لا أحد تمنحه ثقتك، ولا مكان تلجأ إليه

بقلم Salil Shetty, Amnesty International’s Secretary General.

بقلم: سليل شتي، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية

نحن، في منظمة العفو الدولية، لسنا بغرباء عن المعاناة. توثيق انتهاكات حقوق الإنسان هو عملنا اليومي. في بعض الأحيان، ومع ذلك، نكشف أدلة على مثل هذه الانتهاكات تفقد حتى محققينا الصلبين قدرتهم على الكلام تقريباً.

وقد كان هذا هو الحال بالنسبة لنا لما تكشف من جرائم حرب في نيجيريا اليوم. من خلال المواد التي وردت من قبل بعثة فريق أبحاث منظمة العفو الدولية التي تقصت مؤخراً انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في ولاية بورنو، وهي منطقة اكتسبت شهرة في جميع أنحاء العالم في أعقاب عملية الاختطاف في أبريل/نيسان لأكثر من 240 طالبة مدرسة على يد الجماعة المسلحة، “بوكو حرام”.


فوثقت منظمة العفو الدولية انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها “بوكو حرام” وقوات الحكومة في شمال شرق نيجيريا لبعض الوقت وسلطت الضوء عليها- حيث كانت تلك الانتهاكات موضوعاً رئيسياً لرحلة قمت بها إلى نيجيريا في 2012. ولكن أحدث أبحاثنا كشفت النقاب عن أدلة قاطعة-بما في ذلك شريط فيديو- على عمليات إعدام خارج نطاق القضاء وانتهاكات خطيرة أخرى ارتكبها الجيش النيجيري و”بوكو حرام”، على نطاق مروع حقاً.

بعض لقطات الفيديو والصور والشهادات التي جمعت تم التحقق منها الآن، وسيتم نشر نسخة منقحة لبعضها اليوم. وعلى الرغم من أنه يصعب على النفس مشاهدة أدلة بشعة على جرائم الحرب، إلا أن هذه المشاعدة ينبغي أن تكون إلزامية بالنسبة للرئيس جوناثان جودلاك، ووزراء حكومته وقادته العسكريين. وينبغي أن يشاهدوها ليس بالرغم من أن مشاهدتها أمر قاس- وإنما نظراً لأنه من الشاق جداً على المرء مشاهدتها.

حيث تتضمن هذه اللقطات المزعجة جداً ما يبدو صوراً لأعضاء في القوات المسلحة النيجيرية، وفي “القوة المشتركة للمهام المدنية”، وهي إحدى الميليشيات التي ترعاها الدولة، وهم يقومون بدم بارد بإعدام المحتجزين لديهم. ويظهر أحد أشرطة الفيديو 16 من الشبان وهم جالسون في صف واحد. ثم يجبرون، واحداً تلو الآخر، على الانحناء إلى الأمام، ثم على الاستلقاء أمام حفرة لتجز رقابهم وتلقى أجسادهم ببساطة في مقبرة جماعية، دون أية مراسيم دفن.

وتظهر اللقطات خمسة شبان قتلوا بهذه الطريقة. ولم يتم تصوير مصير الآخرين في الشريط، ولكن روايات شهود عيان أكدت أنه حزت رقاب تسعة منهم، بينما قتل الآخرون رمياً بالرصاص.

كانت هذه مجرد واحدة مما يزيد على 600 من عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء التي وقعت في مايدوغوري ومحيطها، في 14 مارس/آذار، بعد أن راح الجيش النيجيري يضرب يمنة ويسرة بلا هوادة، عقب هجوم “بوكو حرام” على مركز الاحتجاز العسكري في ثكنة غيوا، في وقت سابق من ذلك اليوم.

وتظهر لقطات أخرى، اخذت في أواخر يوليو/تموز 2013، الاعتقال التعسفي الجماعي لأعضاء مزعومين من “بوكو حرام” على يد الجيش النيجيري و”القوة المشتركة للمهام المدنية”- وهي عملية مشتركة تعرف بعملية “الغربلة”. فبعد وصولها إلى مدينة بإما في الصباح، طوقت قوات الأمن جميع الرجال الموجودين في السوق المركزي تقريباً، وأجبرتهم على خلع ثيابهم. وأخلي سبيل حوالي 300 منهم، واتهم ما يصل إلى 35 منهم بالانتماء إلى “بوكو حرام” وأمروا بالانبطاح على الأرض. وتظهر لقطات تعرضهم للضرب بالعصي والسواطير قبل أن يجري تحميلهم في سيارة عسكرية. ثم اقتيدوا بعيداً إلى الثكنة العسكرية المحلية، وفي 29 يوليو/تموز أحضروا جميعاً إلى مجتمعاتهم المحلية وأعدموا بالرصاص، وألقيت جثثهم في أنحاء شتى من المدينة.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم “غربلة” سكان باما فيها، ولا تقتصر مثل هذه التجاوزات على السكان على قواتالجيش. فعلى مر السنين، شنت “بوكو حرام” سلسلة من الهجمات القاتلة ضد باماا، وعلى ما يبدو انتقاماً لما تراه الجماعة المسلحة تعاوناً من جانب السكان المحليين مع الجيش النيجيري.

