لبنان: على الحكومة الجديدة كبح جماح قوى الأمن فوراً بعد أعمال العنف التي وقعت في عطلة نهاية الأسبوع

  • إصابة ما لا يقل عن 409 من المحتجين في اشتباكات بين المحتجين وقوى الأمن في بيروت يومي 18 و19 يناير/كانون الثاني.
  • أدى استخدام قوى الأمنللقوة من خلال اطلاق الرصاص المطاطي بقصد إلحاق الضرر ، إلى إصابة المحتجين بجروح خطيرة في الرأس والوجه والذقن والفم. إصابة ما لا يقل عن ثلاثة محتجين في العين برصاص مطاطي.
  • أبلغت امرأتان منظمة العفو الدولية بأن رجال الشرطة هددوهما بالاغتصاب.

قالت منظمة العفو الدولية اليوم إن الاستخدام غير القانوني لقوى الأمن الداخلي للرصاص المطاطي أدى إلى إصابة مئات المحتجين بجروح، بعضهم مصاب بجروح خطيرة، في واحدة من أشد عطلات نهاية الأسبوع عنفا منذ اندلاع الاحتجاجات في لبنان. مع احتمال استمرار الاحتجاجات على مدار الأسابيع المقبلة، يجب على الحكومة اللبنانية المشكلة حديثاً، إعطاء الأولوية لكبح جماح قوى الأمن، كمسألة ملحة، والتحقيق في الاستخدام غير القانوني والمفرط للقوة والتعدّي بالضرب، والتهديدات بالاغتصاب، والاعتقالات التعسفية للمحتجين؛ لمنع تكرار ما حدث.

ولقد أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 13 من شهود العيان، من بينهم طبيبان، واطلعت على عشرات الصور ومقاطع الفيديو التي تدعم الإفادات وما توصلت إليه من نتائج، فضلاً عن الاطلاع على التصريحات الرسمية المتعلقة بهذه الأحداث.

في خلال الليلتين الأشد عنفاً، منذ اندلاع الاحتجاجات في لبنان قبل حوالي 100 يوم، استهدفت قوى الأمن بالرصاص المطاطي الحزء العلوي من أجساد المحتجين، وأطلقت الغاز المسيل للدموع، وخراطيم المياه، من مسافة قريبة، وكل ذلك يتسبب في ضرر أكيد للمحتجين.
هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية

وتشير الأدلة التي تم جمعها إلى أن شرطة مكافحة الشغب التابعة لقوى الأمن الداخلي استخدمت الرصاص المطاطي بشكل غير قانوني من مسافة قريبة، بالإضافة إلى خراطيم المياه، والغاز المسيل للدموع، والضرب بالهراوات؛ بينما كانت تسعى لتفريق المحتجين في بيروت يومي السبت والأحد. كما اعتقلت الشرطة عشرات المحتجين بصورة تعسفية، وأكدت امرأتان، على الأقل، لمنظمة العفو الدولية أن رجال الشرطة قد هددوهما بالاغتصاب. وأعلن الصليب الأحمر اللبناني أن ما لا يقل عن 409 من المحتجين أصيبوا خلال ليلتين؛ نتيجة اشتباك شرطة مكافحة الشغب مع المحتجين.

وقالت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: "كان مستوى عنف الشرطة الذي وثقناه يومي السبت والأحد غير مسبوق، وأشار إلى تصعيد واضح من قبل السلطات. ففي خلال الليلتين الأشد عنفاً، منذ اندلاع الاحتجاجات في لبنان قبل حوالي 100 يوم، استهدفت قوى الأمن بالرصاص المطاطي الجزء العلوي من أجساد المحتجين، وأطلقت الغاز المسيل للدموع، وخراطيم المياه، من مسافة قريبة، وكل ذلك يتسبب في ضرر أكيد للمحتجين".

