مصر: حملة لم يسبق لها مثيل على المنظمات غير الحكومية

نشطاء حقوق الإنسان عرضة للملاحقة القضائية ومنعهم من التصرف في أموالهم

استدعت السلطات المصرية في الأسابيع الأخيرة العديد من العاملين في مجال حقوق الإنسان للتحقيق معهم، ومنعت بعضهم من السفر، وحاولت منعهم هم وأسرهم من التصرف في أموالهم. وقالت 13 منظمة دولية اليوم إن هذه الخطوات تشير إلى أن تحقيقاً بدأ قبل خمس سنوات في تمويل جماعات حقوق الإنسان المستقلة، وتسجيلها قد يسفر قريباً عن توجيه تهم جنائية.

وقالت المنظمات إنه ينبغي للسلطات أن تكف عن اضطهاد هذه الجماعات وأن تحفظ التحقيق الذي قد يهدد المدافعين عن حقوق الإنسان بالسجن مدداً أقصاها 25 عاماً.

وقال سعيد بومدوحة، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: "يتعرض المجتمع المدني في مصر للتهديد كعدو للدولة، بدلاً من أن يُعَامَلَ كشريك في الإصلاح والتقدم."

يتعرض المجتمع المدني في مصر للتهديد كعدو للدولة، بدلاً من أن يُعَامَلَ كشريك في الإصلاح والتقدم.
سعيد بومدوحة، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية

وقد بدأ التحقيق في تمويل الجمعيات المحلية والأجنبية في يوليو/تموز 2011، بعد خمسة أشهر من الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك، وأدى بالفعل إلى أحكام بالإدانة وإغلاق مكاتب خمس منظمات دولية غير حكومية في مصر. وتتولى التحقيق الآن لجنة تتألف من ثلاثة قضاة اختارتهم "محكمة استئناف القاهرة" بطلب من وزارة العدل.

ووفقاً للقانون المصري، يمكن للنيابة العامة أن توجه تهماً إلى المدافعين البارزين عن حقوق الإنسان لعملهم دون تسجيل رسمي، أو قبولهم تمويلاً أجنبياً دون تصريح حكومي. ويقرر تعديل لقانون العقوبات، اعتمده الرئيس عبد الفتاح السيسي في سبتمبر/أيلول 2014، السجن المؤبد (يعني في مصر السجن 25 عاماً) كعقوبة قصوى للتهمة الأخيرة.

وقال نديم حوري، نائب مدير شؤون الشرق الأوسط في منظمة "هيومن رايتس ووتش": "لقد تجاوزت السلطات المصرية مرحلة إثارة الذعر، وتتخذ الآن بوتيرة سريعة خطوات محددة لإخراس آخر الأصوات المنتقدة في مجتمع حقوق الإنسان في البلاد."

لقد تجاوزت السلطات المصرية مرحلة إثارة الذعر، وتتخذ الآن بوتيرة سريعة خطوات محددة لإخراس آخر الأصوات المنتقدة في مجتمع حقوق الإنسان في البلاد.
نديم حوري، نائب مدير شؤون الشرق الأوسط في منظمة "هيومن رايتس ووتش"

استخدام أداتي المنع من التصرف في الأموال والمنع من السفر للتضييق على المعارضة

تسارعت وتيرة الحملة على المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر في الأشهر الأخيرة. ففي 22 مارس/آذار 2016، استُدعِيَت مزن حسن، مؤسسة ومديرة مركز "نظرة للدراسات النسوية"، للتحقيق معها كمتهمة في قضية التمويل الأجنبي. ومن المقرر أن تمثل أمام قضاة التحقيق في 29 مارس/آذار 2016.

وفي 19 مارس/آذار، استمعت "محكمة جنايات القاهرة" إلى طلب من قضاة التحقيق بمنع حسام بهجت، وهو صحفي ومؤسس مركز "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" ويكتب حالياً في موقع مدى مصر الإخباري المصري، وجمال عيد، وهو محام ومدير مركز "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان: من التصرف في أموالهما. وشمل طلب المنع من التصرف في الأموال كذلك زوجة عيد وابنته البالغة من العمر 11 عاماً. وأجلت المحكمة البت في الطلب إلى 24 مارس/آذار. وفي 21 مارس/آذار، أصدر قضاة التحقيق أيضاً قراراً بمنع النشر في القضية، وهو قرار يمنع وسائل الإعلام المحلية من نشر أو بث أي أخبار تتعلق بها.

