الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

حقوق الإنسان بحسب المنطقة

أمينة عبد الحصري تحمل صورة ابنها، أحمد زهدي الشرقاوي، في لبنان، في عام 2010. وكان الابن قد اختفى في عام 1986.

© Dalia Khamissy


"نريد هذه وتلك معاً: حرية العمل وحرية الكلام. وبدلاً منهما تعرضت للضرب."
وليد ملاحي، الذي تعرض للضرب على أيدي شرطة مكافحة الشعب خلال مظاهرة احتجاج ضد الحكومة، في حديث له مع باحثي منظمة العفو الدولية في تونس.

أشرق عام 2010 وقد أصبحت اليمن محط أنظار المجتمع الدولي بصورة غير معتادة، في أعقاب حادثة زُعم أنها إرهابية، وغربت شمس العام وقد تعلقت أعين الكثيرين بقوة الشعب البازغة في تونس، وسلسلة ردود الأفعال التي أدت إليها في سواها من بلدان المنطقة. وقد صاحبت هذه وتلك حادثتا انتحار: كانت الأولى تفجيراً انتحارياً، حسبما زُعم، يستهدف قتل المسافرين في طائرة تجارية نفاثة، والثانية قيام شاب بإحراق نفسه يأساً بعد أن فقد العمل وفرصة كسب الرزق، وهدَّه القمع السياسي.

ولم تكن أي من هاتين الحادثتين من الظواهر العارضة التي صاحبت بداية عام ونهايته، بل إنهما ألقيتا الضوء على التيارات الأساسية المؤثرة في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ألا وهي انشغال الحكومات بأمنها السياسي وتجاهلها لأمن شعوبها، وتقاعسها عن إعلاء حقوق الإنسان التي يعتمد هذا الأمن عليها.

ففي يناير/كانون الثاني وقع اليمن في قبضة صراع أسال الدماء في محافظة صعدة الفقيرة في الشمال، وجعل الحكومة تواجه حركة انفصالية متصاعدة في الجنوب. ولكن لم يكن هذا ولا ذاك، على الرغم مما أفرزاه من انتهاكات لحقوق الإنسان، هو الذي ارتقى بموقع اليمن على قائمة الاهتمامات السياسية الدولية، وأما السبب فكان حادثة وقعت يوم 25 ديسمبر/كانون الأول 2009، على بعد آلاف الأميال، عندما حاول رجل نيجيري، قيل إنه تلقى التدريب لدى تنظيم "القاعدة" في اليمن، أن يفجر طائرة مدنية فوق مدينة ديترويت الأمريكية، إذ إن تلك الحادثة سلطت الأضواء فجأة على اليمن على اعتبار أنه قد يكون مركزاً لتنظيم "القاعدة" على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية، وعلى مسافة قصيرة عبر البحر الأحمر من دولة الصومال الغارقة في لجة الصراع، ولاسيما بعد تواتر أنباء عن تشكيل تنظيم "القاعدة في شبه الجزيرة العربية" وظهوره في صورة قوات "القاعدة" في اليمن والسعودية.

وكان اليمن، الذي يُعتبر أفقر دولة في المنطقة، يعاني قبل هذا من محن اجتماعية واقتصادية وسياسية طاحنة، فالشعب الذي يتكون أغلبه من الشباب يواجه موجة متنامية من الفقر والبطالة، واحتياطيات النفط وإمدادات المياه في البلد كادت تنفد، بينما يتربع على قمة الحكم رئيس منذ عام 1978 يزداد ضيق صدره بالمعارضة. فإذا أُضيف إلى هذا كله صراع صعدة والمطالب المتزايدة بالانفصال في الجنوب، تبين أن اليمن قد يصبح مرة أخرى في بؤرة الاهتمام الدولي، حيث تتزايد المخاوف من أن أي تدهور جديد في هذا البلد القبلي، الذي تنتشر فيه الأسلحة على نطاق واسع، قد يؤدي إلى انهيار القانون والنظام بشكل كامل.

