على مواقع المقابر الجماعية، واستخراج الرفات، والتمكين من اتخاذ تدابير لإغلاق الملف بالنسبة لآلاف العائلات التي ظلت حبيسة الحزن، مع وقف التنفيذ لسنوات عديدة؛ لا بل لأكثر مما يجب. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تتخذ فيها السلطات اللبنانية خطوة حقيقية نحو التصدي لإحدى أشد صفحات النزاع في لبنان إيلاماً.

وما كان لهذا أن يحدث لولا مثابرة الأهالي والناشطين من أجل الحق في المعرفة. وكما قالت لي وداد حلواني عندما سألتها عن شعورها بشأن إحياء الذكرى في العام الحالي: "من المؤكد أن هذه السنة مختلفة. فهذا [القانون] إنجاز كبير حقاً لبلد مثل بلدنا.. لقد حققنا، في نهاية المطاف، أول خطوة جدية نحو كشف الحقيقة". ووداد، زوجة معلم المدرسة والناشط السياسي الذي اختطف من بيته في 1982 ولم يسمع عنه أحد شيئاً بعد ذلك، كانت ممن دأبوا على الكفاح منذ ذاك، ابتداء لحشد أهالي المختطفين، ومن ثم الفنانين والمثقفين والكتاب ومنتجي الأفلام السينمائية، وبعدهم المنظمات غير الحكومية والناشطين، ليتكاتفوا جميعاً من أجل معرفة مصير من لم يعودوا.  

"أخذتم أبناءنا أحياء، فأعيدوهم لنا أحياء"، كانت صرخة إحدى النساء في وجه أحد الوزراء ذات صباح، أثناء دخوله إلى اجتماع لمجلس الوزراء ذات صباح
إحدى النساء اللاتي فقدن أحبائهن في الحرب

كانت الصرخة التي أطلقت إبان النزاع، وفي السنوات الأولى التي أعقبته، تطالب بالإفراج عمن فقدوا. فالسنوات الخمسة عشر للحرب شهدت جولات متتالية من القتل الجماعي، وحالات حصار للسكان المدنيين، ونزوح قسري، واختطاف، وعمليات اختفاء قسري. وكرّست الصحف، خلال الفترة ما بين 1975 و1977، أجزاء خاصة لقصص عمليات الاختطاف ومن اختطفوا. ولم تقتصر هذه عمليات الاختطاف تلك على طرف دون آخر.. فكل الجماعات المسلحة والجيوش شاركت في ذلك بلا استثناء. حيث كان الضحايا- وأغلبيتهم العظمى من المدنيين- يختطفون عند حواجز التفتيش، ويقتادون من بيوتهم أو من الشوارع، سواء من أجل مبادلتهم بسجناء آخرين، أو لتحصيل الأموال، أو للانتقام، أو بغرض خلق حالة من الترويع في صفوف تجمعاتهم المحلية. ولم تتوقف ممارسة الاختفاء القسري عقب انتهاء النزاع، في 1990، وإن كانت على نطاق أضيق.

"أخذتم أبناءنا أحياء، فأعيدوهم لنا أحياء"، كانت صرخة إحدى النساء في وجه أحد الوزراء ذات صباح، أثناء دخوله إلى اجتماع لمجلس الوزراء ذات صباح. وظلت هذه الكلمات ترن في أذني. دفعتها قوات الأمن جانباً، بينما دخل الوزير بزهو دون أن يلتفت إليها. بينما كانت أنظار البلاد كلها منصبة على إعادة البناء وقلب الصفحة، والمضي قُدماً. وبينما كان هدير الجرافات الذي يملأ المكان يطمس أصوات الأهالي وأحبائهم من الضحايا. 

 في السنوات التي تلت الحرب، تبدّلت الدعوة إلى الإفراج عن المعتقلين لتغدو صيحة من أجل كشف الحقيقة، مع انطفاء الأمل في العثور على الأحبة أحياء بمرور السنين. وفي أوائل التسعينيات، كانت المنظمة غير الحكومية  "هيئة دعم أهالي المعتقلين في السجون السورية" (سوليد) ، التي أسسها غازي عاد، بين أوائل المنظمات التي سلطت الضوء على عمليات اختطاف مروعة ذهب ضحيتها لبنانيون وفلسطينيون تم نقلهم إلى سوريا، ولم يُسمع عنهم أي شيء بعد ذلك. حيث قاد عاد، الذي كان مصاباً بالشلل جراء تعرضه لحادث سيارة، التظاهرات والاعتصامات المعبّرة عن معاناة مئات العائلات التي كانت تعتقد أن أحباءها قد اختفوا في سوريا. وتحمّل الكثير من الضرب والإهانة على أيدي قوات الأمن ثمناً لتصدّره هذه الاحتجاجات.

