هل تتقدم إندونيسيا ببطء نحو تحقيق العدالة؟

بقلم Richard Bennett,

بقلم ريتشارد بنيت، مدير برنامج آسيا والمحيط الهادئ في منظمة العفو الدولية

منذ أن بدأت أوضاع حقوق الإنسان بالتحسن بعد سنوات القمع في عهد سوهارتو، لا تزال السلطات ترفض بعناد التصدي للجرائم التي اقتُرفت في الماضي.

وفي سائر أنحاء إندونيسيا يُحرم مئات الآلاف– إن لم يكونوا ىأكثر من مليون – من الضحايا وأحبائهم من الوصول إلى الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، وما زالوا يحملون جروحاً نازفة من الماضي الدموي لبلادهم.

إن عمليات القتل التي اقتُرفت في عام 1965، ونزاع أتشيه الذي استمر طويلاً، والنضال من أجل استقلال تيمور الشرقية- وقائمة العنف تطول- تسببت في معاناة الإندونيسيين. بيد أن أولئك الذين كابدوا الأسوأ غالباً ما تُركوا لمصيرهم وتدبُّر أمورهم بأنفسهم، في الوقت الذي لا يزال مرتكبو انتهاكات حقوق الإنسان طلقاء ، ويتبوأون مناصب في السلطة أحياناً.

وفي سائر أنحاء إندونيسيا يُحرم مئات الآلاف– إن لم يكونوا ىأكثر من مليون – من الضحايا وأحبائهم من الوصول إلى الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، وما زالوا يحملون جروحاً نازفة من الماضي الدموي لبلادهم
ريتشارد بنيت، مدير برنامج آسيا والمحيط الهادئ في منظمة العفو الدولية

وما انفكت منظمة العفو الدولية وغيرها من منظمات حقوق الإنسان تناضل منذ عقود من أجل حصول الضحايا على الحقيقة والعدالة وجبر الضرر التي يستحقونها بموجب القانون الدولي، ولكن النضال لا يزال شاقاً.

وقد ظلت الحكومات الإندونيسية المتعاقبة تفتقر بوضوح إلى الإرادة السياسية للتصدي لقضية جرائم الماضي. ويواجه الضحايا عقبات كأداء في طريق المطالبة بالعدالة أمام المحاكم.

وبدلاً من ذلك، سادت ثقافة الصمت القاسية، حيث تشكل مناقشة القضايا مخاطر ملموسة.

لقد حدث بعض التقدم التدريجي. ففي ديسمبر/كانون الأول 2013، مثلاً، أقرَّ المجلس التشريعي في أتشيه قانون الحقيقة والمصالحة المحلي في أتشيه، الذي يدعو إلى إنشاء لجنة الحقيقة، مما أعطى بصيص أمل للضحايا وأفراد عائلاتهم. ولكن لم يتم إنشاؤها حتى الآن.

أما على المستوى الوطني فقد فشلت الحكومة المركزية في سن قانون جديد للحقيقة والمصالحة بعد إبطاله من قبل المحكمة الدستورية في عام 2006

وينبغي وضع برنامج شامل لجبر الضرر يهدف، تحديداً، إلى التصدي للضرر الذي يلحق بضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت على مدى العقود الماضية وأفراد عائلاتهم.

في العام الماضي تبوَّأ الرئيس جوكو "جوكوي" ويدودو منصبه في أعقاب قطع وعود كبيرة بإعطاء أولوية للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان - بما في ذلك تحقيق العدالة فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان التي اقتُرفت في الماضي.

وقد شهدت الأسابيع القليلة الماضية بعض الأفعال التي تدعم تلك الأقوال.

ففي 21 مايو/أيار أعلن النائب العام أن الحكومة ستقوم بإنشاء آلية غير قضائية لحل قضية انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت في الماضي من خلال "لجنة للمصالحة".

