مصر: سلسلة من القوانين الشديدة القسوة "تضفي الشرعية" على حملة القمع غير المسبوق بعد مرور ست سنوات على الإطاحة بمرسي

 قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات المصرية تحاول تطبيع انتهاكات حقوق الإنسان من خلال إصدار سلسلة من القوانين "لإضفاء الشرعية" على حملة القمع المتصاعد لحرية التعبير وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، وحرية التجمع؛ وذلك بعد ست سنوات من الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، المتوفي مؤخراً، من السلطة في 3 يوليو /تموز 2013.

نشرت المنظمة اليوم تقريراً دامغاً حول حقوق الإنسان في مصر منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، والذي قُدم إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قبل الاستعراض الدوري القادم لسجل حقوق الإنسان في مصر في نوفمبر/تشرين الثاني.

وقالت ماجدالينا مغربي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: "منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة، شهد وضع حقوق الإنسان في مصر تدهورًا كارثيًا وغير مسبوق. فمن خلال سلسلة من القوانين الشديدة القسوة، والأساليب القمعية التي اتبعتها قوات الأمن التابعة لها، شنت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي حملة منسقة كي تحكم قبضة الدولة على السلطة من خلال زيادة تقويض استقلال القضاء، وفرض قيود خانقة على وسائل الإعلام، والمنظمات غير الحكومية، والنقابات العمالية، والأحزاب والمجموعات السياسية، والناشطين المستقلين.

من خلال سلسلة من القوانين الشديدة القسوة، والأساليب القمعية التي اتبعتها قوات الأمن التابعة لها، شنت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي حملة منسقة كي تحكم قبضة الدولة على السلطة
ماجدالينا مغربي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية

تحت حكم السيسي، وبحجة محاربة الإرهاب، شهدت مصر الآلاف من عمليات الاعتقال التعسفي، بما في ذلك مئات الاعتقالات التي استهدفت المنتقدين والمحتجين السلميين، فضلاً عن استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان الواسعة النطاق، بما في ذلك التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، والاختفاءات القسرية الجماعية، والإعدامات خارج نطاق القضاء، واستخدام القوة المفرطة.

ومنذ 2014، صدر أكثر من 1891 حكمًا بالإعدام، وأُعدم ما لا يقل عن 174 شخصاً، وغالبًا بعد محاكمات بالغة الجور.

من بين 300 توصية متعلقة بحقوق الإنسان، قدمتها دول أخرى إلى مصر، خلال المراجعة السابقة لسجلها في مجال حقوق الإنسان، في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 2014، قبلت مصر 237 توصية، وقبلت جزئياً 11 توصية أخرى. ومع ذلك، يشير بحث منظمة العفو الدولية إلى أن مصر قد تقاعست، في الواقع الفعلي، عن تنفيذ أي من الإصلاحات تماشيا مع هذه التوصيات.

إضفاء الشرعية على القمع

يعد قانون المنظمات غير الحكومية في مصر، لعام 2017، مثالًا رئيسيًا على القوانين الشديدة القسوة التي أدخلتها السلطات المصرية لخنق حرية التعبير وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، وحرية التجمع السلمي. ويمنح القانون السلطات صلاحة رفض تسجيل المنظمات غير الحكومية، ويحدّ من أنشطتها وتمويلها، ويسمح بمقاضاة الموظفين بسبب جرائم فضفاضة الصياغة. وقد تم الإعلان عن خطط تعديل قانون المنظمات غير الحكومية في ديسمبر/كانون الأول 2018، لكن ما زال من غير الواضح ما إذا كانت التعديلات المقترحة ستعالج بواعث القلق إزاء حقوق الإنسان. فمنذ 2014، واجه ما لا يقل عن 31 من موظفي المنظمات غير الحكومية حظر السفر، وجمدت السلطات أصول 10 أفراد، وسبع منظمات غير حكومية، كجزء من تحقيق جنائي مستمر في التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية.

في 2018، وافقت السلطات المصرية على قوانين جديدة للإعلام والجرائم الإلكترونية، مما مكنها أكثر من فرض الرقابة على وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية والمُذاعة. ووفقًا لمؤسسة حرية الفكر والتعبير، منذ مايو 2017، قامت السلطات بحظر ما لا يقل عن 513 موقعًا على الإنترنت، بما في ذلك المواقع الإخبارية، ومواقع منظمات حقوق الإنسان.

كما سمحت سلسلة من التعديلات التشريعية، التي وقّع عليها الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2017، للسلطات بالقيام بعمليات اعتقال تعسفي جماعية، والسماح بالسجن الاحتياطي إلى أجل غير مسمى، وتقويض الحق في محاكمة عادلة.

