لبنان يخذل ضحايا التعذيب بتأخيره تطبيق القانون

قالت منظمة العفو الدولية بمناسبة اليوم العالمي لدعم ضحايا التعذيب إنه يجب على السلطات اللبنانية أن تنهي تقاعسها في تنفيذ إصلاحات أساسية بهدف ضمان عدم إفلات مرتكبي التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة السيئة من العدالة.

وكانت السلطات اللبنانية قد تقاعست مراراً وتكراراً في تطبيق القانون الوطني لمناهضة التعذيب (القانون رقم 65) منذ سريان مفعوله في شهر أكتوبر /تشرين الأول 2017؛ إذ إن الحكومة لم تصدر بعد مرسوم تعيين أعضاء الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، وهي هيئة وطنية مستقلة مفوضة للتحقيق في مزاعم التعذيب ومراقبة ظروف الاحتجاز.

السلطات اللبنانية يجب أن تضمن ترجمة التعهّدات الملزِمة للبنان قانوناً إلى أفعال ملموسة. وكخطوة فورية، ينبغي على الحكومة أن تصدر مرسوماً لتفعيل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب
لين معلوف

وفحصت منظمة العفو الدولية بالتفصيل ثمان حالات تعرّض أصحابها للتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز في لبنان، وحدثت كلها بعد دخول قانون مناهضة التعذيب حيز التنفيذ. وقد راجعت منظمة العفو الدولية السجلات الطبية، وتحدثت مع ضحايا التعذيب، وأفراد أسرهم، ومحامين، وناشطين مؤسسين في المجتمع المدني المختصّ في مناهضة التعذيب، وأعضاء في لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب كما في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، بهدف درس تفاعل الحكومة مع القضايا.

وقالت لين معلوف، مديرة البحوث للشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية، إن "التقاعس الجماعي للسلطات اللبنانية في ضمان تطبيق قانون 2017 لمناهضة التعذيب على أرض الواقع يبعث برسالة مفادها بأن قوى الأمن التي ترتكب التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة تعتبر نفسها فوق القانون وبالتالي لن تواجه العدالة".

وأضافت قائلة إن "السلطات اللبنانية يجب أن تضمن ترجمة التعهّدات الملزِمة للبنان قانوناً إلى أفعال ملموسة. وكخطوة فورية، ينبغي على الحكومة أن تصدر مرسوماً لتفعيل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب".

ومن واجب لبنان، بصفته مُوقِّعاً منذ العام 2008 على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، أن ينشئ، في غضون سنة من تصديقه عليه، هيئةً مستقلةً مخوّلة زيارة أماكن الاحتجاز بهدف الوقاية من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة.

في جميع الحالات التي وثَّقتها منظمة العفو، ذكر ضحايا التعذيب بوضوحٍ أمام القاضي الذي نظر قضاياهم أن اعترافاتهم انتُزِعت منهم تحت الإكراه. بيد أن لم يفتح أي قاض أو نائب عام تحقيقاً في هذه الادعاءات، على الرغم من أن قانون مناهضة التعذيب ينصّ على ضرورة التحقيق في مثل هذه الادعاءات في غضون 48 ساعة من ورودها.

ورفَع ضحيتان من مجموع ثماني ضحايا استجوبتهم منظمة العفو دعوتين قضائيتين بموجب قانون مناهضة التعذيب. غير أن الادعاء أرسل إحداهما إلى جهاز الأمن المتهم بالتعذيب في تضاربٍ للمصالح يتعارض مع القانون رقم 65، في حين تواجه القضية الأخرى مماطلة من قبل السلطات.

وتُقدِّم الشهادات المدلى بها أدلة على أن حالات التعذيب وغير من ضروب المعاملة السيئة لا تزال قائمة في مختلف فروع أجهزة الأمن اللبناني: استخبارات الجيش اللبناني (التابعة لوزارة الدفاع)؛ وأمن الدولة (تحت إمرة المجلس الأعلى للدفاع)؛ وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي؛ وفرع المعلومات في المديرية العامة للأمن العام (كلاهما يتبع لوزارة الداخلية والبلديات).

ووصف عدد من ضحايا التعذيب كيف أنهم تعرضوا للضرب المبرح بما في ذلك ضربهم بخراطيم المياه الغليظة والسلاسل المعدنية وصعقهم بصدمات كهربائية في أنحاء جسمهم بما في ذلك أعضائهم التناسلية، وتعليقهم لفترات طويلة في أوضاع مجهدة، وتشقيق عظام أصابعهم، وصفعهم أو لكمهم بعنف على الوجه، الرأس والجسم. كما قال عدد من الضحايا إنهم تعرضوا للشتم أو التهديد باستخدام العنف الجنسي ضدهم وضد نساء في عائلاتهم.

