لبنان: ينبغي التحقيق في الهجمات الإسرائيلية التي تقتل الأطفال، وتقضي على أسر بأكملها باعتبارها جرائم حرب

قالت منظمة العفو الدولية اليوم إنه يجب التحقيق في ثلاث غارات جوية إسرائيلية على جنوب لبنان شُنت في مارس/آذار 2026 وأودت بحياة 24 مدنيًا – بينهم 12 طفلًا – وقضت على عائلات بأكملها، باعتبارها جرائم حرب.

وأجرت المنظمة تحقيقات في ثلاث هجمات إسرائيلية دمرت منازل مدنية في حي الثكنة بقضاء صور، وقرية إركي بقضاء صيدا، وحي الراهبات في قضاء النبطية في 6 و12 و13 مارس/آذار بالترتيب. وشمل القتلى 12 طفلًا، تراوحت أعمارهم من خمس سنوات إلى 16 سنة، وست نساء – من ضمنهم امرأة حامل – وستة رجال. وأصيب ما لا يقل عن 18 آخرين بجروح.

واستنادًا إلى الأدلة التي جُمعت، فإنه في كل واحدة من هذه الغارات الجوية، لدى منظمة العفو الدولية أساس معقول لتخلُص إلى أن القوات الإسرائيلية انتهكت القانون الدولي الإنساني، وذلك بما يتضمّن التقاعس عن التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، أو شن هجمات وُجهت ضد مدنيين أو أعيان مدنية، أو التقاعس عن اتخاذ كافة التدابير الاحترازية الممكنة للتقليل من الضرر الذي يلحق بالمدنيين إلى أدنى حد ممكن.

وقالت كريستين بيكرلي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية إنه “في غضون أسبوع واحد فقط، قضى الجيش الإسرائيلي على أُسر بأكملها، بمن في ذلك اثنا عشر طفلًا، في لبنان، مبديًا استهتارًا صارخًا بأرواح المدنيين. كم من العائلات الأخرى ستضطر إلى انتشال أشلاء أطفالها من بين الركام قبل أن تنتهي هذه الدوامة المدمرة من جرائم الحرب؟ يجب على المجتمع الدولي أن يتحرك الآن: فعلى الدول أن تفرض فورًا حظرًا شاملًا على توريد الأسلحة إلى إسرائيل وأن تستعين بالولاية القضائية العالمية والولاية القضائية خارج الحدود الوطنية للتحقيق مع المسؤولين ومقاضاتهم”.

“ثمة مخاوف متزايدة من أن الاتفاق الأخير بين لبنان وإسرائيل الذي تم التوصل إليه بوساطة الولايات المتحدة يمكن أن يصبح حاجزًا آخر أمام العدالة، فيحرم الضحايا من سلوك سبيل للمساءلة. وتعطي الشهادات المروعة، التي شاركها الناجون من هذه الهجمات والشهود عليها، لمحة مروّعة لما يعنيه عمليًا الإفلات التام من العقاب على الهجمات الإسرائيلية غير المشروعة.

“يجب على السلطات اللبنانية أن تتحرك بشكل حاسم عبر منح الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية بشأن ما ارتُكب من جرائم على أراضيها وعبر دعم جهود العدالة الدولية ومباشرة تحقيقات محلية موثوقة ومستقلة بشأن الجرائم المشمولة في القانون الدولي. ومن دون اتخاذ إجراءات منسقة—محليًا ودوليًا—فإن دوامة جرائم الحرب والإفلات من العقاب ستستمر دون أن تلوح في الأفق نهاية لها”.

بين 2 مارس/آذار، عندما تصاعد النزاع و29 يونيو/حزيران، قُتل 4,257 شخصًا في لبنان، من ضمنهم أكثر من 250 طفلًا بحسب ما ذكرته الحكومة اللبنانية. وبحسب تقارير وسائل الإعلام الإسرائيلية، قُتل على الأقل مدنيان في إسرائيل وما لا يقل عن 39 جنديًا في جنوب لبنان.

وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 15 شخصًا، بينهم ناجون، وأقرباء، ومسعفون، وصحفيون زاروا مواقع الهجمات، ومسؤولون محليون، من أجل إتمام هذا التحقيق. وقد حلل مختبر أدلة الأزمات التابع لمنظمة العفو الدولية صور أقمار صناعية وتحقق من صحة 20 صورة و11 مقطع فيديو شاركتها مصادر بشكل مباشر أو نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي. كذلك استعرض الباحثون وسائل التواصل الاجتماعي الإسرائيلية واللبنانية لفهم السياق الذي حدثت فيه كل ضربة وللبحث عن أدلة على أي صلات ممكنة للضحايا بحزب الله.

وقد أرسلت منظمة العفو الدولية رسالة إلى السلطات الإسرائيلية في 12 يونيو/حزيران، طلبت فيها معلومات حول تسع هجمات في لبنان، من ضمنها هذه الهجمات الثلاث، وطلبت توضيحًا حول الأهداف العسكرية التي استُهدفت والتدابير التي اتُخِذت لتجنب إلحاق أضرار بالمدنيين، أو التقليل منها إلى أدنى حد ممكن، أو التحقيق فيها، أو جبر الضرر اللاحق بالمدنيين. وفي الرد الذي بعثت به السلطات الإسرائيلية في 22 يونيو/حزيران، ذكرت بأنها “استعرضت المزاعم المقدمة”، وأن بعض الهجمات “شُنت ضد أهداف عسكرية لحزب الله”، بينما “أُحيلت” هجمات أخرى “للفحص”. وذكرت بأنها “ملتزمة بالتقليل من الأضرار التي تلحق بالمدنيين خلال النشاط العملياتي” وأن حزب الله “يستغل بشكل ممنهج البنية التحتية المدنية لأغراض عسكرية”. وعلى الرغم من الاستفسارات اللاحقة، فإن الجيش الإسرائيلي لم يُقدم معلومات محددة تتعلق بالهجمات الثلاث الموثقة أدناه، بما في ذلك ماهية الأهداف التي ربما كانت مستهدفة.

يقتضي القانون الدولي الإنساني من الأطراف التفريق في جميع الأوقات بين الأهداف العسكرية والمدنيين أو الأعيان المدنية، وتوجيه هجماتها نحو الأهداف العسكرية فقط. وبالإضافة إلى حظر الهجمات المباشرة على المدنيين، أو الأعيان المدنية، يحظر القانون الدولي الإنساني الهجمات العشوائية، التي لا تميّز بين الأهداف العسكرية والمدنيين أو الأعيان المدنية. ويتعين على أطراف النزاعات أيضَا أن تكفل تجنيب المدنيين والأعيان المدنية آثار النزاع، بما في ذلك عن طريق اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة للتقليل إلى أدنى حد ممكن من الضرر العرضي الذي يلحق بالمدنيين والأعيان المدنية. وهذا يشمل القيام بكل ما هو ممكن للتحقق من أن الأهداف عسكرية، ولوقف الهجمات إذا اتضح أنها موجهة على نحو خاطئ أو غير متناسبة.

’أمضيت ثلاثة أيام أجمع أشلاء الجثث‘

حسين صالح يقف بالقرب من الحفرة التي خلّفتها الغارة الجوية الإسرائيلية التي دمّرت منزله وأودت بحياة ثمانية من أفراد أسرته.©REUTERS/Adnan Abidi

في 6 مارس/آذار، قرابة الساعة 3:50 بعد الظهر بالتوقيت المحلي، أصابت غارة جوية إسرائيلية منزل حسن صالح في حي الثكنة بقضاء صور على الساحل الجنوبي للبنان. وقد دمرت الغارة المنزل وقتلت ثمانية من أفراد الأسرة الذين كانوا موجودين فيه، وجميعهم مدنيون، ومن ضمنهم ثلاثة أطفال. كذلك أصابت الغارة ستة مدنيين إضافيين، ثلاثة منهم إصابتهم خطيرة، بينهم أفراد في العائلة الممتدة وعاملة منزلية مهاجرة، في منزل مجاور.

