أوروبا ووسط آسيا

حقوق الإنسان بحسب المنطقة

رجل وصبي ينظران بإمعان إلى منزل محترق في ضاحية للأوزبك في مدينة أوش، بجنوب قرغيزستان، يونيو/حزيران 2010.

© AP Photo/Sergei Grits


"لقد انكشفت الكذبة الكبرى، وظهرت الحقيقة جليةً في نهاية المطاف"
توني دورتي، الذي تُوفي والده بادي دورتي يوم الأحد 30 يناير/كانون الثاني 1972 في مدينة ديري بأيرلندا الشمالية، عندما فتح الجنود النار على مسيرة تطالب بالحقوق المدنية.

ظل الحق في إجلاء الحقيقة وإقامة العدالة، وتصميم الضحايا وأقاربهم على تحقيق ذلك مهما يكن النضال طويلاً وشاقاً، عنصراً أساسياً من عناصر مشهد حقوق الإنسان على امتداد المنطقة طول العام.

ففي 15 يونيو/حزيران، اجتمعت بعض الأسر في أحد مباني البلدية في أيرلندا الشمالية بالمملكة المتحدة لتطلع للمرة الأولى على نتائج التحقيق الذي استغرق فترة طويلة، وطال انتظار أفراد هذه الأسر لما يسفر عنه، في مقتل 13 شخصاً على أيدي الجيش البريطاني في يوم أصبح يُعرف باسم "يوم الأحد الدامي."

وكان أفراد هذه الأسر قد انتظروا العدالة لما يقرب من أربعة عقود ولم يستطيعوا التحكم في فرحهم بمجيئها، إذ انتهى التحقيق إلى رفض جميع المزاعم الواردة في التقارير الحكومية السابقة بأن أيا من الرجال الذين قُتلوا أو جُرحوا على أيدي الجنود كان يمثل تهديداً، أو يحمل سلاحاً نارياً، أو ألقى قنبلة معبأة بالمسامير أو بالبنزين. وخلص التحقيق إلى براءة جميع أحبائهم من المسؤولية عن إطلاق النار، كما أكد أن العديد من الضحايا قد أُطلق عليهم النار من الخلف أثناء الفرار، وأن أقوال كثير من الجنود كانت تتسم بالكذب الواضح، وإزاء هذا قدم رئيس وزراء المملكة المتحدة اعتذاراً علنياً من جانب الدولة.

 

حرية التعبير

بالنسبة إلى منطقة تعتز بأنها منارة لحرية التعبير، كانت الصورة الحقيقية بالغة الاختلاف للعديد ممن كانوا يسعون إلى الإعلان عن الانتهاكات، أو التعبير عن آراء بديلة، أو محاسبة الحكومات وغيرها، إذ كانت حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات تتعرضان للهجوم، مثلما تعرض له المدافعون عن حقوق الإنسان أنفسهم.

ففي تركيا، وعلى الرغم من المناقشات العلنية التي يزداد انفتاحها حول قضايا كانت تُعتبر محظورة من قبل، رُفعت دعاوى جنائية كثيرة في أعقاب التعبير عن آراء معارضة: وخصوصاً تلك المتعلقة بانتقاد القوات المسلحة، وأوضاع الأرمن والأكراد في تركيا، والمحاكمات الجنائية الجارية. فقد استخدمت السلطات، إلى جانب شتى مواد قانون العقوبات، قوانين مناهضة الإرهاب التي تقضي بعقوبات أشد بالسجن وتؤدي إلى إصدار أوامر احتجاز قبل المحاكمة، في مرات عديدة لخنق حرية التعبير المشروعة. وكان النشطاء السياسيون الأكراد والصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان من بين الذين كثرت إقامة الدعاوى القضائية ضدهم. واستمر فرض القيود التعسفية التي كانت تحجب الوصول إلى مواقع الإنترنت، وتتضمن أوامر الإغلاق المؤقت للصحف. واستمر استخدام تهديدات بالعنف ضد الأفراد الذين يفصحون عن آرائهم.

