التهديد الذي يمثله ترامب يضع الدور الأوروبي في الضربات القاتلة للطائرات الأميركية من دون طيار تحت المجهر

مع إعداد إدارة ترامب العدة لتوسيع نطاق برنامج الولايات المتحدة الأمريكية الدموي للطائرات بدون طيار، وتصاعد مخاطر وقوع مزيد من الإصابات في صفوف المدنيين وأعمال القتل غير المشروع، دعت منظمة العفو الدولية أربعاً من الدول الأوروبية إلى أن تعيد النظر بشكل طارئ فيما تقدمه من مساعدات تشغيلية واستخبارية أساسية لهذا البرنامج. 

فقد قامت منظمة العفو الدولية وآخرون بتوثيق حالات أدت فيها عمليات القصف التي قامت بها طائرات أمريكية بدون طيار، بقرار من إدارات متتالية في الولايات المتحدة، إلى مقتل أشخاص لم يشاركوا بصورة مباشرة في الأعمال القتالية، أو يشكلوا أي تهديد وشيك للحياة، بمن فيهم أطفال. وفي تقرير جديد بعنوان مساعدات مميتة: دور الدول الأوروبية في ضربات الطائرات الأمريكية بدون طيار، تستخدم منظمة العفو الدولية معلومات من مصادر مفتوحة لرسم خريطة للمساعدات التي تقدمها المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا وإيطاليا لبرنامج الولايات المتحدة للطائرات بدون طيار، وتبيِّن كيف أن هذه الدول تعرّض نفسها لخطر المساءلة عن انتهاكات يطالها القانون الدولي.

وفي هذا السياق، قالت رشا عبد الرحيم، باحثة منظمة العفو الدولية بشأن الحد من الأسلحة وتجارة الأمن وحقوق الإنسان، إن "حكومات المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا وإيطاليا قد دأبت لسنوات على تقديم المساعدات لبرنامج القتل السري الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية على النطاق العالمي، فتمدها بالمعلومات الاستخبارية الحيوية وبالبنية التحتية اللازمة، رغم تزايد أعداد الضحايا من المدنيين، ومزاعم ارتكاب أعمال قتل خارج نطاق القانون، بما في ذلك جرائم حرب.

"ومع وصول ترامب إلى سدة السلطة، فقد أصبح التهديد للمدنيين أعظم من أي وقت مضى، وثمة حاجة طارئة للمزيد للشفافية. وإذا ما كانت الدول الأوروبية واثقة من أنها لم تلعب دوراً في أعمال القتل غير المشروع هذا، فمن البديهي أن تكون قادرة على تبيان ذلك. وإلا، فإن عليها أن تطرح على نفسها سؤال ما إذا كانت تعتزم مواصلة دعم برنامج سري يستخدم معلومات استخبارية غير موثوقة، ومسوغات قانونية مشكوك بها، من أجل استهداف أشخاص بالقتل بمثل هذه الطريقة."

ومع وصول ترامب إلى سدة السلطة، فقد أصبح التهديد للمدنيين أعظم من أي وقت مضى، وثمة حاجة طارئة للمزيد للشفافية.
رشا عبد الرحيم، باحثة منظمة العفو الدولية

وطبقاً لتقارير "مكتب الصحافة الاستقصائية"، فقد قتلت الطائرات بلا طيار التابعة للولايات المتحدة ما يصل مجموعه إلى 1,551 مدنياً في أفغانستان وباكستان والصومال واليمن، منذ 2004.