ويجب على وزير الداخلية الجديد كبح جماح قوى الأمن الداخلي فوراً، وأن يأمرها بالامتثال للمعايير الدولية، واحترام الحق في التجمع.
هبة مرايف

"ويجب على وزير الداخلية الجديد كبح جماح قوى الأمن الداخلي فوراً، وأن يأمرها بالامتثال للمعايير الدولية، واحترام الحق في التجمع. فلا تبرر أعمال العنف التي ترتكبها أقلية التفريق العنيف للمحتجين، لكن كان يجب التعامل مع هذه القلة على نحو محدد. وللسلطات القضائية الآن دور مهم للغاية في التحقيق في أحداث نهاية الأسبوع؛ لإتاحة سبل الإنصاف للضحايا، وبعث رسالة قوية مفادها أن هذا العنف لن يتم التسامح معه".

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، زعم المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء عماد عثمان، ووزيرة الداخلية افي حكومة تصريف الاعمال آنذاك ريا حفار الحسن، أن استخدام القوة كان رداً على أعمال "عنف وتخريب قام بها محتجون غير سلميين" ضد أفراد قوى الأمن الداخلي، والممتلكات العامة والخاصة. وقالا إن 142 جنديًا أصيبوا جراء هذه الأعمال في ليلة 18 يناير/كانون الثاني، من بينهم سبعة ضباط، وثلاثة إصابات خطيرة. وخلال الاحتجاجات يوم السبت، أدلت الوزيرة ريا الحسن ببيان دعت فيه "المتظاهرين السلميين" إلى مغادرة ساحة الاحتجاج "لتجنب التعرض للأذى".

للسلطات القضائية الآن دور مهم للغاية في التحقيق في أحداث نهاية الأسبوع؛ لإتاحة سبل الإنصاف للضحايا، وبعث رسالة قوية مفادها أن هذا العنف لن يتم التسامح معه.
هبة مرايف

ووفقًا لشهود العيان، ومقاطع الفيديو المتداولة على الإنترنت، قام بضع عشرات من المحتجين بإلقاء الحجارة والمفرقعات النارية، ولافتات المرور، وبعض نباتات الشوارع في اتجاه شرطة مكافحة الشغب، بهدف عبور المتاريس للوصول إلى نقطة أقرب من البرلمان.  ولكن كما أوضح المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، فإن حقيقة أن أقلية من المحتجين يشاركون في أعمال عنف فردية لا تجعل الاحتجاج بأكمله غير سلمي، أو يبرر تفريقه بالقوة.

في 18 يناير/ كانون الثاني، قدم الصليب الأحمر اللبناني الرعاية الطبية إلى 140 محتجاً على الأرض، وأفاد أنه تم نقل 169 شخصًا آخرين إلى المستشفى مصابين بجروح، من بينها الاختناق، والجروح الخطيرة والأطراف المكسورة. في اليوم التالي، أبلغ الصليب الأحمر عن إصابة 100 محتج آخر.

الاستخدام غير القانوني للرصاص المطاطي

أظهرت الصور، ومقاطع الفيديو، والإفادات، والسجلات الطبية التي اطلعت عليها منظمة العفو الدولية أن شرطة مكافحة الشغب غالباً ما كانت تطلق النار مباشرة على المحتشدين على مستوى الصدر، وأن العديد من إصابات المحتجين كانت في الجزء العلوي من الجسم، وخاصة في العين، والرقبة، والصدر، والذراع، والبطن. وفي بعض الحالات، أطلق أفراد الشرطة النار على المحتجين من مسافة قريبة، مما يشير إلى أنهم كانوا يطلقون النار بقصد إلحاق الضرر.

ووفقًا للمعايير والمبادئ التوجيهية الدولية المتعلقة باستخدام القوة، لا يجوز استخدام الرصاص المطاطي إلا كأداة محددة لوضع حد للأفراد المتورطين في أعمال عنف ضد الأشخاص لأنهم يمكن أن يتسببوا في وقوع إصابة خطيرة. وعلاوة على ذلك، بهدف تقليل الإصابة، وكقاعدة عامة، لا يمكن أن يستهدف الرصاص المطاطي إلا الجزء السفلي من الجسم، ويجب ألا يستخدم أبدًا كأداة عامة لتفريق المحتشدين.

وأخبر ميشال رزوق، 47 عاماً، منظمة العفو الدولية كيف أُطلقت النار عليه من مسافة قريبة، في ليلة 18 يناير/ كانون الثاني، قبل أن تبدأ مجموعة من شرطة مكافحة الشغب بضربه.

