قلوب ونفوس محطمة: كابوس عائلات الأويغور التي مزق القمع شملها

قبل نحو أربع سنوات، بدأ الآباء والأمهات من الأويغور الذين يدرسون أو يسعون لكسب أرزاقهم في الخارج يعيشون كابوساً متكرراً؛ فقد ترك الكثيرون منهم واحداً أو أكثر من أطفالهم في رعاية بعض أقاربهم في بلداتهم الأصلية في إقليم شينجيانغ أويغور ذي الحكم الذاتي (إقليم شينجيانغ). وما كان بإمكانهم آنذاك أن يعرفوا أن الصين توشك على شن حملة غير مسبوقة من القمع والبطش على الطوائف السكانية العرقية في إقليم شينجيانغ، تخلِّف عواقب مروعة على حياة ما يقدر بالآلاف من الآباء والأمهات من أمثالهم.

وعلى مدى عقود من الزمان، كابد الكثيرون من الأويغور ويلات التمييز العرقي والديني الممنهج في إقليم شينجيانغ؛ ومنذ عام 2014، شهد الإقليم تعاظماً هائلاً لوجود الشرطة، وستاراً كثيفاً من الرقابة في إطار حملة علنية شعواء شعارها “حرب الشعب على الإرهاب”، وباسم مكافحة “التطرف الديني”. وسرعان ما بدأت تدابير الرقابة والسيطرة الاجتماعية في الانتشار السريع خلال عام 2016. وفي عام 2017، بدأت الأمور تتخذ منحىً أبشع من ذي قبل بالنسبة للأويغور، والكازاخ، وغيرهم من الشعوب ذات الأغلبية المسلمة في المنطقة. ومنذ ذلك الحين، تعرض زهاء مليون شخص للاعتقال التعسفي فيما يُسمَّى بمراكز “التغيير من خلال التعليم” أو “التدريب الحرفي” في شينجيانغ، حيث يتجرعون صنوفاً شتى من التعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك التلقين السياسي والاستيعاب الثقافي القسري. وهذه الحملة القمعية من الاعتقال الجماعي والقمع الممنهج منعت الآباء والأمهات من الأويغور من العودة إلى الصين للقيام على تربية ورعاية أطفالهم بأنفسهم، في الوقت الذي جعلت فيه من شبه المستحيل على أطفالهم مغادرة الصين للحاق بهم في الخارج حتى يلتئم شمل أسرهم.

تنزيل التقرير

الإنجليزية ، الأويغورية، الصينية

@SuluArtco عمل فني رائع من تصميم مجموعة من الفنانين من الأويغور – حسابهم على تويتر

كثيراً ما يكون من أصعب الصعاب، إن لم يكن من المستحيل، على الأويغور المقيمين في الخارج أن يتلقوا معلومات عن أماكن ذويهم؛ غير أن بعض الآباء والأمهات تلقوا نتفاً من المعلومات من أقاربهم وأصدقائهم على هيئة كلمات مشفرة، أو صور فوتوغرافية، أو تسجيلات مصورة، توهمهم بأن أطفالهم قد نقلوا إلى “ملاجئ للأيتام” تابعة للحكومة أو مدارس داخلية.

كان الكثيرون من الآباء والأمهات يظنون أول الأمر أن حملة القمع سوف تكون مؤقتة، وأنه لن يمضي وقت طويل حتى تتيسر لهم العودة إلى أوطانهم وأطفالهم. ولكن أصدقاءهم وأقاربهم حذروهم من مغبة العودة لأنه من شبه المؤكد أن يُزجَّ بهم في معسكرات الاحتجاز إثر عودتهم إلى الصين. وقد بات وجود هذه المعسكرات وما يجري فيها من الاعتقال التعسفي لأي فرد من أبناء الطوائف العرقية المسلمة أمراً ثابتاً لا يدع مجالاً للشك. ولئن كان قد يتيسر للبعض الاتصال بأطفالهم بادئ ذي بدء، فلم يلبث هذا الاتصال أن انقطع عندما اقتيد الأقارب الذين كانوا يقومون على رعاية الأطفال إلى معسكرات الاحتجاز أو زُجَّ بهم هم أنفسهم في السجون. وشيئاً فشيئاً تحولت إقامة الآباء والأمهات في الخارج إلى منفى لا مناص منه.

وقد أجرت منظمة العفو الدولية مؤخراً مقابلات مستفيضة مع ستة من الآباء والأمهات الذين استقر بهم المقام في أستراليا، وكندا، وإيطاليا، وهولندا، وتركيا، ممن فصلوا عن أطفالهم. وما كشفته إفاداتهم لا يكاد يتجاوز قشور المحن والكروب التي تقاسيها عائلات الأويغور التي تتحرق لالتئام شملها مع أطفالها العالقين في الصين.