الروايات المروعة عن التعذيب في مراكز الاحتجاز في مختلف أنحاء لبنان تذكّرنا وبشدة بالحاجة الملحة إلى التصدي لمثل هذه الانتهاكات المستمرة
لين معلوف

وقالت لين معلوف إن "الروايات المروعة عن التعذيب في مراكز الاحتجاز في مختلف أنحاء لبنان تذكّرنا وبشدة بالحاجة الملحة إلى التصدي لمثل هذه الانتهاكات المستمرة، بما في ذلك القضاء على ظاهرة الإفلات من العقاب على نطاق واسع، وهو المناخ الذي يسمح لهذه الانتهاكات أن تتواصل.

وتقول سوزان جبور، مديرة مركز "ريستارت" لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، أن قانون معاقبة التعذيب، بعد مرور عام ونصف العام على اعتماده، لم يفض حتى الساعة إلى تحقيقٍ ومقاضاة أيّ متّهمٍ بالتعذيب.

وبعد مرور عامين ونصف العام على اعتماد مجلس النواب اللبناني سنة 2016 قانوناً بشأن إنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، التي تتضمن الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، فإن أيا من الجسمين لم يتبلور بعد على أرض الواقع بشكل كامل ولا تمّ تفعيله. وبالرغم من تعيين خمسة أعضاء في الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب في شهر مارس/آذار 2019 بعد طول انتظار، فإن هؤلاء الأعضاء لا يزالون ينتظرون صدور مرسوم حكومي يمنحهم تفويضاً رسمياً للتصرف وفق هذه الصفة. وقال بسام القنطار، وهو عضو في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، إن أعضاء الهيئتين يجتمعون ويتصرّفون على أساس تطوعي ولم تخصص لهم الحكومة ميزانية مستقلة بعد، مثلما يملي القانون. وبدون تمويل مناسب وتعيين رسمي، فإن أياديهم تبقى فعلياً مقيّدة.

وأكد كلّ من وزيرة الداخلية ووزير العدل في الأسابيع الأخيرة "التزامهما الكامل" بتطبيق معاهدات حقوق الإنسان بهدف مناهضة التعذيب.

وقالت لين معلوف إن "الجهود العلنية التي تبذلها الحكومة اللبنانية للتصدي للتعذيب ستذهب سدى إذا بقيت أقرب إلى الإيماءات الفارغة في ظل تقاعس السلطات عن ترجمتها إلى حمايةٍ فعالة للمحتجزين ووضع حد لإفلات مرتكبيها من العقاب".

التعذيب والإفلات من العقاب

واحدة من أكثر الحالات صدماً من بين تلك التي وثَّقَتْها منظمة العفو الدولية هي حالة حسّان الضيقة، وهو أب لثلاثة أطفال يبلغ من العمر 44 عاماً، إذ يُعتقد أنه تعرّض للتعذيب حتى الموت خلال فترة احتجازه الأولى. وهو قد توفي يوم 11 مايو/أيار 2019.

اعتقلت حسّان الضيقة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2018 بدون أمر قضائي واتهم بالاتجار في المخدرات. وَوُضِع في الحبس الانفرادي لدى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي لمدة تسعة أيام. يقول والده المحامي توفيق الضيقة أن ابنه حسّان تعرّض خلال هذه المدة للضرب المبرح، بما في ذلك على أعضائه التناسلية، كما عُلِّق في الهواء لفترات طويلة، وتعرّض لصدمات كهربائية، وجُرِّد من ملابسه. ولم يُسمح له خلال هذه المدة بالالتقاء بأبيه، الذي كان محامياً عنه أيضاً.

وكان حسان الضيقة قد سرد محنته بعد انقضاء هذه الأيام التسعة في رسائل على علب كرتون وورق عشوائي، بعثها إلى أبيه من مكان سجنه اللاحق.

وقال حسان في إحدى الرسائل أنه بعد تعرضه للتعذيب لأيام، "لم أعد أستطيع التحمّل فقال لي (الضابط): بدك تحكي أو بدك تموت... أنت هنا عنا، يعني تقتل هنا ونقول عنك انتحرت.. فقلت له: بأمرك شو بدك بأمرك. وبدأت أوافق معه على كل ما يقوله، لو قال لي: انت قتلت النبي (محمد)، سأقول نعم... افتكرت أني بذلك أكون قد انتهيت من العذاب!".

ورفض النائب العام مراراً طلبات والد حسان بإجراء فحص طبي لابنه. وأخيراً، قُبِل الطلب لكن سرعان ما رفضته النيابة عندما كشفت الفحوص الطبية أن حسان تعرض للعنف. وقد اطّلعت منظمة العفو الدولية على ثلاثة تقارير صادرة عن الطب الشرعي بالإضافة إلى تقييم نفسي لحالته، ذكرت كلها أن حسان تعرض للعنف وأصيب بجرح عميق في أسفل الظهر استدعت علاجا فوريا.