وقد اتضح هذا الأمر، إلى حد ما، أمام باحثي منظمة العفو الدولية، أثناء زيارتهم لذلك البلد في مارس/آذار، إذ شاهدوا أدلة على الأسلحة المستخدمة في هجوم على ما زُعم أنه معسكر لتنظيم "القاعدة" في ديسمبر/كانون الأول 2009، وكان ذلك الهجوم قد وقع قبل نحو أسبوع من العثور على القنبلة بهدف تفجير الطائرة في ديترويت، وأسفر عن قتل 41 مدنياً يمنياً، معظمهم من النساء والأطفال. وكانت الإشارات على بقايا الأسلحة تدل على أنها خرجت من صاروخ من نوع "توماهوك" يحمل قنابل عنقودية، ولابد أن القوات الأمريكية هي التي قامت به، ربما من سفينة حربية أمريكية قريبة من الساحل اليمني، لا من جانب قوات الأمن اليمنية. وأكدت ملفات الحكومة الأمريكية ذلك فيما بعد، إذ كشف عنه تسجيل اجتماع عقده الرئيس اليمني مع أحد كبار المسؤولين الأمريكيين، واعترف فيه الرئيس بنبرات الندم والحسرة بأنه كذب على شعبه حين أخبره أن الهجوم قامت به القوات اليمنية، للتستر على ما رأى فيه حقيقة ذات أضرار سياسية، أي أن قتل المدنيين اليمنيين نجم مباشرة عن هجوم أمريكي.

وشهدت تونس حادثة تنطق بيأس محمد البوعزيزى، البالغ من العمر 24 عاماً، إذ أشعل النار في جسده، يوم 17 ديسمبر/كانون الأول، بعد أن منعه أحد المسؤولين المحليين في بلدة سيدي بوزيد من بيع الخضراوات على عربة اليد واعتدى عليه، فيما ورد، فكانت تعبيراً فردياً عن احتجاجه وأدت آخر الأمر إلى وفاته، ومن ثم فقد مسَّت هذه الحادثة عصباً عارياً لدى الآلاف من زملائه التونسيين، بل ومئات الآلاف في مصر والجزائر وغيرهما من البلدان في تلك المنطقة، إذ أطلقت موجة من مظاهرات الاحتجاج التي انتشرت كالنار في الهشيم في أرجاء البلد كله. وكان انتحار محمد البوعزيزى بمثابة صيحة إفصاح عن الإحباط الذي يشعر به أبناء جيله من جراء طبع الإيذاء لدى الحكومات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي تحتكر القلة فيها جميع السلطات السياسية والاقتصادية تقريباً، وهي حكومات لا تقبل المساءلة، وتعتمد على القمع، ويضيق صدرها بالمعارضة، ويسعدها الارتكان إلى قوات الأمن والاستخبارات الوحشية، ذات القوة الغلابة، والموجودة في كل مكان، كي تضمن للحكومات بقاء سيطرتها على الدولة ومواردها، مثلما دأبت على ذلك على امتداد عقود كثيرة. وكالعادة، لجأت حكومة زين العابدين بن علي إلى استخدام القوة عندما واجهت الاحتجاجات الشعبية، فقتلت متظاهرين بالأسلحة النارية مثلما فعلت في قفصة عام 2009. ولكن المتظاهرين لم يفزعوا هذه المرة، بل ازداد تصميمهم على تحقيق غايتهم بتخليص بلدهم من الرئيس بن على.

 

الصراع وانعدام الأمن

وأما الصراع في صعدة باليمن فلم تصل معظم أنبائه إلى العالم الخارجي، إذ شهد قيام طائرات سعودية نفاثة بقصف البلدات والقرى، وهو ما أسهم في فرار نحو 350 ألف شخص من ديارهم، ثم انتهى باتفاق لوقف إطلاق النار في فبراير/شباط. واستمر الصراع في العراق، بعد أن خفضت الولايات المتحدة عدد جنودها واستكملت تسليم السجون والآلاف من المحتجزين الذين لم يُحاكموا إلى الحكومة العراقية فأصبحوا خاضعين لسيطرتها. وقد فعلت الولايات المتحدة ذلك على الرغم من الحقائق التي يتوالى الكشف عنها بصدد استخدام الحكومة العراقية للسجون السرية واستخدام قوات الأمن للتعذيب على نطاق وبائي. وفضلت الحكومة الأمريكية أن تتغاضى عن الأمر كله، بدلاً من الوفاء بالتزامها بحماية المحتجزين المعرضين لخطر التعذيب. كما إنها حكمت على نحو 3400 إيراني يعيشون في المنفى، في مخيم أشرف، شمالي بغداد، بمستقبل مزعزع لا أمن فيه بعد أن سلمت القوات الأمريكية السيطرة على المخيم للسلطات العراقية.