وكانت صورة الانقضاض على الحريات في بلدان أخرى مألوفة وتدعو للانقباض، إذ كان أي شكل من أشكال المعارضة تقريباً يتعرض للقمع في تركمانستان، فكان الصحفيون الذين يعملون مع أجهزة الإعلام الأجنبية يواجهون الترهيب والمضايقات، ولم يكن نشطاء المجتمع المدني يستطيعون العمل علانية، وازدادت مخاوفهم بعد أن دعا رئيس الجمهورية وزارة الأمن إلى محاربة الذين "يُشهِّرون بدولتنا الديموقراطية القائمة على القانون." وتعرض بعض المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين المستقلين في أوزبكستان للمضايقات والضرب والاحتجاز والحبس في أعقاب محاكمات جائرة. وشُوهد نمط مماثل في أذربيجان، إذا استُخدمت قوانين التشهير الجنائي والمدني في إسكات النقاد، وكذلك في صربيا حيث استمر تعرض المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين للتهديدات والاعتداءات فضلاً عن الخطب التي تحض على الكراهية.

وفي روسيا، واصلت السلطات خلط مواقفها إزاء حرية التعبير، إذ وعدت باحترام وحماية الصحفيين ونشطاء المجتمع المدني ولكنها في الوقت نفسه شنت حملات تلويث لسمعة كبار منتقدي الحكومة، لأنها لم تستطع كبح جماحهم. وظل المناخ عصيباً بالنسبة للمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية المستقلة، إذ استمرت التهديدات والاعتداءات والمضايقات الإدارية والهجمات على أخلاقها ونزاهتها، بقصد عرقلة نشاطها وتقويض مصداقيتها. وأما التحقيقات التي أُجريت في الاعتداءات والاغتيالات للآخرين من المدافعين البارزين عن حقوق الإنسان والصحفيين فلم تؤد إلى نتائج تذكر. كما استمر الانقضاض على النضال الاجتماعي، بما في ذلك حظر المظاهرات واستخدام العنف في تفريقها ومحاكمة الأفراد بموجب قوانين مكافحة التطرف.

وظهر اتجاه جديد يبعث على القلق، إذ اسودَّت الصورة أمام المدافعين عن حقوق الإنسان في أوكرانيا، فكانوا يتعرضون للاعتداءات الجسدية، ويواجهون المضايقات من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، فيما يتعلق بنشاطهم المشروع في سبيل حقوق الإنسان. وتعرض المجتمع المدني في بيلاروس لهجمة جديدة طمست الدلائل الهشة على الانفتاح في الفترة السابقة للانتخابات الرئاسية في ديسمبر/كانون الأول. وفي أعقاب الانتخابات التي شابتها مخالفات، قامت شرطة مكافحة الشغب باستخدام العنف في تفريق المتظاهرين الذين كانوا في أغلبهم سلميين. وبحلول نهاية العام كان 29 شخصاً، من بينهم ستة من مرشحي المعارضة للرئاسة، وأفراد فرق دعايتهم وصحفيون، يواجهون تهماً ملفقة بشأن تدبير الإخلال الجماعي بالنظام، وكما يواجهون أحكاماً بالسجن لمدد تصل إلى 15 سنة، بخصوص تلك المظاهرات. وفي قرغيزستان، ووسط مناخ يتسم بتراشق الاتهامات وتعمق النزعة القومية في أعقاب أحداث العنف في يونيو/حزيران والتي أدت إلى مقتل 100 شخص، كان المدافعون عن حقوق الإنسان يواجهون صعوبة أخرى وهي اضطرارهم إلى تبرير عملهم في حماية الفئات العرقية المختلفة، إلى جانب العراقيل التي تقيمها السلطات، في أثناء محاولة توثيق الأحداث.

كما ازداد الحال سوءاً للنساء اللاتي اخترن ارتداء النقاب الذي يغطي الوجه كله تعبيراً عن الهوية أو المعتقدات الدينية أو الثقافية أو السياسية أو الشخصية، وكان التشريع الذي يقضي بحظر الارتداء علناً لملبس يحجب الوجه قيد النقاش في برلمانات البوسنة والهرسك وإيطاليا، كما اقترحت ذلك التشريع الحكومة الجديدة في هولندا، وأقره برلمان بلجيكا، وأصدره البرلمان الفرنسي. وأصدرت عدة مجالس بلدية في أسبانيا أيضاً لوائح تحظر ارتداء النقاب داخل المباني التابعة للحكم المحلي. ولم يتحقق أي تقدم في تركيا نحو إزالة الحواجز القانونية التي تمنع المرأة من ارتداء الحجاب في الجامعات، وإن كان تنفيذ الحظر قد تراخى أثناء العام.