انطلق الأطفال الأربعة وحدهم في رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر، يبلغ طولها 5000 كيلومتر، من كاشقار بالقرب من الحدود بين الصين وباكستان، إلى مدينة شنغهاي الساحلية الشرقية للتقدم بطلبات الحصول على التأشيرة الإيطالية في يونيو/حزيران 2020.
“لدي شيء أريد أن أقوله للبشرية؛ أتوسل إليكم أن تضعوا أنفسكم في مكاننا؛ تصوروا كل العذاب الذي مازلنا نتجرعه، وارفعوا أصواتكم من أجلنا”
قالت لمنظمة العفو الدولية والدموع تنحدر على خديها “من الصعب فعلاً على الآخرين أن يستوعبوا ما أشعر به؛ الشيء الوحيد الذي يدفعني للمضي في الحياة هو أنني أريد أن أعرف أنه حي، وسليم، ومعافى”. وبصوت متهدج خنقته العبرة، مضت تقول: “لو كان بمقدوري أن أتكلم معه الآن، لقلت له ʾسامحني؛ أنا جئت بك إلى هذا العالم، ولكني لم أستطع أن أعتني بك؛ لم أستطع أن أكون أماً لك”
“ليست لدي أي فكرة عما يحدث لأطفالي وأسرتي؛ كيف حدث هذا؟ أتوسل إليكم أن تبذلوا قصارى جهدكم لمساعدتنا على تجاوز هذه المحنة؛ أريد أن أطلب من كل إنسان أن يتمسك بإنسانيته، أن يدافع عنا، ويقف إلى جانبنا، وألا يسمح بتكرار هذه المأساة لأطفالنا”.
“إن كانت للسلطات الصينية أي بقية من آدمية، فلا بد أن تكف عن معاملة الناس على هذا النحو، وتسمح لهم بلم شمل عائلاتهم. إنها تتصرف معنا وكأننا ارتكبنا جريمة ما؛ أتمنى من السلطات أن تدرك فداحة هذه القسوة الجماعية … هذا ظلم فاحش مفجع؛ لا أجد كلمات أخرى دقيقة أصفه بها”.
“هناك قول مأثور يقول الأطفال هم القلب، الأطفال هم الحياة؛ أشعر وكأنني قد فقدت قلبي، وفقدت حياتي. وانفجرت في البكاء، ثم أردفت قائلةً: “لقد كان أطفالي هم معنى حياتي؛ دائماً أفكر في سلامتهم، وصحتهم، وفي المعاملة التي يلقونها”.

كاد الشمل يلتئم: أربعة مراهقين في رحلة محفوفة بالمخاطر

فرت مهربان قادر وزوجها أبليكيم ممتنن، وهما أصلاً من مدينة كاشقار، إلى منفاهما في إيطاليا عام 2016، بعد أن تعرضا للمضايقات المتكررة من الشرطة، وأمر بتسليم جوازي سفرهما إلى مركز الشرطة المحلي.

ولم يكادا يرحلان حتى بدأت الشرطة أيضاً في مضايقة والدي مهربان اللذين كانا يرعيان أطفالهما الأربعة. وفي نهاية المطاف، نقلت جدة الأطفال إلى المعسكر، أما جدهم فقد أخضع للاستجواب على مدى عدة أيام، ثم أمضى عدة أشهر في المستشفى.

ولم يعد للأطفال أحد يقوم على رعايتهم؛ وقالت مهربان لمنظمة العفو الدولية: “لم يجرؤ أحد من أقاربنا الآخرين على رعاية أطفالنا بعد ما حدث لوالديّ؛ كانوا يخشون أن يتم ترحيلهم إلى المعسكرات هم أيضاً.”

وتجددت الآمال في التئام شمل الأسرة من جديد في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، عندما تلقت مهربان وألبيكيم تصريحاً من الحكومة الإيطالية بإحضار أطفالهما إلى إيطاليا. ولكن قبل أن يتسنى لهما ذلك، كان يتعين على الأطفال الأربعة – الذين تبلغ أعمارهم 12، و14، و15، و16 عامًا – أن ينطلقوا وحدهم في رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر.

انطلق الأطفال الأربعة وحدهم في رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر، يبلغ طولها 5000 كيلومتر، من كاشقار بالقرب من الحدود بين الصين وباكستان، إلى مدينة شنغهاي الساحلية الشرقية للتقدم بطلبات الحصول على التأشيرة الإيطالية في يونيو/حزيران 2020.

وفي الطريق، واجهوا الكثير من الأخطار البالغة والتحديات الجسيمة؛ إذ لا تسمح النظم والتعليمات في الصين للأطفال بشراء تذاكر القطارات أو الطائرات، والسفر بمفردهم. ونظراً للسياسات التي تنطوي على التمييز وأوامر الحكومة المحلية، كثيراً ما ترفض الفنادق قبول نزلاء من الأويغور بزعم عدم وجود غرف شاغرة. وبالرغم من هذه المشاق والعقبات، ثابر الأطفال حتى تمكنوا من الوصول إلى شنغهاي.

وعندما وصل الأطفال في نهاية المطاف إلى بوابات القنصلية الإيطالية، وفي أيديهم جوازات سفر صالحة، تصوروا والديهم وكأنهما يقفان خلف البوابات الماثلة أمامهم ليتلقياهم بالقبلات والأحضان.

ولكن لم تلبث أن تبددت هذه اللهفة والإثارة ليحل محلها الجزع والفزع عندما مُنع الأطفال من دخول القنصلية؛ وقيل لهم في وقت لاحق إن تأشيرات لم شمل الأسر لا يمكن أن تصدر إلا في السفارة الإيطالية بالعاصمة بكين، ولكن السفر كان محظوراً آنذاك بسبب إجراءات الإغلاق والحظر الصارم التي فرضت في بكين في يونيو/حزيران 2020. وبقلوب محطمة، انتظر الأطفال خارج القنصلية، وقد تعلقوا بالأمل لعل أحد المسؤولين في القنصلية يخرج إليهم، ويرثي لحالهم، فيمد لهم يد المساعدة. وبدلاً من ذلك، جاءهم حارس أمن صيني، وتوعدهم بالاتصال بالشرطة ما لم يغادروا المكان.

