تونس 2018
العودة إلى تونس

تونس 2018

انتهت هيئة الحقيقة والكرامة من عملها في التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي برغم محاولة من مجلس نواب الشعب (البرلمان) لوضع حد لعملها قبل انتهائه. وبدأت محاكمات العدالة الانتقالية الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي وقعت في الماضي أمام دوائر جنائية متخصصة. وجدَّدت السلطات بشكل متكرر حالة الطوارئ واستخدمتها في تبرير القيود التعسفية على حرية التنقل. واستمر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة للمحتجزين، لكن الشكاوى بالكاد وصلت إلى مرحلة المحاكمة. وقبضت السلطات بشكل تعسفي على محتجِّين ولاحقت بعض الأشخاص قضائياً لتعبيرهم سلمياً عن آرائهم. واستخدمت الشرطة وغيرها من قوات الأمن القوة المفرطة في بعض الأحيان خلال عمليات إنفاذ القانون. وبدأ سريان مفعول "القانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة". وقُدِّمت إلى البرلمان مشاريع تعديلات قانونية لإقرار المساواة بين الجنسين في الشؤون المتعلقة بالميراث، وإلغاء تجريم العلاقات الجنسية بين أفراد من الجنس نفسه. واستمر تعرض أفراد "مجتمع الميم" للتحرش والاعتقال والسجن. وأدت أزمة نقص المياه وعدم كفاءة نظام توزيع المياه إلى انقطاع المياه بشكل متكرر في عدة مناطق، وهو ما أفضى إلى اندلاع احتجاجات، وخصوصاً في أكثر شهور السنة حراً. وصدرت أحكام بالإعدام، ولكن لم تُنفَّذ أي أحكام بالإعدام.

خلفية

مدَّدت السلطات حالة الطوارئ، السارية في عموم البلاد منذ أواخر 2015، خمس مرات خلال العام. واستمرت الاحتجاجات على البطالة وتردِّي ظروف المعيشة ونقص المياه، ولاسيما في المناطق المُهمَّشة التي تعاني من نقص التنمية.

في 24 ديسمبر/ كانون الأول، اندلعت احتجاجات في القصرين بعد وفاة الصحفي عبد الرزاق الزرقي، الذي أضرم النار في نفسه احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية. واشتبك المحتجون مع قوات الأمن لمدة ثلاث ليال متتالية، استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين الذين زُعم أنهم قذفوا الحجارة، وأحرقوا إطارات السيارات.

وفشل البرلمان من جديد في انتخاب الثلث الأول من أعضاء المحكمة الدستورية، وهو خطوة مستحقة التنفيذ منذ عام 2015.

وأدت أزمة سياسية حادة بين الحزبين الرئيسيين، وهما "حركة النهضة" و"حركة نداء تونس" إلى فض الائتلاف القائم بينهما في سبتمبر/أيلول.

العدالة الانتقالية

في مارس/آذار، رفض البرلمان قرار هيئة الحقيقة والكرامة تمديد مدة التكليف الممنوح لها سبعة أشهر حتى تتمكن من استكمال تقريرها النهائي، وإحالة قضايا انتهاكات حقوق الإنسان، التي وقعت في الماضي، إلى الدوائر الجنائية المتخصصة. غير إن الحكومة أعلنت، في ماي/أيار، أنها ستمنح الهيئة الوقت اللازم للانتهاء من عملها.

وفي ديسمبر/كانون الأول، قدمت هيئة الحقيقة والكرامة تقريرها النهائي إلى الرئيس، وفي نهاية العام كانت تنتظر الرد على طلبات الاجتماعات مع رئيس الحكومة والبرلمان لاطلاعهم على التقرير قبل النشر.

وتضمن التقرير ما توصلت إليه هيئة الحقيقة والكرامة من نتائج تحققت منها، وتحديد الأفراد المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، والأسباب الكامنة وراء الانتهاكات الجسيمة، وتوصيات لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات.

