يقول المثل: “إذا لم يكن لديك ما تخفيه، فليس لديك ما تخاف منه”. ولكن يظهر أن الصورة معكوسة عندما نجري تحليلاً مفصلاً للتكلفة التي تتكبدها حقوق الإنسان جراء التوسع السريع لمفهوم الدولة الأمنية في أوروبا

توثق بحوث منظمة العفو الدولية، بشكل وافٍ، الاتجاه الكاسح في مختلف أنحاء أوروبا، والذي يشبه ما نراه في روايات جورج أورويل من حيث تعاظم صلاحيات أجهزة الدولة في التصدي للإرهاب دون حسب أو رقيب، وبشكل يتعدى على الحريات.

ولقد تمت إعادة رسم الحدود الفاصلة ما بين صلاحيات الدولة وحقوق رعاياها، وتسارعت وتيرة تفكيك منظومة حقوق الإنسان في أوروبا، وهي المنظومة التي بُنيت بعناية فائقة لبنة تلو أخرى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

الوضع الطبيعي الجديد

في ضوء سلسلة من الاعتداءات التي ضربت أوروبا خلال السنتين الماضيتين، ما انفكت الحكومات ترفض الرأي القائل بأنه ينبغي عليها أن توفر الأمن بحيث ينعم الناس بحقوقهم، وآثرت التحول نحو الرأي القائل بأنه يتعين عليها أن تقيد الحقوق من اجل توفير الأمن.

وحرص الكثير من البلدان على تيسير إعلان أو تميديد حالة الطوارئ، وغيرها من التدابير التي على شاكلتها؛ وما كان ينبغي أن يكون استثنائياً ومؤقتاً، أصبح، أكثر من ذي قبل، مدرجاً بشكل دائم في القوانين الجنائية العادية.

ويُعزى جزء كبير من المشكلة إلى التعاريف الفضافضة لمفهوم الإرهاب، واستحدثت الدول والهيئات الدولية تعريفها الخاص بها، في ظل عدم توفر تعريف متفق عليه عالمياً.  ولكن رافق ذلك زيادة مستوى الإبهام في تعدد تعاريف الإرهاب، وأصبح من الممكن التعسف في تطبيقها، ما يعني احتمال تعرض المواطنين الملتزمين بالقوانين للمراقبة والأمور الإدارية التي تقيد حرياتهم، وإخضاعهم لعمليات تفتيش اقتحامية، والكثير من الإجراءات الأخرى الأكثر سوء دون مبرر.

اقرأ ملخّص التقرير

قصة أحمد

في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، حُكم في المجر بالسجن 10 سنوات على أحمد ح. الذي يقيم في قبرص، وذلك بتهمة ارتكاب “عمل إرهابي” على إثر استخدامه مكبر صوت أثناء مظاهرة وقعت على الحدود المجرية.  وكان قد توجه أحمد إلى المكان لمساعدة عائلته على الفرار من سوريا إلى بر الأمان.

إن بناتنا يفتقدنه كثيراً، فأحمد والد طيب وزوج صالح، وهو ليس إرهابياً

ناديا، زوجة أحمد

وأقر أحمد بقذف الشرطة بالحجارة أثناء القلاقل التي أعقبت استخدام رجال الشرطة للقوة المفرطة.  وأظهرت لقطات مصورة في الأخبار أحمد وهو يستخدم مكبر الصوت لدعوة اللاجئين والشرطة للحفاظ على الهدوء وضبط الأعصاب.

“يستند الحكم ضد أحمد إلى التعمد الصارخ في إساءة تطبيق مواد قانون مكافحة الإرهاب، ويعكس تلاقي اتجاهين خطيرين بشكل مقلق، وهما: التعسف في تطبيق أحكام قانون مكافحة الإرهاب، والمعاملة المروعة للاجئين والمهاجرين..”

غاوري فان غوليك، منظمة العفو الدولية

بادروا بالتحرك الآن للإفراج عن أحمد 

الدول التي تجيز المراقبة الجماعية  

انضم الكثير من بلدان الاتحاد الأوروبي إلى طابور “الدول التي تجيز المراقبة الجماعية للبيانات” لا سيما مع إصدار قوانين جديدة تجيز القيام بمراقبة جماعية على نطاق واسع، وتمنح صلاحيات واسعة لأجهزة الأمن والمخابرات.

وشهدت المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وبولندا والمجر والنمسا وبلجيكا وهولندا منح تلك الأجهزة صلاحيات القيام بمراقبة واسعة، أو توسيع نطاق القائم منها، وبما يتيح لها اعتراض بيانات ملايين الأشخاص مع إمكانية الولوج إليها والاطلاع عليها علاوة على ذلك.

دافيد ميراندا

وتعرض المواطن البرازيلي دافيد ميراندا للتوقيف بموجب صلاحيات مكافحة الإرهاب أثناء مروره بالمملكة المتحدة في عام 2013، وكان يحمل وثائق حصل عليها من كاشف المخالفات الشهير إدوارد سنودن.

وتم احتجاز ميراندا، وتفتيشه واستجوابه مدة تسع ساعات للاشتباه بضلوعه في “التجسس والإرهاب”.  وتمت مصادرة هاتفه وحاسوبه المحمول والقرص الصلب الإضافي، وغير ذلك من المواد بحوزته.

وفي يناير/ كانون الثاني 2016، قضت محكمة الاستئناف في لندن إن توقيف ميراندا كان قانونياً، ولكن رأت أن تطبيق مواد قانون مكافحة الإرهاب بحقه خالف قوانين حقوق الإنسان النافذة في أوروبا، فيما يتعلق بحرية التعبير عن الرأي؛ وذلك لأن تلك الصلاحيات الاستثنائية تفتقر للضمانات التي تكفل عدم التعسف في تطبيقها.  ولا تزال الحكومة ترفض تعديل القانون منذ ذلك الحين.

