باغبات والتمييز على أساس الطائفة الاجتماعية ونوع الجنس في الهند

بقلم غوبيكا باشي، الباحثة في شؤون حقوق المرأة في فرع منظمة العفو الدولية في الهند

@gopikabashi

 

في 24 أغسطس/آب أطلق فرع منظمة العفو الدولية في الهند عريضة تتعلق بشقيقتين من طائفة "الداليت" الاجتماعية، أُبلغتا بأن مجلس "خاب بانتشايات"- وهو مجلس قروي غير منتخب- في باغبات بولاية أوتار براديش بشمال الهند، أصدر أمراً بأن يتم اغتصابهما وعرضهما عاريتين في موكب أمام الملأ، وذلك كعقوبة لهما على هروب شقيقهما مع امرأة متزوجة تنتمي إلى طائفة اجتماعية سائدة.

وقد وزَّعت منظمة العفو الدولية في شتى أنحاء العالم عرائض مشابهة كي تتيح لمؤازريها فرصة التحرك من أجل هذه القضية. وقد زاد عدد الموقعين على هذه العرائض على 500,000 شخص.

وقال لنا أحد أفراد طائفة "الداليت": الناس خائفون ولا يريدون الظهور، فهم أقلية هنا، وإذا تكلموا أو تقدموا فسيُقضى عليهم مع أفراد عائلاتهم.
بقلم غوبيكا باشي، الباحثة في شؤون حقوق المرأة في فرع منظمة العفو الدولية في الهند

وفي وقت لاحق أصدرت منظمات إعلامية تقارير شكَّكت في العريضة. وقال بعضها إن أعضاء المجلس القروي المنتخب-غرام بانتشايات- وأفراد الطائفة السائدة نفوا تلك المزاعم. وادعت أخرى أن منظمة العفو الدولية لم تحقق في القضية.

ومن المؤسف أن هذه التقارير صرفت الانتباه عن وضع الشقيقتين اللتين لا تزالان، مع عائلتهما، تخشيان على سلامتهما.

وكنا قد علمنا بهذه القضية للمرة الأولى عندما بعثت المحكمة العليا في 18 أغسطس/آب رداً على عريضة خطية رسمية من 146 صفحة قدمتها إحدى الشقيقتين، وهي ميناكشي كوماري، طلبت فيها توفير الحماية وإجراء تحقيق. ومن غير المألوف إلى حد كبير أن تتقدم عائلة من طائفة "الداليت" إلى المحكمة العليا بمثل هذه العريضة- كما قدمت العائلة شكاوى إلى اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان واللجنة الوطنية لحماية الطبقات المسجلة.

وعلى الفور بادرنا إلى الاتصال بالمحامي والعائلة، ولا نزال على صلة منتظمة بهما. وقمنا بمراجعة الوثائق المقدمة إلى المحكمة العليا التي تضمنت تاريخاً تفصيلياً للمضايقة والترهيب، كما اتصلنا بصحفيين على المستوى الوطني ومستوى الولاية، ولكنهم لم يستطيعوا إثبات المعلومات، وتحدثنا إلى مسؤولين في الشرطة المحلية وأحد زعماء المجلس غير المنتخب الذي قال إن المجلس لم ينعقد.

وبقينا على اتصال بالعائلة، وتحدثنا بالهاتف أو وجهاً لوجه مع خمسة من أفراد طائفة "الداليت" في القرية، وقالوا لنا إن المجلس غير المنتخب أصدر الأمر، وتحدثوا عن المناخ الذي يسود القرية، والذي يمنع أفراد طائفة " الداليت" من التجرؤ على الكلام.

.وقال لنا أحد أفراد طائفة "الداليت": "الناس خائفون ولا يريدون الظهور، فهم أقلية هنا، وإذا تكلموا أو تقدموا فسيُقضى عليهم مع أفراد عائلاتهم.

 

التمييز على أساس الطائفة الاجتماعية 

تتضمن عريضة العائلة المقدمة إلى المحكمة العليا أيضاً مزاعم أخرى عديدة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان. فالشقيقتان تعيشان خارج القرية منذ مايو/أيار 2015، عندما زُعم أن والدهما درامبال سنغ بدأ بتلقى تهديدات للعائلة عقب هروب نجله مع المرأة التي تنتمي إلى الطائفة السائدة.