وواصلت الجماعات المسلحة في العراق تفجير القنابل دون هوادة، مما أسفر عن قتل بعض المدنيين وبتر أطراف البعض الآخر. وكان الحجاج الشيعيون، وكذلك المسيحيون، من بين الذين استهدفتهم الجماعات السنية المسلحة، وكانت هذه الجماعات قد عقدت العزم على استعراض عضلاتها وبذر المزيد من بذور الفتنة الطائفية، فكثفت هجماتها خلال فترة عدم الاستقرار السياسي التي تلت إعلان النتائج غير الحاسمة للانتخابات العراقية العامة في مارس/آذار.

وكان رد الحكومة العراقية هو الانقضاض الشامل على المشتبه فيهم وتعذيبهم بهدف انتزاع "اعترافات" منهم، وحملهم إلى المحاكم، وإصدار أحكام الإعدام على عشرات منهم بعد محاكمات تتسم بالجور الشديد. وكان استمرار هجمات التفجير التي يقوم بها الانتحاريون بمثابة تحدٍ للزعم القائل بأن عقوبة الإعدام ذات تأثير رادع.

وأما المحور الإقليمي الآخر للصراع فقد ظل يتمثل في استمرار النزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وخلافاً للمعتاد جرت جولات ذلك الصراع في البحر، حين اعترض الجنود الإسرائيليون، في مايو/أيار، مسار أسطول صغير يتكون من ست سفن يسعى لخرق الحصار العسكري الذي فرضته إسرائيل على غزة، بهدف تقديم المعونة الإنسانية للفلسطينيين المحاصرين هناك ويبلغ عددهم مليوناً ونصف مليون. وسقط تسعة قتلى على ظهر السفينة التركية مرمرة بعد أن هبط على ظهرها الجنود الإسرائيليون، وهو ما أدى إلى اندلاع عاصفة احتجاج دولية بلغ من قوتها أن أحست إسرائيل بأنها مضطرة للتخفيف قليلاً من صرامة حصار غزة. وانتهى التحقيق الذي قامت به الأمم المتحدة إلى أن ستة على الأقل من بين القتلى التسعة كانوا فيما يبدو ضحية "الإعدام الفوري والتعسفي خارج نطاق القانون" على أيدي القوات الإسرائيلية. وانتهى العام دون أن تظهر نتيجة التحقيق المحلي الذي تقوم به إسرائيل والذي يفتقر إلى الاستقلال.

وشهد شهر ديسمبر/كانون الأول الذكرى السنوية الثانية لانطلاق عملية "الرصاص المسكوب"، وهي الهجوم العسكري الذي شنته إسرائيل على غزة لمدة 22 يوماً، وأدى إلى قتل نحو 1400 فلسطيني، كان من بينهم أكثر من 300 طفل. وكانت لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون قد اتهمت في عام 2009 إسرائيل والجانب الفلسطيني بارتكاب جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية أيضاً وطالبت بإجراء تحقيقات وتطبيق المساءلة. ومع ذلك، فبحلول نهاية عام 2010 كان الضحايا لا يزالون ينتظرون العدالة والتعويضات. وكانت التحقيقات المحلية التي أجرتها إسرائيل تشوبها العيوب، وتفتقر إلى الاستقلال بل والإقرار بحجم الإصابات والقتلى من المدنيين الذي تسببت فيه القوات الإسرائيلية، ولم تقم حركة "حماس" حتى بتحقيق ظاهري مصرة، بالرغم من الأدلة القائمة، على أنها لم تهاجم إلا المنشآت العسكرية في حين أنها كانت تطلق الصواريخ وغيرها من الأسلحة من دون تمييز على المناطق الإسرائيلية المدنية. وكان من المقرر عرض القضية على مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في مارس/آذار 2011 بهدف البت فيما إذا كان ينبغي السماح للطرفين المسيئين بمزيد من الوقت لتجاهل مطالب الضحايا أم إحالة الموضوع إلى آليات العدالة الدولية.