 

المهاجرون والنازحون

على الرغم من الهبوط الاقتصادي، فقد ظلت أوروبا مقصداً لمن يريدون الهرب من الفقر أو العنف أو الاضطهاد، إذ استمرت أعداد كبيرة من المهاجرين وطالبي اللجوء في السفر عبر مسارات تشكلت رداً على الجهود التي تبذلها الدول لمنعهم من الوصول، بما في ذلك اعتراضهم في البحر، وعقد اتفاقات حول إعادة السماح بالدخول مع بلدان المنشأ وبلدان العبور، وتدعيم الرقابة على الحدود. وشهدت المسارات الرئيسية في السنوات السابقة من الصحراء الغربية وليبيا إلى الحدود البحرية لإسبانيا وإيطاليا ومالطا انخفاضاً كبيراً في الأعداد المتدفقة فيها، وتحولت بؤرة الهجرة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي من هذه الحدود البحرية إلى الحدود البرية بين اليونان وتركيا.

كما أدت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى زيادة تعرض طالبي اللجوء والمهاجرين للتضرر خصوصاً من شبكات الاتجار والتهريب، وإلى دفع آخرين إلى مجال الاقتصاد غير الرسمي، وما يصاحب ذلك من قيود على التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وتقاعست السلطات في بلدان كثيرة على امتداد المنطقة عن توفير الحماية الكافية للأجانب المقيمين في أراضيها، بما في ذلك اللاجئون وطالبو اللجوء والمهاجرون، من الموجة المتزايدة من الكراهية والعنف ذي الدوافع العنصرية. وأقدم بعض السياسيين وممثلي الحكومات على الربط دون أساس بين المهاجرين والجريمة، وبذلك أسهموا بأنفسهم في إذكاء مناخ التعصب وكراهية الأجانب.

وظل الطابع القمعي يسم الرد المميز للدول الأوروبية على التحديات المتمثلة في تدفقات الهجرة الكبيرة والمختلطة والمركبة، وهو ما أدى إلى ظهور نمط متسق من انتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة باعتراض الدول لمسار الأجانب واحتجازهم وطردهم، بما في ذلك من يستحقون التمتع بالحماية الدولية. وانتشر على نطاق واسع احتجاز طالبي اللجوء والمهاجرين غير الشرعيين، باعتباره أداة للردع والسيطرة، بدلاً من اعتباره الملجأ الأخير المشروع.

وكثيراً ما كانت نظم اللجوء في الإقليم تخذل طالبي الحماية، إذ كان طالبو اللجوء يواجهون ضروباً من الانتهاكات، من بينها منع دخولهم إلى أراضي الدولة وحرمانهم من الاستفادة بإجراءات اللجوء، واحتجازهم بشكل غير مشروع، وحرمانهم من التوجيه والدعم اللازمين لمتابعة مطالبهم، وإرغامهم على العيش في فقر مدقع، وطردهم ظلماً قبل النظر في طلباتهم، وإرسالهم إلى بلدان يتعرضون فيها لخطر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

ومن الاتجاهات التي تبعث على الانقباض استعداد الدول لإعادة الأشخاص إلى أماكن يواجهون فيها خطر الاضطهاد أو الأذى الشديد. إذ قامت بلجيكا والدانمرك والسويد والمملكة المتحدة والنرويج وهولندا بإعادة عدد من طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم إلى العراق، على الرغم من توصيات "المفوضية العليا لشؤون اللاجئين" التابعة للأمم المتحدة. واستمرت بلدان الاتحاد الأوروبي وسويسرا أيضاً في إعادة أفراد من طائفة "الروما" (الغجر) إلى كوسوفو، على عكس ما أشار به "مفوض حقوق الإنسان" بالمجلس الأوروبي، وقد حُرم كثير من العائدين من حقوق أساسية وكانوا معرضين لخطر التمييز التراكمي الذي يصل إلى حد الاضطهاد. وقام عدد من بلدان الاتحاد الأوروبي بإعادة بعض طالبي اللجوء إلى اليونان بموجب "قواعد دبلن الثانية"، على الرغم من افتقار ذلك البلد إلى نظم لجوء سارية. وأُعيد بعض الأشخاص من إيطاليا وتركيا حتى دون أن يتمكنوا من الانتفاع بنظم اللجوء فيها. وزادت كازاخستان من جهودها لإعادة طالبي اللجوء واللاجئين قسراً إلى الصين وأوزبكستان بموجب إجراءات الأمن القومي وإجراءات مكافحة الإرهاب.