وخلال الفترة ما بين مارس/آذار وديسمبر/كانون الأول، أحالت الهيئة ما لا يقل عن 72 قضية إلى المحاكمة أمام 13 دائرة جنائية متخصصة. وكان من بينها حوادث اختفاء قسري، ووفاة تحت وطأة التعذيب، واستخدام للقوة المفرطة أو غير الضرورية ضد المحتجين السلميين، وقتل محتجين سلميين. وفي ماي/أيار، بدأت أول محاكمة في المحكمة الابتدائية في قابس بجنوب البلاد، وهي تتعلق باختفاء كمال المطماطي قسراً في عام 1991. ولم يحضر المتهمون في جلسات المحكمة المختلفة إلا في قلة قليلة من الحالات. وحثَّ محامو الضحايا القضاة على إصدار قرارات منع من السفر واستدعاء رسمي للمتهمين.

حرية التنقل

استمرت السلطات في فرض إجراءات بموجب حالة الطوارئ، وطبَّقت تلك الإجراءات في كثير من الحالات بطريقة تتسم بالتعسف. واستخدمت وزارة الداخلية أوامر مراقبة الحدود المعروفة باسم "الإجراء S17" لتقييد الحق في حرية التنقل لآلاف الأفراد بشكل غير مشروع.

وكانت هذه الأوامر تُعد في كثير من الحالات من قبيل المنع من السفر، حيث تُقيِّد حركة تنقل الأشخاص بحدود المحافظة التي يقع فيها محل الإقامة. وفُرضت مثل هذه الإجراءات في كثير من الحالات بطريقة تتسم بالتمييز استناداً إلى المظهر أو الممارسات الدينية أو السوابق الجنائية، ودون إبداء أسباب أو استصدار أمر قضائي. وكثيراً ما أدى هذا إلى حرمان الأشخاص المعنيين من القدرة على الطعن في القيود أمام المحاكم، أو السعي لنيل العدالة عن الانتهاكات التي كابدوها. وأَثَّرت الإجراءات سلباً على حياة الأفراد، وأدت في بعض الأحيان إلى القبض عليهم تعسفياً، واحتجازهم لفترات قصيرة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، صرَّح المتحدث باسم "المحكمة الإدارية" في العاصمة تونس بأنه ينبغي اعتبار استخدام وزارة الداخلية للإجراء S17 غير مشروع.

وفي ديسمبر/ كانون الأول، أبلغ مسؤول في الوزارة منظمة العفو الدولية أن وزير الداخلية قد شكل فريق عمل لإدخال إصلاح على الإجراء S17 ووضع حد لتنفيذه التعسفي، وأصدر تعليمات بعدم ربط رفض وثائق السفر بالإجراء S17.

التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة

استمر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة للمحتجزين، وكان يُمارس في أغلب الحالات خلال القبض والاحتجاز السابق لتوجيه الاتهام. ولم تصل الأغلبية العظمى من الشكاوى التي قدمها المحامون إلى مرحلة المحاكمة.

ففي فبراير/شباط، اعتدى أربعة من ضباط الشرطة بالضرب، حسبما زُعم، على رجل في مركز للشرطة في بن عروس، وهي مدينة تقع جنوب العاصمة تونس. كما ورد أنهم أجبروه على التجرد من ثيابه، ورشُّوه بالغاز المسيل للدموع، وجعلوه يقف عارياً في المطر، وحول وسطه إطار سيارة. واتُّهم الضباط الأربعة بتعريضه للتعذيب. ورداً على ذلك، دعت إحدى نقابات ضباط إنفاذ القانون الضباط، في 26 فبراير/شباط، إلى عدم أداء مهامهم في محكمة بن عروس الابتدائية لحين الإفراج عن الضباط المتهمين. وفي اليوم نفسه، احتجت قوات أمنية مسلحة داخل المحكمة لممارسة الضغط على قاضي التحقيق حتى يُطلق سراح زملائهم. وقد أطلق سراحهم في وقت لاحق من اليوم ذاته.

حرية التعبير والتجمع السلمي

قبضت السلطات على عدد من المحتجين بشكل تعسفي وحاكمت أشخاصاً لتعبيرهم سلمياً عن آرائهم.

ففي يناير/كانون الثاني، قبضت الشرطة على المدوِّن قيس البوعزيزي ووجهت له تهمة "الإضرار بالنظام العام"، وذلك بعد أن شارك في نشر تعليقات على فيسبوك تحثُّ الناس على التظاهر احتجاجاً على السياسات الاقتصادية للحكومة. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، قال وزير الداخلية إن الوزارة ستلاحق المدونين قضائياً إذا ضللوا المحتجين. وفي الشهر نفسه، قبض ضباط الشرطة أو الحرس الوطني على ما لا يقل عن أربعة صحفيين واستجوبوهم فيما يخص نقلهم لأنباء الاحتجاجات. واستدعى الحرس الوطني ماتيو جالتير، وهو صحفي حر، في 10 يناير/كانون الثاني وطلب منه الكشف عن مصادره، وهو ما رفضه.