 

قمع المعارضة

كانت حرية التعبير، ذلك الحق الأساسي ذو الأهمية الحيوية لذاته ولتلبية حقوق الإنسان الأخرى، تتعرض للانتقاص منها على أيدي الحكومات في شتى أرجاء المنطقة. وكذلك كان شأن حقوق أخرى ذات صلة وثيقة بهذا الحق، ألا وهي حرية تكوين الجمعيات، وحرية الاجتماع، إذ كانت سلطات الدولة تعوق تطور المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان، ونشأة مجتمع مدني ناشط، وكثيراً ما كانت تسعى إلى منع التعبير علناً عن المعارضة.

وفي بعض البلدان، من بينها إيران وسوريا وليبيا والمملكة العربية السعودية، كانت المخاطر تحيط بمن يتجاسرون على الإفصاح عن المطالبة بحريات أكبر، أو ينتقدون الحكومة، أو يدافعون عن حقوق الإنسان. ففي هذه الدول وفي غيرها، كانت قوى القمع، ألا وهي الشرطة السرية التي تعمل في الخفاء وتتمتع بقوة جبارة وهي بمنأى عن المساءلة، لا تبعد قط عنهم. فكان منتقدو الحكومة يتعرضون للمضايقات والترهيب والاعتقال والاحتجاز، وللتعذيب أحياناً أو المحاكمة والحبس بتهم ملفقة بهدف تكميم أفواههم وتوجيه رسالة إلى الآخرين الذين قد يتهورون فيصرحون بآرائهم. ففي إيران، أُعدم عدد من أبناء أقلية عرقية شنقاً دون محاكمة، وذلك عل سبيل الانتقام إثر هجوم مسلح وقع أثناء وجودهم هم أنفسهم في السجن. وفي سوريا بدا أن نقابة المحامين قد استُقطبت لكي تستهدف وتشطب من جداولها اسم محام بارز يدافع عن حقوق الإنسان، وكان المحامي قد نشر أنباء عن محاكمات جرت أمام محكمة أمن الدولة العليا في سوريا، وهي محكمة خاصة تتسم بالجور. وفي الضفة الغربية، كانت السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة "فتح" تستهدف من تشتبه في تأييدهم لحركة "حماس"، وفي غزة، كانت الإدارة التي تسيطر عليها حركة "حماس" بحكم الواقع الفعلي تزيد من ضغطها على أنصار حركة "فتح". وفي الصحراء الغربية، الخاضعة للإدارة المغربية منذ عام 1975، استهدفت السلطات المغربية الصحراويين من المدافعين عن حقوق الإنسان ودعاة تقرير المصير لأبناء الصحراء الغربية. وفي البحرين، فرضت الحكومة سيطرتها من الناحية الفعلية على إحدى المنظمات الرائدة المعنية بحقوق الإنسان، بعد أن تحدثت علناً عما زُعم أنه تعذيب تعرض له أفراد من طائفة الشيعة احتُجزوا في أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول.

 

حرية التعبير وأجهزة الإعلام

جاهدت السلطات الحكومية للحفاظ على سيطرتها على حرية تدفق المعلومات، بأساليب مألوفة وعفا عليها الزمن، ولكنها واجهت تحدياً متنامياً من نهضة وسائل الاتصال الاجتماعية وسهولة استعمالها، ومن زيادة تصميم جموع المواطنين على أن يقولوا كلمتهم. ففي سوريا ومصر وغيرهما، قُبض على عدد من مدوني الإنترنت واحتُجزوا. وفي إيران وتونس وغيرهما، حجبت الحكومات شبكة الإنترنت وقطعت خطوط الهواتف النقالة في مسعاها لإخماد الاحتجاجات. وفي اليمن، تعرض صحفي مرموق للاختطاف من الشارع وللاحتجاز، ولجأت محكمة صحفية إلى استهداف المحررين والصحفيين الذين لم يلتزموا بسياسة الحكومة. وفي ذلك البلد وغيره من بلدان المنطقة، لجأت السلطات إلى محاكمات بتهمة التشهير الجنائي لإخماد جذوة أي نقاش ولردع الصحفيين ومنعهم من كشف انتهاكات حقوق الإنسان، أو الفساد في الدوائر العليا.