وقال لنا درامبال سنغ: "لقد خشيتُ أن يقتلوني أو يقتلوا أفراد عائلتي."

وتتضمن العريضة المقدمة إلى المحكمة العليا ما يلي:

وبدأوا بالقول: إننا من طائفة "الجات" وهذه القرية هي "للجات" والآن سترى ما سنفعله بك، ولن نسمح لك بالعيش في هذه القرية وسنثأر لفتاتنا بفتاة من عائلتك
تهديدات باغتصاب المرأة من الداليت

- إفادة أدلت بها المرأة التي تنتمي إلى طائفة "الجات" لدى شرطة دلهي في 2 مايو/أيار عقب هربها، وقالت فيها إنها تتعرض للتهديدات بالقتل من قبل أقربائها. ونقتبس من أقوالها:

"سأعيش" مع رافي، وإلا فإنني سأموت، لأنني أريد أن أُنجب طفل رافي. طفل رافي موجود في رحمي. ولا أريد العودة إلى منـزلي لأنني عرضة للخطر من جانب أفراد عائلتي، الذين سيقتلوني. كما أنني لا أريد الذهاب إلى المـنـزل الذي تزوجت فيه لأن هؤلاء الناس يضربونني. أريد أن أذهب مع رافي، ويحب أن يُسمح لي بالذهاب معه."

- نص مكالمة هاتفية مسجلة في 24 مايو/أيار، زُعم أنها جرت بين والد المرأة التي تنتمي إلى "الداليت" وعم المـرأة التي تنتمي إلى "الجات"، وفيها اقترح الأخير اغتصاب المرأة من الداليت، وهدد الأب وحذّره من العودة إلى القرية.

- نص مكالمة هاتفية مسجلة في 30 مايو/أيار، زُعم أنها جرت بين شقيقة المرأة من الداليت ومسؤول في الشرطة، يقول فيها إن منزل عائلة الداليت قد أُغلق من قبل أقرباء المرأة التي تنتمي إلى "الجات"

- تفاصيل في مواقف أخرى زُعم أنها شهدت تهديدات باغتصاب المرأة من الداليت، حيث يقول والدها: "في 24/4/2015 جاء إلى منـزلي والد الفتاة... وشقيقها... مع أقرباء آخرين، وبدأوا بالقول: إننا من طائفة "الجات" وهذه القرية هي "للجات" والآن سترى ما سنفعله بك، ولن نسمح لك بالعيش في هذه القرية وسنثأر لفتاتنا بفتاة من عائلتك، ثم بدأوا يقومون زيارات متكررة إلى منـزلي. وقد ازدادت أفعالهم الآن، وأصبحوا يقرعون أبواب منـزلي في القرية في الساعة الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل، ويطلقون التهديدات بقتلنا واختطاف واغتصاب ابنتيْ وقتلهما، ويقولون لي: سترى الآن مَن الذي يجرؤ على إنقاذك، ومَن الذي سيتكلم مع المنبوذين ضد رغباتنا، ولن نترك أي شخص يتكلم عنا." 

دور الشرطة 

في عريضتهم وأحاديثهم مع فرع منظمة العفو الدولية في الهند، يقول أفراد العائلة إن الشرطة المحلية ضالعة في أعمال المضايقة والترهيب. ويقولون إن الشرطة احتجزت بشكل غير قانوني أحد أبناء عمومة ميناكشي كوماري في مايو/أيار لمدة ثلاثة أيام وعذَّبته بهدف معرفة مكان وجود الزوجين اللذين هربا معاً. كما زُعم أن عمه احتُجز بصورة غير قانونية ذلك.

وقُبض على رافي شقيق ميناكشي بتهمة حيازة مخدرات في مايو/أيار، أي بعد مرور يوم على تسليمه إلى الشرطة مع المرأة من "الجات". وفي مكالمة هاتفية مسجلة زُعم أنها جرت بين شقيق رامي وبين مسؤول في الشرطة المحلية، اعترف المسؤول بأنه تم توريط رامي بهذه التهمة زوراً وبهتاناً، وكان يمكن أن يواجه تهمة أشد خطورة.