شعرت بشيء أصابني وحبس أنفاسي. شعرت بأنني قُصفت بوزن كبير، ولم أكن أدرك ما كان يحدث. وأطلق أحد الأفراد النار عليّ مباشرة في البطن. كان على مسافة حوالي أربعة إلى خمسة أمتار مني. لست متأكداً من أن رجال الشرطة الآخرين أدركوا حتى أنه قد أطلق النار علي، وبدأوا في ضربي. شعرت بالشلل، ولم أستطع التحرك؛ وعندها أدركت أن هناك خطباً ما. كانوا يقولون لي "قف، قف"، لكن لم أستطع. ضربوني حوالي 15 دقيقة قبل أن يدركوا أن هناك خطباً ما".

يجب وضع حد لهذه المستويات المروعة من العنف على أيدي قوى الأمن، ولا سيما شرطة مكافحة الشغب، فوراً من خلال نظام واضح وشفاف، ويجب محاسبة المسؤولين عن هذا النمط من العنف دون تأخير، وبطريقة تضمن إتاحة سبل الانصاف الفعال للضحايا.
هبة مرايف


بينما طُرح على الأرض مع الجرح، أمر الضابط بالقبض عليه واقتياده بعيداً. لكن فريق الدفاع المدني تدخّل، وتمكن في النهاية من نقل ميشال إلى المستشفى. وقد حصلت منظمة العفو الدولية على صور لرصاصة مطاطية يتم إزالتها من بطن ميشال وعبوتها سليمة، مما يشير إلى أنه تم إطلاقها من مسافة قريبة.

وأصيب محتج آخر، وهو جان جورج برينس، برصاصة مطاطية في 18 يناير/كانون الثاني. وأخبر منظمة العفو الدولية أنه كان يحتج بصورة سلمية بالقرب من فندق لو جراي، عندما أصيب برصاصة مطاطية في وجهه. وأصيب بتهتك كامل في شفته السفلى، وتلقى جراحة تجميل.

وقال للمنظمة: "كنا محتجين سلميين، وشكلنا خطًا أمام شرطة مكافحة الشغب. ولم نتحرك نحوهم. كانوا على بعد أربعة أو خمسة أمتار فقط ... ورأيت أحدهم يطلق النار في اتجاه الناس مباشرة. رأيت رجلاً أُطلق عليه النار بجواري. وبعدها أصبت بعيار ناري في الوجه دفعني إلى الخلف ... وأصيب ثلاثة منا ... لدي أكثر من 50 غرزة داخل فمي وخارجه، وعلى ذقني، بعد أربع ساعات من الجراحة.

وقالت إحدى المحتجات، لا ترغب في الكشف عن اسمها، لمنظمة العفو الدولية إنها كانت تشارك في الاحتجاجات، في 19 يناير/ كانون الثاني، بالقرب من ساحة النجمة، عندما شاهدت أحد أفراد شرطة مكافحة الشغب يستهدفها مباشرة من مسافة قريبة. بينما كانت تحاول الهرب، مزقت رصاصة مطاطية أذنها.

"كنت أقف هناك. لم يكن أحد بجانبي. لم يكن هناك محتجون آخرون يشاركون في أعمال عنف، ولم يكن هناك أي خطر داهم. رأيته [الجندي] يخرج من وراء الحائط. نظر إليّ في العين، ووجه بندقيته نحوي ... مرت رصاصة مطاطية مباشرة بقرب أذني اليسرى. مزقت أذني ولم أستطع أن أسمع بها ... الجانب الأيسر من وجهي متورم أيضًا.

كما قابلت منظمة العفو الدولية ثلاثة شهود عيان، أفادوا بأن شرطة مكافحة الشغب أطلقت عليهم الرصاص المطاطي مباشرة، مساء السبت أثناء ركضهم نحو شارع جميزة للهروب من المنطقة.

وأوضح أحد الجرّاحين [تم حجب الاسم حسب طلبه] حضر عدة عمليات جراحية للمحتجين المصابين، في مستشفى أوتيل ديو، أنهم عالجوا أربع حالات من إصابات بالرصاص المطاطي في الرأس، بما في ذلك حالة فقد البصر بشكل دائم.