غير أن الأطفال لم يستسلموا لليأس، وطلبوا المساعدة من العديد من وكالات السفر لتقديم طلبات للحصول على تأشيرات إيطالية. وفي 24 يونيو/حزيران، اقتيد الأربعة على أيدي أفراد الشرطة من فندقهم في شنغهاي إلى ملجأ للأيتام ومدرسة داخلية في كاشقار، وفقاً لما ذكره والداهم. وهكذا كانت الأسرة قاب قوسين أو أدنى من التئام شملها مرة أخرى، ولو كانت الأمور في اليوم الذي وقف فيه الأطفال على باب القنصلية الإيطالية قد سارت في وجهة أخرى، لكانوا الآن في كنف والديهم يسترجعون معاً ذكريات هذه الرحلة الجريئة التي خاضوا غمارها، بدلاً مما هم يتجرعونه الآن من الكمد والغم والحسرة قابعين في نظام الملاجئ الصينية. وفي ظل هذه الظروف، تساور المخاوف مهربان وأبليكيم من أن يكونا قد فقدا أطفالهما إلى الأبد.

في أواخر عام 2016، بدأت السلطات الصينية في مصادرة جوازات سفر أهالي شينجيانغ بصورة منهجية؛ فأصدرت السلطات أوامر للأهالي بتسليم جوزات سفرهم إلى مراكز الشرطة المحلية، فقرر الكثيرون منهم الرحيل عن البلاد قبل فوات الأوان، والعودة لاحقاً لاصطحاب أطفالهم باعتبار أنهم ليست لديهم جوازات سفر بعد.

ولما تمكنوا من الرحيل عن البلاد، تقدموا باستفسارات لدى السفارات والقنصليات الصينية في الخارج، ولكنهم لم يحصلوا منها على أي معلومات، وإنما قيل لهم فحسب أن يعودوا إلى شينجيانغ، وأغلب الظن أنهم لو فعلوا ذلك، فسوف يكون مصيرهم الاعتقال التعسفي أو غيره من أشكال العقاب غير القانوني.

افترقت عن بناتي: مر 1594 يوماً، ولا زلت أعد الأيام

يمتلك عمر فاروق متجراً للكتب في إسطنبول؛ وكان في السعودية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016؛ وذات ليلة اتصلت به زوجته مريم فارق، وقالت له إن الشرطة المحلية أمرتهم بتسليم جوازات سفرهم؛ وأثار ذلك قلق عمر، فقال لزوجته ألا تسلم جوازات السفر إلى الشرطة، وعلى الفور اشترت تذاكر سفر لها ولابنتيهما الكبريين وكلتاهما لديها جواز سفر. اما ابنتاها الأخريان، البالغتان من العمر ست وخمس سنوات، فلم تكن لديها وثائق سفر بعد. ونظراً لحملة مصادرات جوازات السفر الجارية على نطاق واسع آنذاك في إقليم شينجيانغ، فقد أيقنت مريم وعمر أنه لا مناص لهما من ترك ابنتيهما الصغريين في رعاية والدي مريم ببيت الأسرة في بلدة كورلا وسط إقليم شينجيانغ.

وسرعان ما انقطع اتصال عمر بوالديه؛ وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، علم من أحد أصدقائه أن السلطات قد رحَّلت والدي زوجته إلى معسكرات الاحتجاز.

وقال عمر لمنظمة العفو الدولية: “أنا واحد من بين الآلاف من الأويغور الذين مُزِّق شمل عائلاتهم … لم نسمع صوت ابنتينا منذ 1594 يوماً؛ لا أبكي أنا وزوجتي إلا بالليل، ونحاول إخفاء حزننا عن ابنتينا الكبيرتين معنا هنا”.

وبصوت متقطع تخنقه العبرات، أردف عمر قائلاً : “إنني مستعد لأن أضحي بأي شيء من أجل ابنتينا؛ أضحي بروحي فداءً لحريتهما، إن اقتضى الأمر ذلك”.

وحصل عمر وأسرته، بما في ذلك جميع الأطفال، على الجنسية التركية في يونيو/حزيران 2020؛ ومنذ ذلك الحين، وهو يسعى جاهداً لدى السلطات التركية كي تساعده على إحضار ابنتيه الصغيرتين من الصين. وأبلغت السفارة التركية في بكين عمر أنها شرعت في الإجراءات اللازمة في أغسطس/آب 2020، وأرسلت مذكرة دبلوماسية إلى الحكومة الصينية في أكتوبر/تشرين الأول 2020، ولكنها لم تتمكن حتى اليوم من إحضار الطفلتين إلى تركيا.

وقال عمر “لدي شيء أود أن أقوله للبشرية؛ أتوسل إليكم أن تضعوا أنفسكم في مكاننا؛ تصوروا كل العذاب الذي مازلنا نتجرعه، وارفعوا أصواتكم من أجلنا”.

أراد بعض الآباء والأمهات أن يمكث أطفالهم بعض الوقت مع أجدادهم وهم لا يزالون صغاراً؛ غير أن البعض الآخر ممن ينتظرون أطفالهم آثروا الإقامة مؤقتاً خارج الصين تجنباً للعقوبات القاسية التي تفرضها السلطات الصينية في إطار سياسة تحديد النسل الصارمة التي تحرم الناس، ولا سيما النساء، من حقهم الأساسي في اتخاذ ما يشاؤون من القرارات بشأن الإنجاب.

قولوا لي إن ابني لا يزال حياً، سالماً، معافىً

كانت رضوان غل تعمل بائعة في دبي عام 2014 عندما عاد إليها طفلها  الذي كان يبلغ من العمر آنذاك ثلاث سنوات بصحبة ابن عمها محمد، وأقام معها لمدة نصف عام تقريباً. وكانت رضوان غل قد عقدت العزم على إحضار ابنها ليقيم معها بصفة مستديمة، ولكن والديها نصحاها بأن تتركه في الصين ريثما يصل إلى سن الالتحاق بالمدرسة، مما يسمح لها بالتركيز على حياتها المهنية؛ فوافقت، ظناً منها بأن حياتها سوف تستقر في دبي، وسوف يتسنى لها اتخاذ الإجراءات اللازمة استعداداً لتسجيل طفلها في المدرسة.

