مصر: ينبغي التحقيق في وفاة شخص قبطي في الحجز بعد تعرضه للتعذيب بشكل واضح

قالت منظمة العفو الدولية اليوم إنه يجب على السلطات المصرية إجراء تحقيق مستقل ووافٍ ونزيه في ادعاءات بأن ضباط الشرطة عذَّبوا شخصاً حتى الموت داخل أحد أقسام الشرطة في القاهرة خلال الأسبوع الحالي. وحثَّت المنظمة السلطات على أن تضمن توفير الحماية من أية تهديدات أو مضايقات للشهود الذين أدلوا بأقوالهم ضد الجناة المشتبه فيهم.

وكان بعض ضباط الشرطة قد ألقوا القبض، يوم 18 يوليو/تموز 2017، على جمال عويضة، وهو مواطن قبطي يبلغ من العمر 43 عاماً، مع صديق له من أحد المقاهي في المنطقة، واقتادوا الرجلين إلى قسم شرطة منشأة ناصر لاستجوابهما بخصوص إحدى الجنح. وبعد حوالي 15 ساعة، تلقت أسرة جمال عويضة اتصالاً هاتفياً أُبلغت خلاله بوفاته.

وقالت نجية بونعيم، مديرة الحملات لشمال إفريقيا بمكتب تونس الإقليمي لمنظمة العفو الدولية، إن "الأدلة توحي بقوة بأن جمال عويضة تعرض للتعذيب حتى الموت على أيدي الشرطة المصرية، وهذه الوحشية صادمة وقد أصبحت متفشية بشكل كبير. فقد كان من شأن استمرار الإفلات من المساءلة والعقاب على مدى سنوات أن يشجع مرتكبي مثل هذه الانتهاكات في مصر، وأن يطلق العنان لقوات الأمن لكي تقوم بتعذيب المعتقلين وإساءة معاملتهم دون أن يخشوا أية عواقب".

فقد كان من شأن استمرار الإفلات من المساءلة والعقاب على مدى سنوات أن يشجع مرتكبي مثل هذه الانتهاكات في مصر، وأن يطلق العنان لقوات الأمن لكي تقوم بتعذيب المعتقلين وإساءة معاملتهم دون أن يخشوا أية عواقب.
نجية بونعيم، مديرة الحملات لشمال إفريقيا بمكتب تونس الإقليمي لمنظمة العفو الدولية

وأضافت نجية بونعيم قائلةً: "يجب على السلطات أن تبادر فوراً بفتح تحقيق لإلقاء الضوء على ملابسات وفاة جمال عويضة".

وينتشر على نطاق واسع استخدام التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة على أيدي قوات الأمن في مصر، وكثيراً ما يكون ذلك لإجبار المشتبه فيهم على "الاعتراف" في القضايا الجنائية. كما يشيع حدوث وفيات داخل اماكن الاحتجاز بعد التعذيب.

فقبل بضعة أيام، صدر تقريرالاتحاد الأوروبي بشأن مصر، وذلك قبل محادثات رفيعة المستوى بين مسؤولين مصريين وأوروبيين من المقرر أن تُعقد في بروكسل الأسبوع القادم. وسلَّط التقرير الضوء على ممارسات التعذيب والوفيات داخل أماكن الاحتجاز التابعة للشرطة.

وقالت نجية بونعيم: "من المخجل أن السلطات المصرية لم تحاول حتى وقف التعذيب والوفيات في حجز الشرطة بينما تستعد مصر والاتحاد الأوروبي لعقد محادثات تُعد الأعلى مستوى منذ سنوات. ومن ثم، يجب على مسؤولي الاتحاد الأوروبي أن يثيروا هذه القضية مع المسؤولين المصريين خلال اجتماعهم المزمع في بروكسل الأسبوع القادم، وأن يطالبوهم بإجراء تحقيقات فعَّالة في تلك الانتهاكات ومعاقبة مرتكبيها".

وقد تحدثت منظمة العفو الدولية مع ثلاثة من أسرة جمال عويضة، ومع محامي الأسرة وأحد المحامين المعنيين بحقوق الإنسان، وقد حضرا تحقيق النيابة مع الشهود. وتشير المعلومات التي جمعتها المنظمة أن جمال عويضة تعرض للتعذيب حتى الموت، وأن الشرطة حاولت التستر على ذلك بتصوير الأمر وكأنه حادث انتحار.

تشير الأدلة إلى أن جمال عويضة، القبطي البالغ من العمر 43 عاماً، قد تعرض للتعذيب حتى الموت في حجز الشرطة بمصر © Private

وكان ضباط الشرطة الذين ألقوا القبض على جمال عويضة قد اتهموه بتزوير رخص قيادة لسائقي الشاحنات. وعندما فتشه الضباط وجدوا بحوزته رخصتي قيادة، فاستدعوا على الفور الرجلين اللذين دُوِّن اسماهما في الرخصتين لاستجوابهما.