وواصلت المحاكم استخدام بنود "المجلة الجزائية" (قانون العقوبات) لسجن أشخاص بتهمة التشهير ومقاضاة آخرين على سلوك يحميه الحق في حرية التعبير. ففي يناير/كانون الثاني، قضت المحكمة الابتدائية في مدينة جندوبة في شمال غرب البلاد بسجن عبد العزيز الجريدي وعبد العزيز الخزري ستة أشهر لكل منهما بتهمة "ارتكاب أمر موحش ضد رئيس الدولة"، وذلك عن طريق نشر شائعات بشأن وفاته، حسبما زُعِمَ. وفي 7 ديسمبر/كانون الاول، قضت محكمة  عسكرية غيابياً في الاستئناف بزيادة مدة حبس النائب البرلماني والمدون ياسين العياري لشهرين بسبب تعليق على فيسبوك تهكم فيه على تعيين قائد عسكري كبير. وقضت المحكمة نفسها في يونيو/حزيران بسجنه ثلاثة أشهر إضافية بتهمة "إتيان أمر موحش ضد رئيس الدولة"، والمس بمعنويات الجيش"، بسبب تعليق على فيسبوك انتقد فيه كبار القادة العسكريين والرئيس.

استخدام القوة المفرطة

استخدمت الشرطة وغيرها من قوات الأمن، في بعض الأحيان، القوة المفرطة عند حفظ النظام خلال الاحتجاجات والفعاليات الرياضية والقيام بعمليات إنفاذ القانون الأخرى.

ففي أعقاب احتجاجات واسعة النطاق على قانون المالية الجديد، في يناير/كانون الثاني، قبضت السلطات بشكل تعسفي على مئات المتظاهرين. واستخدمت الشرطة القوة غير الضرورية أو المفرطة ضد المتظاهرين وحرمت المتظاهرين المقبوض عليهم من الاتصال بمحامين. وتوفي المحتج خُمسي اليفرني في مدينة طبربة، التي تقع على مسافة 35 كيلومتراً غربي العاصمة تونس. وقال شهود عيان إن إحدى سيارات الشرطة دهسته؛ وصرَّحت وزارة الداخلية بأنه كان يعاني من حالة مرضية مزمنة في الجهاز التنفسي، وتُوفي نتيجة استنشاق الغاز المسيل للدموع.

وفي مارس/آذار، غرق عمر العبيدي بعد أن دفعه أحد أفراد الشرطة إلى نهر قرب ملعب رادس الرياضي في العاصمة تونس أثناء محاولته الفرار من الشرطة التي كانت تطارد المشجعين بعد مباراة انتهت باشتباكات. وقال شهود عيان إنه صرخ قائلاً إنه لا يستطيع السباحة. وفي ماي/أيار، اتُّهم 17 من أفراد الشرطة بالقتل عن غير قصد، والامتناع عن مساعدة الغير في حالة خطر وإغاثته. وكان التحقيق لا يزال مستمراً بحلول نهاية العام.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، قتل أعوان الديوانة (ضباط الجمارك) أيمن العثماني رمياً بالرصاص وهم يطاردونه بعد مداهمة مستودع في حي سيدي حسين بالعاصمة تونس. ووجهت النيابة العمومية اتهامات إلى أربعة ضباط جرى التحقيق معهم ثم أُفرج عنهم مؤقتاً، وهو ما أدى إلى مواجهات عنيفة بين الشرطة ومحتجين. وانتهى العام دون الإعلان عن تحقيق أي تقدم في التحقيق.

حقوق المرأة

في فبراير/شباط، دخل "القانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة" حيز التنفيذ. وهو يشمل ضمانات لحماية النساء والفتيات من العنف بسبب النوع الاجتماعي.

وبرغم أن المنشور الوزاري الصادر عام 1973، الذي كان يمنع زواج المرأة التونسية برجل غير مسلم قد أُلغي في سبتمبر/أيلول 2017، ففي ثماني حالات على الأقل أفادت نسوة تونسيات بمقابلة صعوبات في العثور على كاتب عدل محلي يوافق على تسجيل مثل هذه الزيجات، وقلن إن كتبة العدل زعموا أنهم لم يتسلموا أو يقرأوا بعد القواعد الجديدة بشأن مثل هذه الزيجات.