وقالت رضوان غل لمنظمة العفو الدولية: “كنت كلما عدت إلى بلدتي في شينجيانغ لقضاء العطلة، أقضي شهراً واحداً مع ابني؛ كم كانت سعادتي آنذاك! وعندما جاء إلى دبي لزيارتي، قضينا معاً أسعد أيام حياتي”.

أما ابن عم رضوان غل، فقد وجد عملاً في دبي وظل فيها؛ وبعد ذلك بنحو شهرين، وبينما كانت رضوان غل تتأهب للعودة إلى وطنها في زيارة مزمعة، نصحتها أختها وأصدقاؤها بعدم العودة إلى الصين لأن في ذلك خطراً عليها.

لم يدر في خلدها آنذاك أن الأوضاع في شينجيانغ توشك أن تتفاقم وتزداد قتامة.

وعندما سألت رضوان غل أختها عن أحوال محمد، قالت لها إنه ذهب إلى “المدرسة” من أجل “الدراسة” بعد أسبوع من عودته إلى شينجيانغ؛ ففهمت رضوان غل من هذه الإجابة أن محمداً قد نُقل إلى معسكر “لإعادة التثقيف”.

وفي سبتمبر/أيلول، غيَّمت على حياة رضوان غل سحابة سوداء قاتمة عندما قالت لها أختها – التي كانت تقوم على رعاية ابنها – ألا تتصل بهم مرة أخرى لاعتبارات ومخاوف أمنية. ومنذ ذلك الحين، لم تتمكن رضوان غل – التي تدرس اللغة الهولندية في هولندا الآن – من الاتصال بابنها، ولا شقيقتها، ولا بأصدقائها في شينجيانغ.

قالت لمنظمة العفو الدولية والدموع تنحدر على خديها “من الصعب فعلاً على الآخرين أن يستوعبوا ما أشعر به؛ الشيء الوحيد الذي يدفعني للمضي في الحياة هو أنني أريد أن أعرف أنه حي، وسليم، ومعافى”.

وبصوت متهدج تخنقه العبرة، مضت قائلة: “لو كان بمقدوري أن أتكلم معه الآن، لقلت له ʾسامحني؛ أنا جئت بك إلى هذا العالم، ولكني لم أستطع أن أعتني بك؛ لم أستطع أن أكون أماً لك”.

وأردفت قائلة: “تصور فحسب أنك تظل عدة سنين لا تستطيع رؤية أسرتك، ولا تعرف إن كان أطفالك أو والداك أو أقاربك لا يزالون على قيد الحياة؛ تصور أنك لست وحدك في هذه المحنة، بل يقاسيها أيضاً الملايين من الأويغور الذين افترقوا عن ذويهم؛ لم يدر بخلدنا يوماً ما قط أن مثل هذا يمكن أن يحدث لنا، ولكنه حدث؛ نتوسل إليكم أن تساعدونا”.

ومن أصعب الصعاب تقدير عدد الأطفال الذين انفصلوا عن آبائهم وأمهاتهم الذين يقيمون خارج الصين، أو الذين لا يزالون رهن الاعتقال في معسكرات الاحتجاز أو السجون. ولا يزال توثيق النطاق الكامل لانتهاكات حقوق الإنسان في شينجيانغ أمراً في غاية الصعوبة بسبب نقص البيانات المتاحة للجمهور، والقيود المفروضة على حرية الوصول إلى المنطقة.

أعود أم لا أعود؟

تعيش دلنور حالياً مع ابنتها البالغة من العمر 11 سنة في كندا، حيث تدرس اللغة الإنجليزية؛ وهما أصلاً من مدينة كاشقار؛ وكانت قد رحلت هي وابنتها عن الصين إلى تركيا عام 2016، بسبب ما تعرضت له من المضايقات الشديدة من جانب الشرطة المحلية التي كانت تخضع منزلها للتفتيش من حين لآخر، وأمرتها بنزع حجابها.

واستغرقت السلطات نحو عام في إصدار جوازي سفر لابنتيها (التي تبلغ إحداهما 11 عامًا والأخرى 9 أعوام)، ورفضت الشرطة طلب إصدار جواز سفر لابنها البالغ من العمر 7 سنوات. وعندما استفسرت دلنور عن السبب، قال لها مسؤولو الشرطة المحلية إنهم لم يوافقوا على الطلب لأنهم يعتقدون أنها لن تعود إلى الصين إذا أصدروا جواز سفر له. ومُنعت ابنتها الصغرى من السفر إلى الخارج بسبب أمراض الحساسية التي تعاني منها، ومن ثم فقد اضطرت دلنور لتركها هي وابنها في رعاية والديها. وبعد عدة أشهر من رحيل دلنور عن الصين، علمت من أسرتها أن الشرطة قد صادرت جواز سفر ابنتها الصغرى.

وفي مطلع عام 2017، وجدت دلنور نفسها أمام أكبر مأزق تتعرض له في حياتها؛ فقد قالت لها أختها في اتصال هاتفي معها “يجب أن تعودي”، لأن أباها الذي كان يرعى الطفلين يخضع لجلسات استجواب طويلة كل أسبوع؛ وعندما سألت دلنور عن السبب، والحزن يعتصر قلبها، كان رد أختها: “لأن الحكومة تريدك أن تعودي؛ وسلامة عائلتنا تتوقف عليك. فإن لم تعودي على الفور، فكل أفراد أسرتنا، بل حتى أبعد الأقارب، سوف يعاقبون ويُرحَّلون إلى المعسكرات”.