وقد اكتشفت منظمة العفو الدولية النقاب عن شريط فيديو التقط في أعقاب اعتداء “بوكو حرام” الأكثر دموية في المدينة، الذي قتلت فيه ما يقرب من 100 شخص على مدى ساعات عدة، في 19 فبراير/شباط. ويظهر شريط الفيديو عشرات الجثث مكفنة للدفن.

وهكذا، فإن أهالي باما عالقون بين هجمات لا ترحم من “بوكو حرام” وانتهاكات روتينية خطيرة من جانب قوات الأمن النيجيرية. وقد تكررت التجربة نفسها في البلدات والقرى عبر ولاية بورنو. ولا عجب أن الكثيرين قد فروا أو يعيشون في حالة من الخوف الدائم.

فمنذ أن كثفت حركة التمرد الدموية هجماتها التي شنتها بوكو حرام في 2009، ردت الحكومة النيجيرية بوحشية. وتسود حالة من الرعب المجتمعات الريفية التي علقت ما بين “بوكو حرام”، من ناحية، والقوات العسكرية عينها التي من واجبها حمايتهم، من ناحية أخرى.

لقد لقي أكثر من 4,000 نيجيري، معظمهم من المدنيين، مصرعهم على يد الجانبين في هذه السنة وحدها. وهذا يشمل 600 شخص أعدموا على يد الجيش النيجيري في مايدوغوري في مارس/آذار. وفي الشهر الماضي، سقطت مدينة دامبوا بيد “بوكو حرام”، وفي حادثة منفصلة وقعت في ولاية كادونا، قتل 12 شخصاً أثناء احتجازهم لدى الجيش النيجيري، على ما يبدو، بعد القبض عليهم خلال احتجاج سلمي قتل أثناءه 21 متظاهراً آخر عندما فتح الجيش النار عليهم.

إن اللقطات المروعة من شمال شرق نيجيريا يثير بواعث قلق بالغ. ومما يبعث على القلق أكثر كون هذه الحوادث الوحشية القاتلة ليست إلا غيضاً من فيض أكبر. وتشير أبحاثنا إلى أن عمليات الإعدام خارج نطاق القانون جزء من نمط متفش من انتهاكات حقوق الإنسان على يد الجيش النيجيري و”أعوانه” المدنيين في “القوة المشتركة للمهام المدنية”.

و كما توضح كشوفات اليوم، فإن إجراء تحقيق فوري ومحايد ومستقل وشامل قد غدا حاجة ملحة لتقصي أبعاد هذه الانتهاكات الخطيرة والمنتظمة لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي في شمال شرق نيجيريا.

ويتعين على الحكومة النيجيرية أن تدين علانية مثل هذه الجرائم وتضمن وضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان التي يقوم بها الجيش النيجيري، بما في ذلك الاعتقال التعسفي، والحبس بمعزل عن العالم الخارجي، والتعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة، وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء. وقبل كل شيء، يجب أن لا تبادرنا السلطات بالإنكار البسيط للمسؤولية، الذي شهدناه كثيراً من قبل.

“فعندما يتصارع فيلان، فإن من يتعرض للسحق تحت أقدامهما هو العشب”،” كما يقول المثل الأفريقي القديم. وليس ثمة مكان يصدق عليه هذا القول اليوم أكثر من شمال شرق نيجيريا اليوم. فالناس هناك لم يعد بإمكانهم الثقة بأحد، وليس ثمة مكان يمكن أن يلجأوا إليه. وكما يقول مثل آخر، “لم يعد لديهم سوى عيونهم لتبكي عليهم.”

نشرت هذه المدونة أصلا في “الجزيرة”

http://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2014/08/no-one-trust-nowhere-turn-20148572827408194.html