وقتلت الغارة التي شُنت بدون تحذير حسن صالح، وهو رجل متقاعد في الستينيات من عمره كان يتلقى علاجًا لمرض السرطان، وزوجته فاطمة صالح، وطفليهما: زين العابدين، 14 سنة، ورقية، 11 سنة. كما أن الغارة قتلت هنية، شقيقة فاطمة، التي كانت حاملًا في شهرها الثالث، وابنتها سارة البالغة من العمر خمس سنوات. وقُتلت أيضًا عمتا فاطمة وهنية، خديجة وسميرة.

ولم يكن حسين صالح، وهو الناجي الوحيد من أفراد العائلة، في المنزل وقت الهجوم. وأخبر منظمة العفو الدولية بأنه هو، وزوجته هنية، وابنته سارة لجأوا إلى منزل العائلة لأنهم افترضوا أنه كان آمنًا بسبب عدم تلقي المقيمين في منزل العائلة مخابرة تحذيرية بالإخلاء كما حدث مع عدد كبير من المنازل الأخرى في المنطقة التي كان يعيش فيها بصور.

وقبل يوم، في 5 مارس/آذار، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر جماعية واسعة النطاق “بالإخلاء” طالبًا من جميع سكان جنوب لبنان، ومن ضمنهم سكان مدينة صور، المغادرة – “حرصًا على سلامتـ[هم]”. وبحسب الأمر الصادر فإن أي شخص يتوجه جنوبًا “يُعرض حياته للخطر”. وقال حسين إن عائلته لم تتمكن من إخلاء مدينة صور فورًا لأن ستة من أفرادها كانوا يعانون من حالة طبية أو من مرض.

إن أوامر الإخلاء الجماعية هذه، التي هي واسعة النطاق على نحو مفرط وتفتقر إلى معلومات واضحة حول الطرق الآمنة، والوجهات، والأطر الزمنية للهجمات وكيفية الابتعاد عن الأهداف العسكرية التي سيتم ضربها، لا تشكل تحذيرات مسبقة فعالة. لا يمنح إصدار هذه الأوامر الجيش الإسرائيلي الحق في التعامل مع هذه المناطق كمناطق رماية حرّة، ولا يعفي إسرائيل من الواجبات المترتبة عليها للتقيد بالقانون الدولي الإنساني والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة للتقليل إلى أدنى حد من الضرر الذي يلحق بالمدنيين. 

وكان حسين قد ذهب إلى السوق لشراء حاجيات المنزل قبل الإفطار عندما وقع الهجوم. فهرع عائدًا إلى منزل العائلة عقب سماعه الغارة ورؤية المكان الذي كان يتصاعد منه الدخان. ووصف المشهد لدى وصوله:

“لم يكن هناك أي أثر للمنزل، لا جدران، ولا أحجار وكانت أشلاء الجثث مبعثرة على الأرض… أمضيت ثلاثة أيام أجمع أشلاء الجثث (…) لم يكن هناك أي هدف عسكري على الإطلاق. كانوا جميعهم نساءً وأطفالًا… لقد دمروا حياتي كلها. لماذا لم يعطونا تحذيرًا؟ (…) كانت سارة، ابنتي، كل شيء بالنسبة إليّ”.

لقد تحقق مختبر الأدلة التابع لمنظمة العفو الدولية من صحة مقطعيْ فيديو شاركهما الشهود. وأظهر أحدهما المسعفين وهم يحملون كيسًا للجثث وسط الركام وأظهر الآخر الأرض الخالية التي كان منزل العائلة مقامًا عليها. وتظهر صورة نشرتها إحدى وسائل الإعلام حفرة في الموقع. ويؤكد تحليل صور الأقمار الصناعية أن المبنى دُمر في ساعات الصباح ما بين 6 و8 مارس/آذار 2026. ويتسق كلٌّ من الحفرة والضرر المرئيين مع ما تُحدثه غارة جوية.