وفي الدقائق المعدودة التي صكت فيها هذه الكلمات أذن دلنور، تمزقت أواصر عالمها؛ فمجرد التفكير في أن سلامة أعز أقربائها إليها باتت معلقة بقرار منها: أن تعود أو لا تعود إلى الصين، أورثها شعوراً بالعجز وقلة الحيلة واللوعة المؤلمة؛ فهي تعلم يقيناً أن عودتها إلى الصين تعني الافتراق عن أطفالها، والترحيل إلى أحد المعسكرات.

مضى أكثر من أسبوع على دلنور وهي لا تذوق طعم النوم، مهمومة حائرة لا تدري ماذا تفعل؛ ثم تلقت رسالة من أبيها عبر أحد الأقارب، قال فيها إن دلنور يجب أن تركز على إكمال دراستها؛ وما هي إلا أن وصلت رسالة أخرى من أبيها تقول: “يجب على دلنور ألا تعود مرة أخرى أبداً”.

وتعتقد دلنور أن والدها كان يعرف ماذا سوف يحدث لها إن هي عادت إلى الصين، ومن ثم فقد قرر أن يحميها من أي أذى قد يصيبها. وفضلاً عن ذلك، فقد كانت تعتقد أن أسرتها وأقاربها تعرضوا للمضايقة والاضطهاد لا لشيء سوى أنهم من الأويغور، وأن السلطات لن تتركهم أحراراً حتى إن عادت هي إلى الصين.

ومنذ أبريل/نيسان 2017، لم تتمكن دلنور من الوصول إلى أي من أفراد أسرتها؛ وليست لديها أي فكرة عما حدث لطفليها في شينجيانغ؛ جربت كل الوسائل الممكنة ولكن عبثاً؛ وقالت: “بذلك أقصى ما أستطيع لإنقاذ أطفالي، ولكني فشلت. ظل يراودني كابوس كل ليلة طيلة أسبوع، أرى فيه الطفلين وهما يبكيان بحرقة ويناديان علي؛ وإذا بمعلمتهما تقول لهما: “إن أمكما قد تخلت عنكما”. كانت هذه الأفكار تلاحق دلنور فتصيبها بالفزع، وتقض عليها مضجعها، فباتت تخشى حتى النوم لتميط عن نفسها تلك الهواجس.

وتعتزم دلنور التماس المساعدة من الحكومة الكندية في إحضار أطفالها بعد أن تحصل على الإقامة الدائمة في كندا. وعندما كانت تعيش في تركيا، كتبت عدة خطابات ملتمسة المساعدة من وزارة الخارجية، ووزارة الداخلية، والرئاسة التركية؛ ولم تتلق أي رد حتى الآن. وفي المقابلة التي أجرتها معها منظمة العفو الدولية، ناشدت دلنور العالم أن يتحرك من أجلها، قائلةً: “ليست لدي أي فكرة عما يحدث لأطفالي وأسرتي؛ كيف حدث هذا؟ أتوسل إليكم أن تبذلوا قصارى جهدكم لمساعدتنا على تجاوز هذه المحنة؛ أريد أن أطلب من كل إنسان أن يتمسك بإنسانيته، أن يدافع عنا، ويقف إلى جانبنا، وألا يسمح بتكرار هذه المأساة لأطفالنا”.

كثيراً ما يتردد الأويغور المقيمون في الخارج في الحديث علناً عن انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة ضدهم وضد أقاربهم خوفاً من عواقب ذلك على أقاربهم في الصين؛ وبالرغم من تلك التحديات، فقد قرر هولاء الآباء والأمهات الستة نشر قصصهم على الملأ لعل ذلك يجمعهم مع أطفالهم عما قريب فيلتئم شمل الأسرة من جديد.

“هناك كوادر في البيت”

ولد محمود خان ونشأ في مدينة كاشقار، ويعيش حالياً في أستراليا. وكان يدرس لنيل شهادة الدكتوراة في العلوم الاجتماعية في ماليزيا عندما لحقت به زوجته محرم وطفلته الرضيعة في عام 2012، بعد انتظار دام أكثر من سنتين لصدور جواز سفر لمحرم.

ولا يزال محمود خان يسترجع ذكريات الوقت الذي أمضته الأسرة معا، قائلاً: “كدت أطير من الفرحة عندما جاءت محرم هي وطفلتنا إلى كوالالمبور أول مرة… كانت هذه أسعد أيام عمري وأرسخها في ذاكرتي”.

وقد امتدت هذه الذكريات السعيدة قرابة ثلاث سنوات، ثم انتهت عندما رفضت السفارة الصينية في كوالالمبور إصدار جواز سفر جديد لمحرم في أواخر عام 2015 بعد أن فقد جواز سفرها. وأرغمت آنذاك على العودة إلى الصين لتجديد جواز سفرها، وبصحبتها ابنتهما البالغة من العمر خمس سنوات، وطفلهما الرضيع الذي لا يتجاوز عمره ستة أشهر. وكانوا يظنون أن ذلك أن هذا ليس سوى إجراء روتيني؛ ولم يدر بخلدهم أن الصين كانت موشكة على إطلاق حملة قمع واسعة النطاق على الأويغور في عام 2017، وأن الأسرة مقبلة على افتراق مؤلم لعدة سنوات.

وانتهى المآل بمحرم وطفليها إلى أن أصبحوا عالقين في كاشقار؛ وتمكن محمود خان من الاتصال بهم بصفة منتظمة حتى اليوم السابق لترحيل محرم إلى معسكر للاعتقال في أبريل/نيسان 2017. وعندما اقتيدت محرم إلى المعسكر، ترك الطفلان مع جديهما. ولم يمض وقت طويل على ذلك حتى طلب والدا محمود خان منه عدم الاتصال بهما مرة أخرى؛ وقطع الكثير من أصدقائه وأقربائه صلتهم بهم على تطبيقات المراسلة.