وفي خطوة إيجابية قبلت أسبانيا وألبانيا وألمانيا وبلغاريا وجورجيا وسلوفاكيا وسويسرا ولاتفيا دخول سجناء سابقين في معتقل خليج غوانتنامو، ممن استحالت إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية خشية تعرضهم لخطر التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة.

وعلى امتداد المنطقة ظل مئات الآلاف من الأشخاص نازحين أيضاً بسبب الصراعات التي صاحبت انهيار يوغوسلافيا السابقة والاتحاد السوفييتي السابق، وكثيراً ما عجز هؤلاء عن العودة بسبب وضعهم القانوني، أو افتقارهم إليه، وبسبب التمييز في الانتفاع بالحقوق، بما في ذلك امتلاك العقارات.

التمييز

كان من شأن استمرار ارتفاع مد العنصرية ونبرات الكراهية في الخطاب العام في كثير من البلدان أن يؤدي إلى زيادة تهميش أولئك الذين شارك الفقر والتمييز في إبعادهم إلى حافة المجتمع.

وكان من أعمق صور التمييز المنتظم التمييز ضد طائفة "الروما" التي ظلت إلى حد كبيرة مستبعدة من الحياة العامة وكثيراً ما كانت تتعرض للعداء العلني السافر و"الخطاب" السياسي المعبر عن كراهية الأجانب. وظلت "الروما" من الطوائف القليلة التي كانت التعليقات والمواقف العنصرية تجاهها لا تتسم بقبولها وحسب بل يشارك الناس فيها على نطاق واسع، وكثيراً ما كانت أسر "الروما" عاجزة عن التمتع بالفرص الكاملة في الإسكان والتعليم والعمل والخدمات الصحية.

واستمر عدد كبير من أفراد طائفة "الروما" يعيشون في مستوطنات عشوائية أو أحياء فقيرة تفتقر إلى الحد الأدنى من ضمان الإقامة بسبب الوضع العشوائي لهذه المستوطنات أو افتقارهم إلى وثائق رسمية تؤكد اتفاقات الإقامة، وظلوا معرضين لإجلائهم قسراً عنها في بعض البلدان مثل إيطاليا ورومانيا وصربيا وفرنسا واليونان، وهو الأمر الذي زاد من دفعهم في طريق الفقر والتهميش، من دون قدر يُذكر من الأمل في إنصافهم. ففي إيطاليا، على سبيل المثال، تعرضت بعض الأسر لتكرار إجلائها قسراً من مساكنها، وهو ما شتت شمل مجتمعاتهم المحلية، وأضعف من فرص حصولهم على العمل، وجعل من المحال على بعض الأطفال دخول المدارس. وفي فرنسا، ألقى رئيس الجمهورية خطاباً يصف فيه المخيمات التي تسكنها هذه الطائفة قائلاً إنها مصادر للإجرام، وتلته تعليمات وزارية (أُعيدت صياغتها فيما بعد وإن ظل المضمون بدون تغيير) وهو تفكيك المخيمات التي يسكنها أبناء "الروما". وكشفت هذه الحادثة عن التوترات الناجمة عن إهمال أحوال الطائفة في أوروبا على امتداد عقود طويلة، كما أدت إلى توجيه الدعوة مراراً إلى الاتحاد الأوروبي ببذل جهد أكبر لإلزام الدول باحترام حقوق طائفة "الروما".

وظل الملايين من أبناء طائفة "الروما" على امتداد أوروبا يعانون معاناة شديدة من المستويات المنخفضة للقراءة والكتابة ومن التعليم الهزيل أو الناقص. كما سُدَّ في وجه كثير من أطفال الروما أحد السبل الكفيلة بإخراجهم من الحلقة المفرغة للفقر والتهميش، ألا وهو التعليم، إذ كانت تُخصَّص لهم فصول دراسية أو مدارس دون المستوى اللائق، ويجري فصلهم عن غيرهم، في الجمهورية التشيكية، ورومانيا، وسلوفاكيا، وكرواتيا، والمجر، واليونان. كما أدى التنميط السلبي إلى جانب العزلة المادية والثقافية أيضاً إلى تضييق آفاق المستقبل أمامهم.