تُظهر صورة قمر صناعي أقل وضوحًا التُقطت في 6 مارس/آذار (يسارًا) المبنى قبل الغارة الجوية، داخل المربّع الأصفر. وتُظهر الصور الملتقطة في 8 مارس/آذار (يمينًا) أن المبنى قد دُمِّر، ويبدو نطاق الانفجار ممتدًا لأكثر من 40 مترًا من المبنى.
© 2026 Planet Labs PBC

ولم يعثر البحث الذي أجرته منظمة العفو الدولية على أي دليل على وجود أهداف عسكرية عند وقوع الهجوم. وقال المسعف موسى شعلان، الذي كان من أوائل الواصلين إلى الموقع عقب الهجوم:

“هذا حي مدني (…) لم يبق أي أثر للمنزل. وكانت أشلاء الجثث مبعثرة على مسافة تصل إلى 200 متر من موقع الارتطام”.

كما قال مسؤول محلي إن أفراد عائلة صالح كانوا مدنيين، وإن المنطقة المستهدفة كانت حيًا مدنيًا، وأنه لم يكن هناك أي نشاط عسكري أو أهداف عسكرية في المنطقة.

لقد دمرت الضربة منزلًا مدنيًا وأودت بحياة ثمانية مدنيين، من ضمنهم أربع نساء وثلاثة أطفال، بدون أي تحذير. واستنادًا إلى الأدلة، فإن لدى منظمة العفو الدولية أساسا معقولًا لكي تخلُص إلى أن هذا الهجوم كان إما هجمة مباشرة على مدنيين أو على إحدى الأعيان المدنية، أو كان هجمة عشوائية، وينبغي التحقيق فيه بوصفه جريمة حرب.

وإلى جانب إصدار أمر إخلاء جماعي قبل يوم من وقوع الهجوم، لم تؤكد السلطات الإسرائيلية أو تنفي بأنها شنت هذا الهجوم ولم تنشر أي بيانات تقدم تفسيرًا. وفي الردود التي أرسلتها السلطات الإسرائيلية إلى منظمة العفو الدولية قالت “إن المزاعم قد أُحيلت للفحص”.

’قُتِلت البنات الأربع‘

عند حوالي الساعة 2:20 من بعد ظهر يوم 12 مارس/آذار، دمرت غارة جوية إسرائيلية على قرية إركي في قضاء صيدا، التي تُشكل بوابة جنوب لبنان، منزل رضا تقي، وقتلت سبعة أفراد عائلة مدنيين، بينهم أربعة أطفال، وأصابت بجروح خمسة أفراد آخرين من العائلة، بينهم طفلة. كما أن الغارة، التي شُنت بدون تحذير، ألحقت ضررًا بالمنزل المجاور العائد لابنة رضا تقي، فقتلت زوجها وابنها البالغ من العمر 12 عامًا، وأصابتها هي وشقيق زوجها بجروح، وهم جميعًا مدنيون.

وفقد محمد تقي، 54 عامًا، الذي نجا من الهجوم، بناته الأربع وهن زينب، 14 عامًا، وزهراء، 12 عامًا، ومليكة، تسع سنوات، وياسمينة، ست سنوات. كذلك أودت الغارة بحياة والدته زينب ناصر، 78 عامًا، ووالده رضا تقي، 83 عامًا، وشقيقه أحمد تقي، 52 عامًا.

ويعمل محمد تقي في مرفأ بيروت ويدير مزرعة المواشي التابعة لعائلته مع شقيقه أحمد في قرية إركي. وبعد تصاعد الحرب، انتقل مع عائلته إلى منزل والده على افتراض أنه سيكون أكثر أمانًا لأنه يقع في وسط القرية.

وفي وقت الهجوم، كان محمد عند شرفة المنزل مع أفراد من الأسرة، بينما كانت بناته الأربع، وابنة عمتهن البالغة من العمر 11 عامًا وجدتهن (والدة محمد) داخل المنزل.

