الصين: تفشي التعذيب والاعترافات القسرية وسط الدوس الممنهج على حقوق المحامين

قالت منظمة العفو الدولية في تقرير جديد صدر اليوم إن نظام العدالة الجنائية في الصين يعتمد اعتمادا  كبيرا على الاعترافات التي يتم الحصول عليها عن طريق التعذيب وسوء المعاملة، بحيث إن المحامين الذين يصرون على تقديم شكايات بشأن الانتهاكات غالبا ما يتعرضون للتهديد، أو المضايقة أو حتى الاعتقال والتعذيب أنفسهم.

ويُوثِّق التقرير الذي يحمل عنوان "لا نهاية في الأفق" كيف أن إصلاحات نظام العدالة في الصين التي تثني عليها الحكومة وتعتبر أنها تعزز حقوق الإنسان في البلد لم تحقق، في حقيقة الأمر، سوى تقدم طفيف لتغيير الممارسة الراسخة لتعذيب المشتبه بهم بهدف انتزاع اعترافات منهم. ولا تزال المحاولات التي يقوم بها محامو الدفاع لإثارة مزاعم التعذيب أو التحقيق فيها تصطدم برفض الشرطة والمدعين والمحاكم لها.

وقال الباحث في منظمة العفو الدولية، باتريك بون، "هناك نظام يسمح حتى للمحامين بأن ينتهي بهم المطاف إلى الوقوع في يد الشرطة والتعرض للتعذيب، ما الأمل الذي يمكن أن يكون عند المتهمين العاديين؟"

 

هناك نظام يسمح حتى للمحامين بأن ينتهي بهم المطاف إلى الوقوع في يد الشرطة والتعرض للتعذيب، ما الأمل الذي يمكن أن يكون عند المتهمين العاديين؟
باتريك بون، باحث في منظمة العفو الدولية

 

وأضاف باتريك بون قائلا إن "محاولة التستر على نظام قضائي ليس مستقلا؛ حيث تملك الشرطة صلاحيات مطلقة، وحيث لا يمكن اللجوء إلى أي هيئة حكومية لإعادة النظر في قرارات الشرطة عندما تُداس حقوق المتهمين؛ لن يحقق سوى القليل من أجل كبح جماح آفة التعذيب وسوء المعاملة في الصين. إذا كانت الحكومة جادة في تحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان، فإنها ينبغي أن تبدأ بمحاسبة الوكالات الحكومية المسؤولة عن تطبيق القانون عندما تتورط في الانتهاكات."

وقال محامون من مناطق مختلفة من الصين لمنظمة العفو الدولية إنهم عندما حاولوا الطعن في قرارات السلطات المسؤولة عن إنفاذ القانون تعرضوا للعقاب. وأشار محامون إلى وجود عيوب جوهرية في النظام القضائي الصيني تسمح لأفراد الشرطة والمدعين ومسؤولين آخرين بالتحايل على الضمانات الجديدة الرامية إلى منع انتزاع الاعترافات التي تقود إلى إدانات خاطئة. ويرى خبراء قانونيون صينيون أن أقل من 20% من المتهمين الجنائيين لهم تمثيل قانوني.

وقال باتريك بون إن "الحكومة تبدو مهتمة بتجنب الحرج المحتمل الذي تسببه الإدانات الخاطئة أكثر من العمل على معالجة أسباب التعذيب في السجون. بالنسبة  إلى الشرطة، لا يزال انتزاع الاعترافات من المتهمين الجنائيين أسهل طريق لتأمين إدانتهم. وما لم يُسمح للمحامين بالقيام بعملهم بدون خوف من التعرض للانتقام، فإن  التعذيب سيظل متفشيا في الصين."

ويوثق التقرير حالات التعذيب وسوء المعاملة التي تسبق إجراءات محاكمتهم، بما في ذلك ضربهم من طرف الشرطة أو من طرف معتقلين آخرين بمعرفة أفراد الشرطة أو بناء على أوامرهم. وتشمل أدوات التعذيب التي ذكرها التقرير الكراسي الحديدية المستخدمة في تقييد حركة المعتقل و "مقاعد النمر" التي تُربط فيها سيقان المعتقلين بإحكام بأرجل المقاعد ثم توضع قطع الطوب تحت أقدام الضحايا بشكل تدريجي وحرفها باتجاه

الخلف، إضافة إلى الحرمان من النوم لساعات طويلة ومنع الطعام والماء الكافي عن المعتقلين.

وزعمت الحكومة الصينية، مع اقتراب موعد مراجعة خبراء لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في جنيف سجل الصين الأسبوع المقبل، أن السلطات "شجعت دائما المحامين ودعمتهم في أداء واجباتهم" ونفت أي "انتقام منهم".