وكانت "محكمة جنايات القاهرة" أصدرت بالفعل في فبراير/شباط قراراً بمنع بهجت وعيد من السفر إلى خارج مصر بناء على طلب من قضاة التحقيق.

ومنعت المحاكم، والنيابة العامة وأجهزة الأمن، عشرة على الأقل من نشطاء حقوق الإنسان من السفر في الأسابيع الأخيرة، ومن بينهم محمد لطفي، مدير "المفوضية المصرية للحقوق والحريات" وأربعة من موظفي "المعهد المصري الديمقراطي".

وفي الفترة من 13 إلى 15 مارس/آذار، استُدعِيَ ثلاثة من موظفي مركز "نظرة للدراسات النسوية"، واثنان من موظفي "مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان"، وأحد موظفي "المجموعة المتحدة"، وهي مكتب للمحاماة نشر تقارير بخصوص التعذيب، للمثول أمام قضاة التحقيق للتحقيق معهم. ومن بين الموظفين الذين استُدعُوا للتحقيق المسؤولون الماليون في كل من هذه الجماعات.

وفي وقت سابق، كان أحد قضاة التحقيق  قد أجرى، في 3 مارس/آذار، تحقيقاً مع مدير "المجموعة المتحدة"، المحامي نجاد البرعي، بخصوص مزاعم إنشاء كيان دون ترخيص و"ممارسة ضغوط" على الرئيس كي يصدر قانوناً مناهضاً للتعذيب.

وفي فبراير/شباط، طالبت سلطات الضرائب، بعد إجراء تحقيق، بعض الجماعات المستقلة الخاضعة للتحقيق بدفع متأخرات ضرائب قدرها عدة ملايين من الجنيهات المصرية. وفي 17 فبراير/شباط، أصدر مسؤولو وزارة الصحة قراراً بإغلاق "مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب"، وهو المركز الرائد في مصر لمثل هذا النوع من التأهيل، استناداً إلى أنه يزاول عملاً غير ما رُخِّصَ له به. وكان المركز يعمل بترخيص كعيادة طبية منذ عام 1993، وقدم خدمات حيوية للمئات من ضحايا التعذيب، بما في ذلك الاستشارات والمساعدة القانونية.

تحقيق التمويل الأجنبي

انتهت المرحلة الأولى من التحقيق في تمويل الجمعيات المستقلة، المعروف باسم القضية 173 لسنة 2011، في يونيو/حزيران 2013 عندما قضت "محكمة جنايات القاهرة" بمعاقبة 43 من العاملين الأجانب والمصريين في خمس منظمات دولية بالسجن مدداً تتراوح بين سنة واحدة وخمس سنوات، بتهمة العمل في البلاد بشكل غير مشروع وتلقي تمويل أجنبي دون تصريح حكومي.

وكانت الأحكام كلها مع وقف التنفيذ أو صدرت غيابياً، لكن القرار شمل إغلاق مكاتب "المعهد الديمقراطي الوطني"، و"المعهد الجمهوري الدولي"، ومنظمة "فريدوم هاوس"، و"المركز الدولي للصحفيين"، و"مؤسسة كونراد أديناور" في مصر.

وبعد انتهاء التحقيق الأول في عمل المنظمات الدولية، حولت السلطات انتباهها إلى المنظمات المحلية.

واستأنف قضاة التحقيق الثلاثة عملهم في عام 2014، عندما حددت "وزارة التضامن الاجتماعي" للمنظمات المحلية مهلة أخيرة لتسوية أوضاعها وفقاً لقانون مجحف خاص بالجمعيات الأهلية يرجع إلى عهد رئاسة حسني مبارك. ويُمَكِّن القانون الحكومة من إغلاق أي منظمة وفق مشيئتها تقريباً، وتجميد أرصدتها، ومصادرة ممتلكاتها، ورفض أي مرشحين لمجلس إدارتها.