وعقب الهجوم، قال إنه حالما تمكن من الحركة، بدأ يبحث عن أفراد عائلته تحت الركام:

“عندما تمكنتُ من الوقوف، بدأت أبحث عن البنات وعن والديّ (…) فعثرتُ على ياسمينة. وكانت لا تزال على قيد الحياة. وكان تنفسها بطيئًا. وقد انتشلها المسعفون ونقلوها إلى المستشفى. أما مليكة فلم تكن على قيد الحياة. وقد انتشلها المسعفون أيضًا. 

“وفي غرفة النوم التي أصابها الصاروخ، لم أتمكّن من العثور على أي أثر لزينب وزهراء. وقد عثر المسعفون فيما بعد على أشلاء جثتيهما وجمعوها. وعندما فقدت الأمل بالعثور عليهما حيتين، ذهبت إلى المستشفى. وكنت مصابًا في رأسي، وعيني، ووجهي”.

وقال المسعف محمد شكرون، وهو من سكان المنطقة، إنه ما إن أدرك فريقه بأن الغارة الجوية أصابت وسط القرية، عرفوا بأنه سيكون هناك عدد كبير من الضحايا المدنيين. ووصلوا إلى الموقع بعد حوالي خمس دقائق من وقوع الغارة:

“عثرنا على جثة الجدة [زينب ناصر] فوق جثة حفيدتها. لقد توفيت لكن حفيدتها [البالغة من العمر 11 عامًا] نجت، وأصيبت بجروح بليغة. فأخرجنا الفتاة ونقلناها إلى المستشفى (…) وخطونا خطوة أخرى، فعثرنا على ابن [زينب] [أحمد تقي] ميتًا. وكان قد تعرّض لإصابة في الرأس (…). وقُتِلت البنات الأربع لمحمد تقي. وعثرنا على أشلاء لجثث أطفال”.

مقطع فيديو صوّره محمد تقي يُظهر آثار الغارة الجوية الإسرائيلية التي دمّرت منزل والده وأودت بحياة سبعة من أفراد أسرته. © Mohamad Taqi

تحقق مختبر الأدلة التابع لمنظمة العفو الدولية من صحة سبعة مقاطع فيديو شاركتها مصادر وأظهرت المبنى المدمر والمنشآت المتضررة بالقرب منه. وتؤكد صور أقمار صناعية أنه دُمر في ما بين صباح 10 وصباح 17 مارس/آذار 2026. ويتسق الدمار الذي يمكن رؤيته مع ما تُحدثه غارة جوية.

وعقب الهجوم، أبلغ الجيش الإسرائيلي صحيفة الأوبزرفر بأنه أصاب “عناصر إرهابية تابعة لحزب الله” في إركي في 12 مارس/آذار واتهم حزب الله باستخدام دروع بشرية، لكنه لم يُقدم أي أدلة تُثبت مزاعمه. وقد بعثت منظمة العفو الدولية برسالة إلى الجيش الإسرائيلي تسأل فيها عن هذا الهجوم بالذات، بما في ذلك أي أهداف مزعومة. وفي الرد الذي بعثت به السلطات الإسرائيلية، قالت إن المزاعم قد أُحيلت للفحص.

وحتى وإن كانت إسرائيل تقصد استهداف شخص ما تعتبره هدفًا عسكريًا، فإن الوسيلة والأسلوب اللذين استخدمتهما في شن هذا الهجوم على منزل مدني مكتظ بالمدنيين من شأنهما أن يجعلاه هجومًا عشوائيًا.

ولم يعثر البحث الذي أجرته منظمة العفو الدولية على أي دليل على وجود أي أهداف عسكرية وقت وقوع الهجوم. لقد دمرت الضربة منزلًا مدنيًا، وألحقت أضرارًا بمنزل مدني آخر، وأودت بحياة تسعة مدنيين، من ضمنهم خمسة أطفال، بدون إصدار أي تحذير.