واستمر النقص الشديد في تمثيل النساء في الحكومة حيث لم يشغلن سوى ثلاثة من بين 28 منصباً وزارياً.

وفي يونيو/حزيران، أصدرت "لجنة الحريات الفردية والمساواة الفردية"، التي شكَّلها الرئيس، تقريرها بشأن القضايا المتعلقة بالحريات الفردية والمساواة بين الجنسين. ومن بين توصياتها المبشرة؛ برغم ما أثارته من خلاف توصية بإصلاح القانون المتعلق بالميراث للمساواة بين الرجال والنساء. وقدّم الرئيس مشروع قانون للبرلمان بهذا الصدد.

حقوق "مجتمع الميم"

استمر تعرض الأفراد من "مجتمع الميم" للقبض عليهم بموجب الفصل 230 من "المجلة الجزائية" (قانون العقوبات) الذي يُجرِّم العلاقات الجنسية التي تتم بالتراضي بين أفراد من الجنس نفسه. فقد ذكرت منظمة "دمج"، وهي منظمة تونسية غير حكومية معنية بحقوق "مجتمع الميم"، أن الشرطة قبضت، في عام 2018، على ما لا يقل عن 115 شخصاً فيما يتصل بما يُعتقد أنه ميولهم الجنسية أو هويتهم المتعلقة بالنوع، واتُّهم 38 منهم في وقت لاحق، وأُدينوا بموجب الفصل 230 من "المجلة الجزائية".

واستمرت الشرطة في إخضاع الرجال المتهمين بإقامة علاقات جنسية مع أفراد من الجنس نفسه لفحوص الشرج القسرية، فيما يمثل انتهاكاً لمبدأ حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. واستمر تعرض مزدوجي النوع والمتحولين جنسياً للتحرش على أيدي الشرطة، وظلوا يعيشون عرضةً لخطر القبض عليهم بموجب فصول غامضة الصياغة تتعلق "بالآداب العامة" في المجلة الجزائية، بما في ذلك الفصل 226 مكرر.

ومن بين توصيات "لجنة الحريات الفردية والمساواة الفردية"، في تقريرها الصادر في يونيو/حزيران، توصية بإلغاء تجريم العلاقات الجنسية بين الأفراد من الجنس نفسه. وقُدِّم مقترح قانون يتضمن إلغاء تجريم مثل هذه العلاقات من قبل مجموعة من النواب في أكتوبر/تشرين الأول، وبحلول نهاية العام، كان المقترح لا يزال بانتظار المناقشة في اللجنة البرلمانية بشأن الحقوق والحريات.

الحق في المياه

زادت حدة أزمة نقص المياه بعد أن سجلت إمدادات المياه خلف السَّدين الرئيسيين انخفاضاً كبيراً. وفي يوليو/تموز، أعلنت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري أن وضع المياه في تونس بات "حرجاً". وأفضى نقص المياه وعدم كفاءة نظام توزيع المياه إلى انقطاع متكرر للمياه في عدة مناطق، وهو ما أدى إلى اندلاع احتجاجات، وخصوصاً في أكثر شهور السنة حراً. وأثر هذا النقص على قدرة الناس على استخدام الماء في الأغراض الشخصية والمنزلية. وفي يوليو/تموز، طالب محتجون في صفاقس والكاف وقابس وطبرقة وقليبية بحلول لمشكلة نقص المياه في مدنهم. وقالت المنظمة غير الحكومية "المرصد التونسي للمياه" إنها سجلت 404 حالات انقطاع للمياه، و104 احتجاجات تتعلق بالحصول على الماء، في الفترة ما بين مايو/أيار ويونيو/حزيران.

وفي مارس/آذار، أعلنت الحكومة عدداً من المشاريع في إطار استراتيجية وزارة الفلاحة لتأمين موارد مياه الشرب، لكن هذه المشاريع تعطلت في سبتمبر/أيلول بسبب الفيضانات التي ألحقت أضراراً بالبنية الأساسية الخاصة بالمياه.

عقوبة الإعدام

واصلت المحاكم إصدار أحكام بالإعدام. ولم تُنفَّذ أي أحكام بالإعدام في البلاد منذ عام 1991.

احصل على تقرير منظمة العفو الدولية