وظل محمود خان طيلة سنتين لا يكاد يعرف شيئاً عن مكان زوجته، ولم يتمكن من الاتصال بوالديه أو أقارب زوجته. وفي مايو/أيار 2019، شاهد محمود خان تسجيلاً مصوراً لابنه على حساب أحد الأقارب في وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يهتف بحماس “لقد تخرجت أمي!”؛ عندئذ، شعر محمود خان بشيء من الاطمئنان وراحة البال، إذ اعتبر ذلك مؤشراً واضحاً على أنها قد أفرج عنها من المعسكرات.

وقرر محمود خان المجازفة بالاتصال بوالديه في أغسطس/آب 2019؛ كان يظن أن التسجيل المصور ربما يكون مؤشراً على أن الأحوال البائسة للأسرة قد تحسنت بعض الشيء.

وكم كانت لهفته وفرحته عندما ردت والدته على الهاتف؛ قال لها: “أردت أفقط أن أقول لك عيد مبارك، فقد مضت مدة طويلة جداً منذ سمعت صوتك آخر مرة”؛ وبصوت يرتعش ردت والدته قائلة: “هناك كوادر في البيت”، وأنهت المكالمة. وظل يحاول الاتصال بها بعد ذلك، ولكن الخط كان مشغولاً دائماً. ويعتقد محمود خان أن والديه تعمدا فصل خط الهاتف كيلا يتمكن من الاتصال بهما مرة أخرى، تجنباً للاتصال به خشية أن يؤدي الاتصال بأشخاص في الخارج إلى الاحتجاز أو غير ذلك من أشكال العقاب.

وخلال العام الماضي، استمر محمود خان في تلقي نتف من المعلومات بكلمات مشفرة من أصدقائه، توحي بأن محرم لا تزال محتجزة. وقال له أحد أصدقائه إن زوجته “عمرها خمس سنوات”، ويعتقد محمود خان أن ذلك قد يعني أنها قد حكم عليها بالسجن خمس سنوات. وقال صديق آخر إن محرم قد نقلت إلى “المستشفى”، وقد يكون المقصود من ذلك أنها رُحِّلت إلى معسكر اعتقال أو سجن باللغة المشفرة التي يستخدمها الأويغور.

ورغم أن محمود خان لم يتمكن من الاتصال بأسرته وأقاربه، فهو يعتقد أن ابنه يعيش مع حماته، وابنته تعيش مع والديه، وذلك استناداً لتسجيلين مصورين تلقاهما من بعض أصدقائه المقربين، كانوا قد زاروا بلدته لتقصي أحوال عائلته. وقال محمود خان: “نحن لا نفعل شيئاً لنستحق كل هذا الشقاء الهائل؛ وكأن أربع أو خمس سنوات قد انمحت من عمرنا لا لشيء سوى أننا من الأويغور، أو لأننا مختلفون عن أغلبية الصينيين”.

وناشد محمود خان الحكومة الصينية الإقلاع عن سياساتها القمعية في شينجيانغ، قائلاً: “إن كانت للسلطات الصينية أي بقية من آدمية، فلا بد أن تكف عن معاملة الناس على هذا النحو، وتسمح لهم بلم شمل عائلاتهم. إنها تتصرف معنا وكأننا ارتكبنا جرماً ما؛ أتمنى من السلطات أن تدرك فداحة هذه القسوة الجماعية … هذا ظلم فاحش مفجع؛ لا أجد كلمات أخرى دقيقة أصفه بها”. وتواصل مع وزارة الداخلية في أستراليا حيث يعيش حالياً، لعلها تساعده في هذه المحنة، ولكنها قالت إنها لا تستطيع ذلك لأنه ليست لديه إقامة دائمة في البلاد.

سيل من الأنباء المروعة

سافرت مريبت متنياز وزوجها طرغون محمد من شينجيانغ إلى تركيا في مارس/آذار 2017 لرعاية والد مريبت المريض في إسطنبول. وكانت مريبت تعمل طبيبة أشعة في مدينة خوتان جنوب غربي إقليم شينجيانغ، أما طرغون فهو رجل أعمال يستثمر في العقارات وتجارة الأحجار الكريمة في شينجاينغ. وقد سافرا إلى تركيا بتأشيرة مدتها شهر واحد، ظناً منهما أنها ستكون زيارة قصيرة يعودان بعدها إلى الصين. وطلبا من والدة طرغون في مدينة أورومتشي بإقليم شينجيانغ أن تتولى رعاية أطفالهما الأربعة البالغين من العمر ست وثماني وتسع وأحد عشر عام في غيابهما.

وبينما كانا يقومان على رعاية والد مربيت في مرضه حتى يتعافى، بدأت تتواتر إليهما رسائل مقلقة من عائلتيهما مفادها أن الأويغور الذين سبق لهم السفر إلى تركيا يُساقون إلى المعتقلات ومعسكرات الاحتجاز؛ فقررا تأجيل رحلة العودة إلى الصين.

وأوضحت مربيت ذلك قائلة: “ارتأينا من الحكمة أن نتريث ونصبر عدة أشهر لعل الأوضاع تتحسن في أورومتشي، ويتسنى لنا العودة. انتظرنا، وانتظرنا، ولكن الأوضاع لم تزد إلا سوءاً؛ فقد أصبحت الاعتقالات لا تطول من سافروا إلى الخارج فحسب، بل أيضاً المصلين والملتحين؛ أفزعتنا القصص الكثيرة التي سمعناها عن السجون في وطننا، فأحجمنا عن العودة”.

