رائف بدوي: السرية والتعسف والترقب – كل مقومات "العدالة" السعودية

بقلم Sevag Kechichian, investigador sobre Arabia Saudí de Amnistía Internacional

بقلم: سيفاغ كيشيشيان، باحث في الشؤون السعودية بمنظمة العفو الدولية

 

انتظرت اليوم كما انتظر الكثيرون حول العالم لأرى هل سيجرّون رائف بدوي مرة أخرى من زنزانته بالسجن ليجلدوه 50 جلدة أخرى بلا رحمة في أحد الميادين العامة بمدينة جدة.

وقد ران نفس الجو من الترقب على الناس منذ 23 أسبوعا عندما تعرض المدون السجين لهذه القسوة للمرة الأولى في التاسع من يناير/كانون الثاني هذا العام، وفي ذلك اليوم احتشد جمع من الناظرين في الميدان فور انتهاء صلاة الجمعة لمشاهدة هذا المنظر المقيت.

وإذا كان الجلد وغيره من ألوان العقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة شائعا في المملكة العربية السعودية، فإن تلك العقوبات لا تتم بالضرورة في أيام الجمعة وعلى الملأ؛ فهناك دائما أجواء من السرية حتى في العديد من حالات الإعدام بقطع الرأس وغيره من الطرق في السعودية، والتي شهدت ارتفاعا مفزعا منذ بداية العام الحالي.

وقد دعت منظمة لعفو الدولية إلى إطلاق سراح رائف منذ القبض عليه في عام 2012، كما انضمت منذ جلده إلى أكثر من مليون ناشط وصحفي وزعيم سياسي في الدعوة إلى إنهاء هذا الرعب وإلى إطلاق سراحه فورا.

إلا أن كل هذا المناشدات لم تلق إلا آذانا صماء؛ بل إنها أدت إلى المزيد من التحدي من جانب حكام المملكة.

وقد تجلى هذا التحدي العلني بالأمس مرة أخرى عندما شجب مسؤول مجهول الهوية بوزارة الخارجية السعودية "التدخل" الدولي في قضاء المملكة، ورفض بصلف الصرخة الدولية التي انطلقت بسبب احتمال جلد رائف بحجة عدم صدور بيان رسمي من جانب المحكمة أو السلطات.

إنه لمن المذهل أن يدين مصدر غير معروف الهوية بالوزارة القلق الدولي بشأن حكم يمثل خرقا فادحا للقانون الدولي. فهل تعتقد السلطات فعلا أن مثل هذه العقوبات جزء من الأحداث اليومية بحيث لا تستدعي الاحتجاج باسم الكرامة الإنسانية؟

كما أن قيام المحكمة العليا بتسريب قرارها إلى صحيفة تديرها الدولة في وقت متأخر من المساء والسماح لها بتحقير رائف مرة أخرى يخبرنا شيئا عن طبيعة العدالة والكرامة الإنسانية التي تكفلها السلطات.

 كان على المحكمة العليا أن تعمل على توفير نسخة من حكمها لرائف ومحاميه. إلا أن محاميه الرئيسي، وليد أبو الخير، يقضي هو الآخر حكما بالسجن بوصفه أول محام في مجال حقوق الإنسان يدان بموجب قانون مكافحة الإرهاب القمعي الصادر عام 2014، والذي تم الاستناد إليه في هذه القضية لعرقله عمل المحامي.

ربما تعتقد السلطات أن حلفاءها في الغرب لن يطرف لهم جفن لمعاملتها أحد أنصار حقوق الإنسان مثل وليد أبو الخير وكأنه عضو من أعضاء الجماعة المسلحة التي تطلق على نفسها اسم الدولة الإسلامية.

ولكن من يدري؟

يبدو أن السلطات نسيت أن قضية رائف وصلت بطريقة غامضة إلى المحكمة العليا في ديسمبر/كانون الأول 2014 بعدما تعذر على كل من وليد أبو الخير ورائف الاستئناف ضد الحكم السابق. ثم تبين أن القضية أحيلت من قبل شخص ما بالمحكمة الملكية، التي يجب ألا نخلط بينها وبين المحاكم العدلية، والتي هي في واقع الحال ديوان الملك نفسه.

