خطوتان صغيرتان على الطريق الطويل نحو إقرار العدالة بشأن الفظائع التي وقعت في سوريا

بقلم Neil Sammonds, Syria Researcher

قد تمثل المفاوضات المقرر استئنافها في جنيف في 11 إبريل/نيسان 2016، والحد من العمليات القتالية في سوريا في الفترة الأخيرة، خطوتين مهمتين نحو إيجاد حل سلمي للاضطرابات التي تعم البلاد منذ ما يزيد على خمس سنوات. وما من أحد لا يرحب بأن تصمت المدافع نهائياً، وبأن تنتهي معاناة المدنيين.

ومن الضروري، في ظل جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وغيرها من الانتهاكات التي تُرتَكَب في سوريا بمنأى عن العقاب، أن تكون العدالة، والحقيقة، وجبر الضرر من بين المكونات الأساسية لأي اتفاق. ولا بد من تقديم من أمروا بارتكاب مثل هذه الجرائم، أو ارتكبوها، أو سمحوا بارتكابها إلى العدالة. ومع ذلك، فهذه الركيزة الأساسية ليست مدرجة ضمن جدول الأعمال في جنيف، وهي عرضة للتضحية بها من أجل المواءمة السياسية.

 

ومن الضروري، في ظل جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وغيرها من الانتهاكات التي تُرتَكَب في سوريا بمنأى عن العقاب، أن تكون العدالة، والحقيقة، وجبر الضرر من بين المكونات الأساسية لأي اتفاق.
نيل ساموندز، باحث في الشؤون السورية بمنظمة العفو الدولية

 

 

ومن الجَلِيّ عدم وجود أي محكمة في سوريا قادرة على سد فجوة عجز العدالة. فالنظام القضائي في سوريا خاضع إلى حد بعيد للسلطات السياسية وأجهزة الأمن والمخابرات. وعلى مدى السنوات الخمس الأخيرة، احتُجِزَ عشرات الآلاف من المدنيين دون محاكمة، واختفوا قسراً في كثير من الحالات. وتوفي الآلاف في الحجز.

التقاعس عن التصدي للإفلات من العقاب

لقد بات واضحاً خلال بضعة أشهر من بداية الأزمة مدى خطورة ونطاق الانتهاكات والإفلات من العقاب في سوريا. ومع ذلك، فقد تقاعس مجلس الأمن الدولي بشكل مزرٍ عن إحالة الوضع في سوريا إلى التحقيق لدى المدعي العام "للمحكمة الجنائية الدولية"، برغم النداءات المتكررة من جانب المنظمات الدولية، وما لا يقل عن 65 دولة، والأمين العام للأمم المتحدة نفسها. وكان من شأن تحقيق تجريه "المحكمة الجنائية الدولية" أن يكون تحذيراً واضحاً للقادة الذين يأمرون بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وكان من الممكن لمجلس الأمن كذلك أن يشكل محكمة جنائية دولية خاصة، مثلما أنشأ المحكمتين الجنائيتين الدوليتين الخاصتين برواندا ويوغوسلافيا؛ وما زال هذا احتمالاً بعيداً في الوقت الراهن على ما يبدو. ومن بين البدائل الأخرى إنشاء محكمة جنائية ذات مشاركة دولية بخصوص سوريا، كما حدث في حالتي سيراليون وكمبوديا. ومن الصعب تصور إمكان إنشاء مثل هذه المحكمة وتمتعها بالفعالية دون موافقة الحكومة السورية، وهذه الموافقة مستحيلة حالياً. والبديل لذلك أن توافق دولة مجاورة على إنشاء محكمة في أراضيها، لكن هذا أيضاً ما زال احتمالاً صعب التحقق، خصوصاً وأن كثيراً من جيران سوريا صاروا هم أنفسهم ضالعين بشكل مباشر في الصراع.

ونتيجة لهذه العراقيل بات السبيل الوحيد الواقعي للتصدي للإفلات من العقاب حالياً هو أن تمارس السلطات الوطنية في الدول الأخرى الولاية القضائية العالمية، أو أي شكل أخر من الولاية القضائية خارج إقليمها، على الجرائم المُعَرَّفَة في القانون الدولي، بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

ونتيجة لهذه العراقيل بات السبيل الوحيد الواقعي للتصدي للإفلات من العقاب حالياً هو أن تمارس السلطات الوطنية في الدول الأخرى الولاية القضائية العالمية، أو أي شكل أخر من الولاية القضائية خارج إقليمها، على الجرائم المُعَرَّفَة في القانون الدولي، بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
نيل ساموندز

ويتيح خروج أعداد كبيرة من المواطنين من سوريا فرصاً جديدة لجمع أدلة على الانتهاكات من الضحايا وشهود العيان، والتحقيق في الجرائم، وملاحقة الأشخاص المشتبه بارتكابهم لتلك الانتهاكات قضائياً. ومن بين هؤلاء بعض الأشخاص الذين يسعون للجوء أو يشاركون في أعمال تجارية أو مفاوضات. وتشدد منظمة العفو الدولية على أن كل من يسعى للجوء هرباً من الصراع في سوريا ينبغي منحه ملاذاً آمناً.

