جنوب السودان: إرفعوا القيود المفروضة على وسائل الإعلام

قالت منظمتان رائدتان في مجال حقوق الإنسان في تقرير مشترك اليوم إنه يتعين على "جهاز الأمن الوطني" في جنوب السودان التوقف عن إغلاق وإيقاف الصحف، وعن مضايقة وتخويف واحتجاز الصحفيين بصورة غير قانونية.

 

إذ قالت منظمة العفو الدولية و"هيومان رايتس ووتش" إن ثمة إجراءات قد اتخذت على خلفية النزاع المسلح الداخلي المحتدم منذ سبعة أشهر في أرجاء كثيرة من البلاد، للحد من حرية التعبير وتقييد النقاش العام حول كيفية وضع نهاية للصراع. ودعت المنظمتان إلى وضع حد لهذه التجاوزات وإلى ضمان برلمان جنوب السودان فرض الرقابة المناسبة على "جهاز الأمن الوطني"، وفقاً للقانون والمعايير الدوليين لحقوق الإنسان.

 

وفي هذا السياق، قالت الباحثة في شؤون جنوب السودان في منظمة العفو الدولية، إليزابيث أشامو دنغ، إن "حملة القمع الحكومية تجري في وقت يحتاج فيه جنوب السودان أكثر ما يحتاج إلى الأصوات المستقلة للإسهام في النقاش حول كيفية إنهاء الأزمة السياسية والصراعات المسلحة الداخلية". وأضافت أن "الانتهاكات على أيدي جهاز الأمن الوطني – وهي مؤسسة لا تزال دون قانون يحكم عملها – قد أسهمت بشكل خاص في خلق جو من الخوف المتزايد في أوساط المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين".

 

وقد وثقت المنظمتان القيود غير المشروعة التي فرضت على حرية التعبير ووسائل الإعلام منذ بدء النزاع في ديسمبر/كانون الأول 2013. فعلى مدى الأشهر السبعة الماضية، منع مسؤولون حكوميون الصحفيين من إجراء مقابلات مع زعماء المعارضة. ووجه أولئك الذين قاموا بذلك، أو الذين أبلغوا عن انتهاكات حقوق الإنسان من قبل القوات الحكومية، بالتخويف. وقيدت السلطات أيضاً نشر تقارير عن النزاع، وعن انتهاكات حقوق الإنسان، والنقاش الدائر حول إقامة نظام اتحادي في جنوب السودان.

 

ودأب "جهاز الأمن الوطني" على مضايقة واحتجاز الصحفيين واستدعى عدداً منهم للاستجواب، وطلب من البعض مغادرة البلاد. وصدرت إلى صحيفة المجهر السياسي تعليمات صريحة بالتوقف عن الصدور. واحتجزت الحكومة طبعات من صحيفة أسبوعية أخرى، وهي جوبا مونيتور، ثماني مرات في الأشهر السبعة الماضية. وفي يونيو/حزيران، صودر إصدار كامل من صحيفة المواطن الأسبوعية.

 

وقال مدير قسم أفريقيا في منظمة "هيومان رايتس ووتش"، دانيال بيكيلي، إن "الصحفيين وكتاب الأعمدة لا يستطيعون في الوقت الحاضر القيام بعملهم ونقل التقارير بحرية عن الصراع الجاري دون خوف من الانتقام من جانب قوات أمن الدولة. وقد شاهدنا كيف ساهم جهاز الأمن الوطني والسلطات الأخرى بتآكل حرية التعبير منذ استقلال جنوب السودان من خلال الممارسات المسيئة. وهذه يجب أن تنتهي الآن".

 

وقد كان للحرب تأثير مباشر على وسائل الإعلام في جنوب السودان. إذ نزح العديد من الصحفيين بسبب القتال أو أجبروا على مغادرة البلاد، بما في ذلك بسبب خوفهم من أن يستهدفوا بناء على انتمائهم العرقي. وقد تضررت البنية التحتية الإعلامية أو دمرت، بما في ذلك محطات إذاعية في لير وملكال، في ولاية أعالي النيل، وبور، بولاية جونقلي.

 

وقالت أشامو دينغ إن "أي أمل في تحقيق العدالة بالنسبة للجرائم التي ارتكبت خلال النزاع الجديد ونجاح أي عملية كشف للحقيقة في المستقبل سيتطلب وجود بيئة آمنة يمكن أن يتحدث فيها أهالي جنوب السودان  علنا". وأضافت "إذا كان جنوب السودان يأمل في مستقبل سلمي، لا يجوز التستر على الجرائم ويتعين حماية حرية التعبير، لا أن تتعرض للهجوم".

 

وبدأ النزاع في جنوب السودان في العاصمة جوبا، في ديسمبر/كانون الأول، ولكن سرعان ما انتشر إلى المناطق الأخرى. واتسم القتال بالهجمات غير المشروعة على المدنيين – الذين غالباً ما استهدفوا وقتلوا بسبب انتمائهم العرقي– وعلى الممتلكات المدنية. حيث لقي آلاف االأشخاص مصرعهم جراء العنف، ولحق دمار كبير المدن الرئيسية، وأجبر حوالي 1.5 مليون شخص على الفرار من ديارهم، وفي كثير من الأحيان إلى أماكن يواجهون فيها الجوع الشديد.

 

وقد وثقت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (أونميس)، ومنظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك منظمة "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية، انتهاكات تشكل جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية من جانب قوات الحكومة وقوات المعارضة، على حد سواء.

 

وبدأ عمل "لجنة الاتحاد الأفريقي لتقصي الحقائق في جنوب السودان" بعد وقت قصير من اندلاع النزاع لكنها كانت بطيئة في مباشرة التحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان. وينبغي على لجنة التقصي ضمان معالجة انتهاكات حرية التعبير ضمن أبحاثها، كما ينبغي أن تتقدم بتوصيات حول كيفية حماية هذا الحق الأساسي بشكل أفضل في جنوب السودان، بما في ذلك من خلال الإصلاح المؤسسي للاستراتيجية الوطنية "لجهاز الأمن الوطني".

 

وكانت وزارة العدل قد أعدت مشروع قانون للحد من سلطات "جهاز الأمن الوطني" وقدمته إلى الجمعية التشريعية الوطنية في مايو/أيار. ويمنح مشروع القانون ضباط الجهاز صلاحيات القبض والاحتجاز نفسها الممنوحة الشرطة، ولكنه لا يحدد مواقع الاحتجاز المسموح بها، أو يضمن حقوق المحاكمة العادلة الأساسية، مثل الحق في الاستعانة بمحام أو المثول أمام محكمة ضمن فترة زمنية محددة. ويمنح المشروع حصانة جنائية واسعة لموظفي "جهاز الأمن الوطني" وسلطات للمراقبة والتفتيش ومصادرة الممتلكات دون رقابة قضائية واضحة.

 

وينبغي تنقيح مشروع القانون فوراً للحد من الصلاحيات الكاسحة "لجهاز الأمن الوطني" في ممارسة اعتقال الأشخاص واحتجازهم، وضمان إخضاع أي رقابة على الاتصالات للرقابة القضائية. وينبغي أن يكفل أعضاء البرلمان أن يتوافق القانون مع المعايير والقانون الدوليين لحقوق الإنسان.