365 يومًا من العُزلة

منذ يونيو/حزيران 2017، وعلا وحسام رهن الاحتجاز بسبب تهمٍ لا أساس لها من الصحة. وفي 27 يونيو/تموز 2018، بدأت علا القرضاوي إضرابًا عن الطعام، احتجاجًا على احتجازها وعلى أوضاع السجن السيئة. وفي اليوم ذاته، نظر قاضي أمر حبسها الاحتياطي، وجدده لمدة 45 يومًا آخرين، دون أن يسمح لمحاميها بالترافع ضد أمر الاحتجاز. انظر سحق الإنسانية: إساءة استخدام الحبس الانفرادي في السجون المصرية.

بقلم آية خلف، ابنة علا القرضاوي وحسام

والدتي، علا القرضاوي، جدة وأم وزوجة وابنة وأخت وصديقة، ومصدر إلهام لكثيرٍ من الناس. فلم يترك عزلها عن العالم ولا ما تعرضت له من إساءة معاملة ولا ما يحيط بها من أوضاع مزرية أثرًا فيها فحسب، بل أثر ذلك في جميع من تحبهم.

ففي 30 يونيو/حزيران 2017، اعتُقلت أمي وأبي بصورة تعسفية؛ ولم نعلم حينها مكانهما لمدة يومين، إلى أن تبين لنا أنه قد فُرق بينهما وزُج بهما إلى أحد أسوأ السجون بمصر، في أكثر الأوضاع إجحافًا التي عُرفت بهذه السجون.

عاشت أمي حياةً وهي تعطي كثيراً للناس؛ فكانت حياتها مليئة بما لا يُحصى من لحظات السعادة والبهجة. فهي بكل فخر خريجة جامعة تكساس، وامرأة ناجحة قامت بتأسيس أسرة، في الوقت الذي كانت تبني فيها مستقبلها المهني. ولطالما كانت مدافعة عن حقوق الإنسان والمحتاجين والمستضعفين.

ولكن اليوم، تمر أمي باختبار تحت وطأة أوضاع لا إنسانية للغاية، بصورة تتجاوز قدرتي على الفهم.

365 يومًا داخل زنزانة انفرادية بالغة الضيق تُسمى "زنزانة العقاب"

365 يومًا داخل زنزانة لا سرير بها ولا مرحاض ولا نافذة ولا تهوية

365 يومًا تعجز فيهم عن تمييز النهار من الليل

365 يومًا دون أن تتلقى أي زيارات أو تطمئن على أسرتها

365 يومًا بلا ورقة أو قلم أو كتب

365 يومًا تسمع فيهم صراخ سجينة أخرى في الزنزانة المجاورة لها

365 يومًا تقلل فيهم ما تتناوله من طعام حيث لا يُسمح لها باستخدام المرحاض سوى خمس دقائق فقط يوميًا

إن أمي امرأة قوية، ولكني لا أعلم ما قد يحدث لأي إنسان وقع تحت التعذيب النفسي لمدة 365 يوماً من جراء الأوضاع السيئة على أيدي النظام المصري. فثمة آثار موثقة على المدى القصير والبعيد، ولكني لا أحاول التفكير فيها. فقد أخبرت أمي محاميها، في بعض جلسات تجديد أمر الحبس الأخيرة، بأنها تواجه صعوبة أكبر في تحمل الوضع، ومن ثم، فإن الأمر بات عبئًا يثقل كاهلها. وبينما يجب أن يدفع ذلك الجميع إلى النضال من أجل حريتها، فإنه من المخيف للغاية أننا لا نملك أي فكرة عما تركه 365 يومًا - ولا تزال الأيام تمر- في الظلام من آثار.

أما عن أسرتي، فحياتنا تتحطم على إثر الفاجعة التي تُصيبنا في كل 45 يومًا. فلا نعلم أي شئ عن أمي، لا نعلم إذ كانت على قيد الحياة أم لا، إلا حينما يأتي موعد جلسة لتجديد حبسها 45 يومًا. وتترك كل ليلة أثر في نفس أطفالي، حينما يسألوني "لماذا" لم تعد جدتي وجدي إلى المنزل، و"متى" سيعودان؟ ومع كل جلسة تبدأ الفاجعة من جديد.

وعندما أفكر فيما ستتركه هذه المأساة من آثار في أمي وأطفالي، أُجبر نفسي على كتمانها بداخلي. ليس بيدي سوى الدعاء لأمي بأن تصبر وتقاوم لتنجو في نهاية كل يومٍ. أما أنا، فاستيقظ كل صباح لخوض يوم جديد في النضال من أجل حرية أمي وأبي.