وقال تانغ جيتيان، وهو مدعي سابق ومحام في بكين، لمنظمة العفو الدولية إنه عُذِّب من قبل مسؤولي الأمن المحليين في مارس/آذار 2014، عندما أخذ يحقق برفقة ثلاثة زملاء آخرين في مزاعم تعذيب في معتقل سري يعرف باسم "المعتقل الأسود" في جيانسانجيانغ بالشمال الشرقي من الصين.

وأضاف تانغ جيتيان قائلا "جُرِّدت من ملابسي في كرسي حديدي، ثم صُفعت على وجهي ورُكِلت على رجلي وضُرِبت على رأسي ضربة قوية بزجاجة بلاستيكية مملوءة بالمياه: وما لبثت أن فقدت وعي".

 

جُرِّدت من ملابسي في كرسي حديدي، ثم صُفعت على وجهي ورُكِلت على رجلي وضُرِبت على رأسي ضربة قوية بزجاجة بلاستيكية مملوءة بالمياه: وما لبثت أن فقدت وعي.
تانغ جيتيان، مدعي سابق ومحام في بكين

 

ثم وُضِع، لاحقا، قناع على رأس تانغ جيتيان وكُبِّلَت يداه خلف ظهره ورُفع من فوق الأرض من رسغيه وبدأت الشرطة في ضربه.

واعتقل يو وينشينغ، وهو محام من بكين، يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2014 واحتجز لمدة 99 يوما من قبل الشرطة. وقال لمنظمة العفو الدولية إنه استجوب 200 مرة تقريبا، وكان هناك 10 من مسؤولي الأمن العام مكلفين باستجوابه خلال ثلاث ورديات متعاقبة في كل يوم. وكان معصماه مكبلين خلف ظهره علما بأن الأغلال كانت مغلقة بإحكام على نحو متعمد.

وقال يو وينشينغ "انتفخت يداي وشعرت بألم حاد إلى درجة أنني لم أكن أرغب في العيش. وعمد أفراد الأمن مرارا وتكرارا إلى تضييق قبضة الأغلال حول معصمي وكنت أصرخ  من شدة الألم."

 

 

انطباع فنان ل ' مقعد النمر '، وهي طريقة تعذيب مستخدمة في الصين حيث يضاف الطوب تدريجيا تحت قدمي الضحية المربوطة، فيزداد الضغط على الساقين Credit: Baodiucao

 

 

اعتقال سري وتعذيب

وقال خبراء قانونيون لمنظمة العفو الدولية إن انتزاع الاعترافات من المعتقلين عن طريق التعذيب يظل ممارسة راسخة قبل بدء إجراءات المحاكمة، وخصوصا في القضايا السياسية، مثل القضايا المتعلقة بمنشقين، أو قضايا الأقليات الإثنية أو القضايا المتصلة بالأنشطة الدينية.

ويُظهِر هذا التقرير أن السلطات الصينية عمدت، خلال السنتين الماضيتين، وبشكل متزايد إلى استخدام شكل جديد من أشكال الحبس الانفرادي يسمى "المراقبة المنزلية في مكان محدد". وشرعنت السلطات هذه الممارسة في عام 2013 عندما أصبحت التعديلات الجديدة التي أدخلت على قانون الإجراءات الجنائية سارية المفعول.

وتنص التعديلات الجديدة على أن المشتبه بهم بالتورط في الإرهاب، أو الرشاوى الضخمة، أو الجرائم المتعلقة بأمن الدولة يمكن احتجازهم خارج نظام الاحتجاز الرسمي في مكان سري لمدة قد تصل إلى ستة أشهر بدون السماح لهم بالاتصال بالعالم الخارجي، الأمر الذي يجعلهم عرضة لمخاطر التعرض للتعذيب أو سوء المعاملة.

ويُعتقل حاليا في أماكن سرية اثنا عشر محاميا وناشطا في إجراءات قمعية تستهدف نشطاء حقوق الإنسان والخبراء القانونيين، وتطلق السلطات على هذا الشكل من الاحتجاز "الإقامة المنزلية في أماكن محددة." وتعتبر منظمة العفو الدولية أنهم جميعا معرضون لمخاطر التعرض للتعذيب وسوء المعاملة، ولهذا دعت الحكومة الصينية إلى الإفراج عنهم وإسقاط جميع التهم الموجهة ضدهم.

 

مقاومة الإصلاح

وبالرغم من عدة جولات قامت بها الحكومة الصينية للمضي قدما في الإصلاحات منذ عام 2010، فإن تعريف التعذيب بموجب القانون الصيني يظل غير كاف ويتعارض مع القانون الدولي. ولا يزال القانون الصيني يحظر بعض أشكال التعذيب مثل "استخدام العنف للحصول على بيان من أحد الشهود" والعنف المرتكب من قبل بعض مسؤولي وكالات إنفاذ القانون، ولا يمكن مقاضاة مرتكبي العنف الآخرين سوى باعتبارهم مساعدين لمرتكبي العنف الرئيسيين وليسوا جناة رئيسيين أنفسهم. ولا يحظر القانون الصيني، بشكل واضح، التعذيب النفسي كما هو وارد في القانون الدولي.