عمليات الاعتقال والضرب والتهديدات بالاغتصاب

أكدت لجنة المحامين للدفاع عن المحتجين أن قوى الأمن ألقت القبض على ما لا يقل عن 43 محتجاً، في ليلة 18 يناير/ كانون الثاني، وتم نقلهم إلى ثكنة الحلو. وأُطلق سراح 11 منهم في وقت لاحق من نفس الليلة؛ بينما تم إطلاق سراح الباقين في صباح اليوم التالي. احتفظت قوى الأمن الداخلي بهواتفهم المحمولة، قائلة إن الإجراء جاء بعد أمر قضائي صدر في هذا الصدد.

وذكرت لجنة المحامين على وسائل التواصل الاجتماعي أن المحتجين تعرضوا للضرب أثناء الاعتقال، وأثناء نقلهم إلى مركز الشرطة، وداخل ثكنة الحلو. ووفقاً لما ورد، ضربهم أفراد الشرطة بالأيداي والهراوات، وشتموهم وهددوهم بتعريضهم للعنف البدني والجنسي.

من دون إجراء تحقيق سريع وشامل ومستقل وشفاف وحيادي في الانتهاكات التي وقعت في خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، فإن ما رأيناه في نهاية هذا الأسبوع سيستمر حدوثه وسيؤدي إلى تأجيج وضع سياسي غير مستقر أصلاً.
هبة مرايف

ويُظهر مقطع فيديو، متداول بصورة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، الشرطة تضرب المحتجين أثناء خروجهم من مركبات قوى الأمن الداخلي داخل ثكنة الحلو. وقد وعد رئيس قوى الأمن الداخلي بإجراء تحقيق في هذه الحادثة المحددة.

وتحدثت منظمة العفو الدولية إلى إحدى المحتجات [تم حجب الاسم بناءً على طلبها] وشهدت الاعتقال التعسفي لصديقها مساء السبت، في شارع باستور ببيروت. عندما سألت ضباط الشرطة عن المكان الذي يأخذوه إليه، استخدموا ألفاظ نابية، وهددوها بالاعتقال واغتصابها.

أخبرت شذى حسنية، التي قُبض عليها مساء السبت، منظمة العفو الدولية أنها كانت في منطقة الصيفي في وسط بيروت، عندما ألقت شرطة مكافحة الشغب القبض عليها بدون تهمة في حوالي الساعة 8:30 مساء، قبل أن تطلق سراحها بعد بضع ساعات في الساعة 12:30.

وأوضحت شذى قائلة: "بينما كنت أسير مع الضابط، كان البعض الآخر يقترب مني بصورة عدوانية لتخويفي، وكانوا يهددون بضربي. وقال أحدهم "سوف يغتصبونك في الداخل". وعندما وصلنا إلى السيارة، رأيتهم يضربون عددًا من المحتجين المعتقلين".  وأضافت قائلة: "في ثكنة الحلو، رأيتهم يضربون كل محتج معتقل يخرج من المركبة. احتجزوني في غرفة منفصلة لمدة نصف ساعة. لم أتمكن من رؤية المحتجزين الآخرين، لكني سمعتهم يصرخون".

وقالت هبة مرايف: "يجب وضع حد فوراً لهذه المستويات المروعة من العنف على أيدي قوى الأمن، ولا سيما شرطة مكافحة الشغب، من خلال أمر واضح وشفاف، ويجب محاسبة المسؤولين عن هذا النمط من العنف دون تأخير، وبطريقة تضمن إتاحة سبل الانصاف الفعال للضحايا. فمن دون إجراء تحقيق سريع وشامل ومستقل وشفاف وحيادي في الانتهاكات التي وقعت في خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، فإن ما رأيناه في نهاية هذا الأسبوع سيستمر حدوثه وسيؤدي إلى تأجيج وضع سياسي غير مستقر أصلاً".

في 21 يناير/ كانون الثاني 2020، عبرت مارتا هورتادو، وهي متحدثة رسمية باسم المفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، عن قلقها إزاء تزايد عدد المصادمات العنيفة في لبنان في الأيام الأخيرة، ودعت السلطات إلى إجراء تحقيقات سريعة وشاملة ومستقلة وشفافة وحيادية في ادعاءات عنف الشرطة.