ومن المخيِّب للآمال أن النائب العام أعلن أن التحقيقات الجنائية والملاحقات القضائية لم تمض قُدماً بسبب عدم كفاية الأدلة. ومن المفترض أن تتألف لجنة المصالحة من المؤسسات الحكومية ذات الصلة، ومنظمات المجتمع المدني وعائلات الضحايا.

وستنظر اللجنة في سبع حالات "انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان" بشكل خاص- وهي: مجزرة تلانغساري في عام 1989، والاختفاء القسري لنشطاء مناهضين لسوهارتو خلال الفترة 1997-1998، وعمليات إطلاق النار على الطلبة في جامعة تريساكتي، وعمليات إطلاق النار "سيمانجي 1 و 2" في عامي 1998 و 1999، وعمليات القتل الغامضة لمجرمين مزعومين في الثمانينيات من القرن المنصرم، وعملية تطهير الشيوعيين في الفترة 1965-1966، والانتهاكات التي وقعت في واسيور في عام 2001 ووامينا في عام 2003، الواقعتين في بابوا.

بعد عقود من سيادة ظاهرة الإفلات من العقاب، تُعتبر لجنة المصالحة المقترحة خطوة إيجابية صغيرة أولى تُظهر بعض النوايا من جانب إدارة جوكوي باتجاه التصدي لهذه القضية أخيراً.

بيد أن السؤال المطروح هو: هل تتقدم إندونيسيا حقاً ببطء نحو تحقيق العدالة؟

والجواب هو أن من السابق لأوانه الجزم بذلك. إذ أن ثمة أسئلة لم تتم الإجابة عنها بعد، من قبيل: ما الذي ستفعله اللجنة بالضبط؟ هل ستكشف عن الحقيقة بشأن تلك الجرائم؟ هل ستوصي بتقديم تعويضات للضحايا؟ هل ستكون مستقلة حقاً وشفافة تماماً في عملها؟ هل ستتمتع بسلطات كافية لاستدعاء الشهود وبيان الأدلة؟ هل ستوفر الحماية للشهود؟ هل ستصب نتائجها في إجراء تحقيقات جنائية مستمرة، أم أنه ستُبذل جهود سياسية لإصدار قرارات عفو من شأنها ترسيخ ظاهرة الإفلات من العقاب التي تدعي التصدي لها؟

مع تكشُّف الأجوبة عن هذه الأسئلة في الأسابيع أو الأشهر القادمة، سنرى ما إذا كانت الحكومة ملتزمة حقاً باتخاذ بعض الخطوات نحو إحقاق العدالة والحقيقة وجبر الضرر، أو إذا ما كانت العملية مجرد "فترينا" سياسية.

في الوقت نفسه ينبغي عدم التغاضي عن آلاف الحالات الأخرى التي لم يتم البت فيها، والتي لا يمكنها التقدم إلى الأمام بسبب المثالب المنهجية في نظام العدالة وفشل البرلمان في سن قانون جديد ينص على إنشاء لجنة وطنية فعالة للحقيقة والمصالحة.

وثمة حاجة ألى بذل المزيد من الجهود، ومنها مراجعة قانون المحاكم العسكرية لضمان تقديم العسكريين الذين يُشتبه في أنهم ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان إلى محاكم مدنية، ومراجعة نظام محكمة حقوق الإنسان المشوب بالمثالب، بحيث تصبح إمكانية اللجوء إليها متاحة لجميع ضحايا الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وضمان إدراج انتهاكات، من قبيل التعذيب والاختفاء القسري والإعدام خارج نطاق القضاء، كجرائم بموجب القانون الجنائي المعدَّل.

إن التئام جراح العنف في الماضي في إندونيسيا ليس بالأمر الذي يمكن أن يتم بين عشية وضحاها.

وإن الحكومة ربما تتخذ خطوة مهمة أخيراً في الاتجاه الصحيح- ويحدونا الأمل في أن تتبعها خطوات سريعة  كبرى ضرورية للغاية.