لقد تزايدت عمليات القصف التي تقوم بها الطائرات بدون طيار على نحو هائل في عهد الرئيس ترامب. وبحسب تقديرات "مجلس العلاقات الخارجية"، وهو مركز دراسات مقرّه في الولايات المتحدة، فقد أصدر الرئيس ترامب أوامره بتنفيذ ما لا يقل عن 36 ضربة جوية بواسطة طائرات من دون طيار، أو بالقيام بعمليات هجوم خاصة خلال أول 45 يوماً من دخوله البيت الأبيض. وطبقاً لتقارير إعلامية، فقد تراجع ترامب عن إجراءات وقائية محدودة كان الرئيس السابق أوباما، قد وضعها لبرنامج الطائرات من دون طيار. وتسمح سياسة جديدة لا تزال سرية، حسبما ذُكر، باستهداف عدد أكبر بكثير من الأشخاص، حتى لو يتم التعرف عيلهم بوضوح، كما تخفّف من القيود المفروضة على شرط توافر "شبه يقين" بأن الضربة ستضرب شخصاً على نحو قانوني على الأرض.

وفي التقرير المعنون: مساعدات مميتة، توضح منظمة العفو الدولية إمكانية تورط المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا وإيطاليا في تقديم المساعدة في ضربات تنفذها طائرات بدون طيار تابعة للولايات المتحدة قد تكون غير مشروعة، وبالتالي يمكن أن تكون قد انتهكت التزاماتها بموجب القانون الدولي. كما يشرح التقرير الضوء كيف يُصعّب مناخ السرية الذي يلف البرنامج، تحديد طبيعة الضمانات التي تتخذها هذه الدول- إن وجدت- كي تتأكد ن أنها لا تساهم في ضربات غير مشروعة تقوم بها هذه الطائرات.

ويستكشف تقرير مساعدات مميتة كيف:

  •  تتبادل المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا المعلومات الاستخبارية مع الولايات المتحدة الأميركية فتمكنها من تحديد الأهداف المحتملة بغية مراقبتها أو توجيه ضربات لها بواسطة طائرات من دون طيار؛
  • تزود كل من ألمانيا وهولندا، الولايات المتحدة بالبيانات الوصفية (على سبيل المثال، معلومات حول الاتصالات مثل زمان ومكان المكالمات الهاتفية) التي يمكن أن تستخدم لاستهداف الأشخاص بالضربات؛
  • تسمح المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا للولايات المتحدة بالعمل من قواعد على أراضيها توفر لها البنية التحتية اللازمة للاتصالات والجهد الاستخباري، بما يمكنها من إرسال هذه المعلومات بين مشغِّلي الطائرات بلا طيار في الولايات المتحدة الأمريكية والطائرات التي تقوم بالضربات المميتة في شتى أنحاء العالم؛
  • تسمح إيطاليا للولايات المتحدة الأمريكية بإطلاق طائرات مسلحة بلا طيار من قاعدة لها في صقلية للقيام بضربات دفاعية.

إن هذه الترتيبات يمكن أن تكون قليل من كثير فحسب، عندما يتعلق الأمر بشبكات الدعم الأوروبية المركّبة والمعقدة التي تقدم الدعم لضربات الطائرات الأميركية من دون طيار.

مساعدات محاطة بالسرية  

أدى انعدام الشفافية الذي يلف برنامج الولايات المتحدة للطائرات بلا طيار إلى عرقلة فرص المساءلة والتماس العدالة من جانب الضحايا وعائلاتهم. وقد وثّق تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية في 2013 كيف أن الضربات الجوية المتعددة من قبل طائرات بلا طيار في باكستان قد أدت إلى وفاة 18 من العمال، بمن فيهم فتى يبلغ من العمر 14 سنة، وامرأة يبلغ عمرها 68 سنة. ولم تعلن الولايات المتحدة الأمريكية في أي وقت عن التزامها بالتحقيق في حالات القتل المحتملة خارج نطاق القضاء التي قامت منظمة العفو الدولية بتوثيقها، أو أن تقدِّم روايتها بشأن ما حدث.

تسمّي الولايات المتحدة الأمريكية هذه عمليات ‘موجهة’، ولكن الأدلة تشير إلى أنها يمكن أن تكون أي شيء باستثناء ذلك.
رشا عبد الرحيم

وحيثما جرى الربط بين المساعدات الأوروبية وضربات غير مشروعة محتملة في إطار برنامج الولايات المتحدة للطائرات من دون طيار، غالباً ما كانت الحكومات المتورطة ترفض إجراء التحقيق أو إعارة أي اهتمام للأمر.