وفي أواخر عام 2017، بلغ طرغون أن أمه وأطفاله قد أجبروا على الانتقال من أورومتشي إلى خوتان التي تبعد عنها بنحو 1500 كيلومتر؛ وتم تسجيل إقامتهم رسمياً في خوتان. وبدأت ملامح المأساة تتجلى شيئاً فشيئاً عندما علم طرغون من أخته أمينة أن أمهما اقتيدت إلى أحد المعسكرات بعد عودتها إلى خوتان بقليل. وفي غضون خمسة أيام منذ عودتهم إلى خوتان، نقل الأطفال إلى “روضة أطفال أيسين”، وهي ليست سوى ملجأ للأيتام في واقع الأمر.

وكان وقع الخبر شديداً على مريبت: “بعد أن انقطعت عني أخبار أطفالي، كان هذا الخبر شديد الوطأة على صحتي العقلية”. كانت تستيقظ في منتصف الليل وهي تصرخ من الكوابيس؛ وقالت: “هناك قول مأثور يقول الأطفال هم القلب، الأطفال هم الحياة؛ أشعر وكأنني قد فقدت قلبي، وفقدت حياتي”. وانفجرت في البكاء، ثم أردفت قائلةً: “لقد كان أطفالي هم معنى حياتي؛ دائماً أفكر في سلامتهم، وصحتهم، وفي المعاملة التي يلقونها”.

وعلى مدى الأشهر التالية، ظلت تتواتر إلى طرغون نتف من المعلومات عن أطفاله من شقيقته في رسائل نصية مشفرة؛ وقد تمكنت أمينة من زيارة الأطفال مرة كل أسبوع أول الأمر؛ ولكن بعد أسابيع قليلة، لم يعد من المسموح لها زيارة الأطفال. وفجأةً في يونيو/حزيران 2018، لم يعد بإمكان طرغون حتى الاتصال بأمينة.

وبعد أشهر قليلة، قالت له أخت زوجته إن أمينة قتلت أثناء استجوابها في حجز الشرطة؛ فوقع الخبر عليه وعلى زوجته مريبت كالصاعقة؛ وما كادا يفيقا من هذه الصدمة حتى علما أن أخت زوجته نفسها قد رُحِّلت إلى معسكر اعتقال في أواخر 2018. ولم يتبق لهم أحد يمكن أن يمدهما بمعلومات عن أطفالهما.

وأرسلت مريبت وطرغون رسائل كثيرة إلى وزارة الخارجية التركية، ومستشاري الرئيس التركي، والسفارة الصينية في إسطنبول؛ ولم يتلقيا أي رد حتى الآن. وقالت مريبت: “أمنيتي الوحيدة هي أن يصبح بمقدور كل إنسان بريء فقد أطفاله أو والديه أو أقاربه أو أحبائه أن ينعم بالتئام الشمل معهم مرة أخرى”.

لقد آن الأوان لأن تضع الصين حداً حاسماً للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والسياسات القمعية المستمرة في إقليم شينجيانغ، وأن تحترم الالتزامات الواقعة على عاتقها بشأن حقوق الإنسان، بما فيها تلك المتعلقة بحقوق الطفل المنصوص عليها في القانون الدولي. لقد صادقت الصين على اتفاقية حقوق الطفل عام 1992، ووفقاً للمادتين 9 و10 من هذه الاتفاقية، يجب على الصين أن تضمن عدم فصل الأطفال عن آبائهم وأمهاتهم رغماً، وأن تكفل دائماً إيلاء الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى (المادة 3). وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة أنه إن لم يتيسر، لأي سبب من الأسباب، لم شمل أسرة الطفل في بلد المنشأ، فإنه يتوجب على البلد المضيف وبلد المنشأ أن يسعيا جهد طاقتهما لتيسير السبل لجمع الشمل في بلد آخر، مع إيلاء القدر الواجب من الاعتبار للحقوق الإنسانية للأطفال وآبائهم وأمهاتهم، بما في ذلك الحق في مغادرة وطنهم.

ويحق للأطفال الذين فصلوا عن والديهم بوجه عام الاحتفاظ بعلاقاتهم الشخصية والاتصال المباشر بهم بصفة متنظمة. وإذا احتجزت الدولة الطفل، في ملجأ للأيتام أو مدرسة داخلية مثلاً، فلا بد أن تقدم معلومات عن مكان احتجازه لوالديه أو غيرهما من أفراد أسرته.

وإعمالاً للحق في حرية التعبير والحق في الخصوصية وفي الحياة الأسرية، يجب أن تُتاح الفرصة لكل الناس، بما في ذلك الأطفال، للاتصال بذويهم في الخارج بصفة منتظمة، والتماس المعلومات وتلقيها ونقلها، دون أي اعتبار للحدود.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2016، ترددت تقارير عديدة مفادها أن سلطات الإقليم قد صادرت جوازات سفر الأويغور بهدف فرض مزيد من القيود على حريتهم في التنقل. ولا يجوز فرض قيود تعسفية على حق المرء في حرية التنقل، بما في ذلك حقه في مغادرة وطنه، وفي الحصول على وثائق السفر اللازمة، إلا إذا كانت هذه القيود قائمة على أسس قانونية واضحة، وأن تكون ضرورية وملائمة لتحقيق هدف مشروع، ومتمشية مع سائر حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في عدم التعرض للتمييز المجحف.

وقد أفاد الآباء والأمهات الذي تحدثت إليهم منظمة العفو الدولية أن القنصليات الصينية رفضت الطلبات التي قدموها لتجديد جوازات سفرهم، وقالت لهم إنهم ينبغي أن يعودوا للصين لتجديدها. ورفض الدولة إصدار جواز سفر لشخص أو تمديد صلاحيته بناء على قواعد قانونية غير ضرورية أو تدابير إدارية قد يكون بمثابة انتهاك لحق هذا الشخص في حرية التنقل.