من المؤكد أن هذه السنة مختلفة. فهذا [القانون] إنجاز كبير حقاً لبلد مثل بلدنا.. لقد حققنا، في نهاية المطاف، أول خطوة جدية نحو كشف الحقيقة
وداد حلواني

وفي 2005، وبعد مغادرة الجيش السوري وأجهزة الاستخبارات التابعة له لبنان، وحدّت حلواني جهودها مع عاد للضغط من أجل كشف الحقيقة. فأقيمت خيمة اعتصام دائمة في الحديقة المقابلة لمبنى الأمم المتحدة، في قلب العاصمة. وهناك، تناوب عاد وأمهات المفقودين وأخواتهم وإخوانهم وآباؤهم على مدار الساعة في خيمة الاعتصام لاستقبال الصحفيين والناشطين والسياسيين المؤازرين، وأي شخص يرغب في معرفة المزيد. فأصبحت الخيمة معقلاً للتحركات، وللتضامن والدعم.

وبالتعاون مع الزملاء من الناشطين ومع الأهالي، قادا حملة مكثفة لكسب التأييد دفعت الرئيس الجديد ميشال سليمان- أول رئيس ينتخب عقب مغادرة الجيش السوري- إلى التعهد في أدائه يمين القسم، في 2008، بأن "يعمل بجدية من أجل الإفراج عن السجناء والمعتقلين والكشف عن مصير الأشخاص المفقودين". ومع مجموعة من المحامين والناشطين وممثلي الحكومة، قامت حلواني برفقة عاد بزيارة للبوسنة والهرسك، حيث التقيا "أمهات سريبرينيتسا"، وزارا المقابر الجماعية، والمشرحة، والمختبر الذي كانت تجرى فيه عملية تعقب ما حدث في المجزرة؛ وزارا "معهد الأشخاص المفقودين"، واطلعا على القوانين التي أسست لعمليات الكشف عن مصير مختفي البوسنة.

أما في بيروت، فعكف قانونيون على عملية سن قانون بشأن المفقودين. وقدم النائبان اللذان شاركا في الوفد مشروع القانون، الذي تمت صياغته بالتشاور مع عدد من المنظمات ذات الخبرة في هذا المجال، إلى البرلمان في 2014. وبموازاة ذلك، رفعت "سوليد" و"لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين" دعوى قضائية أمام "مجلس شورى الدولة"، أعلى هيئة للقضاء الإداري في البلاد، لضمان الاعتراف بحقهم في معرفة مصير أحبائهم. وفي 2015، اعترف المجلس بهذا الحق ودعا الحكومة إلى تسليم العائلات حصيلة أية تحقيقات أجريت في الفترة السابقة. وعلى الرغم من ذلك، لم يدرج مشروع القانون على جدول أعمال البرلمان المصاب بالشلل بسبب انسداد الأفق السياسي، والذي نادراً ما كان ينعقد في تلك الفترة. بينما جرى جمع عدد كاف من التواقيع على عريضة لإلزام البرلمان بإدراج مشروع القانون على جدول أعماله.

لم تمتد حياة عاد ليرى إقرار القانون، في نهاية المطاف. إذ فارق الحياة في نوفمبر/تشرين الثاني 2016. بينما تواصل حلواني كفاحها، وهي اليوم أكثر نشاطاً من أي وقت مضى وتتقاسم رحلتها لكشف الحقيقة مع آلاف الأهالي من اللبنانيين، ومع لجان رديفة للعائلات في سوريا وأماكن أخرى. أما مهمتها المقبلة فهي ضمان أن يكون تأليف اللجنة مجرد خطوة أولى نحو البدء بالإجراءات التنفيذية اللازمة.

وأخبرتني حلواني، قبل أن تستأنف جهودها للتخطيط لإحياء الذكرى في السنة الحالية، في 13 أبريل/ نيسان، ما يلي: "أشعر بالرضا الآن. وإذا ما حدث شيء لي، فلن يقلقني ذلك بعد الآن. فنحن اليوم نقف على أرض صلبة".

* لين معلوف مديرة البحوث للشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية