سوريا: استخدام روسيا لحق النقض يحرم ملايين المدنيين السوريين من المساعدات الضرورية في خضم كارثة إنسانية في إدلب

بقلم Diana Semaan Syria Researcher, Amnesty International,

من المتوقع أن تشهد الأوضاع الإنسانية الكارثية أصلاً لملايين المدنيين في إدلب مزيداً من التدهور لأن روسيا والصين منعتا تجديد الآلية التي أنشئت بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2165 الصادر في 2014 والذي سمح للأمم المتحدة وشركائها المنفذين بتسليم المساعدات الواردة من الدول المجاورة لسوريا إلى مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة.

لقد خذل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مرة أخرى الشعب السوري بشدة؛ إذ إن استخدام روسيا والصين لحق النقض بصورة متكررة حال فعلياً، على مر السنين، دون بذل أي محاولات للسير على طريق المساءلة والعدالة بالنسبة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سوريا. ولكن هذه المرة سيكون للعواقب المترتبة وقع فوري ومباشر على أرواح ملايين المدنيين الذين يصارعون الموت، لاسيما في إدلب حيث يرزح السكان المدنيون تحت وطأة أشرس جولة من التصعيد العسكري تشنها الحكومة السورية.

ومع انتهاء مدة صلاحية الآلية المذكورة، لن تعود الأمم المتحدة مخولة بالعبور من تركيا إلى إدلب لتقديم المساعدة الإنسانية لإنقاذ أرواح 2,7 مليون نسمة، من بينهم المهجرون داخلياً، الذين فروا من المعارك التي دارت في حلب وحمص ودرعا وسواها من مناطق البلاد منذ نشوب الأزمة في العام 2011.

ولولا القرار رقم 2165 الذي اعتُمد في 2014، وعمليات تجديده المتعاقبة، لما تمكنت وكالات الأمم المتحدة وشركاؤها المنفذون من إرسال 30,338 شاحنة محملة بالمساعدات الإنسانية عبر حدود الأردن والعراق وتركيا لمساعدة ملايين الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في سوريا.

لقد خذل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مرة أخرى الشعب السوري بشدة؛ إذ إن استخدام روسيا والصين لحق النقض بصورة متكررة حال فعلياً، على مر السنين، دون بذل أي محاولات للسير على طريق المساءلة والعدالة بالنسبة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سوريا.
ديانا سمعان، منظمة العفو الدولية

وقد منعت روسيا بدعم من الصين تجديد القرار في 20 ديسمبر/كانون الأول، بالتزامن مع أحد أكثر الأشهر عنفاً بالنسبة للسكان في إدلب، مع تكثيف الحكومة السورية لهجماتها التي أرغمت زهاء 300,000 شخص على الفرار من ديارهم بحثاُ عن السلامة.

وزاد الهجوم العسكري على إدلب الذي بدأ في نهاية أبريل/نيسان 2019 – مقروناً بتوقف العديد من المنظمات المحلية والدولية عن تقديم المساعدات نتيجة الهجمات المستمرة – أضعافاً مضاعفة الحاجة إلى المساعدات الإنسانية والحصول على خدمات ضرورية مثل الرعاية الصحية.

وسجلت الأمم المتحدة، بين مايو/أيار ونوفمبر/تشرين الثاني 2019، تهجير ما لا يقل عن 630,000 شخص اضطروا إلى الفرار من الهجمات التي شنتها الحكومتان السورية والروسية، والعيش في مخيمات رسمية وغير رسمية حيث الحصول على المأوى الملائم، والطعام، والملابس التي تقيهم برد الشتاء، والبطانيات، والتدفئة محدود للغاية.

فالمرافق الصحية في إدلب، على سبيل المثال، تعتمد على اللوازم الطبية والجراحية التي تُسلّم عبر الحدود وعلى الدعم الذي تقدمه الأمم المتحدة في تنفيذ البرامج الصحية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2019، استفاد 1.3 مليون نسمة من الخدمات الصحية التي قُدّمت في شتى أنحاء شمال سوريا.

لقد سبق لسوريا وروسيا أن قيدتا الوصول إلى الرعاية الصحية بإلحاق الضرر بالمرافق الطبية وتدميرها. وقد وثّقت منظمة العفو الدولية الهجمات التي شنت بلا تمييز والهجمات المباشرة على منازل المدنيين، والمدارس، والمخابز، وعمليات الإنقاذ، والمشافي، والمرافق الطبية، بما في ذلك بالقصف المدفعي والضربات الجوية التي أدت إلى سقوط مئات المدنيين بين قتيل وجريح، من بينهم عمال الإغاثة والعمّال الطبيين. ومن المهم للغاية أن تتمكّن المرافق الطبية من الوصول إلى اللوازم الطبية الضرورية، وأن تُحمى من الهجمات.

إن سياسات الحكومة السورية وممارساتها هي التي خلقت الحاجة إلى هذه المساعدات الإنسانية المقدمة عبر الحدود. وبات واضحاً للأمم المتحدة، في 2014، أن المدنيين الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة لن يتمكنوا من الحصول على المساعدة من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة؛ فالحكومة السورية منعت بصورة متكررة وكالات الأمم المتحدة وشركاءها المنفذين من تسليم المساعدات إلى الأشخاص الذين يحتاجونها في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة. فأُعيدت قوافل المساعدات الإنسانية عند نقاط التفتيش، وصادرت قوات الأمن المعدات واللوازم الطبية، وتأخر طوال شهور الحصول على الموافقات المسبقة، وهذه ليست سوى بعض العقبات التي واجهتها وكالات المساعدات الإنسانية في سوريا. وفي المناطق التي كانت تحاصرها الحكومة سابقاً استخدمت المساعدات الإنسانية كورقة مساومة مع جماعات المعارضة المسلحة خدمة لمصالحها الاستراتيجية. وفي حالات عديدة إبان الأزمة مُنع إدخال المساعدات الإنسانية كوسيلة لمعاقبة المدنيين على أفعال جماعات المعارضة المسلحة. وشكلت أساليب "الاستسلام أو مواجهة الجوع" هذه التي وثّقتها منظمة العفو الدولية انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.

وإذا لم تُمنح الأمم المتحدة وشركاؤها المنفذون حتى يومنا هذا حق الوصول بلا قيود إلى المحتاجين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، فكيف تتوقع روسيا السماح بوصول المساعدات إلى إدلب أو غيرها من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة؟

وقد حذّرت الأمم المتحدة مراراً وتكراراً منذ يوليو/تموز 2019 من حدوث "أسوأ كارثة إنسانية" في إدلب إذا لم يتوقف العنف. وبالفعل بدأت بوادر هذه الكارثة الإنسانية تظهر، ويُعدّ وضع حد للهجمات غير القانونية، وضمان الحصول على المساعدات الإنسانية بلا قيود، الإجراءين اللذين يمكن أن يعكسا مجرى الكارثة ويحميا المدنيين. ويجب على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يضع آلية أو يجدد الآلية القائمة إذا أراد أن يفي بالتفويض الموكل إليه، ويضمن إتاحة المساعدات الإنسانية دون أي عراقيل إلى ملايين الأشخاص الذين هم اليوم في أمسّ الحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.