إيران: أشرطة فيديو دعائية مروعة تُصوِّر "اعترافات" قسرية لرجال من السُنَّة تم إعدامهم

في تقرير جديد نُشر اليوم قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات الإيرانية استخدمت أساليب دعائية فجَّة لتجريد ضحايا عقوبة الإعدام من الصفة الإنسانية في عيون الجمهور، وتحويل الأنظار عن المحاكمات المشوبة بالمثالب الجسيمة التي أدت إلى إصدار أحكام الإعدام.

ويسلط التقرير المعنون بــ:"عرض الظلم على شاشات التلفزة، التبجح بالقتل الجماعي" الضوء على كيفية إطلاق السلطات الإيرانية حملة إعلامية عقب تنفيذ عمليات الإعدام الجماعي لخمسة وعشرين رجلاُ سُنياً متهمين بالتورط مع جماعة مسلحة في 2 أغسطس/آب 2016، وذلك بإغراق النوافذ الإعلامية الخاضعة لسيطرة الدولة بالعديد من أشرطة الفيديو التي تُظهر "اعترافات" قسرية في محاولة لتبرير عمليات الإعدام.

وقال فيليب لوثر، مدير الأبحاث وأنشطة كسب التأييد في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة العفو الدولية: "إن السلطات الإيرانية بعرضها السجناء المحكومين بالإعدام على شاشة التلفزة الوطنية، إنما تحاول على نحو مكشوف إقناع الجمهور "بذنب" أولئك السجناء، ولكنها لا تستطيع إخفاء الحقيقة التي تقول إن الرجال الذين أُعدموا اُدينوا بارتكاب جرائم وُصفت بعبارات غامضة وفضفاضة، وحُكم عليهم بالإعدام إثر محاكمات جائرة بشكل صارخ."

ليس هناك من مبرر على الإطلاق لانتزاع "اعترافات" تحت وطأة التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة، أو عرضها بواسطة أفلام فيديو تقشعر لها الأبدان
فيليب لوثر، مدير الأبحاث وأنشطة كسب التأييد في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة العفو الدولية

وأضاف لوثر يقول: "إن على عاتق السلطات الإيرانية يقع واجب تقديم الأشخاص الذين ينفذون هجمات مسلحة تسفر عن مقتل مدنيين. بيد أنه ليس هناك من مبرر على الإطلاق لانتزاع "اعترافات" تحت وطأة التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة، أو عرضها بواسطة أفلام فيديو تقشعر لها الأبدان، الأمر الذي يشكل انتهاكاً خطيراً لحقوق السجناء ويحرمهم مع عائلاتهم من الكرامة الإنسانية."

إن لأشرطة فيديو "الاعترافات" الممسرحة عناوين مثيرة للغرائز والأحاسيس، من قبيل "بين يدي الشيطان" و "غياهب الظلام"، ولها خلفية موسيقية ميلودرامية. وفي بعض الأشرطة تم قطع المشاهد على الطريقة السينمائية بتعليقات من قبيل: "تتمة" أو "للحديث صلة" أو "يأتيكم قريباً" وذلك لرفع وتيرة التأثير الدرامي.

"الاعترافات القسرية"

في رسائل سُجلت داخل السجن وأُرسلت عبر الإنترنت باستخدام هاتف خليوي أمام الكاميرا عقب التعرض للتعذيب على مدى أشهر في مراكز الاعتقال التابعة لوزارة الاستخبارات، حيث احتُجزوا في الحبس الانفرادي لمدة طويلة. وتحدث هولاء عن تعرضهم للركل واللكم والضرب بالهروات الكهربائية والجَلد والحرمان من النوم والغذاء والدواء.

وقال مختار رحيمي: "شعرتُ بأنني لم يعد لدي أية خيارات أخرى...ولم يعد باستطاعتي تحمُّل المزيد من المعاملة السيئة والتعذيب... وقد اقتادني [موظفو المخابرات] ووضعوني أمام كاميرا وقالوا لي إن قضيتي سيتم إغلاقها، وسيطلقون سراحي إذا قلتُ لهم ما يطلبونه مني.  وأضاف رحيمي، وهو أحد الرجال الذين أُعدموا في وقت لاحق، إن الأقوال التي أدلى بها استخُدمت حينئذ لإدانته.