 ومنذ 2013، احتُجز الآلاف قيد الحبس الاحتياطي لفترات مطولة، وأحيانًا لمدد تصل إلى خمس سنوات، وغالبًا في ظروف غير إنسانية وقاسية تفتقر إلى الرعاية الطبية الكافية، مع توفر فرص ضئيلة أو معدومة للزيارات العائلية. ففي بعض الحالات، احتجزت الشرطة الأفراد عدة أشهر، بعد أن كانت أمرت المحاكم بالإفراج عنهم.

وطوال الفترة، اعتمدت السلطات المصرية بشكل اعتيادي على قانون من الحقبة الاستعمارية خاص بالتجمع، والذي تم تبنيه في عام 1914، والقانون القاسي الخاص بالاحتجاج، لعام 2013، وكذلك قانون مكافحة الإرهاب لعام 2015؛ لتقييد حرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها.

 ففي خلال حملة قمع مكثفة بين ديسمبر/كانون الأول 2017 ويناير/كانون الثاني 2019، قُبض على ما لا يقل عن 158 شخصًا بسبب انتقادهم السلمي للسلطات، أو حضور التجمعات السياسية، أو المشاركة في الاحتجاجات. وفي الآونة الأخيرة، في مايو/أيار ويونيو/حزيران 2019، اعتقلت السلطات المصرية ما لا يقل عن 10 معارضين سلميين، من بينهم عضو سابق في البرلمان، وقادة أحزاب معارضة، وصحفيون، ونشطاء.

كما يستمر قانون العدالة العسكرية المصري، خلافًا للمعايير الدولية، في السماح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، التي تفتقر إلى الاستقلال وهي غير عادلة بطبيعتها. وقد حكم على مئات الأشخاص بالإعدام بعد محاكمات جماعية جائرة.

كما أصدرت السلطات قوانين شددت القيود المفروضة على النقابات العمالية المستقلة، وعززت إفلات كبار المسؤولين في القوات المسلحة من العقاب على الجرائم المرتكبة بين عامي 2013 و2016، وهي الفترة التي قُتل خلالها المئات من المحتجين بصورة غير قانونية على أيدي قوات الأمن.

إن التعديلات التي أُدخلت على دستور مصر في عام 2019، تضعف حكم القانون، وتقوض استقلال القضاء، وتوسع نطاق المحاكمات العسكرية لتشمل المدنيين، وتؤدي إلى زيادة تآكل ضمانات المحاكمة العادلة، وتكرس إفلات أفراد القوات المسلحة من العقاب.

كما ستمكّن التعديلات الدستورية الرئيس السيسي من السيطرة الكاملة على تنفيذ القوانين التي "تضفي الشرعية" على القمع، بمنحه صلاحيات واسعة النطاق لتعيين كبار القضاة، والإشراف على الشؤون القضائية.

في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، تم تحويل القوانين والنظام القضائي، اللذان يهدفان إلى دعم سيادة القانون وحماية حقوق الناس، إلى أدوات للقمع تستخدم لمقاضاة أي شخص ينتقد السلطات.
ماجدالينا مغربي

واختتمت ماجدالينا مغربي قائلة: "في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، تم تحويل القوانين والنظام القضائي، اللذان يهدفان إلى دعم سيادة القانون وحماية حقوق الناس، إلى أدوات للقمع تستخدم لمقاضاة أي شخص ينتقد السلطات بصورة سلمية، بينما تستخدم قوات الأمن التعذيب بشكل اعتيادي لانتزاع اعترافات كاذبة، والحصول على إدانات في محاكمات بالغة الجور".

"ويجب على المجتمع الدولي أن يتوقف عن التزام الصمت إزاء قمع السلطات المصرية للمجتمع المدني، وسحق أي محاولة معارضة، وسجن المنتقدين والمعارضين السلميين الذين يواجهون التعذيب، والاختفاءات القسرية، وظروف السجن القاسية واللاإنسانية. كما يقع على عاتق الدول، وخاصة الدول التي قدمت توصيات بشأن حقوق الإنسان إلى مصر خلال آخر استعراض لسجلها أمام الأمم المتحدة، واجب التحدث علنًا لوقف هذا التدهور الكارثي لحقوق الإنسان".

كما تدعو منظمة العفو الدولية جميع الدول إلى اتخاذ إجراءات ملموسة، وتعليق نقل معدات الشرطة وتقنيات المراقبة التي تستخدمها السلطات المصرية لقمع المعارضة السلمية.