“… يشكل هذا القانون تعسفاً في استخدام الصلاحيات”.

دافيد ميراندا

آثار مخيفة على حرية التعبير عن الرأي

استغلت بعض الحكومات التهديدات الإرهابية من أجل استهداف أشخاص يمارسون بشكل قانوني حقوقهم المتعلقة بحريات التعبير عن الرأي، وتشكيل الجمعيات والتجمع.

وأُلقي القبض على اثنين من محركي الدمى في إسبانيا بعد عرض قامت أحدى الدمى خلاله برفع شعار اعتُبر على أنه يشكل “تمجيداً للإرهاب”.

وثمة في فرنسا تهمة مشابهة، وهي “تبرير الإرهاب”، وجرى استخدامها لاتهام مئات الأشخاص، بينهم أطفال، بارتكاب “جرائم” من قبيل نشر تعليقات على موقع فيسبوك. 

محركا الدمى الإسبانيان

أُلقي القبض في إسبانيا على اثنين من محركي الدمى عقب عرض مسرحي قامت فيه إحدى الدمى برفع شعار اعتُبر مسانداً لجماعة إيتا المسلحة في إقليم الباسك.

وكان ألفونسو لازارو دي لا فوينتي، وراؤول غارسيا بيريز يقدمان عرضهما في فعالية عامة في مدريد.

وجهت لهما تهمة “تمجيد الإرهاب”، التي تصل عقوبتها إلى السجن أربع سنوات.  وأسقطت التهمة بعد أشهر عقب الطعن في المحكمة، ولكنهما يواجهان تهمة “التحريض على الكراهية والعنف”. وقد أصدرت محكمة محلية في مدريد، حكماً في شهر يناير/كانون الثاني 2017 بوجوب اسقاط هذه التهمة أيضاً.

ولا يزالان ممنوعيْن من مغادرة البلاد عقب الإفراج عنهما في فبراير/ شباط 2016، وفُرضت عليهما مراجعة إحدى المحاكم أو اقسام الشرطة يومياً. 

المتهم بريء حتى تثبت إدانته؟

فيما يبدو أنه تقليعة جديدة تشبه “الجريمة الفكرية” التي وردت في روايات جورج أورويل، أصبح بالإمكان اتهام البعض بالقيام بأنشطة قانونية، ولكن السلطات قررت ببساطة أنها سوف تقود إلى نشاط جرمي مستقبلاً.  وصدرت قوانين جديدة تجرّم ما يُعرف “بالأفعال التمهيدية”  من قبيل السفر إلى أماكن معينة، أو حتى إجراء الاستعدادات للسفر.

استثمرت الحكومات في مراحل “ما قبل ارتكاب الجريمة”، وأصبحت أكثراعتماداً من ذي قبل على إصدار الأوامر الإدارية من أجل تقييد حق الأشخاص في حرية الحركة والتنقل وغيره من الحقوق.  وأدى ذلك إلى معاقبة الكثيرين دون أن يرتكبوا أدنى جريمة، وقوض من مبدأ فرضية البراءة، الذي يُعد أحد مبادئ القانون الجنائي الأساسية.

وتظل المعلومات في هذه القضايا سرية، وبما لا يتيح للذين يتعرضون لهذه التدابير التقييدية أن يدافعوا عن أنفسهم بالشكل الملائم.  وسن بعض البلدان قوانين جديدة تتيح لها توقيف المشتبه بهم على ذمة الإرهاب لفترات طويلة دون تهمة، ولا يتم إسناد التهم إليهم رسمياً في الكثير من الحالات.

التمييز

استهدفت تدابير مكافحة الإرهاب الجديدة المهاجرين واللاجئين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والناشطين، وأفراد الأقليات على وجه الخصوص.

وغالبا ما يتم تطبيق الأنماط السلبية مقدمًا بحق مكونات من قبيل المسلمين والأجانب، ويُنظر إليهم على أنهم أكثر ميلاً نحو “التطرف” أو التشدد” أو “ارتكاب الجرائم”، ويتهم استهدافهم على هذا النحو في تعسف فاضح في تطبيق القوانين التي تعرف الإرهاب على نحو فضفاض جداً.

وأصبح يُنظر على نحو متزايد إلى التمييز الذي تمارسه الدولة ووكلاؤها على أنه “مقبول” في سياق الأمن القومي، ولكنه ليس كذلك على الإطلاق.

هذا الأمر يؤثر علينا جميعاً

يتم أمام ناظرينا خلق أوروبا جديدة “مفرطة في الهوس الأمني”، ويسودها الخوف والتغريب والتعصب والتحامل بشكل يؤدي إلى الإتيان شيئا فشيئا على قيم الإنصاف والمساواة وعدم التمييز التي قام عليها الاتحاد الأوروبي عند تأسيسه.

ويجب على الحكومات الأوروبية أن تبادر، من باب الأولوية، إلى تجديد تعهدها بصون واجباتها الدولية على صعيد حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب.  ويجب أن يتوقف الانحدار المستمر الذي يشهده الكثير من مجالات حقوق الإنسان في أوروبا.

وما لم نتحرك ونقوم بشيء ما، فسوف نخاطر بجعل حقوقنا ضحايا على مذبح الصلاحيات غير المتناسبة على نحو خطير، وهي صلاحيات من المفترض بها أن توفر الحماية لنا أصلاً.