الفرار من الفلوجة

بقلم ديانا الطحاوي

ثمة روايات مروِّعة يرويها أهالي مدينة الفلوجة العراقية، الذين تمكنوا خلال الأيام الأخيرة من الفرار من المدينة، التي تخضع لسيطرة الجماعة المسلحة التي تُطلق على نفسها اسم تنظيم "الدولة الإسلامية"، وترسم هذه الروايات صورةً مخيفةً لمدنيين يتضورون جوعاً ويعيشون في خوفٍ دائمٍ تحت نيران القصف.

فمنذ بدايةالهجوم العسكري الذي شنته القوات العراقية لاستعادة مدينة الفلوجة، يوم 23 مايو/أيار 2016، تعالت أصوات عدَّة، من بينها الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية ومنظمات معنية بحقوق الإنسان، مناشدةً بالحفاظ على أرواح وسلامة ما يقرب من 50 ألف مدني ما زالوا يعيشون بين شقي الرحى في المدينة المُحاصرة.

ولما كان مقاتلو تنظيم "الدولة الإسلامية" يمنعون استخدام الهواتف والإنترنت ويقمعون بوحشية أي شكل من أشكال المعارضة وجميع سُبل الاتصال بالعالم الخارجي، فقد أصبح من المستحيل تقدير مدى معاناة المدنيين في الفلوجة على وجه الدقة.

إلا إن أهالي المدنية الذين تمكنوا من الفرار قصوا على مندوبي منظمة العفو الدولية روايات مؤلمة عن المخاطر التي يمكن أن يواجهها الفارون، ومن بينها الوقوع في أسر مقاتلي "الدولة الإسلامية"ومن ثم الإعدام في الحال، والطرق الوعرة التي تنتشر فيها الألغام وغيرها من مخلفات الحرب من المواد المتفجرة، بالإضافة إلى خطر الاعتقال وغيره من الهجمات الانتقامية على أيدي وحدات "الحشد الشعبي" التي تدعمها الحكومة العراقية ( ميليشيات أغلب أفرادها من الشيعة).

ومن بين الذين تحدثوا مع منظمة العفو الدولية واحدة من سكان ضواحي الفلوجة، تمكنت من الفرار ووصلت إلى مخيم للنازحين داخلياً في مدينة عامرية الفلوجة، يوم 24 مايو/أيار 2016. وقد وصفت الوضع البائس داخل المدنية، التي ترزح تحت الحصار منذ عدة شهور، قائلتاً:

"لا يوجد أي شيء في الفلوجة: لا طعام ولا خدمات صحية ولا كهرباء ولا غاز... كنا نحضرُ المياه من ضفة [النهر]؛ ونُخرجُ حبات البلح المخزونة منذ خمس سنوات لكي نطعم أطفالنا... كنا نعيش تحت قصف شديد... ماتت ابنة أختي من جراء القصف قبل ستة شهور، كما مات اثنان آخران من أقاربي... ومنذ أن وصلت هنا، علمت أن اثنين آخرين من أبناء عمومتي قد قُتلا".

وهناك رجلٌ آخر وصل إلى المخيم يوم 23 مايو/أيار 2016، وروى لمنظمة العفو الدولية تفاصيل رحلته عبر الطرق الوعرة من أجل الهرب من ضواحي الفلوجة. وقال الرجل إنه ومعه 87 شخصاً آخرين بينهم أطفال وكهول، ساروا لمدة أربع ساعات وخاضوا عبر مصارف للمياه، وتعرضوا لإطلاق نار من قوات تنظيم "الدولة الإسلامية". ومضى الرجل قائلاً:

"أُصيب أخي، البالغ من العمر 11 سنة، في ساقه، وحملته على كتفي بقية الطريق... سمعتُ أن امرأةً وطفلها الصغير قد قُتلا في تلك الليلة على الطريق... كنا نعرفُ أن الرحلة ستكون صعبة، ولكن لم يكن بوسعنا أن نبقى [في المدينة]... الوضع في المدينة يبعثُ على اليأس... الناس يموتون جوعاً، والبعض يُقدمون على الانتحار".

