تونس 2019
العودة إلى تونس

تونس 2019

انتهى عمل "هيئة الحقيقة والكرامة" بنشر تقريرها النهائي، الذي تضمن توصيات بإجراء إصلاحات، وبإحالة 173 قضية إلى الدوائر الجنائية المتخصصة. وبدأت خلال العام إجراءات ما لا يقل عن 78 محاكمة تتعلق بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أمام تلك الدوائر. وما زال أهالي الأشخاص الذين تُوفوا على أيدي الشرطة خلال السنوات الأخيرة في انتظار إقرار العدالة. ووردت أنباء عن حالات التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. واتُخذت خطوات لدفع مشروع قانون للقضاء على التمييز ضد المرأة فيما يتعلق بالميراث، ولكنها توقفت. وقُدمت عشرات الآلاف من البلاغات إلى آلية جديدة للشكاوى للنساء من ضحايا العنف. وتعرَّض بعض المدوِّنين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بسبب تعبيرهم السلمي عن آرائهم عبر الإنترنت. واستخدمت السلطات القوة المفرطة، وغير الضرورية أحياناً، وكذلك المحاكمات، ضد متظاهرين سلميين. وقُبض على عدد من اللاجئين وطالبي اللجوء لدخولهم تونس بشكل غير قانوني. وقُبض على عشرات أفراد من "مجتمع الميم" بسبب ممارستهم علاقات جنسية بالتراضي بين أفراد من الجنس نفسه. وصدرت أحكام بالإعدام، ولكن لم تُنفَّذ أي إعدامات.

خلفية

تُوفي الرئيس الباجي قائد السبسي، في 25 يوليو/تموز، وحلَّ محله محمد الناصر كرئيس مؤقت. وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول، انتُخب قيس سعيد رئيساً، في أعقاب انتخابات رئاسية. وأُجريت انتخابات مجلس نواب الشعب (البرلمان) في 6 أكتوبر، وعقد المجلس أولى جلساته في 13 نوفمبر/تشرين الثاني. في 16 نوفمبر/تشرين الثاني، كلف قيس سعيد، الوزير السابق الحبيب جملي بتشكيل الحكومة، لكن العملية كانت لا تزال مستمرة في نهاية العام.

ولم تتشكل المحكمة الدستورية، التي كان مقرراً تشكيلها منذ عام 2015، نظراً لإخفاق مجلس نواب الشعب مجدداً في اختيار ثلث أعضاء المحكمة.

وجدَّدت السلطات حالة الطوارئ على مستوى البلاد ثماني مرات. وتسري حالة الطوارئ في تونس منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2015.

واستمرت الاحتجاجات بسبب عدم توفر فرص العمل، وسوء الأوضاع المعيشية، ونقص المياه، وخاصة في المناطق المهمَّشة التي تفتقر إلى التنمية.

العدالة الانتقالية

في مارس/آذار، نشرت "هيئة الحقيقة والكرامة" تقريرها النهائي، الذي يقع في ألفي صفحة، عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها السلطات خلال الفترة من عام 1957 إلى عام 2013. وتضمنت توصيات الهيئة إجراء إصلاحات في قطاعي القضاء والأمن، وإنشاء هيئة مستقلة لمراقبة عمل قوات الأمن، وجعل القوانين متماشيةً مع الدستور، واتخاذ إجراءات لإرساء المحاسبة عن الجرائم التي ارتُكبت، بالإضافة إلى خطوات أخرى لتعزيز سيادة القانون. وتقاعست الحكومة عن نشر التقرير في الجريدة الرسمية، وعن تقديم خطة لتنفيذ توصيات "هيئة الحقيقة والكرامة"، حسبما تقتضي المادة 70 من "قانون العدالة الانتقالية".   ولم يشكل مجلس نواب الشعب بعد لجنة برلمانية متخصصة للإشراف على تنفيذ التوصيات.