واستنادًا إلى الأدلة، فإن لدى منظمة العفو الدولية أساسًا معقولًا لكي تخلُص إلى أن هذا الهجوم كان إما هجمة مباشرة على مدنيين أو إحدى الأعيان المدنية أو هجمة عشوائية. وفي أي من الاحتمالين، يجب التحقيق في هذا الهجوم بوصفه جريمة حرب.

’عائلة بأكملها اختفت، وكأنها لم تكن موجودة قط‘

بين الساعة 8:00 و8:30 بحسب التوقيت المحلي من مساء يوم 13 مارس/آذار، أدت غارة جوية إسرائيلية على منزل في حي الراهبات بقضاء النبطية إلى مصرع سبعة مدنيين، من ضمنهم قيس بسمة، وزوجته بلاندين جابر، وأطفالهما الأربعة؛ حسن، وحسين، وعباس، وهيلين، الذين تتراوح أعمارهم من سبعة أعوام إلى 16 عامًا. كذلك أدت الغارة، التي شُنت من دون أي تحذير، إلى مقتل جارهم حسين محمد بيطار وإصابة ما لا يقل عن خمسة أشخاص بجروح في الأبنية المجاورة.

وأخبرت تحية بسمة، قريبة قيس بسمة، منظمة العفو الدولية بأن قيس كان دهَّان منازل، رجلًا كادحًا كان بالكاد يستطيع تأمين لقمة العيش:

“كان أبًا لأربعة أطفال كانوا لا يزالون في المدارس (…) لقد كانت خسارتنا فادحة. فعائلة بأكملها اختفت، وكأنها لم تكن موجودة قط. ولم يبق منها أحد. لقد صدمنا الخبر. كذلك دُمِّر منزل العائلة الذي كان يعيش فيه. وكان بيتًا لبنانيًا تقليديًا يعود إلى جدَّيه، نشأت فيه أجيال متعاقبة”. 

وقال عبد اللطيف بيطار، وهو مختار (ممثل الحكومة على المستوى المحلي)، ويعمل أيضًا كمسعف مع كشافة الرسالة، وهو ابن عم حسين محمد بيطار الذي قُتل في الهجوم، إنه توجه إلى الموقع عقب سماع الغارة ومشاهدة الدخان يتصاعد:

“سمعنا أصوات الطائرات الحربية والمُسيَّرات—الموجودة على الدوام في أجوائنا. ثم، سمعنا الغارة؛ وعادة ننتظر ثلاث دقائق قبل التوجه إلى الموقع، تحسبًا لإمكانية حدوث غارة ثانية أو قصف بـ”حزام ناري”.

“وكان المنزل المؤلف من طبقتين مسوّىً بالأرض… وكان الجثمان الأول الذي أخرجناه لأحد أبنائه… ثم أخرجنا طفلين آخرين، لكنهما كانا أشلاءً. وكان جثمانا قيس وزوجته سليمين… كذلك أخرجنا… حسين … وكان حيًا، لكنه فارق الحياة في المستشفى بعد ساعة”.

مقطع فيديو صوّره مسعف يُظهر آثار الغارة الجوية الإسرائيلية التي دمّرت المنزل وأودت بحياة ستة من أفراد عائلة بسمة وجارهم. © Abbas Fahd

وقال قريب لحسين محمد بيطار وصديق مقرب لقيس إن حسين كان كهربائيًا يعيش أيضًا في حي الراهبات، على بعد بضعة مربعات سكنية فقط من منزل قيس.

وقال للمنظمة ثلاثة أشخاص أُجريت مقابلات معهم إنهم سمعوا أصوات مسيَّرات وصوت طائرة قبل وقوع الغارة.

وقد تحقق مختبر الأدلة التابع لمنظمة العفو الدولية من صحة 19 صورة ومقطعيْ فيديو أظهرت المبنى المدمر والمنشآت المتضررة بالقرب منه. وتبين صور أقمار صناعية أقل وضوحًا أن المبنى سوي بالأرض بين 10 و17 مارس/آذار 2026. وتتسق لقطات الأضرار مع ما تُحدثه غارة جوية.