ولكن، وعلى نحو ما بينته الاحتجاجات في تونس، فإن قيام الحكومات بعرقلة الوصول إلى الإنترنت أو بقطع خطوط الهواتف النقالة كان بمثابة محاولة إحداث خرق بالإصبع في السد الحاجز للفيضان ليس إلا، إذ اندفع النشطاء بأعداد متزايدة على مواقع الشبكات الاجتماعية في الإنترنت لكي يسبقوا السلطات وينشروا الأدلة التي تدين الدولة على انتهاكاتها. وكان من بين الظواهر الإيجابية البالغة التي تمخض عنها عام 2010 أن مسار المعركة الدائرة للسيطرة على الوصول إلى المعلومات قد بدأ يتغير أخيراً لصالح المواطنين النشطاء.

 

الأمن العام

ظل تعذيب المحتجزين وسوء معاملتهم من الظواهر الراسخة في شتى أرجاء المنطقة. وكثيراً ما كان الضحايا من المشتبه فيهم سياسياً ممن احتُجزوا، وكثيراً ما كان ذلك في أماكن لم يُعلن عنها، حيث تعرضوا للتحقيق معهم وظلوا بمعزل عن العالم الخارجي أسابيع متوالية في بعض الأحيان، أو حتى لفترات أطول. كما كان عنف الشرطة ضد المشتبه بهم في قضايا جنائية عادية من الظواهر المستوطنة في مصر وغيرها من البلدان. وفي الحالات التي أجريت فيها محاكمات، كانت المعايير الدولية للمحاكمة العادلة تتعرض بانتظام للتجاهل، خصوصاً في القضايا الخاصة بالاختلاف أو المعارضة الصريحة لمن يمسكون بزمام السلطة.

وفي إيران استمرت "المحاكمات المظهرية" لمن احتجوا على النتائج الرسمية للانتخابات الرئاسية عام 2009، وهي محاكمات أدت إلى إعدام اثنين على الأقل. وفي السعودية، استمرت محاكمات المشتبه في ارتكابهم جرائم أمنية في جلسات مغلقة ووسط إجراءات أمن مشددة. وفي مصر ظل النشطاء السياسيون من المدنيين وغيرهم من المشتبه فيهم يواجهون المحاكمة أمام محاكم عسكرية أو محاكم طوارئ بناء على توجيهات رئيس الجمهورية.

وفي مايو/أيار، وافق البرلمان المصري المطيع على تجديد فرض حالة الطوارئ السارية منذ 30 عاماً في البلاد، كما أبقت الحكومتان الجزائرية والسورية على حالة الطوارئ التي طال عليها الأمد فيهما، ومنحت لقوات الأمن فيهما، مثل مصر، صلاحيات استثنائية في الاعتقال والحجز استُخدمت في قمع الأنشطة السياسية المشروعة والتعبير عن حقوق الإنسان.

وأبقت عدة حكومات على عقوبة الإعدام وغيرها من ضروب العقوبات القاسية مثل بتر الأطراف والجلد، واستخدمتها على نطاق واسع. بل لقد كان من المفارقات أن يجتمع قادة وحكومتا الدولتين الكبريين في الخليج، وهما إيران والسعودية، برغم ما بينهما من نفور متبادل، على استمرار الاستمساك بعقوبة الإعدام وغيرها من العقوبات القاسية، وأن يبررا تطبيقها باسم الشريعة الإسلامية، وإن كانا ينتفعان بها بأسلوب يوحي بأن لها دوافع سياسية معيبة. ويصدُق هذا بصورة خاصة على إيران، حيث نفذت الحكومة عدداً من أحكام الإعدام يزيد عن جميع الدول الأخرى باستثناء الصين، وكان الدافع الواضح من ورائها بث الرعب في القلوب. وقد ورد ما يفيد تنفيذ حكم الإعدام في 470 شخصاً في إيران، وإن كان المعتقد أن الرقم الكلي الحقيقي أكبر من ذلك. ونتيجةً لارتفاع موجة الاشمئزاز الدولي من اعتزام الرجم حتى الموت للسيدة سكينة محمدي أشتياني، فقد ظلت على قيد الحياة بحلول نهاية العام، وإن كانت تواجه مستقبلاً مجهولاً، بسبب الجهود والمحاولات الملتوية التي بذلتها السلطات الإيرانية المختلفة لتبرير إعدامها. وكان الغضب الذي صاحب قضيتها محلياً وفي الخارج دليلاً له مغزاه على التأثير الذي يمكن للرأي العام الدولي أن يحدثه ابتغاء تفادي ارتكاب انتهاك جسيم لحقوق الإنسان.