وعلى سبيل المثال، أظهرت وثائق "المقر الرئيسي لحكومة المملكة المتحدة للاتصالات" التي قدمها إدوارد سنودن إلى صحيفة الغارديان، في 2015، كيف أن برنامجاً للمراقبة مقره المملكة المتحدة قد قام في مارس/آذار 2012، بتسهيل توجيه ضربة بطائرة بلا طيار في اليمن استهدفت وقتلت رجلين وصفا بأنهما عضوان في "القاعدة في شبه الجزيرة العربية". وطبقاً لتقارير "مكتب الصحافة الاستقصائية"، أدى الهجوم أيضاً إلى مقتل مدني، وهو رجل يبلغ من العمر 60 سنة، وإصابة ما بين ستة وتسعة مدنيين، بمن فيهم ستة أطفال. ورفض "المقر الرئيسي لحكومة المملكة المتحدة للاتصالات" التعليق على الأمر في ذلك الوقت.

واختتمت رشا عبد الرحيم قائلة، "إن السرية المفرطة التي تحيط ببرنامج الطائرات من دون طيار التابع للولايات المتحدة – بما في ذلك الترتيبات مع الدول الأخرى- قد أدت إلى الغياب التام لمساءلة الولايات المتحدة الأميركية وشركائها الأوروبيين".

"وتُستخدم قضية الأمن القومي كذريعة للتهرب من كل أشكال فحص الضربات. ومن المخيف التفكير في أن الدول الأوروبية تقدم مساعدات يمكن أن لإصدار قرارات تنطوي على إزهاق أرواح البشر دون أي رقابة تذكر أو دون رقابة على الإطلاق".

وقد أثارت منظمة العفو الدولية بواعث قلق خاصة بشأن مدى دقة "المعلومات الاستخبارية الخاصة بالإشارات"- التي كثيراً ما تجمعها الولايات المتحدة الأمريكية من شركاء أجانب وتستعملها في استهداف الأفراد. فطبقاً لتحقيق أجراه موقع "ذي إنترسبت"، تظهر وثائق مسرّبة للبنتاغون أن 90% ممن قتلوا في ضربات بواسطة طائرات للولايات المتحدة من دون طيار، خلال فترة واحدة من خمسة أشهر في 2013 في سياق "عملية هاي ميكر" (حملة عمليات خاصة في شمال شرق أفغانستان) كانوا من الأشخاص غير المستهدفين بالقصف. ومن غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد قامت بإقرار ضمانات منذ ذلك الوقت بشأن استخدام المعلومات الاستخبارية الخاصة بالإشارات. 

ومضت رشا عبد الرحيم تقول: "تسمّي الولايات المتحدة الأمريكية هذه عمليات ‘موجهة’، ولكن الأدلة تشير إلى أنها يمكن أن تكون أي شيء باستثناء ذلك. فعدد القتلى في صفوف المدنيين والأشخاص غير المستهدفين الذي تم توثيقه يعني أن ثمة مخاطرة واضحة في استخدام المعلومات الاستخبارية أو سواها من أشكال المساعدة التي تقدمها الدول الأوروبية من جانب الولايات المتحدة في ضربات غير مشروعة.

"وفي هذه اللحظة الحاسمة، ينبغي على الدول الأوروبية أن تقف إلى جانب حكم القانون وأن تعيد النظر في مساعداتها التي تقدمها لهذا البرنامج الدموي".

إن منظمة العفو الدولية تدعو المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا وإيطاليا إلى الامتناع عن تقديم المساعدات لتنفيذ الولايات المتحدة لضربات جوية بواسطة طائرات بلا طيار، التي يمكن أن تشكل انتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما ينطبق على برنامج الولايات المتحدة للطائرات من دون طيار في جميع الأوقات، أو للقانون الدولي الإنساني، بما ينطبق على تلك الضربات بطائرات بلا طيار التي تنفذ كجزء من نزاع مسلح فعلي.