وهناك امرأة خاضت غمار الرحلة نفسها في اليوم التالي مع 19 عائلة أخرى، وقالت لمنظمة العفو الدولية إن مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" يمنعون الناس من الرحيل. وأضافت قائلةً:

"كان لزاماً علينا أن نتسلل ويتم تهريبنا... كانت رحلة شاقة جداً، كنا نسير حيناً ثم نجلس لنرتاح... لم نأخذ معنا أي شيء، لم نأخذ سوى أطفالنا على ظهورنا... حذرنا البعض من وجود ألغام على الطريق، وسمعنا أن امرأة داست على لغم وماتت".

ومن جهة أخرى، وجَّه رئيس الوزراء العراقي خيدر العبادي وآية الله علي السيستاني، وهو أبرز مرجع شيعي في العراق، مناشدةً إلى القوات التي تحاول استعادة الفلوجة بأن توفر الحماية للمدنيين. حتى الآن حتى الآن لا توجد مؤشرات على مدى الالتزام بتوفير هذه الحماية، حيث ترد أنباءٌ عن تعرض المدنية لقصف كثيف. ويجب على القوات العراقية أن تتخذ جميع الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين، وأن تكف عن استخدام الأسلحة الانفجارية التي يمتد تأثيرها على مناطق واسعة، بما في ذلك قذائف المدفعية والهاون، في المناطق الي يسكنها مدنيون. كما أعرب بعض أهالي المدنية لمنظمة العفو الدولية عن مخاوفهم من أن يلجأ تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى استخدام المدنيين كدروع بشرية، وخاصةً في وسط المدينة، وهو الأمر الذي يُعد انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني.

ويُحتمل أن يكون بعض أهالي الفلوجة الآخرين قد أحجموا عن مغادرة المدينة خوفاً من التعرض للانتقام والعقاب على أيدي الميليشيات بسبب الظن بأنهم يؤيدون تنظيم "الدولة الإسلامية". ففي فيديو انتشر بشكل واسع على الإنترنت عشية عملية استعادة الفلوجة، دعا أوس الخفاجي، قائد ميليشيا أبو الفضل العباس، وهي إحدى فصائل "وحدات الحشد الشعبي"، إلى "تطهير" مدينة الفلوجة، التي وصفها بأنها منبع "الإرهاب". ومن الضروري أن تسهِّل السلطات العراقية خروج المدنيين الراغبين في المغادرة من الفلوجة بشكل آمن، وأن تمنع أية هجمات انتقامية.

وقال بعض الأهالي الذي فروا من الفلوجة لمنظمة العفو الدولية إن جميع الرجال اعتُقلوا في بادئ الأمر، وكان ذلك على ما يبدو لفحصهم أمنياً واستجوابهم.

وقال أحد الرجال الفارين: "بمجرد أن رأينا قوات الجيش، رفعنا الرايات البيضاء. فصلوا الرجال عن النساء والأطفال... وأخذونا [نحن الرجال] إلى مديرية [مركز شرطة] عامرية الفلوجة، وبقينا هناك ثلاث ليالٍ، واستجوبنا ضباط يرتدون الزي العسكري".

وأضاف الرجل إنهم نُقلوا بعد ذلك إلى إحدى وحدات الجيش، وهم معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي. وعند نقاط التفتيش كانوا يتعرضوا للركل والسب والضرب من أفراد "وحدات الحشد الشعبي". وفي نهاية المطاف، أُطلق سراحهم بعدما تم التحقق من أسمائهم من خلال قاعدة بيانات على الحاسوب.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن حوالي 800 شخص قد فروا من المدينة وضواحيها منذ 22 مايو/أيار 2016. ومع استمرار فرار السكان، فمن المرجح أن نسمع مزيداً من الروايات المروِّعة خلال الأيام القادمة. وكل أملنا أن يُتاح لهؤلاء السكان الخروج بشكل آمن من المدينة، وأن يكون بوسعهم العودة إلى بيوتهم وعائلاتهم يوماً ما. أما هؤلاء الذين مازالوا محاصرين داخل الفلوجة، فيجب أن تُوفر لهم مساعدات إنسانية فوراً، بما يكفل ألا يموت أحدٌ من الجوع في المدينة.