وفي السعودية، أُعدم ما لا يقل عن 27 سجيناً، وإن كان هذا يمثل انخفاضاً كبيراً عن عدد من أُعدموا في العامين الأخيرين، ونأمل أن يبشر بتوجه إيجابي طويل الأجل، ولكن ذلك ليس مؤكداً. واستمرت الحكومات المتشددة أيضاً في تنفيذ أحكام الإعدام في سوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن. كما أعدمت حركة "حماس" خمسة أشخاص في غزة. إلا إن حالات الإعدام هذه تتعارض باطراد مع الاتجاه العالمي لإلغاء هذا التعبير البالغ القسوة عن عنف الدولة، وهو اتجاه يتجلى في حفاظ دول المغرب العربي والأردن وليبيا على الإيقاف المؤقت لتنفيذ أحكام الإعدام فيها.

 

الهموم االاقتصادية: الإسكان وكسب الرزق

تعرض الفلسطينيون المكدسون في قطاع غزة، ويبلغ عددهم مليوناً ونصف، للعيش عاماً آخر في مشقة بالغة تحت الحصار العسكري الإسرائيلي الذي يشكل عقوبةً جماعيةً، وخرقاً للقانون الدولي، والذي يحبسهم فعلياً في تلك البقعة الصغيرة المحصورة التي مزقتها الحرب. وأعلنت إسرائيل مرتين تخفيف الحصار إلى حد ما، ولكن دون تأثير يُذكر. واستمر نحو 80 بالمئة من سكان غزة يعتمدون على المساعدات الإنسانية الدولية والمعونات الغذائية في سبيل البقاء.

وفي مناطق أخرى بالمنطقة ابتليت مجتمعات كثيرة بالوقوع في هوة فقر مدقع بسبب الآثار العميقة للانكماش الاقتصادي العالمي، والفساد في الدوائر الرسمية، وسوء الحكم الجلي، وقد تجلى ذلك في ارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً بين الشباب، مما أشعل الإحساس بالتهميش والمطالبة بالتغيير، وكانت هذه هي القوى المحركة للانتفاضة التونسية في ديسمبر/كانون الأول. وفي كثير من الحالات، كان أولئك الذين دُفع بهم إلى هوامش المجتمع هم الذين يحسون بالجبروت الكامل لوحشية الشرطة أو اللامبالاة الرسمية.

ففي مصر، واصل العمال وغيرهم تنظيم مظاهرات احتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة والمطالبة بأجور وظروف عمل أفضل. وكان الآلاف من سكان القاهرة ضمن الملايين الذين يعيشون في المناطق العشوائية (الفقيرة) المتضخمة، وكان هؤلاء يُرغمون على الجلاء من تلك المناطق التي أُعلن أنها "غير مأمونة" أو لأن "مناطق أكواخهم" قد خُصصت للتطوير وللارتقاء بها معمارياً. وما أكثر الحالات التي أُخرج فيها هؤلاء من ديارهم من دون أن يُستشاروا أولاً أو يُسمح لهم بالمشاركة في الرأي في تغيير أماكن إقامتهم، بل إن البعض ظل مشرداً. وهكذا فإن السلطات المسؤولة عن إعلاء واحترام حقوقهم الإنسانية جعلتهم يشعرون بأنهم بلا حقوق على الإطلاق.

 