كما كانت السلطات في عدد من البلدان تشيع مناخ الرفض لجماعات ذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر. ففي إيطاليا، استمرت الهجمات العنيفة على أفراد هذه الجماعات، وسط مناخ الملاحظات التي تستهجن سلوكها، والتي تتردد على ألسنة بعض السياسيين والمسؤولين، مصحوبةً بارتفاع كبير في خطب التعصب والكراهية لها،. وفي تركيا، قالت وزيرة المرأة والأسرة إن المثلية الجنسية مرض وفي حاجة إلى العلاج.

وفي ليتوانيا، بدأ سريان بعض الأحكام القانونية التي تحاول قمع أية مناقشة علنية للمثلية الجنسية أو أي تعبير علني عن هوية المنتمين إلى تلك الجماعات. ومع ذلك فقد قام هؤلاء فعلاً بأول مسيرة "كبرياء" نظموها على الرغم من محاولة بعض السلطات حظرها، وقد نجحت مثل هذه المحاولة للأسف في بلدان أخرى، إذ حُظرت أو أُعيقت مسيرات من هذا النوع في بيلاروس ومولدوفا وروسيا.

ومما يُؤسف له أن الدول الأعضاء واصلت إعاقة تنفيذ التعليمات الجديدة الصادرة على مستوى الاتحاد الأوروبي كله بشأن عدم التمييز، ومن شأنها وحسب سد ثغرة الحماية القانونية لمن يواجهون التمييز خارج العمل لأسباب تتعلق بالعجز أو العقيدة، أو الدين، أو التوجه الجنسي أو العمر. ومن شأن قوانين الاتحاد الأوروبي في هذا المجال أن تحدد بصورة حاسمة أسلوب التصدي لجميع أشكال التمييز في شتى أرجاء أوروبا.

 

الأمن ومكافحة الإرهاب

على الرغم من انعدام الإرادة السياسية عند بعض الحكومات والعقبات الواضحة التي تقيمها، فقد اتُخذت بعض الخطوات الصغيرة، على ما لها من دلالة، على طريق التفهم والمساءلة للأدوار التي اضطلعت بها الحكومات الأوروبية في تنفيذ برامج "وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية" للاعتقال السري والنقل الاستثنائي للأشخاص عبر البلدان.

فقد استمر التحقيق الجنائي في تواطؤ بولندا في أمثال هذه البرامج، وتأكد في شهر يوليو/تموز أن بعض رحلات الطيران التي تتبع "وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية" قد استخدمت مطاراً بالقرب من معتقل سري زُعم وجوده في ستير كييكوتي. وفي سبتمبر/أيلول، أكدت النيابة العامة أنها تقوم بالتحقيق فيما ادعاه مواطن سعودي من أنه احتُجز في معتقل سري في بولندا. وفي أكتوبر/تشرين الأول، مُنح هذا المواطن صفة "الضحية"، فكانت تلك أول مرة تعترف السلطات فيها، في أي مكان في أوروبا، بمزاعم أحد ضحايا الاعتقال السري والنقل الاستثنائي. وأُميط اللثام عن أدلة جديدة على مشاركة رومانيا في برامج النقل الاستثنائي والاعتقال السري، عندما أعلنت هيئة حرس الحدود البولندية معلومات تفيد بأن طائرة أقلعت من بولندا تحمل بعض الركاب وواصلت الرحلة إلى رومانيا، على الرغم من إنكار الحكومة مشاركتها في ذلك، وهو الإنكار الذي تتزايد الأدلة على عدم معقوليته.

وإزاء الضغط المتزايد، أعلنت المملكة المتحدة إجراء تحقيق فيما زُعم من أن عاملين في الدولة شاركوا في النقل الاستثنائي أو الاعتقال السري أو التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، أو هذه الأفعال جميعها، لعدد من المعتقلين المحتجزين خارج البلد. وقام وفد "اللجنة الأوربية لمنع التعذيب" بزيارة معتقلين سريين في ليتوانيا، حيث يجرى تحقيق جنائي في إنشاء هذين المعتقلين وتشغيلهما، وإن كانت قد ثارت مخاوف بسبب إمكان إقفال هذا التحقيق قبل اكتماله. وفي إيطاليا، أقرت إحدى محاكم الاستئناف أحكام الإدانة الأولى والوحيدة حتى الآن فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في إطار برامج النقل الاستثنائي والاعتقال السري، إذ أُدين 25 فرداً، بينهم 22 من عملاء "وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية" وأحد المسؤولين الأمريكيين، وإيطاليان من عملاء الاستخبارات، بتهمة الضلوع في اختطاف مواطن مصري من أحد شوارع ميلانو. وقد قامت "وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية" بعد ذلك بنقله بشكل غير مشروع من إيطاليا إلى مصر، حيث اعتُقل سراً وقيل إنه تعرض للتعذيب. ولكن مزاعم الحكومة الإيطالية بوجود "أسرار للدولة" أدت إلى رفض التهم الموجهة إلى خمسة من كبار المسؤولين في جهاز الاستخبارات الإيطالي في مرحلة الاستئناف. ولكن، وكما حدث في الأعوام السابقة، كانت كلمات "الأمن" و"أسرار الدولة" هي الكلمات السحرية التي استُخدمت إلى حد مبالغ فيه لتنفيذ السياسات والممارسات التي تقوض حقوق الإنسان ولا تدعمها. فعلى سبيل المثال، واصلت الحكومات استخدام تأكيدات دبلوماسية يتعذر ضمان تنفيذها في التخلص من الأجانب الذي يُزعم تورطهم في أعمال إرهابية، بدلاً من محاكمة هؤلاء الأشخاص بأية جرائم يُتهمون بارتكابها. فقد استمرت المملكة المتحدة، مثلاً، في ترحيل أفراد زعمت أنهم يهددون "أمن الدولة" إلى بلدان يتعرضون فيها لخطر التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة.

وإذا كانت التعديلات الدستورية في تركيا، ومراجعات "قانون مكافحة الإرهاب"، تمثل خطوات إيجابية، فقد استمرت المحاكمات الجائرة بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب، كما استُخدمت في كثير من الأحيان قوانين مكافحة الإرهاب، التي تقضي بأحكام السجن الأشد وتؤدي إلى إصدار أوامر الاحتجاز السابق للمحاكمة، في قمع حرية التعبير المشروعة.

وظلت الأحوال الأمنية في منطقة شمال القوقاز في روسيا مزعزعة، إذ انتشر العنف في الشيشان وفي إنغوشيتيا وفي داغستان والمناطق المجاورة، وأقرت السلطات علناً بأن التدابير المتخذة للقضاء على العنف المسلح غير فعالة، إذ قُتل عدد كبير من الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون، وبعض المدنيين، في الهجمات التي شنتها جماعات مسلحة.

كما تسببت الجماعات المسلحة في وقوع قتلى وفي حدوث دمار في أماكن أخرى في المنطقة، بما في ذلك الجماعات التي تنطلق من إسبانيا وتركيا واليونان. ففي سبتمبر/أيلول، أعلنت جماعة الباسك المسلحة المسماة "يوزكادي تا أسكاتاسونا" ("وطن الباسك وحريته")، والمعروفة اختصاراً باسم "إتا"، أنها لن تقوم بتنفيذ أية "أعمال عدوانية مسلحة."

عقوبة الإعدام

استمرت الإشارات المختلطة الصادرة من بيلاروس، آخر دولة تنفذ عقوبة الإعدام في المنطقة، إذ استمر الاتجاه الإيجابي بإعلان ممثلي الدولة استعدادهم الارتباط بالمجتمع الدولي فيما يتعلق بعقوبة الإعدام، كما أعلنوا عزمهم على تشكيل الرأي العام لصالح إلغائها. وعلى الرغم من ذلك صدرت ثلاثة أحكام بالإعدام وأُعدم شخصان في إطار نظام عدالة جنائية معيب يواصل فرض السرية على الإجراءات. ولم يتلق السجينان ولا أفراد أسرهم إخطاراً بموعد تنفيذ الحكم، ولم يُسمح للأقارب بأخذ الجثة أو حتى معرفة مكان دفنها. وقد نُفذ حكما الإعدام على الرغم من الطلب الذي قدمته "اللجنة المعنية بحقوق الإنسان" بالأمم المتحدة بتأجيل التنفيذ ريثما يتسنى لها النظر في قضية الرجلين.

 

الإفلات من العقاب بعد انتهاء الصراع

تحقق بعض التقدم في التصدي للإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة في أراضي يوغوسلافيا السابقة خلال الحروب التي اندلعت في التسعينيات، وذلك في المحاكم المحلية ومن خلال الخطاب الدولي. وفي لفتة بارزة اعتذر الرئيس الكرواتي للأسر وللضحايا، كما أدان البرلمان الصربي الجرائم المرتكبة ضد مسلمي البوسنة في سربرنيتشا في يوليو/تموز 1995، حتى وإن لم يُشر إلى ذلك بتعبير الإبادة الجماعية.