وقالت أغلبية المحامين الذين استجوبهم القائمون على هذا التقرير إن غياب استقلال القضاء والصلاحيات الكبيرة الممنوحة لمسؤولي وكالات إنفاذ القانون عائقان رئيسيان من ضمن عوائق أخرى تحول دون الحصول على العدالة المنشودة في مزاعم التعذيب. وتحظى اللجان السياسية والقانونية المحلية، التي تتشكل من مسؤولي الحزب الشيوعي الصيني في المنطقة، بصلاحيات واسعة في البت في القضايا المعروضة على المحاكم والتي لها حساسية سياسية. عندما ترغب لجنة معينة في إدانة المعتقل، فإن المحكمة تتجاهل مزاعم التعذيب وقلما يُحاسَب مرتكبو العف.

وندد المحامون الذين تحدثوا مع منظمة العفو الدولية بعدم قدرتهم على إثارة مزاعم التعذيب في المحاكم، أو جعل المدعين العامين يجرون تحقيقا جديا في هذه المزاعم، ناهيك عن تشكيل هيئات مستقلة تتولى التحقيق، أو استبعاد الاعترافات القسرية كأدلة خلال المحاكمات.

وقال باتريك بون إن "المسؤولين وأفراد الشرطة لا يزالون يتحكمون في نظام العدالة الجنائية للصين. وبالرغم من الجهود الجبارة التي يبذلها محامو الدفاع، فإن العديد من الشكاوى المتعلقة بمزاعم التعذيب لا تجد آذانا صاغية مراعاة للاعتبارات السياسية."

وأضاف باتريك بون قائلا إن "الشرطة تحظى بصلاحيات واسعة ولا تخضع للمساءلة، كما أن الإجراءات التي يُفترض أن تكبح جماح التعذيب لا تأتي بالنتيجة المرجوة."

 

 

انطباع فنان لإسلوب تعذيب مستخدم في الصين Credit: Baodiucao

 

 

 

التعذيب و"الأدلة" غير القانونية

راجعت منظمة العفو الدولية مئات من الوثائق الصادرة عن المحاكم والتي نشرها موقع المحكمة العليا الوطنية للصين الشعبية وذلك في محاولة لتحليل كيف تتعامل المحاكم مع مزاعم انتزاع "الاعترافات" من خلال التعذيب منذ طرح الإصلاحات الرامية إلى استبعاد الأدلة التي تشوبها مزاعم التعذيب.

ومن مجموع عينة تتكون من 590 قضية تتعلق بمزاعم التعذيب، لم تستبعد المحاكم سوى 16 "دليلا" انتزعت من المتهمين تحت الإكراه، وانتهت إحدى القضايا بالبراءة في حين انتهى باقي القضايا بإدانة المتهمين بناء على أدلة أخرى. هذه  القضايا المحدودة التي استبعدت فيها الاعترافات التي انتزعت تحت التعذيب يبدو أنها تعضد وجهة نظر المحامين التي ترى أن الاعترافات القسرية لا تزال تُقدم في المحاكم كأدلة يُعتد بها، وأن الأدلة التي أَمَّنتها الشرطة بطريقة غير قانونية لا يستبعدها القضاة خلال مداولاتهم.

وينص القانون الدولي والقوانين الداخلية في الصين على أن عبء جلب الأدلة التي تدين المتهمين يجب أن يضطلع به المدعون لإظهار أنهم حصلوا على الأدلة بطريقة قانونية. لكن في الممارسة الفعلية، تعمد المحاكم إلى رفض مزاعم التعذيب إذا لم يتمكن المتهم من إثبات صحة ما يقوله.

ويقدم التقرير سلسلة من التوصيات التفصيلية. و بهدف إنهاء ممارسة التعذيب وسوء المعاملة في نظام العدالة الجنائية للصين على وجه الخصوص، تدعو منظمة العفو الدولية الحكومة إلى:

  • ضمان أداء المحامين والناشطين عملهم بدون التعرض لمضايقات أو ترهيب أو قيود تعسفية أو الخوف من الاعتقال، أو التعذيب أو أشكال أخرى من سوء المعاملة أو الملاحقة الجنائية؛
  • ضمان عدم تقديم البيانات التي تحصل عليها الشرطة عن طريق التعذيب أو أشكال أخرى من سوء المعاملة إلى المحاكم لاستخدامها كأدلة في أي إجراءات؛
  • جعل القوانين والسياسات والممارسات الصينية متمشية مع القانون الدولي الذي يحظر بشكل مطلق التعذيب وأشكال أخرى من سوء المعاملة.