• الحملات

ثلاثون عاما من نكث الوعود

بقلم Salil Shetty, salilshetty

يشغل سليل شيتي منصب الأمين العام لمنظمة العفو الدولية

كنت في الثالثة والعشرين من عمري عندما اعتمدت الأمم المتحدة اتفاقية مناهضة التعذيب في ديسمبر/ كانون الأول 1984، وبدا لي حينها أن ذلك الحدث قد كان أبعد ما يكون عن موطني في بنغالور. فلقد كانت الهند غارقة حينها في اضطرابات كبيرة بعد قيام مسلحين من السيخ باحتلال المعبد الذهبي في صيف ذلك العام ما اضطُر الجيش الهندي إلى التدخل وإجبارهم على إخلاء المعبد. وقُتل المئات، معظمهم من السيخ، جراء تبادل إطلاق النار الشرس الذي وقع حينها.

وبعد أشهر قليلة، اغتيلت رئيسة الوزراء إنديرا غاندي في ما يظهر أنه انتقام من الهجوم على المعبد. وكتب والدي الذي كان يعمل صحفيا في إحدى كبريات الصحف الهندية مقالا عن نضال السيخ على صعيد الحق في تقرير المصير. وبعد فترة، جاء رجال الشرطة إلى منزلنا، ولم نر والدي إلا بعد مضي أسابيع عدة.

وفي عام 1984، كان قضاء المرء فترة داخل قسم الشرطة يعني التعرض للضرب أو ما هو أسوأ من ذلك على الأرجح. فالشرطة اعتادت أن تضرب الشخص ثم تطرح الأسئلة لاحقا. وقبل سنوات من اعتقال والدي، قام رجال الشرطة باعتقال أحد زملائي ونحن على مقاعد الدراسة. وعندما عرف والداه بالأمر، هُرعا إلى قسم الشرطة – وما أن وصلا هناك حتى سمعا صراخه من وراء جدران المركز وهو يتلوى من الألم. فلقد قام رجال الشرطة بقيده إلى السقف مقلوبا بحيث تسبب ثقل جسمه في إبعاد مفاصل جسمه عن بعضها البعض.

وعندما يطرق التعذيب بابك، فإنه يجلب معه الخوف والشعور بالعجز. ولا زال الخوف حقيقة مؤلمة يعيشها العديد من الناس بشكل يومي في عالم اليوم.

وبعد مضي 30 سنة على اعتماد الاتفاقية، وقعت 155 دولة على ما يجعلها ملزَمة بالقضاء على التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. وتكاد تكون طائفة أساليب التعذيب التي يلجأ إليها البشر للتسبب بالألم لبعضهم البعض أمرا مروعا وصادما بما تحمله من ضرب وصعق بالكهرباء واغتصاب وجلد وحرق واستخدام العقاقير والكلاب. وفي معرض عملها في العام الحالي، فلقد دونت منظمة العفو الدولية استخدام ما لا يقل عن 27 أسلوبا مختلفا من أساليب التعذيب اليوم.

ولكن لا يعني ذلك أن الاتفاقية لم تؤد المطلوب منها. فالبنسبة للبلدان التي تأخذ مسؤولياتها على محمل الجد، توفر الاتفاقية دليلا للتعليمات المتعلقة بكيفية مكافحة التعذيب. ولقد وفرت الاتفاقية قاعدة مرجعية يمكن للعالم ان يستخدما كأساس للمقارنة يجب الوصول إلى مستوياته وقياس باقي المحاولات بناء عليه. فلقد أصبح مرتكبو التعذيب في عداد الخارجين على القانون في جميع أنحاء العالم.

ولكن يعني ذلك أيضا أنه ما زال هنالك الكثير مما ينبغي القيام به. ولقد ناضلت منظمة العفو الدولية من أجل التوصل إلى اتفاقية مناهضة التعذيب؛ وها هي تناضل الآن من أجل الوفاء بالوعود التي قُطعت قبل ثلاثة عقود. وسوف نطلق يوم الثلاثاء حملة عالمية بعنوان "أوقفوا التعذيب" من أجل ضمان الوفاء بتلك الوعود.

ولقد حان الوقت كي نضع حدا لاحتجاز السجناء بعيدا عن أعين الجهات الرقابية وتركهم معنفين وقد غطت الكدمات أجسادهم في عزلتهم داخل زنازين مظلمة. ويجب ضمان اتصالهم بالمحامي وإحالتهم إلى المحاكم والتواصل مع الأقارب، وجعل ظروف الحجز تراعي الاعتبارات الإنسانية. ومن شأن تسجيل جلسات الاستجواب والقيام بزيارات مفاجئة لمراكز الحجز أن يكفلا عدم ترك مكان يصلح لاختفاء مرتكبي التعذيب فيه. كما إن إجراء فحوص طبية مستقلة سوف يكشف النقاب عن آثار التعذيب الذي يرتكبه هؤلاء.