كما تدعو منظمة العفو الدولية هذه الدول الأربع، حيثما امتنعت عن ذلك، إلى المباشرة بإجراء تحقيقات عامة بشأن مساعداتها المقدمة إلى برنامج الولايات المتحدة للطائرات بلا طيار. ويتعين عليها ضمان إجراء تحقيقات سريعة ووافية ومستقلة وحيادية في جميع الحالات التي تتوافر فيها أسباب معقولة للاعتقاد بأنها قد قدمت مساعدات لشن الولايات المتحدة ضربات بواسطة طائرات بلا طيار، وأدت إلى أعمال قتل غير مشروعة. كما يتعين عليها أن تنشر توضيحاً عاجلاً بشأن ما اتخذت من ضمانات احترازية لضمان عدم تقديم العون والمساعدة للولايات المتحدة في شن الضربات غير المشروعة بطائرات من دون طيار.  

وتحث منظمة العفو الدولية الولايات المتحدة الأمريكية على أن تكشف علناً عن قواعدها الجديدة التي تحدد استخدام القوة المميتة خارج حدود البلاد، بما في ذلك القواعد الخاصة بالاستهداف في عمليات مميتة.

 لا تناهض منظمة العفو الدولية استخدام الطائرات المسلحة بلا طيار، إلا أنها قد دأبت بشكل مستمر على مطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بضمان تقيد استخدامها لهذه الأسلحة بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، حيثما ينطبق ذلك.

انظر المبادئ الأساسية لاستعمال الطائرات بلا طيار المسلحة ونقلها (باللغة الإنكليزية)

ردود الحكومات

بعثت منظمة العفو الدولية بملخص لما توصلت إليه من معطيات ولبواعث قلقها إلى حكومات المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا وإيطاليا. وفي وقت نشر هذا البيان، لم تكن المنظمة قد تلقت رداً سوى من حكومتي هولندا وألمانيا.

حيث قالت هولندا إنها لا تتعاون في شن عمليات قتل موجهة غير مشروعة. كما قالت إن وزير الدفاع قد تبنى، وبدأ بتنفيذ، سلسلة من التوصيات تقدمت بها "لجنة مراجعة الخدمات الاستخبارية والأمنية الهولندية" بشأن ضمانات لحظر تبادل المعلومات الاستخبارية التي يمكن أن تستخدم للاستخدام غير المشروع للقوة من جانب دول أخرى. 

بيد أن الرد أكد كذلك أنه ليست لدى هولندا سياسة خاصة تحكم تقديم المساعدات لعمليات الولايات المتحدة المميتة، بما فيها برنامج الولايات المتحدة للطائرات بلا طيار. وعوضاً عن ذلك، تطبق إطاراً عاماً لتبادل البيانات يجري ضمنه تقييم العوامل المختلفة قبل تبادل البيانات، بما في ذلك احترام القانون الدولي الإنساني وسياسة البلاد في مضمار حقوق الإنسان، حيث يجري إعادة تقييم التعاون بناء على ذلك في بعض الظروف.

أما وزارة الشؤون الخارجية الألمانية فقالت إنها، وفيما يخص الأمور المتعلقة بالخدمات الاستخبارية، لا تستطيع تبادل المعلومات إلا مع لجان الرقابة البرلمانية ذات الصلة، التي تخضع اتصالاتها ومراسلاتها للسرية. وقالت وزارة الخارجية الألمانية إنها لا تستطيع الإجابة على بعض الأسئلة التي أثارتها رسالة منظمة العفو الدولية بسبب الدعاوى القضائية المرفوعة، والمتعلقة بدور ألمانيا في الضربات الجوية التي تقوم بها طائرات بلا طيار تابعة للولايات المتحدة.