وقدم أبوه ثلاثة شكاوى على أساس قانون مناهضة التعذيب لكن النيابة العامة تقاعست عن فتح تحقيق في هذه الشكاوى. وقال إنه اضطر، في نهاية المطاف، إلى سحب الشكوى الأخيرة بعدما تعرض للتهديد من قبل السلطات الأمنية.

وقال توفيق الضيقة لمنظمة العفو: "فهمت أن رأس ابني ورأسي بين أياديهم. لو لم نشتكِ، لو لم نستخدم القانون رقم 65، لكان ابني قد بقي على قيد الحياة".

وأعلنت وزيرة الداخلية عن فتح تحقيق داخليّ في سبب الوفاة.

في حالة أخرى، عانى زياد عيتاني، وهو ممثل مسرحيّ لبناني اعتقل بتهمة العمالة لإسرائيل واتضح للقضاء اللبناني لاحقاً أن التهمة ملفقة، من انتهاكات بالغة عندما كان في الحجز. وقال لمنظمة العفو الدولية إن ضباطا من جهاز "أمن الدولة" ضربوه بكابلات كهربائية، وقيدوه في أوضاع مجهدة باستخدام سلسلة حديدية، وعلَّقوه من معصميه لمدة ساعات، وركلوه ولكموه في وجهه وهددوه بالاغتصاب. وأضاف قائلا إنهم أجبروه على توقيع "اعتراف" عندما كان ملقى على الأرض لا حول له ولا قوة. وأظهرت سجلات طبية اطلعت عليها منظمة العفو الدولية أن أسنانه ومعصميه تعرضا للإصابة. ورفع زياد زيتاني دعوى مدنية ضد الضباط الذين تورطوا في هذا الأمر لكن القضية لا تزال حبيسة الأدراج.

وَوَثَّقت منظمة العفو أيضا قضيتي رجلين تعرضا للذم والشتم والإهانة بسبب علاقاتهما الجنسية المثلية وغيره من الاساءات؛ وحالتي لاجئين سودانيين احتجزا في ظروف لاإنسانية، إذ تعرض أحدهما للضرب المبرح والتعذيب والإساءة العنصرية. وفي حالة أخرى، قُيِّدت يدا ضابط عسكري متقاعد وراء ظهره يشكو من الإعاقة ثم تعرض إلى الضرب المبرح على وجهه، وعنقه، وظهره.

يجب على الحكومة اللبنانية أن تضمن امتثال القضاء، والنيابة العامة، والمؤسسات الأمنية بشكل تام لقانون مناهضة التعذيب وأن يحقق المدّعون العامّون بسرعة في ادعاءات التعذيب، وأن يحصل الضحايا على التعويض الكامل
لين معلوف

وقال عدد من ضحايا التعذيب إنهم لم يسعوا إلى المساءلة لأنهم فقدوا الأمل في تحقيق العدالة في لبنان.

وقال أحد الضحايا: "إذا زياد عيتاني، وهو لبناني الجنسية وممثل مشهور وقضيته يغطيها الإعلام، لم يستطع الحصول على العدالة حتى الآن، أنا سأحصل عليها؟".

وقالت المحامية ديالا شحادة، التي تولت الدفاع عن أربع قضايا تخصّ لاجئين اشتبه بأنهم ماتوا في حجز مخابرات الجيش نتيجة التعذيب في العام 2017، لمنظمة العفو الدولية إنها، منذ سريان مفعول قانون مناهضة التعذيب، توكّلت عن أكثر من 50 متهماً ذكروا خلال المحاكمة أمام القاضي أنهم تعرضوا للتعذيب وأُجْبِروا على "الاعتراف"، لكن لم يتم اللجوء إلى هذا القانون للتحقيق في هذه الادعاءات. بل إن أحد القضاة ذهب إلى تخجيل متّهمٍ نقض اعترافاته عند وصوله للمحكمة مدّعياً أنه أعطاها للمحققين ليتوقّف التعذيب، بأن أجاب عليه قائلاً: "التعذيب ليس معياراً. خضع سواك للتعذيب ولم يعترف بما نسب إليه! كيف تفسّر أنك اعترفت؟".

واختتمت لين معلوف: "يجب على الحكومة اللبنانية أن تضمن امتثال القضاء، والنيابة العامة، والمؤسسات الأمنية بشكل تام لقانون مناهضة التعذيب وأن يحقق المدّعون العامّون بسرعة في ادعاءات التعذيب، وأن يحصل الضحايا على التعويض الكامل. فللقضاة اللبنانيين دور أساسي في التحقيق في ادعاءات الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب".

وتدعو منظمة العفو الدولية السلطات اللبنانية إلى ضمان تلقي أفراد المؤسسات الأمنية التدريب المناسب لمنع التعذيب وإلى تعليق وظيفة أي شخص يُزعَم أنه مسؤول عن التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة ريثما تُنشر نتيجة تحقيق مستقل في الادعاءات حوله.