يجب على مسؤولي الاتحاد الأوروبي أن يثيروا هذه القضية مع المسؤولين المصريين خلال اجتماعهم المزمع في بروكسل الأسبوع القادم، وأن يطالبوهم بإجراء تحقيقات فعَّالة في تلك الانتهاكات ومعاقبة مرتكبيها.
نجية بونعيم

وقد تحدث أفراد أسرة جمال عويضة مع صديق قُبض عليه مع جمال ومع شاهدين آخرين قُبض عليهما لاحقاً، واحتُجز الثلاثة مع جمال عويضة في حجز الشرطة. وقال هؤلاء الثلاثة جميعهم إن الشرطة حاولت إجبارهم على الإدلاء بشهادات ضد جمال عويضة. وقال الثلاثة إن ضباط الشرطة بدأوا في الاعتداء عليهم بالضرب لأنهم أنكروا أن يكون جمال عويضة قد خالف القانون، وإن الضباط كانوا يريدون من جمال عويضة أن "يعترف" ومن الثلاثة الآخرين أن يشهدوا ضده.

وقد دخل جمال عويضة في مشادة لفظية مع ضابط الشرطة المسؤول، لأن الضابط كان يسبه ويسب دينه وهو يضربه. وعند هذه النقطة، اقتاد الضباط جمال عويضة إلى جزء آخر من قسم الشرطة. وفي صباح اليوم التالي، وبينما كان أحد الشهود متوجهاً إلى دورة المياه بصحبة أحد أفراد الشرطة، شاهد جمال عويضة ملقى على الأرض في غرفة مجاورة، ولم يعرف إن كان حياً أم ميتاً.

وفي حوالي الساعة الواحدة ظهراً من يوم 19 يوليو/تموز 2017، علمت أسرة جمال عويضة بوفاته من جار لهم تصادف أن كان في قسم الشرطة. وعندما استفسرت الأسرة عن جمال عويضة في قسم الشرطة، أخبرهم الضباط في البداية بأنه يتم الإعداد لنقله إلى النيابة للتحقيق معه. وبعد حوالي ساعة، أخبرهم الضباط في قسم الشرطة بأنه انتحر بشنق نفسه.

وفيما بعد، أبلغت النيابة أسرة جمال عويضة أن تقرير مصلحة الطب الشرعي قد أفاد بأن الوفاة نجمت عن "هبوط حاد في الدورة الدموية، مع وجود شبهة جنائية".

كما علمت منظمة العفو الدولية من أحد أقارب جمال عويضة أنه شاهد كدمات وسحجات على الجزء العلوي من جسد جمال وعلى ساقيه، مما يوحي باحتمال تعرضه للتعذيب. وشكك هذا القريب بقوة في الادعاء القائل بأن جمال عويضة قد تمكن من الحصول على حبل لشنق نفسه، بالنظر إلى أنه كان قد تم تفتيشه ومصادرة جميع ما بحوزته بمجرد وصوله إلى قسم الشرطة.

وقال شقيق جمال عويضة لمنظمة العفو الدولية: "جمال ميسور الحال، و رجل سعيد في حياته ولديه طفلان، ولا يوجد أي مبرر للانتحار. احنا عايزين حقه وعايزين معاقبة المسؤولين عن وفاته".

وكان مسؤولو النيابة والشرطة قد مارسوا ضغوطاً على أسرة جمال عويضة لكي تتسلم جثته، ولكن الأسرة رفضت في أول الأمر استلام الجثة إلا إذا أُبلغت بأسباب وفاته، لأن الكنيسة لن تقيم قداس صلاة الجنازة إذا تقرر أن المتوفى قد انتحر. وقد تسلمت الأسرة الجثة أمس، وأُقيم قداس صلاة الجنازة في الكنيسة.

وقد أُفرج عن الشهود الثلاثة مساء يوم 19 يوليو/تموز 2017، بعدما أدلوا بأقوالهم أمام النيابة فيما يتصل بوفاة جمال عويضة، كما أدلى ضباط الشرطة بأقوالهم. وفي وقت لاحق من الليلة نفسها، استُدعي الشهود مرة أخرى إلى قسم الشرطة لمزيد من التحقيقات، ولكنهم لم يذهبوا خوفاً من أن يكون هذا محاولة للضغط عليهم لتغيير أقوالهم. كما تقدمت أسرة جمال عويضة بشكوى إلى مكتب النائب العام، ذكرت فيها أنه تعرض للتعذيب حتى الموت.