هذه السرية والخلسة لا تقتصر على قضية رائف بدوي وحده.

ففي حقيقة الأمر أن سلطات المملكة العربية السعودية على ما يبدو تظن أنه لا بأس من منع المحامين من مناقشة قضايا موكليهم، حيث تجبر المحامين على توقيع تعهدات بعدم إطلاع أي شخص على وثائق المحاكم وفي الوقت نفسه تغذي الإعلام الذي تسيطر عليه الدولة برؤية أحادية الجانب للتطورات.

إن هذا نفاق صريح. فالقضاء السعودي ليس مستقلا عن السلطة التنفيذية في ظل القانون، وهو ما يتضح بجلاء من دوره في الاضطهاد المنهجي والمتواصل لنشطاء حقوق الإنسان المستقلين والمنشقين السلميين بالبلاد. فالكثيرون الآن مثل وليد أبو الخير يقبعون في زنزانات السجون لا لشيء سوى دفاعهم عن حقوق الإنسان لمواطنيهم.

خذ على سبيل المثال قضية سليمان الرشودي، وهو قاض سابق يبلغ من العمر 80 عاما قبض عليه في ديسمبر/كانون الأول 2012 بعد يومين من إلقائه حديثا خاصا عن مشروعية الاحتجاجات السلمية في الشريعة الإسلامية، وتم اقتياده بدون أمر اعتقال ليقضي حكما بالسجن  15  عاما دون أن يدري أن الحكم تم تأييده أمام محكمة الاستئناف. وهذا بالنسبة لمن هو في سنه بمثابة حكم بالإعدام.

والرشودي ليس وحده؛ فقد تم جر عشرة آخرين من الأعضاء المؤسسين لمنظمة الرشودي لحقوق الإنسان (جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية"حسم") واحدا وراء الآخر إلى السجون بمختلف أنحاء السعودية بعد محاكمات جائرة بصورة فادحة وأحكام أشد قسوة من الأحكام التي تصدر على المقاتلين السعوديين الذي ينضمون للدولة الإسلامية.

فلنضع حدا لهذا الهراء! إن القضاء السعودي ليس مستقلا؛ فالملك يترأس بنفسه مختلف أفرع الحكومة ويحكم بالمراسيم الملكية، ولا أحد يأخذ على محمل الجد التعليقات الفاترة الرعناء التي تصدر من مصادر رسمية مجهلة.

إن التهديد الماثل أمام استقلال القضاء ليس هو النقد الدولي، وإنما قانون البلاد وتدخل السلطة التنفيذية التي تستهزئ بهذه الركيزة الأساسية لسيادة القانون وحقوق الإنسان. ومن يدري ما شكل التهديدات التي واجهها الآخرون من القضاة المحترمين مثل سليمان الرشودي في حياتهم وأرزاقهم عندما حاولوا الدفاع عن استقلالهم؟

لقد بات ضروريا إدخال إصلاحات جوهرية لمعالجة أوجه القصور الفادح في القضاء السعودي، لكن رائف بدوي وغيره من سجناء الرأي لا يجب أن يتركوا يذوون وراء القضبان في انتظار هذه الإصلاحات. ولذلك فإننا نحث جلالة الملك سلمان على فعل ما ينبغي فعله لضمان إطلاق سراح رائف بدوي فورا وبدون شروط. وقد جرى العرف على أن شهر رمضان المعظم الذي بات على الأبواب مناسبة تطلق فيها السلطات سراح عدد من السجناء؛ ومن هنا ينبغي أن ينتهز الملك هذه اللحظة للإفراج عن رائف بدوي، ووضع حد للتهديد بجلده مرة أخرى والسماح له بالعودة إلى أسرته التي عانت بدورها في كل خطوة قاسية من خطوات هذه المحاكمة والعقوبة الجائرة.

لقد آن الأوان لإنهاء هذه المهزلة القضائية الانتقامية القاسية. 

نشرت هذه المدوة أولا فى نيوزويك