ويجب على الحكومة الصينية الوفاء الكامل بالتزاماتها بالتعامل، على نحو إيجابي وإنساني وسريع، مع الطلبات التي يقدمها الأطفال أو والداهم لدخول الصين أو مغادرتها بحرية، وبخاصة لغرض جمع شمل العائلات. وفضلاً عن ذلك، يجب على الحكومة الصينية ضمان عدم تعرض الآباء والأمهات أو الأطفال لعواقب ضارة حينما يلتمسون لمّ شمل عائلاتهم. واتباع سياسة تقضي بتشتيت شمل العائلات قسراً، وبخاصة إيداع الأطفال في ملاجئ الأيتام بالإكراه، يشكل انتهاكات لحقوق الأطفال، ومن بينها حقهم في الحماية من التمييز المجحف والعقاب بناء على معتقدات آبائهم وأمهاتهم وأفعالهم.

وريثما يتم لم شمل العائلات، يجب على الصين حماية حقوق أفراد طائفة الأويغور في التواصل المباشر والمنتظم مع عائلاتهم وأقاربهم. وقد وثقت منظمة العفو الدولية حالات تعرض فيها أفراد من الأويغور للاعتقال التعسفي في معسكرات الاحتجاز بإقليم شينجيانغ؛ وكان السبب الرئيسي لذلك هو اتصالهم بأفراد في الخارج.

وبالإضافة إلى ذلك، يجب على الحكومة الصينية المسارعة إلى الكشف عن أماكن احتجاز الأطفال وغيرهم من أقارب آبائهم وأمهاتهم في الخارج، بما في ذلك من لا يزالون محتجزين في معسكرات الاحتجاز، أو السجون، أو غيرها من المؤسسات الحكومية. وحجب أي معلومات من هذا القبيل قد يكون أيضاً بمثابة انتقاص تعسفي من حق الأطفال في الحياة الأسرية (المادة 16 من اتفاقية حقوق الطفل).

توصيات:

إلى الحكومة الصينية:

  • ضمان السماح للأطفال بمغادرة الصين للحاق بآبائهم وأمهاتهم بأسرع ما يمكن، إذا كان هذا ما يفضلونه، وكذلك بإخوتهم وأخواتهم المقيمين في الخارج.
  • وضع حد لجميع التدابير التي تفرض قيوداً غير مشروعة على حقوق الأويغور وغيرهم من الطوائف العرقية ذات الأغلبية المسلمة في حرية مغادرة الصين والعودة إليها.
  • السماح للخبراء الحقوقيين بالأمم المتحدة والباحثين المستقلين والصحفيين بزيارة شينجيانغ بحرية تامة، ودون أي قيود، لإجراء تحقيقات مستقلة بشأن ما يجري في الإقليم.
  • إغلاق “معسكرات إعادة التثقيف” السياسية، وإطلاق سراح المحتجزين فيها فوراً، وبلا شروط، ودون أي مساس بحقوقهم.
  • ضمان قيام السفارات والقنصليات الصينية، وغيرها من الأجهزة والسلطات الحكومية، بحماية الحقوق والمصالح المشروعة لجميع المواطنين الصينيين، ولا سيما تقديم المساعدة الملائمة لهم في العثور على أفراد أسرهم في الصين.
  • ضمان تمكين جميع مواطني شينجيانغ من التواصل بصفة منتظمة مع أفراد أسرهم وغيرهم بدون أي تدخل، بما ذلك التواصل مع الأقارب المقيمين في بلدان أخرى، ما لم تكن ثمة مبررات محددة لهذا التدخل تتمشى مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.
  • الإقلاع عن أسلوب الفصل الإجباري لأطفال الأويغور عن والديهم أو أولياء أمورهم، تمشياً مع الالتزامات الواقعة على عاتق الصين بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، وغيرها من حقوق الإنسان، ما لم تقضِ السلطات المختصة الخاضعة للمراجعة القضائية الفعالة بضرورة هذا الفصل باعتباره الملاذ الأخير لتحقيق المصالح الفضلى للطفل.
  • الإفراج فوراً عن جميع الأطفال المحتجزين في مؤسسات تابعة للدولة بدون موافقة آبائهم وأمهاتهم أو أولياء أمورهم.

إلى الحكومات الثانية:

  • ضمان إتاحة إجراءات منصفة وفعالة للبت في طلبات اللجوء على وجه السرعة أمام جميع أفراد الأويغور والكازاخ وغيرهم، وأن يتاح لهم أيضاً المحامون، والتقييم الدقيق للانتهاكات والاعتداءات المحتملة على حقوقهم الإنسانية التي قد يواجهونها في حال عودتهم، والقدرة على الطعن في أي قرارات بالإبعاد.
  • بذل قصارى جهودها لتقديم المساعدة القنصلية وغيرها من أشكال المساعدة الملائمة لجميع من في بلدانها من الأويغور والكازاخ وغيرهم من أفراد الطوائف العرقية الصينية، بغض النظر عن وضعهم القانوني في البلاد، حتى يتسنى لهم تحديد أماكن احتجاز أطفالهم، والاتصال بهم، مع مراعاة الظروف الخاصة التي يجد أفراد هذه الطوائف العرقية أنفسهم فيها حالياً.

اتخاذ قرارات بشأن لم شمل الأسر مع إيلاء الاعتبار اللازم للالتزامات الواجبة التطبيق في مجال حقوق الإنسان، ولاسيما تلك المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الطفل، وذلك بالبت في الطلبات التي يقدمها طفل أو والداه لدخول البلد بغرض لم شمل الأسرة، على نحو إيجابي وإنساني وعاجل.

تنزيل التقرير

قلوب ونفوس محطمة: كابوس عائلات الأويغور التي مزق القمع شملها

تحميل

  • English
  • ASA1737982021CHINESE
  • ASA1737982021UYGHUR
تحميل