ولم تؤكد السلطات الإسرائيلية أو تنفي بأنها شنت هذا الهجوم ولم تنشر أي بيانات تقدم تفسيرًا. وفي الردود التي أرسلتها السلطات الإسرائيلية إلى منظمة العفو الدولية، قالت إن المزاعم قد أُحيلت للفحص.

ولم يعثر البحث الذي أجرته منظمة العفو الدولية على أي دليل على وجود أي أهداف عسكرية عند وقوع الهجوم. وإن جميع الأشخاص الذين تحدثت إليهم منظمة العفو الدولية، ومن ضمنهم المختاران في مدينة النبطية، أخبروها بأن جميع الذين كانوا موجودين في المنزل وقت الهجوم كانوا مدنيين. وقال المختار المحلي عبد اللطيف بيطار إنه: “ليس هناك مطلقًا أي وجود عسكري في المنطقة، فهذا حي سكني، ولم تكن هناك أي أسلحة في موقع المنزل المستهدف”.

لقد دمرت الغارة منزلًا مدنيًا، وألحقت أضرارًا بمنازل مدنية مجاورة، وأودت بحياة سبعة مدنيين، من ضمنهم أربعة أطفال، بدون أي تحذير.

واستنادً إلى الأدلة، فإن هذا الهجوم كان إما هجمة مباشرة على مدنيين أو أعيان مدنية أو هجمة عشوائية، وينبغي التحقيق فيه بوصفه جريمة حرب.

وقالت كرستين بيكرلي إن “هذه الهجمات المدمرة الثلاث تشكل جزءًا من نمط موثق جيدًا لهجمات إسرائيلية غير مشروعة شُنت في لبنان، في ظل غياب تام للمساءلة. إن الإفلات المستمر من العقاب على الهجمات غير المشروعة ينطوي على مخاطر جعل الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني أمرًا طبيعيًا ويبعث برسالة خطيرة بأن القوات الإسرائيلية تستطيع مواصلة قتل وإصابة المدنيين بصورة غير مشروعة من دون رادع، وفي ظل انعدام أي آفاق لتحقيق العدالة أو تقديم التعويض”. 

خلفية

في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أطلق حزب الله صواريخ نحو إسرائيل، وأعقب ذلك عمليات جوية وبرية إسرائيلية اشتدت حدتها على نحو ملموس في سبتمبر/أيلول 2024. ودخل وقف لإطلاق النار حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لكن إسرائيل واصلت شن هجمات شبه يومية وتدمير ممتلكات مدنية على نطاق واسع في لبنان على طول الحدود. وفي 2 مارس/آذار 2026، استأنف حزب الله هجماته في أعقاب ضربة أمريكية–إسرائيلية على إيران أودت بحياة المرشد الأعلى والقائد الأعلى الإيراني علي خامنئي. فردت إسرائيل بشن موجة من الهجمات في مختلف أنحاء لبنان. واستمرت الأعمال القتالية على الرغم من صدور إعلانات متعددة لوقف إطلاق النار.

ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وثَّقت منظمة العفو الدولية نمطًا من الهجمات الإسرائيلية غير المشروعة في لبنان، من بينها تلك التي أدت إلى مقتل مدنيين، وصحفيين وعاملين في المجال الطبي، وألحقت أضرارًا بأعيان مدنية ودمرتها. كذلك فإن المنظمة حذّرت مرارًا وتكرارًا من أن الإفلات المتواصل من العقاب على مثل هذه الانتهاكات قد شجَّع القوات الإسرائيلية على مواصلة شن هجمات غير مشروعة دون خوف من المساءلة.

كذلك وثّقت منظمة العفو الدولية إطلاق حزب الله بشكل غير مشروع صواريخ غير موجّهة على مناطق مدنية مأهولة في إسرائيل، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، وتدمير منازل مدنيين، وتهجيرهم.