وأحالت "هيئة الحقيقة والكرامة"، مع انتهاء عملها، 173 قضية إلى الدوائر الجنائية المتخصصة، وذلك بعد أن تلقت ما يزيد عن 62 ألف شكوى من الضحايا. وفي غضون العام، بدأت أمام هذه الدوائر إجراءات ما لا يقل عن 78 محاكمة، تتعلق بحالات تعذيب، وإعدام خارج نطاق القضاء، وحالات اختفاء قسري، وأحكام إدانة جائرة، واستخدام مفرط للقوة ضد متظاهرين سلميين. وكان من بين الذين اتُهموا عدد من وزراء الداخلية السابقين وقادة الأمن ومسؤولين حكوميين في ظل حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي والرئيس الأسبق حبيب بورقيبة. وكان التقدم بطيئاً بسبب التأجيل المتكرر لجلسات المحاكمات، وعدم مثول بعض ضباط الشرطة والسياسيين والمسؤولين الحكوميين السابقين في المحكمة مراراً. فقد طلبت أكبر نقابة لعناصر قوات الأمن من أعضائها عدم حضور الجلسات، وقالت إن المحاكمات ذات طابع انتقامي. وأحجمت وزارة الداخلية، على ما يبدو، عن تنفيذ أوامر المحكمة بمثول المشتبه فيهم أمامها في الجلسات.    

عمليات القتل غير المشروع، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة

ما زال أهالي الأشخاص الذين تُوفوا على أيدي الشرطة خلال السنوات الأخيرة ينتظرون إقرار العدالة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، وُجهت إلى 14 من أفراد الشرطة تهم القتل عن غير قصد وعدم إغاثة شخص في حالة خطر، وذلك عقب التحقيق في وفاة مشجع كرة القدم عمر العبيدي، البالغ من العمر 19 عاماً، في الضاحية الجنوبية لمدينة تونس العاصمة، يوم 31 مارس/آذار 2018. إلا إن أفراد الأمن ظلوا في الخدمة الفعلية. وكان عمر العبيدي قد تُوفي غرقاً بعد أن دفعه أفراد الشرطة في أحد الأنهار بالرغم من توسلاته بأنه لا يجيد السباحة. وكان عمر العبيدي يحاول الفرار من الشرطة التي طاردت المشجعين الضالعين في اشتباكات مع الشرطة. ولم يطرأ تقدم في التحقيق بخصوص مقتل أيمن عثماني، البالغ من العمر 19 عاماً، الذي أُردي برصاص أفراد أمن الجمارك أثناء مداهمة أحد المستودعات في تونس العاصمة، في أكتوبر/تشرين الأول 2018. وذكر أهالي أيمن عثماني ومحاميه، الذين اطلعوا على تقرير الطب الشرعي، أنه تعرَّض لإطلاق النار عليه في ظهره وأعلى ساقه.[1]

ووردت أنباء عن وقوع حالات وفاة مريبة في الحجز. ففي يونيو/حزيران، قبضت الشرطة على عبد الرزاق السالمي في إحدى مناطق محافظة القيروان. وبعد ساعتين تقريباً استدعت الشرطة سيارة إسعاف لنقله إلى المستشفى، ولكنه تُوفي أثناء نقله. وقد أقرَّت النيابة العمومية بأن وفاته مريبة، وفيما بعد قالت وزارة الداخلية إنه تُوفي إثر إصابته بنوبة قلبية. وكان التحقيق في ملابسات وفاته لا يزال مستمراً بحلول نهاية العام.

ووردت أنباء عن تعرض عشرات المحتجزين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة على يد الشرطة والحرس الوطني.

وفي كثير من الحالات منعت الشرطة المحتجزين من الاتصال بمحاميهم أو بأفراد عائلاتهم، أو حرمتهم من الفحص الطبي.

حقوق المرأة

في فبراير/شباط ومايو/أيار، عقدت لجنة برلمانية جلستين بحضور ممثلين عن رئاسة الجمهورية ووزارة العدل لمناقشة مشروع قانون يهدف إلى القضاء على التمييز ضد المرأة فيما يتعلق بالميراث. واعتبر عدد كبير من أعضاء مجلس نواب الشعب أن مشروع القانون مخالف للشريعة الإسلامية. ولم يستأنف المجلس مناقشة مشروع القانون خلال العام.

