والدي الشيخ توفيق رجل يدافع عن مبادئه

 

الشيخ توفيق العامر رجل دين شيعي بارز يقضي حكماً بالسجن لثماني سنوات في المملكة العربية السعودية. سجن في 2011 لانتقاده التمييز ضد الطائفة الشيعية، ولدعوته إلى الإصلاح. اليوم، وفي الذي الذكرى الثالثة لصدور الحكم عليه، يروي لنا ابنه محمد، البالغ من العمر 31 سنة، قصته.

 

***

عندما قبض على الشيخ توفيق في المرة الأخيرة، كنت في أريزونا للدراسة وتحصيل درجتي الجامعية الأولى، وأعد لامتحان قريب. تلقيت مكالمة هاتفية مقلقة للغاية من عائلتي أبلغوني فيها أنني لا أستطيع التحدث مع والدي، وأنه قد عثر على سيارته مهجورة على الطريق الذي يسلكه عادة إلى البيت، عائداً من مسجده في الأحساء، بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية. وعلموا أن الشرطة السرية قد اختطفته-ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي قامت فيها بذلك. بينما كان السؤال المطروح: أين هو؟

مضى أسبوع دون أن نعرف ما إذا كان والدي حياً أم ميتاً. ثم اتصل أحدهم بالعائلة ليخبرهم بأنه قد رآه في سجن الدمام.

والدي من الداعين إلى الحقوق المدنية، وهو رجل مبادئ يؤمن بحرية الأفراد وبحقهم في أن يعيشوا حياة كريمة. وبدأت مشاكله مع سلطات المملكة العربية السعودية بسبب شجاعته في التصدي لموضوعات من قبيل التمييز العرقي والديني، والتوزيع غير العادل للثروة في المملكة العربية السعودية.

أب محب جعلنا نشعر بالأمان

أنا ابنه الأكبر؛ ولي شقيقان وأربع شقيقات. ترعرعنا في ظل والدين محبين: فوالدي ووالدتي ظلا شريكين يتقاسمان المسؤولية عنا على قدم المساواة. كنا نعيش في بيت صغير، ولكن كان من المفرح أن تكبر ومن حولك العديد من الإخوة والأخوات. وكأسرة، نفتقد اليوم ابتسامته الدافئة، التي كانت على الدوام تشعرنا بالأمان وبالسعادة. فهو شخص محب وواسع الصدر؛ وكان هناك دائماً عندما كنا نحتاج إلى مساعدته أو نصيحته، وصبوراً عندما كنا نغلط أو نتصرف بشقاوة. وما زلت أذكر كيف كان يروي لنا القصص، كقصة النبي موسى، عندما كنا أطفالاً. وما من شك في أنه كان راوياً جيداً للحكايات.

في بادئ الأمر، حاولت السلطات الضغط على والدي كي يوقع تعهداً يستنكر فيه حقه في الكلام أمام الملأ، وحقوقاً أساسية كثيرة أخرى، فرفض. فما كان إلا أن حاولت السلطات استخدام عائلته للضغط عليه كي يوقّع. ولدى رفضه مجدداً، حكموا عليه بالسجن ثماني سنوات، وبالمنع من السفر لعشر سنوات. وكأسرة، كنا ندعم ما كان يقرره. ونتفهم حقه الأساسي في أن يقف شامخاً للدفاع عن مبادئه ومعتقداته.

لقد قضى والدي سنوات وهو يتنقل بين سجون مختلفة، وهو الآن في سجن بالرياض. وعلينا أن نقطع مسافة ثلاث ساعات ونصف أو أربع ساعات بالقطار، من منزلنا في الإحساء إلى الرياض، حتى نراه، وهي رحلة صعبة بالنسبة لأسرة تريد زيارة من تحب، ويزيدها صعوبة كل تلك التدابير الأمنية التي يتعين عليها المرور بها. والزيارة في العادة قصيرة للغاية، ويفصل الزائرين عمن يحبون أثناءها حاجز سميك من الزجاج.

ومثل جميع السجناء السياسيين الآخرين في السعودية، يعامل والدي معاملة لاإنسانية. فقد رحل جدي وجدتي وهو ما زال في السجن. ولم يسمح له بالمشاركة في جنازة أي منهما، وفوق ذلك، لم يمنح إفراجاً مؤقتاً لحضور حفل زواج إحدى شقيقاتي.

إحدى المعضلات الرئيسية التي يواجهها والدي في السجن الحصول على العناية الطبية. فهو يعاني من حصى في الكلية منذ أكثر من أربع سنوات، ما يتسبب له بآلام شديدة، ومضاعفات صحية كثيرة. كما تعرض في السجن لاعتداء من قبل أحد المجرمين قبل سنة ونصف السنة، ما تسبب له بكسر في أنفه وفكه السفلي ظل دون علاج. ونتيجة لذلك، فهو يعاني من صداع مستمر، كما فقد الإحساس في أربع من أسنانه.

القارئ العزيز، أكتب هذا طلباً لدعمك كي تساعدنا على كشف النقاب عن المظالم التي يعاني منها السجناء السياسيون، وعن انتهاكات حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية. وآمل ليس فحسب في أن يطلق سراح والدي، وإنما أيضاً بأن يخلى سبيل جميع السجناء السياسيين في السعودية، بغض النظر عن نوعهم الاجتماعي أو عقيدتهم أو دينهم.

فثمة آلاف مثلي في المملكة العربية السعودية. وهم جميعاً يأملون في أن يروا أقرباءهم يتنسمون هواء الحرية. وأسرهم تفتقدهم.

 

ثمة آلاف مثلي في المملكة العربية السعودية. وهم جميعاً يأملون في أن يروا أقرباءهم يتنسمون هواء الحرية.
محمد العامر، نجل الشيخ توفيق، سجين الرأي في السعودية

عزيزتي المملكة العربية السعودية، لقد حان الوقت لإطلاق سراح والدي وسراح جميع من طالبوا بالإصلاحات السياسية بصورة سلمية. وحان الوقت أيضاً لإخلاء سبيلهم دون شروط. فهم لم يطالبوا إلا بحقوقهم التي دعا إليها الدين الإسلامي، كالحرية والمساوة.

ورغم المعاناة، ففي كل مرة أحظى فيها بفرصة للتحدث مع والدي، أشعر بانتعاش ما بعده انتعاش. فهو على الدوام متفائل بالمستقبل، ونبرة صوته تزدحم طوال الوقت بطاقة إيجابية، ولسان حاله يقول: لا بد وأن يكون المستقبل أفضل لنا ولمقبل الأجيال من بعدنا. وأنا بدوري أشاركه هذا التفاؤل، وآمل أن تشاركونا أنتم أيضاً هذا الأمل.