وتقول العائلة إنها قررت اللجوء إلى المحكمة العليا لأنها شعرت بأن احتمال إجراء تحقيق محايد ومستقل من قبل الشرطة ضعيف 

طبيعة المجالس غير المنتخبة" خاب بانتشايات"

تأتي عريضتنا على ذكر "خاب بانتشابات"، وهو محلس قروي غير منتخب وجميع أعضائه من الذكور. وقد شكَّكت تقارير إعلامية بهذا الرأي وأشارت إلى أن "مجلس القرية" في سانكرود، باغبات، يضم عدة نساء، وأنه كان برئاسية امراة من الداليت.

إن مجالس "خاب بانتشايات" تختلف عن مجالس "غرام بانتشايات"- وهي هيئات إدارية منتخبة رسمياً. أما الأولى فهي على النقيض من الثانية هيئات غير منتخبة ويهيمن عليها رجال الطائفة السائدة. وتُعقد اجتماعاتها عادة بين أعضاء طائفة واحدة، ولا توجد أية سجلات مكتوبة لمحاضرها.

وتتمتع مجالس "خاب بانتشايات" بسلطات هائلة وتصدر أوامر بدون مساءلة تُذكر. وفي ولايات من قبيل أوتار براديش وهريانا والبنجاب وراجستان، عُرف أن ثمة عائلات دأبت على رفع قضايا ملفقة وفرض عقوبات عنيفة، وحتى تنفيذ عمليات قتل بهدف حماية "شرفها" في الحالات التي يختار فيها زوجان الهروب معاً أو الزواج، مما يشكل انتهاكاً للمعايير الطبقية.

ففي عام 2011 وصفت المحكمة العليا في الهند مجالس "خاب بانتشايات" بأنها عبارة عن "محاكم الكنغارو"، وأوردت الملحوظات التالية:

"لقد سمعنا في السنوات الأخيرة عن "خاب بانتشايات" ( المعروفة في تامل نادو باسم " كاتا بانتشايات")، التي غالباً ما تأمر أو تشجع على ارتكاب "جرائم الشرف" أو غيرها من الفظائع بطريقة مؤسسية بحق الأولاد والبنات الذين ينتمون إلى طوائف اجتماعية أو أديان مختلفة ويرغبون في الزواج والذين تزوجوا، أو تتدخل في الحياة الشخصية للناس. إننا نرى أن هذا الأمر غير قانوني على الإطلاق، وينبغي القضاء عليه بلا رحمة."

ويشير تقرير اللجنة القانونية لعام 2012 إلى أن مجالس "خاب بانتشايات" "تقوم بتطبيق العدالة بيدها"، و يقول:

"إن الممارسات المؤذية التي تقوم بها مجالس "خاب بانتشايات" وسواها، من قبيل تطبيق القانون بأيديها، وإعلان بطلان مشروعية وعدم صحة الزيجات بين الطوائف الاجتماعية وتوقيع العقوبات على الزوجين، إنما تصل إلى حد الانتهاك الصارخ لحكم القانون وانتهاك الحرية الشخصية للأشخاص المتضررين."

ومن غير المحتمل أن يعترف أعضاء مجالس "خاب بانتشابات" بانهم أصدروا أمراً غير قانوني من هذا النوع، لأنهم يمكن أن يتعرضوا للملاحقة القضائية الجنائية. وقد ذكر لنا أحد رجال "الداليت" من القرية كيف تسنى له أن يعلم بالأمر الذي أصدره مجلس "خاب بانتشابات"، فقال: عندما تدعو طائفة "الجات" إلى عقد المجلس، فإنهم بالتأكيد لا يدعوننا.. فلن يسمح لنا أحد بالذهاب... ولكن هناك بعض الأشخاص الطيبين من طائفة "الجات" يخبروننا بأن "كل ذلك يحدث ضدكم".

ومن المهم للغاية ألا ينصرف الاهتمام الإعلامي الهائل بهذه القضية عن القضايا التي أثارتها- أي واقع التمييز على أساس الطائفة الاجتماعية ونوع الجنس القائم في الهند، والعواقب الوخيمة التي ينبغي أن يواحهها الأشخاص الذين ينتهكون تلك القوانين غير المكتوبة.

لقد دعت منظمة العفو الدولية إلى إجراء تحقيق سريع وشامل ومحايد في الأوامر التي صدرت بحق الشقيقتين، وضمان سلامتهما وسلامة أفراد عائلتهما. وليس للمنظمة أية نوايا لوقف الحملة التي تشنها بشأن هذه القضية قبل أن يتحقق لنا ذلك.