وفي أغسطس/آب، أعلنت وزيرة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن أن الوزارة تلقت حوالي 40 ألف شكوى من نساء تعرضن للعنف الأسري خلال الشهور السبعة الأولى من العام. وقُدمت هذه الشكاوى تماشياً مع "القانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة"، الذي بدأ سريانه في عام 2018، ونص على إنشاء آلية لتلقي الشكاوى من ضحايا العنف. إلا إن الحكومة تقاعست عن إنشاء مرصد وطني لمنع العنف ضد المرأة، حسبما تقتضي المادة 40 من القانون.

وكان تمثيل المرأة منخفضاً بشكل كبير في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، حيث لم تتقدم سوى سيدتين للترشح في الانتخابات الرئاسية، من بين 26 مرشحاً، ولم تُنتخب لعضوية البرلمان، في الانتخابات التي أُجريت في أكتوبر/تشرين الأول، سوى 56 نائبة، من بين مجموع أعضاء البرلمان البالغ 217 نائباً، بينما انتُخبت 68 سيدة لعضوية البرلمان في انتخابات عام 2014.

حرية التعبير وحرية التجمع

حُوكم عدد من المدوِّنين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بتهم بموجب "المجلة الجزائية" (قانون العقوبات" و"مجلة الاتصالات" (قانون الاتصالات)، وذلك بسبب تعبيرهم السلمي عن آرائهم عبر الإنترنت.

ففي إبريل/نيسان، حكمت المحكمة الابتدائية بقفصة على أحمد الجديدي غيابياً بالسجن لمدة سنة، لإدانته بتهمة "الإساءة للغير عبر الشبكات العمومية للاتصالات"، وذلك بعدما انتقد نائبةً برلمانية في تعليق على موقع "فيسبوك". وقد أُلغي الحكم لدى الاستئناف، في مايو/أيار.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، أدانت المحكمة الابتدائية بمنوبة المدوِّن أيمن بن خصيب بتهمة "الإساءة للغير عبر الصحافة"، وذلك بسبب تعليق على موقع "فيسبوك" ذكر فيه أسماء اثنين من أعضاء المجلس البلدي مسؤولين عن مشروع كان مثار جدل في الحي الذي يقيم فيه. وقد حُكم عليه بدفع غرامة قدرها ألف دينار تونسي (حوالي 350 دولار أمريكي).

واستخدمت السلطات القوة المفرطة، وغير الضرورية أحياناً، ضد متظاهرين سلميين، كما استخدمت المحاكمات لتقييد حرية التجمع. فقد حُوكم عدد من المتظاهرين السلميين بتهم من قبيل "تعطيل حرية العمل" أو "تعطيل حرية الحركة"، وذلك فيما يتصل باحتجاجات على ارتفاع معدلات البطالة وسوء الأحوال المعيشية. ففي ولاية قفصة وحدها، حُوكم خلال عام 2019 ما لا يقل عن 20 من المحتجين غيابياً في عدة محاكمات أمام المحكمة الابتدائية، وذلك في أعقاب احتجاجات سلمية.[2]

وفي يونيو/حزيران، استخدمت قوات الشرطة والحرس الوطني القوة المفرطة، بما في ذلك الغاز المسيل للدموع، لتفريق مظاهرة سلمية نظمها عدد من طالبي اللجوء أمام مركز في بلدة مدنين تديره "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين". وقد طاردت الشرطة المتظاهرين، واعتدت عليهم ضرباً بالهراوات، وقبضت على 25 منهم. وفي يوليو/تموز، مثل 18 من طالبي اللجوء أمام المحكمة الابتدائية في مدنين بعدة تهم، من بينها: "تعطيل حرية الحركة"، و"تعطيل المرور على طريق عمومي"، و"هضم جانب [إهانة] موظف عمومي". وقد أُسقطت القضية في أكتوبر/تشرين الأول.

وفي يوليو/تموز، اقتحمت الشرطة عنوةً المعهد العالي للتكنولوجيات الطبية في جامعة تونس المنار، واستخدمت القوة المفرطة وغير الضرورية لإنهاء اعتصام طلابي سلمي. واستخدم أفراد الشرطة الهراوات، وأطلقوا الغاز المسيل للدموع من مسافة قريبة، بما في ذلك ضد ثلاثة طلاب من ذوي الإعاقة تقريباً. وفيما بعد، وجَّهت الشرطة إلى ستة طلاب تهمة "هضم جانب موظفين عموميين حال مباشرتهم لوظيفتهم".