ونرغب في أن نضع حدا للأساليب الغريبة والمتقلبة في التعامل مع الشكاوى وتمريرها إلى نفس الأشخاص الذين ارتكبوا الإساءة محط الشكوى وما يلي ذلك من تبعات كارثية. ويجب التحقيق بشكل فعال ومستقل ومحايد في كل شكوى تتعلق بالتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة.

كما نطالب بجلب مرتكبي التعذيب للمثول أمام العدالة – بصرف النظر عن هوياتهم أو أماكن تواجدهم أو الأسباب التي حملتهم على ارتكاب التعذيب. ولا نريد أن يقتصر الأمر على محاسبة الحراس من حملة الهراوات وحسب، بل وأن يطال ضباطهم المسؤولين عنهم أيضا.

إذ لا يمكن التذرع "بالصالح العام" وسوقه ضمن أعذار واهية، حيث لا بد وأن يرافق السلطات الواسعة مسؤوليات كبيرة ينبغي مراعاتها.

وتُعد حملتنا بمثابة دعوة لتحرك على الصعيد العالمي – وتستهدف خمسة بلدان نشعر أنه بوسعنا تحقيق أثر أكبر فيها والمساهمة في جلب التغيير المستدام إليها من خلال المناصرة وكسب التأييد والحراك والضغط الإعلامي. وينبغي أن يصب الضغط في خانة تنفيذ الإصلاحات بحكم القانون وواقع الممارسة العملية، وهو ما أثبت نجاعته في بلدان من مختلف مناطق العالم.

ونسعى إلى التصدي للإساءات التي ترتكبها الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون في المكسيك والمغرب ونيجيريا والفلبين وأوزبكستان في إطار الجهود الرامية إلى دفع التغيير بقوة. وسوف تلفت منظمة العفو الدولية انتباه المجتمع الدولي من خلال التركيز على كل بلد من البلدان الخمسة تلك.

وسوف نعمد إلى شجب استمرار ارتكاب ممارسات التعذيب في المكسيك دون هوادة على الرغم من تشريعاتها القوية نوعا ما التي تنص على منع التعذيب والمعاقبة عليه. وحسب ما جاء في نتائج المسح العالمي الذي أُجري بإيعاز من منظمة العفو الدولية لأغراض تتعلق بالحملة الحالية، يشعر ثلثا الشعب المكسيكي أنهم ليسوا في أمان إذا كانوا في عهدة الشرطة.

وسوف نشكف تقاعس القضاة والادعاء العام في المغرب والصحراء الغربية عن التحقيق في جميع البلاغات المتعلقة بالتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة المرتكبة على أيدي الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون ونظيرتها الأمنية، والتي تبيح لمرتكبي التعذيب التعرض لضحاياهم بالعنف مع إفلاتهم التام من العقاب تقريبا.

وسوف نسلط الضوء على التعذيب الذي يمر دون محاسبة في الفلبين التي لم تشهد سوى إدانة شخص واحد بتهمة ارتكاب التعذيب حتى بعد مضي خمس سنوات على صدور قانون مكافحة التعذيب في البلاد – وتواتر اتهامات كثيرة توجه إلى الشرطة بهذا الخصوص.

وسوف لن نتوانى عن إدانة الانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن بشكل روتيني بحق المشتبه بهم في نيجيريا التي لا تعتبر التعذيب جريمة يعاقب عليها جنائيا.

وأخيرا، فسوف نجابه جبروت دولة أوزبكستان التي يعزف القضاة والادعاء العام فيها نفس اللحن من أجل إسكات أصوات الضحايا. وثمة ستار حديدي من السرية يلف آليات عمل حكومة مصابة بالارتياب، فيما يخاطر من يجرؤ على مجرد التذمر بالتعرض لعمليات انتقام وحشية – بدءا بالمحتجين السلميين وانتهاءا بأفراد حكم الأقلية الذين سقطوا من علياء السلطة.

وتهدف حملة منظمة العفو الدولية إلى تنفيذ التوصيات التي خلصت إليها خمسون سنة من البحوث في موضوع التعذيب.

وعندما اعتُقل والدي، حاولت أنا وأمي يائسين الاتصال بجميع منظمات حقوق الإنسان التي نعرفها. إذ كنت اعتقد حينها أن منظمات من قبيل منظمة العفو الدولية تحدث فرقا فعليا. وأنا الآن لا زلت أؤمن بذلك أكثر من أي وقت مضى.

ولقد كان والدي محظوظا بأن خرج حرا في نهاية محنته. ولا ينطبق ذلك على آخرين كثر غيره في الهند وباقي مناطق العالم. ويجب أن يتوقف التعذيب. فساعدونا على إيقافه.

Salil Shetty

ويقود سليل شتي، الناشط القديم في مجال مكافحة الفقر وتحقيق العدالة، عمَل الحركة العالمية من أجل وضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان، وقاد حركة تغيير ملحوظة في عمل المنظمة في بلدان الجنوب.