التمييز

لم يشهد عام 2010 تحسناً يُذكر في مكانة النساء والفتيات اللاتي واصلن، في شتى أرجاء المنطقة، مواجهة التمييز والعنف، بما في ذلك العنف داخل الأسرة. وظل الرجل متفوقاً على المرأة بموجب قوانين الأسرة وقوانين الأحوال الشخصية، في الأمور المتعلقة بالزواج والطلاق والوصاية على الأطفال والميراث، كما ظلت المرأة تحتل موقعاً أدنى بموجب القانون الجنائي. وكانت الفتيات، وخصوصاً في المناطق الخاضعة للتقاليد، يتعرضن للزواج المبكر وللزواج ضد رغبتهن، وكانت النساء اللاتي يتحدين قواعد الملبس أو يرى أقاربهن الذكور أنهن لا ينصعن لأفكارهم الخاصة عن "شرف" الأسرة يُخاطرن بالتعرض لأعمال ثأرية عنيفة بل وللقتل على أيدي آبائهن أو إخوتهن أو أزواجهن أو أقاربهن الذكور. وفي قضايا بالغة الكثرة، كان الرجال الذين يحتجون بالدفاع عن "الشرف" باعتباره عاملاً من عوامل تخفيف الحكم، ينجون من أي عقاب أو من العقاب المناسب على جرائم العنف المرتكبة ضد الإناث من أفراد الأسرة.

وإذا كانت النساء كلهن تقريباً يتعرضن للخطر بسبب العنف الناجم عن كونهن إناثاً وحسب، فإن الأجنبيات العاملات في المنازل كن يتعرضن لأخطار أشد. وكان هؤلاء في معظمهن نساءً من بلدان فقيرة ونامية في آسيا وإفريقيا، ويعملن في بعض بلدان الخليج العربي وفي الأردن وفي لبنان، وكن مستبعدات استبعاداً تاماً وبصفة عامة من قوانين العمل المحلية، حيثما توجد هذه القوانين، وكان الخطر الذي يتعرضن له ثلاثياً، فهن أولاً أجنبيات، وهن ثانياً مهاجرات، وهن ثالثاً من النساء. وأما الخطر فيتمثل في الاستغلال وسوء المعاملة، بما في ذلك العنف الجنسي وغيره من صور العنف، على أيدي مستخدميهن. وكانت قضيتان من القضايا التي تثير أشد القلق والتي أُميط عنها اللثام في عام 2010، تتعلق بامرأتين تعملان بالخدمة في المنازل في السعودية الغنية بالنفط. وكانت الأولى مواطنة من سري لنكا زعمت أن مستخدمتها قد دقت أكثر من 20 مسماراً في يديها ورجلها ورأسها بعد أن اشتكت من كثرة العمل الذي كُلفت بأدائه. وكانت الثانية مواطنة إندونيسية، وقد أصيبت بجرح بالمقص في وجهها، وتعرضت للكيّ بمكوي ساخنة، وتلقت من الضرب ما استدعى إدخالها المستشفى.

وظل المهاجرون من البلدان الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى الذين يسعون للحصول على عمل في شمال إفريقيا أو عبورها لدخول الدول الأوروبية عرضةً للاعتقال الفوري والاحتجاز أو الترحيل. وكان اللاجئون وطالبو اللجوء من بين المعرضين للخطر. وفي مصر، واصل حرس الحدود تطبيق سياسة إطلاق النار على المهاجرين الذين يحاولون عبور حدود البلد لدخول إسرائيل، فقتلوا ما لا يقل عن 30. وفي ليبيا، تعرض آلاف ممن يُشتبه أنهم مهاجرون، وبينهم لاجئون وطالبو لجوء، للاحتجاز في معتقلات شديدة التكدس وغير صحية، وعادةً ما كانوا يواجهون الإيذاء، الذي وصل أحياناً إلى حد التعذيب.

كما كان أفراد الأقليات العرقية والدينية أيضاً يتعرضون للتمييز، مثلما هو الحال في إيران، أو يُستهدفون لاعتداءات الجماعات المسلحة، كما في العراق. وفي مصر، تعرض بعض المسيحيين لاعتداءات. وفي لبنان، ظل اللاجئون الفلسطينيون ممنوعين من مزاولة بعض المهن ومحرومين من التمتع بحقوق أساسية أخرى. وفي سوريا، تعرض الأكراد للتمييز المستمر والقيود المفروضة على استخدام لغتهم والتعبير عن ثقافتهم. وكانت الحياة في هذه المنطقة شاقة، بل بالغة المشقة، للمهاجرين واللاجئين وأفراد الأقليات.