وفي سبتمبر/أيلول، احتجزت الشرطة تعسفياً الناشطة ميساء الوسلاتي، البالغة من العمر 18 عاماً، أثناء قيامها بتصوير محتج كان يهدد بإشعال النار في نفسه أمام مركز الشرطة في منطقة جبل جلود، بضواحي العاصمة تونس. كما احتجزت الشرطة تعسفياً شقيقها البالغ من العمر 16 عاماً. واحتُجز الاثنان لمدة حتى اليوم التالي، وخضعا للتحقيق بدون حضور محام.  ووجهت إليهما تهمة إهانة موظف عمومي والاعتداء عليه قبل محاكمتهما وبرئتهما في وقت لاحق من نفس الشهر.

اللاجئون وطالبو اللجوء والمهاجرون

قبض الحرس الوطني، عدة مرات، على عدد من اللاجئين وطالبي اللجوء لدخولهم تونس بشكل غير قانوني. ففي مقابلة مع منظمة العفو الدولية في مركز إيواء المهاجرين في ولاية مدنين، في أغسطس/آب، قال اثنان من اللاجئين إنهما احتُجزا لمدة 17 يوماً في مركز الإيواء والتوجيه بمدينة بنقردان لدى وصولهما إلى تونس. وقال الاثنان إنهما لم يُبلغا بسبب احتجازهما.

وفي 3 أغسطس/آب، قبضت قوات الأمن على 36 مهاجراً من ساحل العاج، وهم 22 رجلاً و11 امرأة وثلاثة أطفال، للاشتباه في أنهم كانوا يخططون للعبور إلى أوروبا بشكل غير قانوني عبر البحر. وقد نُقل هؤلاء المهاجرون إلى منطقة عسكرية مغلقة بالقرب من بلدة راس جدير الساحلية القريبة من الحدود مع ليبيا، وتُركوا هناك. وبعد ثلاثة أيام، قدمت لهم قوات الجيش التونسي بعض الخبز والحليب، ولكنها تركتهم دون أي سبيل للحصول على مساعدات إنسانية. وفي 8 أغسطس/آب، سمحت السلطات لهذه المجموعة بمغادرة المنطقة العسكرية والبقاء في تونس.   

حقوق "مجتمع الميم"

ما زال أفراد "مجتمع الميم" يتعرضون للقبض عليهم ومحاكمتهم بموجب قوانين تُجرِّم العلاقات الجنسية بالتراضي بين أفراد من الجنس نفسه، و"عدم الاحتشام" وأية أفعال تُعتبر "تعدياً على الأخلاق العامة". وبحسب جمعية دمج للعدالة والمساواة التونسية، قبضت الشرطة على ما لا يقل عن 78 رجلاً بموجب الفصل 230 من "المجلة الجزائية" (قانون العقوبات"، وأجرت لهم فحوصاً شرجية في إطار تحقيقاتها لتحديد ما إذا كانوا قد مارسوا علاقات جنسية بين أفراد من الجنس نفسه. وتمثل هذه الفحوص انتهاكاً لمبدأ حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. وأُدين ما لا يقل عن 70 رجلاً بموجب ذلك الفصل، وحُكم عليهم بالسجن لمدد تتراوح بين أربعة شهور وسنة.  

عقوبة الإعدام

أصدرت المحاكم عشرات الأحكام بالإعدام، وكانت هناك زيادة في أحكام الإعدام في القضايا المتعلقة بالإرهاب. ولم تُنفذ أي إعدامات منذ عام 1991.

 

[1] منظمة العفو الدولية، "تونس: يجب أن تضمن التحقيقات في التجاوزات القاتلة للشرطة عدالةً طال انتظارها" (بيان صحفي، 4 إبريل/نيسان 2019).

[2] منظمة العفو الدولية، تونس: محاكمة مئات المحتجين السلميين غيابياً في قفصة (رقم الوثيقة: MDE 30/0380/2019).