باكو: مدينة التناقضات الصارخة عشية الألعاب الأوروبية في أذربيجان

الصورة:  ©Demotix 

بقلم ناتاليا نوزاجه، الباحثة في شؤون أذربيجان بمنظمة العفو الدولية

باكو هي مدينة التناقضات. حدائق أنيقة ذات نوافير بديعة وبجوارها قطع من الأرض المهجورة المغطاة بالطين والانقاض. أبراج الزجاج ترتفع فوق الشوارع المرصوفة بالحصى والممرات المتعرجة من البلدة القديمة المسورة. المحلات ذات الشهرة العالمية تملأ وسط المدينة في حين يتم إخفاء مدن الصفيح- القذرة الفقيرة عن الأنظار وراء سياج يمتد على طول الطريق من المطار إلى المدينة. وحيثما نظرتم تجدون شيئاً يبنى؛ طريق، وعمارة سكنية، وحديقة أخرى، واستاد.

بعد مائة يوم من الآن، سوف تستضيف العاصمة الأذربيجانية - الغنية بالغاز والنفط - دورة الألعاب الأوروبية الأولى من نوعها، أسبوعان من الأبهة الرياضية تحت إشراف اللجنة الأولمبية الأوروبية. سوف تلعب المدينة دور المضيفة لستة آلاف رياضي من 50 دولة للتنافس في 20 رياضة – و بالمناسبة، سوف يدفع النفقات، منظمو الدورة. ويأمل الرئيس علييف أن تخلف الدورة تراثاً يظهر بلده بمظهر الدولة الحديثة، الثرية والمتطورة بما فيه الكفاية، وأن يجني كل ذلك من هذا الحدث الدولي المتشعب.

وأشد التناقضات إثارة هنا هو التناقض بين صورة الحداثة التي تريد السلطات أن تظهرها للعالم، والحقيقة المختفية وراء هذه الصورة. ودورة الألعاب الأوروبية الأولى - المحكومة بالميثاق الأولمبي الذي يحتضن قيم الحرية والشمول - تتزامن مع أسوأ 12 شهرا من القمع منذ حصلت البلاد على استقلالها من الاتحاد السوفيتي في 1991، وفقاً لتقرير جديد صدر عن منظمة العفو الدولية اليوم.

يقبع في السجون بتهم ملفقة اثنان وعشرون من سجناء الرأي، بمن فيهم المدافعون البارزون عن حقوق الإنسان والصحفيون والمدونون والناشطون. في حين أجبر آخرون على الفرار من البلاد أو التخلي عن عملهم الانتقادي.

إن المدينة التي تخطط لجمع الآلاف من الرياضيين والزوار تحظر على مواطنيها التجمع السلمي في أي مكان في المدينة. وبينما تبنى لزوار المدينة الدوليين الملاعب الكبرى الفخمة والفنادق الفاخرة وقاعات المؤتمرات، يكافح الناشطون المحليون من أجل إيجاد مساحة أو مكان يستطيعون الاجتماع والعمل فيه.

أثناء القيادة في شوارع باكو اليوم، كانت اللوحات الكهربائية مضاءة في احتفالات 100 يوم المتبقية قبل بدء الألعاب. ولكن المزاج كان أقل احتفالية لدى عائلة انتيغام علييف وأصدقائه عندما تجمعوا خارج محكمة باكو لحضور محاكمته. علييف، وهو محام بارز في مجال حقوق الإنسان، اعتقل بتهم ملفقة في أغسطس/ آب الماضي، بينما كان يعمل على تقديم حالة جديدة من حالات انتهاكات حقوق الإنسان إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وقد لقي نفس مصيره المدافعون البارزون عن حقوق الإنسان، ومن بينهم ليلى وعارف يونس، رسول جعفروف، خديجة اسماعيلوفا وأنار محمدلي.

قد تكون أذربيجان بلداً آمناً للرياضيين المشاركين في سباق 100 متر، ولكن الدفاع عن الحقوق وعن حرية التعبير لعبة خطرة هنا. وأولئك الذين يناصرونها ينالون المضايقة وأحكام السجن بدلا من الميداليات.

كان للاعتقالات والقمع تأثير شل المجتمع المدني وإغلاق النقاش والحوار. لكن منتقدي الحكومة لا يشكلون تهديدا للاستقرار ويحاولون ضمان أن تصبح أذربيجان الدولة الديمقراطية التي تحترم الحقوق حسب ما أعلن الرئيس علييف أنها ستكون كذلك.

ويبدو أن الحكومة يعتريها جنون العظمة على نحو متزايد كلما تطلعت إلى المستقبل - احتياطيات النفط سوف تستمر 20 عاما أخرى فحسب، واحتياطات الغاز 50عاماً. ماذا سيحدث إذن عند انتهاء الطفرة؟ ومنذ بدء الأزمة في أوكرانيا، والمجتمع الدولي - الحريص على الوصول إلى مصدر أكثر أمنا من النفط والغاز من السوق الروسي - قد التزم الصمت بشكل ملحوظ إزاء سجل حقوق الإنسان في أذربيجان. ومع تطلع العيون إلى دولارات البترول، فقد أغلقت الشفاه. هذا أمر فظيع وقصير النظر وشر عميق لمن يقبعون حاليا خلف القضبان. وهذا يعني ببساطة أن باكو قد نجت من الحساب.

وقالت لي تورغوت، وهي ناشطة شابة التقيت بها اليوم في باكو، إن 2015 يمكن أن تكون فاصلة.

" قد تكون هذه الألعاب الفرصة الاخيرة لسماع أصواتنا وتوجيه الانتباه الدولي إلى محنتنا، لأن الغد قد يكون متأخرا جدا".

منظمة العفو تطالب بالإفراج عن جميع سجناء الضمير في أذربيجان فوراً ودون قيد أو شرط. وسوف يكون ذلك التراث المناسب حقاً لهذه الألعاب.