ومن حق الدول وواجبها التحقيق في مزاعم أن أفراداً في نطاق ولايتها القضائية يُحتَمَل أن يكونوا قد ارتكبوا جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية، أو غيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وإذا كان لهؤلاء الأشخاص المشتبه بهم وضع دبلوماسي، أو وضع آخر يتيح لهم امتيازات، فينبغي في هذه الحالة التحقق مما إذا كان مثل هذا الوضع يضفي حصانة، وما هي الظروف التي يمكن فيها إزالة هذا الوضع، إذا كان ثمة وجود لمثل هذه الظروف، ومن الذي يمكنه إزالته. ويجب على منظمات المجتمع المدني وغيرها أن تتوخي اليقظة، وتكون على بينة من المنظمات القانونية والأفراد الأكثر قدرة على تقديم المشورة وتقديم شكاوى جنائية متى تطلب الأمر ذلك.

وقد تسنح فرص السعي لتطبيق العدالة الدولية بشكل مفاجئ، ومن ثَمَّ فهي تتطلب الاستعداد والتحرك بشكل سريع وحاسم.

الخطوات الأولى لمجابهة الفظائع

يمكن لما لا يقل عن 166 دولة ممارسة الولاية القضائية العالمية على نوع واحد، على الأقل، من الجرائم المنصوص عليها في القانون الدولي – جرائم الحرب عادة – بغض النظر عن جنسية المشتبه به أو الضحية. وفي الشهور الأخيرة فتحت دول من بينها ألمانيا، والسويد، وفرنسا تحقيقات في هذا الإطار في حوادث يُشتَبَه في أنها جرائم دولية وقعت في سوريا. ففي يناير/كانون الثاني 2016، ترددت أنباء تفيد بأن رجلاً سورياً اعتُقِلَ في ألمانيا للاشتباه في ارتكابه جرائم حرب فيما يتصل باختطاف مراقب للأمم المتحدة في سوريا. وفي السويد، مثل طالب لجوء سوري أمام المحكمة متهماً بجرائم حرب ارتُكِبَت في سوريا. وفي فرنسا، يجري التحقيق مع طالب لجوء سوري لمزاعم ضلوعه في تعذيب معارضي الحكومة وقتلهم. وفي الشهر الماضي فقط وُجِّهَت تهم جنائية إلى طالب لجوء سوري في السويد فيما يتعلق بالاشتباه في ضلوعه في قتل جنود حكوميين أسرى.

وينبغي للدول التي ذهب بعض مواطنيها إلى سوريا للقتال أن تحقق أيضاً في أي مزاعم تفيد بارتكابهم جرائم منصوص عليها في القانون الدولي، وأن تسعى، إذا توفرت أدلة مقبولة كافية وكان القانون يتيح ذلك، إلى محاكمتهم أمام محاكمها الوطنية.

وعلى الدول التي صدقت على "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة" و"الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري" واجب واضح يتمثل في ممارسة ولايتها على مثل هذه الجرائم التي يُزعَم أن مواطنيها ارتكبوها في الخارج. وتحقق السويد، وألمانيا كذلك، بجد بشأن العائدين من الصراع في سوريا. وفي ديسمبر/كانون الأول 2015، حكمت السويد على اثنين من مواطنيها بالسجن مدى الحياة لدورهما في حوادث قتل ارتكبتها الجماعة المسلحة التي تطلق على نفسها اسم "الدولة الإسلامية".

وهذه التحركات التي يقوم بها المجتمع الدولي محدودة، لكنها خطوات ذات مغزى عميق في الاتجاه الصحيح.
نيل ساموندز

وهذه التحركات التي يقوم بها المجتمع الدولي محدودة، لكنها خطوات ذات مغزى عميق في الاتجاه الصحيح. غير أن النطاق الهائل للانتهاكات والإفلات من العقاب عليها في سوريا تتضاءل إلى جانبه الجرائم التي تُعنى بها هذه التحركات والأفراد المتأثرين بها.

وثمة بعض الشكوك المتعلقة بأن الأشخاص المشتبه في ارتكابهم جرائم من الجانب الحكومي، الذي تتحمل قواته المسؤولية عن الأغلبية العظمى من الانتهاكات الخطيرة في سوريا، ليس مرجحاً أن يسافروا إلى خارج البلاد. لكن هذا قد يتغير. وينبغي للدول التي تملك القدرة على إجراء تحقيقات ومحاكمات، والتي تلتزم بذلك، أن تتأكد من استعدادها للتحرك على وجه السرعة.

وواقع الحال أن الحجم الهائل للظلم والإفلات من العقاب السائدين في سوريا يفرض ضرورة أن يبدأ السير على الطريق إلى العدالة، والحقيقة، وجبر الضرر حيثما أمكن البدء، ولما كان الأمر كذلك فأي فرص تسنح ينبغي أن تُستَغَل وأن يتم الانطلاق منها.

نيل ساموندز هو باحث شؤون سوريا، ولبنان، والأردن في منظمة العفو الدولية. وقد اضطلع منذ عام 2003 بالدور القيادي في كتابة العديد من التقارير واالتقارير الموجزة بشأن نطاق عريض من الموضوعات، مثل التمييز ضد أبناء الأقلية الكردية في سوريا، والتعذيب وسوء المعاملة في الأردن، والمفقودين في لبنان، والمحكمة الخاصة بلبنان، وحصار اليرموك، والغارات الجوية الروسية على مناطق مدنية في سوريا، واللاجئين من سوريا. ويمكن متابعته على تويتر @neilsai

وقد نشر هذا المقال للمرة الأولى على موقع الجوريست