حياة الآخرين - على الولايات المتحدة الأمريكية أن تقوم بأكثر من "شد البراغي" بالنسبة لمراقبة الاتصالات

بقلم Michael Bochenek

بقلم مايكل بوتشينيك، مدير برنامج القانون والسياسة في منظمة العفو الدولية

اتسم رد رئيس الولايات المتحدة، أوباما، على ما تكشف من أنشطة الرصد الحكومي للاتصالات، أثناء مؤتمره الصحفي الذي عقده في واشنطون يوم الجمعة، بالفتور.

نعم، لقد تعهد بأن يدعم الجهود الرامية إلى إصلاح إجراءات المحكمة التي تمنح التراخيص لعمليات التجسس على الاتصالات، وهذه مبادرة مهمة. كما أصدر التحليل القانوني الحكومي للحصيلة الإجمالية لرصد أجهزة الاستخبارات لكل مكالمة هاتفية داخل البلاد؛ وبصورة أعم، التزم بأن يتسم عمل "وكالة الأمن القومي" بشفافية أكبر.

ولكننا نحتاج إلى أكثر من مجرد "شد براغي"، بحسب وصف الرئيس.

 

فالخصوصية حق من حقوق الإنسان. وتكفله معاهدات اختارت الولايات المتحدة أن تكون طرفاً فيها، وأكدت عليه معايير دولية ساعدت الولايات المتحدة على إقرارها.

صحيح أن بإمكان الدولة اتخاذ خطوات للتدخل في خصوصية الناس إذا كان هذا ضرورياً لحماية حقوق أخرى، إلا أن تدابيرها ينبغي أن تكون متناسبة مع الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه. وعليها أن تقدم التبريرات لأفعالها.

وما من شك في أن المدى الذي ذهبت إليه عمليات الرصد الشامل للاتصالات الهاتفية وحركة شبكة الإنترنت يقطع الأنفاس ويشكل تعدياً على الخصوصية الشخصية.

فابتداء، هناك البرنامج الذي يدوِّن سجل كل مكالمة هاتفية تتم على الصعيد الوطني. ومع أن هذه السجلات لا تتضمن محتوى المكالمات نفسها، وإنما "حيثيات التهاتف"، إلا أنها تتحول إلى نسيج يكشف الكثير عن أنشطتنا اليومية: بدءاً بالشخص الذي نتصل به، ومتى يتم ذلك، ومدة المكالمات، وعددها؛ حتى المكان الذي نكون فيه عند إجراء المكالمة، إذا ما مرت المكالمة عبر الأبراج الخليوية. وهذا كم هائل من المعلومات عن التصرفات اليومية لكل منا.

إضافة إلى ذلك، ذكرت النيويورك تايمز، في الأسبوع الماضي، أن "وكالة الأمن القومي" تتفحص جميع الرسائل الإلكترونية الواردة إلى الولايات المتحدة والخارجة منها. والغرض هو التعرف على مصدر المعلومات ذات الصلة بالإرهاب، أو بالنشاط التجسسي المعادي. وبالطبع هذا هدف مشروع، ولكن الأساليب التي تستخدمها "وكالة الأمن القومي" تعني على نحو باد للعيان أنها تقوم بعملية مسح شامل لكل رسالة إلكترونية تدخل أي خادم (سيرفر)  للإنترنت في الولايات المتحدة أو تخرج منه.

في واقع الحال، يعود الفضل، في معرفتنا بأن برامج مراقبة الاتصالات "لوكالة الأمن القومي" تتيح لمحللي الوكالة البحث تقريباً عن كل شيء وعن أي شيء يفعله مستخدم الإنترنت وقراءته، إلى ما كشف عنه إدوارد سنودن من حقائق وبرامج مستورة لصحيفتي الغارديان والواشنطون بوست. فجميع الرسائل الإلكترونية، وما يبث من أشرطة فيديو وصور فوتوغرافية ومن اتصالات صوتية وعبر الفيديو، والدردشات، وعمليات تحويل الملفات، وتفاصيل التواصل الاجتماعي، وغير ذلك من معلومات، متاحة للمحلل ليتفحصها ويقلِّبها على هواه.

أحد هذه البرامج، المسمى "الموشور"- Prism، يتيح "لوكالة الأمن القومي"، حسبما ذُكر، باباً خلفياً لتدخل منه إلى العمليات الرئيسية للتواصل الاجتماعي، وتخزين البيانات ونقلها، وإلى مصادر التزويد بخدمة الرسائل الإلكترونية.

بينما يقول عرض مسرَّب لبرنامج تطبيقي آخر تشغِّله "وكالة الأمن القومي"، ويدعى "إكس كي سكور" XKeyscore، إن البرنامج يتيح لمحللي "وكالة الأمن القومي" البحث عن محتوى الرسائل الإلكترونية، ودردشات "الفيسبوك"، والرسائل الخاصة، وسواها من أنشطة وسائل الاتصال الاجتماعي، وقراءة هذه المحتويات، وكذلك الاطلاع على تسلسل عمليات محرك البحث ومعرفة "كل عنوان إلكتروني يمكن رؤيته أثناء جلسة الاتصال عن طريق اسم المستخدم وحقل الموضوع"، وأيضاً "كل رقم هاتف يظهر في جلسة للاتصال (على سبيل المثال، مدخلات دفتر العناوين أو (كتلة) التواقيع)"، وغير ذلك من أنشطة المستخدم- بما فيها "اسم المستخدم وقائمة الأصدقاء والإعلانات المجانية المعتادة لمحرك البحث".

فأي تبرير تقدمه الحكومة، إذن؟ تدافع الإدارة عن التجميع الشامل لحيثيات التهاتف بالقول إنه لا يتم مراقبة أو تسجيل محتوى المكالمات. وفي حقيقة الأمر، يذهب محامو الحكومة إلى القول إنه من غير المطلوب استصدار مذكرات لممارسة هذا النشاط لأن الأشخاص غير معنيين بخصوصيتهم فيما يتعلق بأرقام الهواتف وسوى ذلك من تفاصيل المكالمات التي يجرونها. وتوافقهم في ذلك حتى الآن "محكمة رصد الاستخبارات الأجنبية"، التي تلف السرية قراراتها.

إن هذا الاستخلاص مريح لمن يريدون إجراء عمليات المراقبة في غياب الضمانات القانونية الأساسية، ولكنه يجافي المنطق. ولربما لا يرغب معظم الناس في أن تجمع الدولة معلومات عنهم تمكنها من تجميع صورة تفصيلية لأنشطتهم اليومية ولشبكة اتصالاتهم، وعلى الأقل في غياب سبب محدد وفردي لذلك.

أما فيما يتعلق بالبرامج الأخرى، التي تمنح محللي "وكالة الأمن القومي"، دونما خجل، سلطة الاطلاع على محتوى اتصالاتنا، فمنطق الحكومة أكثر ركاكة. فبعض البرامج يستهدف فحسب الاتصالات التي "تعتقد الوكالة بصورة معقولة" – عندما تكون متأكدة بنسبة 51 بالمئة- بأنها تتعلق بشخص "من غير مواطني الولايات المتحدة". وليس ثمة ما يعزينا في هذا، نحن الذين نعيش خارج الولايات المتحدة.

وفي الختام، فإن الحكومة، وعوضاً عن محاولة التظاهر أمام الجمهور، وفي وقت مبكر، بأن تدابير الرصد هذه ضرورية ومتناسبة، تكتفي بتعليلها، في نهاية المطاف بالقول للناس: "ثقوا بنا".

وليست بعيدة عن هذا المنطق تصريحات الرئيس أوباما الأخيرة، حين يقول: "أود أن أوضح مرة أخرى للآخرين، في شتى أنحاء العالم، بأن أميركا ليست معنية بالتجسس على الأشخاص العاديين".

إننا بحاجة إلى ما هو أكثر بكثير من الخطوات المتواضعة التي أعلن الرئيس عن مساندته لها. ولا بد لوزارة العدل من أن تعيد النظر في تلك الخلاصات السهلة التي توصل إليها محاموها.

وينبغي على محكمة الرصد أن تفرج عن النسخ التي صنفتها سرية من قراراتها. كما يتعين على الكونغرس التحرك لسد الثغرات القانونية التي فتحت الأبواب أمام إمكانية التطفل الهائل على خصوصياتنا وحياتنا الشخصية.

نشرت هذه المقالة على الموقع "The Hill" 

 إقرأ المزيد  

الولايات المتحدة الأمريكية: ما كشف عن تجسس الحكومة ’ يدق ناقوس الخطر’