وكثير من الجماعات المستهدفة مرخصة على نحو ما، كشركات غير هادفة للربح، أو مكاتب محاماة، أو عيادات طبية، مثلاً. ولجأت بعضها إلى نقل هيئة العاملين فيها إلى خارج مصر أو الحد من عملها، مفضلةً ذلك على التسجيل بموجب قانون عهد مبارك. لكن حتى الجماعات المسجلة لم تنجُ من التحقيق، "فالمعهد المصري الديمقراطي" نجح في تسجيل نفسه في يناير/كانون الثاني 2015، ومركز "نظرة للدراسات النسوية" مسجل منذ عام 2007.

وكان "جهاز الأمن الوطني" التابع لوزارة الداخلية و"جهاز المخابرات العامة" يجمعان معلومات منذ بعض الوقت بشأن أنشطة الجماعات المحلية. وضُمِّنَت النتائج التي توصلا إليها في تقرير لتقصي الحقائق صدر في سبتمبر/أيلول 2011، وسُرِّبَت أجزاء منه إلى وسائل الإعلام، وتضمنت أسماء 37 جماعة قيد التحقيق، من بينها كل الجماعات التي تأثرت بالاستدعاءات الأخيرة وقرارات المنع من السفر.

دعوات إلى السلطات المصرية

قالت المنظمات إنه ينبغي للسلطات المصرية أن تسحب أمر إغلاق "مركز النديم" وأن تلغي جميع قرارات حظر السفر ومنع التصرف في الأموال الصادرة للعاملين في مجال حقوق الإنسان، الذين تتمتع أنشطتهم بالحماية بموجب الدستور المصري والقانون الدولي.

وينبغي للسلطات كذلك أن تلغي قرار حظر النشر الذي يمنع وسائل الإعلام من نشر أي شيء يتعلق بالقضية، غير البيانات الرسمية التي تصدر عن القضاة حتى اكتمال التحقيقات. فهذا القرار ينتهك الحق في حرية التعبير الذي يكفله الدستور المصري والقانون الدولي.

ويجب على مصر كذلك أن تفي بتعهدها في مارس/آذار 2015 في ختام المراجعة الدورية العالمية لملفها أمام "مجلس حقوق الإنسان" التابع للأمم المتحدة "باحترام الممارسة الحرة للجمعيات التي تدافع عن حقوق الإنسان". وينبغي أن يتضمن هذا السماح للجمعيات بالتسجيل بموجب قانون جديد للجمعيات الأهلية يصوغه البرلمان بعد التشاور مع الجماعات المستقلة ويتفق مع المادة 75 من الدستور، التي تحمي الجمعيات من تدخل الحكومة. ويتعين أن يتفق القانون مع المعايير الدولية لحرية تكوين الجمعيات.

وينبغي "لمجلس حقوق الإنسان" ودوله الأعضاء إدانة حملة القمع الحالية، والمطالبة بخطوات محددة لزيادة احترام حقوق الإنسان الأساسية.

ينبغي لمصر، بدلاً من إغلاق آخر أثر للمجتمع المدني في البلاد، أن ترحب بتمحيص سجلها في مجال حقوق الإنسان، وأن تستوعب الانتقادات البناءة من جانب المنظمات غير الحكومية المحلية. ويجب على السلطات أن تجري حواراً صريحاً وجاداً مع الحركة الحقوقية في البلاد.
مايكل توبيانا، رئيس منظمة "يوروميد رايتس"

وقال مايكل توبيانا، رئيس منظمة "يوروميد رايتس": "ينبغي لمصر، بدلاً من إغلاق آخر أثر للمجتمع المدني في البلاد، أن ترحب بتمحيص سجلها في مجال حقوق الإنسان، وأن تستوعب الانتقادات البناءة من جانب المنظمات غير الحكومية المحلية. ويجب على السلطات أن تجري حواراً صريحاً وجاداً مع الحركة الحقوقية في البلاد."

والمنظمات التي تعبر عن قلقها بهذا البيان هي:

منظمة العفو الدولية
منظمة "المادة 19"
"جمعية حقوق المرأة في التنمية"
منظمة "سيفيكوس"
لجنة حماية الصحفيين
الأورو _ متوسطية للحقوق- الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان
"الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان" في إطار "مرصد حماية المدافعين عن حقوق الإنسان"
منظمة "مدافعي الخط الأمامي"
منظمة "هيومن رايتس ووتش"
منظمة "أي إف إي إكس"
منظمة "الخدمة الدولية لحقوق الإنسان"
مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط
"المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب" في إطار "مرصد حماية المدافعين عن حقوق الإنسان"
"معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط"