• الحملات

التجسس دون رقابة خطر على المجتمع

بقلم Michael Bochenek

اختفى إدوارد سنودن الموظف السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) في هونغ كونغ بعد أن أفشى أسراراُ حول التجسس الجاري في الولايات المتحدة © PHILIPPE LOPEZ/AFP/Getty Images[/caption]

مايكل بوشينيك، مدير قسم القانون والسياسات بمنظمة العفو الدولية.

نشرت لأول مرة في جريدة ساوث تشاينا مورنينغ بوست

نحن مدينون بالكثير لإدوارد سنودن، فني الحاسوب السابق بجهاز (سي آي إيه) الذي كشف عن جهود التجسس الضخمة داخل الولايات المتحدة وسائر أنحاء العالم.

لقد أنجز مالم يستطع الكونغرس الأمريكي إنجازه، وفعل ما رفضت المحاكم الفيدرالية أن تفعله حتى الآن. وعلى عكس ما ارتآه عديد من كبار البرلمانيين الأمريكيين فإنه لم يرتكب عملاً من أعمال الخيانة بل كل الشواهد تشير إلى أنه أدى خدمة عامة.

فبفضل إدوارد سنودن، نعلم الأن الأمر السري للمحكمة الذي يلزم شركة فيريزون للاتصالات الهاتفية بإطلاع وكالة الأمن الوطني (إن إس إيه) " بشكل يومي مستمر" على معلومات عن كل المكالمات الهاتفية التي تتم عن طريق الشركة. كما نعلم أيضاً عن برنامج وكالة الأمن الوطني السري المسمى " بريزم"، والذي يسمح بالوصول مباشرة إلى المعلومات على مواقع ميكروسوفت وياهوو وغوغل وفيس بوك ويو تيوب وسكايب وآبل وغيرها من الشركات. ونعلم المزيد عن الطرق التي باستطاعة (إن إس إيه) من خلال مبادرتها " مخبر بلا حدود"  أن تربط المعلومات التي تجمعها من جميع هذه الجهود.

هذه الكشوف تظهر اتجاهين في الولايات المتحدة من حيث نهج التعامل مع الاستخبارات – بدءً بإدارة الرئيس بوش، ونعلم الآن إنها استمرت وتوسعت تحت سمع وبصر الرئيس أوباما. أولاً، عندما منحت وكالات الاستخبارات في الولايات المتحدة خيار سلطات واسعة للتجسس محلياً وخارجياً، فإنها قبلت هذا الخيار و دفعته إلى أبعد مايمكن.

إذ، لماذا تضيق الوكالات على نفسها بالتزام الطرق القديمة في اقتفاء القرائن المنفردة وإظهار دعوى محتملة في حين تستطيع عوضاً عن ذلك أن تنقب خلال ملايين التسجيلات الهاتفية وأن تدخل مباشرة في مزودات البريد الإلكتروني ومواقع شبكة التواصل الاجتماعي التي يستخدمها كل شخص تقريباً؟

هذا النهج لا يبعث على الدهشة إطلاقاً، لعدد من الأسباب. وأحد الحوافز على تبنيه هو أن المحاكم تصر على أن إفشاء تسجيلات المكالمات، حتى ولو كانت كاملة، لا تفي بالشروط المعتادة لإصدار أمر القبض. حقيقي أن الحصول على " بيانات هاتفية هائلة" – يعني نقل سجلات المكالمات من هاتف إلى آخر، متى وما مدتها و في حالة الهواتف المحمولة، عن طريق أي أبراج خليوية – ليست بالضبط مثل التداخل في الاتصالات الشخصية. لكن المحاكم، فيما يبدو، لا تقدر كم يمكن تحصيله من هذه البيانات. خاصة إذا تم مراجعتها وتوثيقها مع مصادر أخرى للبيانات، فتحليل سجلات المكالمات الهاتفية يمكن أن ينتج صورة دقيقة للغاية عن ارتباطات الأشخاص، من يرتبط بمن ( وبأي درجة من الحميمية)، وكيف يمضون أوقات فراغهم، وماهي أحوالهم الصحية، وما هي آراؤهم السياسية على الأرجح، وتفاصيل أخرى عن حياتهم الخاصة.

ثانياً،  وهذا واضح منذ فترة، أن اتجاه الدولة إلى السرية قد تجاوز المألوف.

إن الجمع المفرط " للبيانات الهائلة" للهواتف أصبح ممكناً بالتعديلات التي أدخلت عام 2008 على قانون استخبارات التجسس على الأجانب، الذي يستثني هذه الاستخبارات من أي رقابة ذات قيمة. وبموجب التعديلات، ليس على الحكومة أي التزام بالكشف عن أسماء الذين تنوي مراقبتهم، و محكمة قانون استخبارات التجسس على الأجانب ليس لها دور في النظر في كيفية استخدام الحكومة الفعلي للمعلومات التي تجمعها. وأكثر ما يلفت النظر أنه حتى إذا كانت المحكمة ستجد الإجراءات معيبة فإن الحكومة تستطيع تجاوز ما وصلت إليه المحكمة وتستمر في التجسس بينما هي تستأنف ضد قرار المحكمة.

وبالنيابة عن منظمة العفو الدولية، والمدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات أخرى، طعن الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية في دستورية هذا القانون. وفي رفضها للطعن في العام الماضي، قالت المحكمة العليا للولايات المتحدة إن منظمة العفو الدولية والجماعات الأخرى لم تستطع أن تبين أننا على الأرجح معرضون للتجسس. وكيف يكون هذا؟  إن التجسس وأوامر المحكمة التي تأذن به جميعها سرية.

في الأسبوع الماضي قال الرئيس أوباما إن رقابة الكونغرس أفضل ضمان بعدم التجسس على الأمريكيين. أما بالنسبة لبقية العالم، لا بأس، فقد لاحظنا منذ فترة أنهم يتجسسون علينا.

ومهما حسنت النوايا، فإن الكونغرس لا يستطيع مراقبة ما لم يحط به خبراً. كما لاحظ ذلك اثنان من أعضائه في رسالة لهما في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، جاء فيها: " إن دوائر الاستخبارات صرحت مراراً بأنه ليس ممكناً أن تقدم تقديراً ولو تقريبياً لعدد الاتصالات الأمريكية التي تم جمعها بموجب التعديلات على قانون استخبارات التجسس على الأجانب،  بل ورفضت أن تقدر حجم هذا الجمع."
وفي الحقيقة، ففي مارس/ آذار، أي قبل شهر واحد من تنفيذ شركة فيريزون للأمر، أنكر جيمس كلابر مدير الاستخبارات الوطنية جمع " أي نوع من البيانات" عن أعداد كبيرة من المواطنين الأمريكيين". ومنذئذ وهو يصف إجابته بأنها: " أصدق إجابة أو أبعدها عن عدم الصدق".

ونتيجة لعدم توجيه اتهامات رسمية إلى إدوارد سنودن ، في الوقت الحالي، فقد أخبرت المملكة المتحدة شركات الطيران أن تمنعه من الركوب في أي رحلة متجهة إلى أي دولة لئلا يسافر إليها أو عن طريق لندن طلباً للجوء خارج هونغ كونغ.

ويقال إن ممثلي الادعاء الأمريكيين قد تعرفوا على عشرات التهم الممكنة والتي تعد جرائم كذلك في هونغ كونغ، وهذا من متطلبات تأمين تسليمه إلى الولايات المتحدة.  ومن المرجح جداً أن تشمل هذه التهم مخالفة قانون التجسس لعام 1917، الذي لا يتيح، فيما يبدو، إمكانية الدفع بأن الإفشاء كان للصالح العام.

وإذا لم يسمح لإدوارد سنودن باستخدام الصالح العام في دفاعه ضد أي من التهم التي سيواجهها في نهاية المطاف، فسيكون في ذلك إهدار للعدالة. لقد صرح بأنه يخبر الناس بما تفعله الولايات المتحدة باسمهم. وقال إنه راجع الوثائق قبل إفشائها ليتأكد من أنه لم يعرض أحداً للخطر. وأن البرامج التي كشف عنها تمس المصلحة العامة لا جدال.

إذا تلقت هونغ كونغ طلباً بتسليم إدوارد سنودن، فيجب أن تصر على أن التهم الموجهة لها ما يناظرها في القانون المحلي، ولا تكتفي بذلك  فحسب بل تصر على أن يتاح له استخدام الصالح العام في نقاط دفاعه.

إقرأ  المزيد:
‎الولايات المتحدة الأمريكية: ما كشف عن تجسس الحكومة ’ يدق ناقوس الخطر’