 

المحاسبة على الماضي

كانت خطوات عملية الحقيقة والمصالحة، التي طال عليها الأمد منذ أن أُعلن عن بدايتها ببعض التهليل والترحيب في المغرب والصحراء الغربية عام 2004، لا تزال تسير سير السلحفاة وتواصل إحباط من عقدوا عليها الآمال. وكانت هذه العملية منذ البداية تستبعد صراحةً أي اعتبار للعدالة باعتبارها وسيلة لمعالجة الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها القوات الحكومية في الفترة من عام 1956 إلى عام 1999، كما كانت في الواقع العملي تتقاعس في معظم الأحوال عن كشف الحقيقة عما حدث للذين اختفوا أو تعرضوا لغير ذلك من الانتهاكات الخطيرة. وإضافةً لذلك لم تبد السلطات المغربية دلائل تذكر على تنفيذ الإصلاحات القانونية والمؤسسية البعيدة المدى التي كان من الواجب أن تسفر عنها تلك العملية، أي محاسبة قوات الأمن بموجب القانون واستئصال شأفة الاحتجاز السري والتعذيب. وكان مما يؤكد هذا التقاعس خروج أنباء جديدة في عام 2010 عن تعذيب المشتبه فيهم على أيدي الشرطة السرية المغربية.

وفي غضون ذلك، كان العمل الذي تقوم به "المحكمة الخاصة بلبنان"، التي تشكلت برعاية الأمم المتحدة في أعقاب اغتيال رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان السابق في عام 2005، قد أثار عاصفة سياسية تهدد الحكومة الائتلافية التي يرأسها ابن رئيس الوزراء القتيل. وازداد التوتر حين ترددت الأنباء بأن المحكمة تعتزم توجيه الاتهام إلى عدد من أعضاء "حزب الله"، وهو أعتى قوة سياسية في لبنان ويشارك في الحكومة الائتلافية، وهو ما أدى إلى اتهام "حزب الله" للمحكمة بأن دوافعها سياسية. ولم تكن الحقائق قد برزت بحلول نهاية عام 2010، ولكن لم يكن من الصعب على المرء أن يرى أن هذه المحكمة طبَّقت منذ البداية أسلوب العدالة الانتقائية، فصلاحياتها وولايتها القضائية محدودة، إذ تقتصر على اغتيال الحريري وبعض الاعتداءات المتصلة بذلك الحادث. ولم تتخذ الحكومة اللبنانية خطوات تُذكر، أو لم تتخذ أية خطوات على الإطلاق، للتحقيق في الآلاف من حالات الاختفاء والاختطاف والقتل وغير ذلك من الانتهاكات التي ارتُكبت في غضون الحرب الأهلية المريرة التي استمرت 15 عاماً وانتهت عام 1990، بل ولا من أجل توفير الحماية الكافية للقبور الجماعية، على الرغم من مناشدات أقارب الآلاف من المفقودين، وهم الذين تقدم العمر بهم حالياً. أي إن التركة التي خلفتها تلك الفترة، التي تُعتبر أحلك فترة في تاريخ لبنان الحديث، لا تزال تنتظر من يتصدى لها. وتذكيراً بذلك لا يزال عدد من الأفراد يلتقون في وقار وصمت في أحد متنزهات بيروت، وقد أمسك كل منهم بصور ثمينة، وإن اصفر لون أوراقها، لأحبائهم الذين فُقدوا من زمن بعيد دون أن يطويهم النسيان، متسائلين عما حدث لهم، ومستفسرين عن مواقع رفاتهم، وهو مشهد مرير حقاً. ومما يثير الأسى، بعد انقضاء 20 عاماً، أن مجلس الأمن الدولي لم يتقدم بأي طلب في هذا الصدد، ولم يتوفر أي ضغط دولي قادر على منحهم الإجابات التي هي حق لهم.

حقوق الإنسان بحسب المنطقة

World regions الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأمريكيتان الأمريكيتان أفريقيا الأمريكتان

آسيا والمحيط الهادئ

في منطقة تضم ما يقرب من ثلثي سكان العالم، وتمتد أ ...

أوروبا ووسط آسيا

ظل الحق في إجلاء الحقيقة وإقامة العدالة، وتصميم الض ...

إفريقيا

احتفل عدد من البلدان الإفريقية بالذكرى السنوية الخمسين لاست ...

الأمريكيتان

شهدت الأعوام الخمسين الماضية الاعتراف قانوناً في الأمري ...

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

أشرق عام 2010 وقد أصبحت اليمن محط أنظار المج ...

لتصفح تقرير البلد