اقتادني [موظفو المخابرات] ووضعوني أمام كاميرا وقالوا لي إن قضيتي سيتم إغلاقها، وسيطلقون سراحي إذا قلتُ لهم ما يطلبونه مني
مختار رحيمي، أحد الذين أجبروا على تقديم اعترافات قسرية

وقال رجل آخر اسمه كفاح شريفي إنه طُلب منه حفظ ست صفحات من نص مكتوب مُعّد من قبل وزارة الاستخبارات:

"تمرنتُ لمدة ساعتين يومياً إلى أن حفظتُ المعلومات كلياً.. حتى أنهم وصفوا لي كيف أحرِّك يدي واحتفظ بوجه باسم كي لا يشتبه أحد بأنني كنت محتجزاً في الحبس الانفرادي أو تعرضت للمعاملة السيئة."

وبالإضافة إلى إصدار أفلام فيديو دعائية، أصدرت السلطات الإيرانية سلسلة من البيانات المثيرة للغضب التي تصف الرجال المعدومين بأنهم مجرمون بشعون يستحقون العقاب الذي حلّ بهم. وكما هي الحال في "اعترافات" الفيديو، فإن البيانات تتضمن وصفاً مضلِّلاً للأحداث، وتحطُّ من كرامة الرجال المصوَّرين وسمعتهم، وتعزو لهم جماعياً طيفاً واسعاً من الأنشطة الجنائية، ولا توضح ما هي علاقة كل منهم بالحوادث الموصوفة.

أفلام الفيديو الدعائية

من بين الأشخاص المصورّين في أفلام فيديو" الاعترافات" كفاح شريفي وكفاح فيسي وشهرام أحمدي وإدريس نماتي، الذين كانوا بين 25 رجلاً أُعدموا في 2 أغسطس/آب 2016. كما تُظهر أفلام الفيديو بشكل بارز كلاً من لقمان آميني وبشير شهنزاري وسمان محمدي وشوريش علي مرادي، وهم الرجال الأربعة الذين كانوا محتجزين في مركز الاعتقال التابع لوزارة الاستخبارات في سنانداج بإقليم كردستان منذ القبض عليهم.

وفي أشرطة الفيديو يقلل هولاء الرجال من شأن أنفسهم، ويصفون أنفسهم بأنهم "إرهابيون" يستحقون العقاب. و"يعترفون" بأنهم ضالعون مع جماعة تُدعى "التوحيد والجهاد"، يقولون إنها نفذت هجمات مسلحة، وخططت لتنفيذ عمليات اغتيال "للكفار". وفي بعض تلك الأشرطة يقارنون أنفسهم بالجماعة المسلحة التي تطلق على نفسها اسم "الدولة الإسلامية"، ويحذرون بالقول "إننا كنا سنرتكب فظائع أبشع من تلك التي اقترفها تنظيم الدولة الإسلامية لو لم يتم توقيفنا". ويتم قطع "الاعترافات" بمشاهد تظهر الفظائع التي نفذها تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا والعراق؛ وذلك في محاولة واضحة لاستغلال مخاوف الشعب الإيراني من التهديدات الأمنية المحدقة بأماكن أخرى في المنطقة لتبرير إعدام أولئك الرجال.

كما تظهر في أشرطة الفيديو عدة أشكال من عدم الاتساق، تبين أن من المرجح أن يكون قد كُتبت نصوص لتلك "الاعترافات". وفي بعض الحالات يتم ربط الرجال بجرائم وقعت قبل أشهر من القبض عليهم، أو أن طبيعة ضلوعهم في الجرائم المنسوبة إليهم تختلف اختلافاً هائلاً من شريط فيديو إلى آخر.

وتوضِّح أشرطة فيديو "الاعترافات" إلى أي مدى انتهكت المخابرات، وقوات الأمن الإيرانية، حق أولئك الرجال في افتراض البراءة، فضلاً عن حق الشخص في عدم ارغامه على تجريم نفسه.

وأُدين الرجال بارتكاب جريمة فظيعة مصاغة بعبارات غامضة وهي: "العداء لله" من خلال "عضوية جماعة سلفية سنية"، وتنفيذ هجمات مسلحة وعمليات اغتيال. بيد أن العديد من أولئك الرجال نفوا مراراً ضلوعهم في مثل تلك الأنشطة خلال السنوات التي قضوها في ظل أحكام الإعدام.

ولا تستطيع منظمة العفو الدولية تأكيد أي من تلك الروايات المعارضة، وذلك بسبب السرية التي تحيط بالمحاكمات. بيد أن بحوث المنظمة تبين أن محاكمات أولئك الرجال كانت جائرة بشكل صارخ؛ فقد حُرموا جميعاً من توكيل محامين في مرحلة التحقيق، وقالوا إنهم تعرضوا للتعذيب بهدف الإدلاء "باعترافات" استُخدمت حينئذ لإدانتهم.

وكدولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تعتبر إيران ملزمة بحظر التعذيب ومنع وقوعه ومعاقبة مرتكبيه، وبالامتناع عن قبول "الاعترافات" المنتزعة تحت وطأة التعذيب كأدلة، وضمان المحاكمة العادلة لجمع المتهمين بارتكاب جريمة ما. ونظراً لطبيعة عقوبة الإعدام التي لا يمكن الرجوع عنها، فإن من المهم للغاية في مثل هذه المجالات أن تتم مراعاة الضمانات الدولية للمحاكمات العادلة على نحو صارم.

وقد أنتجت أفلام الفيديو، وبثتها وسائل إعلام مختلفة مرتبطة بالدولة، ومن بينها إذاعة جمهورية إيران الإسلامية (إريب)، و"بريس تي في"، ومنظمة تدعى "جمعية هبيليان". إن أية هيئة خاضعة لسيطرة الدولة، ومتورطة في إنتاج أشرطة فيديو خاصة "بالاعترافات"، تتحمل المسؤولية عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تُرتكب ضد الرجال الذين يظهرون في إنتاجها، وضد عائلاتهم.

يتعين على السلطات الإيرانية أن تتوقف فوراً عن إنتاج وبث "الاعترافات" المنتَزعة تحت وطأة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة
فيليب لوثر

وبعد مرور ثلاثة أشهر على تنفيذ عمليات الإعدام الجماعي، لم تقدم السلطات الإيرانية معلومات حول الأنشطة الجنائية التي كان كل من الرجال الذين أُعدموا قد اتُهم أو أُدين بارتكابها. وهذا أمر يشكل انتهاكاً لالتزامات إيران بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان بإصدار أحكام عامة في جميع القضايا الجنائية، مع توضيح الأدلة والأسباب القانونية التي استندت إليها الإدانة والحكم.

ومضى فيليب لوثر يقول:"يتعين على السلطات الإيرانية أن تتوقف فوراً عن إنتاج وبث "الاعترافات" المنتَزعة تحت وطأة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. كما يتعين عليها كشف الستار عن السرية التي اكتنفت إجراءات المحاكمة، وضمان أن تصدر المحاكم أحكاماً منطقية جداً، وأن تتم إتاحتها للجمهور."

إن منظمة العفو الدولية تدعو السلطات الإيرانية إلى الإعلان رسمياً عن وقف تنفيذ عمليات الإعدام فوراً بهدف إلغاء عقوبة الإعدام نهائياً.

خلفية

لقد كان الرجال الخمسة والعشرون الذين أُعدموا في 2 أغسطس/آب 2016، جزءاً من مجموعة أكبر من الرجال السُنة، وقُبض على معظمهم في الفترة بين عام 2009 وعام 2011، عندما وقع عدد من الصدامات المسلحة والاغتيالات في إقليم كردستان الإيراني. وفي الوقت الذي اعترفت السلطات بتنفيذ 20 عملية إعدام في ذلك اليوم، فإن منظمة العفو الدولية تلقت معلومات موثوقة حول وقوع خمس عمليات إعدام إضافية، وبذلك ارتفع مجموع حالات الإعدام إلى 25 حالة.

منذ 26 أكتوبر/تشرين الأول 2016 تم تنفيذ 457 حكمًا بالإعدام على الأقل في إيران حتى اليوم، ولكن من المرجح أن يكون الرقم الحقيقي أكبر من ذلك.

ولا يزال عشرات الرجال يُحكمون بالإعدام، ومن بينهم برزان نصر الله زادة، الذي قُبض عليه عندما كان دون سن الثامنة عشرة.

إن منظمة العفو الدولية تعارض عقوبة الإعدام في جميع الحالات بلا استثناء، وبغض النظر عن طبيعة ملابسات الجريمة، أو الذنب أو البراءة أو غيرها من خصائص الفرد؛ أو الأسلوب الذي تستخدمه الدولة لتنفيذ الإعدام. وتناضل المنظمة من أجل الإلغاء التام لعقوبة الإعدام.