ولكن بعض المشاكل الأساسية ظلت قائمة. فعلى الرغم من موقف الرئيس في كرواتيا، استمر الافتقار إلى الإرادة السياسية إلى حد بعيد لتنفيذ الإصلاحات المنشودة في نظام العدالة والتصدي للإفلات من العقاب، بما في ذلك التصدي للانحياز العرقي في المحاكمات. وظلت المزاعم التي تقول بمسؤولية القيادة عن جرائم الحرب، والموجهة إلى عديد من القادة السياسيين والعسكريين البارزين، دون تحقيق فيها. وفي البوسنة والهرسك، أدت الاعتداءات اللفظية على نظام العدالة، إلى جانب إنكار كبار السياسيين وقوع جرائم حرب، ومن بينها الإبادة الجماعية في سربرنيتشا في يوليو/تموز 1995، إلى زيادة تقويض جهود البلد لإقامة الدعوى في قضايا جرائم الحرب. وفي كلا البلدين كانت الإجراءات اللازمة لتدعيم الشهود وحمايتهم لا تزال قاصرة، وهو ما مثل إحدى العقبات الرئيسية التي أعاقت سعي ضحايا جرائم الحرب وأسرهم لتحقيق العدالة. ولم يتحقق تقدم يُذكر في كوسوفو وصربيا في إيضاح مصير المفقودين منذ حرب عام 1999. وحثت "المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة" صربيا على اتخاذ إجراءات أكثر جدية للقبض على القائد السابق لصرب البوسنة الجنرال راتكو ملاديتش وزعيم صرب كرواتيا السابق غوران هادجيتش.

ولم يقم أي من أطراف الصراع الذي دار في عام 2008 بين روسيا وجورجيا بإجراء تحقيقات شاملة، على الرغم من التقرير الذي وضعته لجنة تقصي الحقائق التي عينها الاتحاد الأوروبي في العام التالي والذي يؤكد وقوع انتهاكات لقانون حقوق الإنسان الدولي والقانون الإنساني الدولي على أيدي القوات الجورجية، والروسية، وقوات أوسيتيا الجنوبية.

 

التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة

كثيراً ما حُرم ضحايا التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة كثيراً من الإنصاف بسبب نظم العدالة التي تتقاعس عن محاسبة المسؤولين. وكان من بين العقبات في وجه المساءلة عدم السماح بالاتصال بالمحامين على وجه السرعة، وعدم قيام وكلاء النيابة بالتحقيق الجاد، وخوف الضحايا من الانتقام، والعقوبات الطفيفة التي تصدر على رجال الشرطة المدانين، والافتقار إلى نظم مستقلة ذات موارد كافية لمراقبة الشكاوى والتحقيق في الحالات الخطيرة لسوء سلوك الشرطة.

وما أكثر ما يكون الحديث الطنان عن الالتزام بالمعايير الصحيحة قناعاً لاستمرار انتهاكها عملياً. فمن كازاخستان وأوزبكستان على سبيل المثال، استمر تواتر أنباء عن حالات التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، على الرغم من وعود الحكومة باتخاذ سياسة لا تسمح بذلك قط، أو تأكيداتها بأن تلك الممارسات قد تناقصت. وفي روسيا، وعلى الرغم من الرغبة المعلنة لإصلاح الشرطة، والتصدي للفساد والتواطؤ بين رجال الشرطة، بدا على نطاق واسع أن المحققين ووكلاء النيابة يقوضون فعالية التحقيقات ويعوقون إقامة الدعاوى القضائية. وكثيراً ما تحدث محتجزون عن تعرضهم لعقوبات تأديبية بشكل غير مشروع وعن حرمانهم من الرعاية الطبية الضرورية.

وقد صدر حكم يمثل نقطة تحول في تركيا، حين أُدين 19 مسؤولاً من بينهم رجال شرطة وحراس سجون بتهمة مشاركتهم في التعذيب الذي أدى إلى وفاة ناشط سياسي اسمه إنغين شيبر في اسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2008. وقد حُكم بالسجن المؤبد على أربعة من المدانين، وكانت تلك أول مرة في تاريخ تركيا القانوني يُحكم فيها على مسؤولين في الدولة بمثل هذا الحكم عقاباً على التسبب في الوفاة تحت وطأة التعذيب. ومما يُؤسف له أن هذه الحالة تتناقض بشدة مع الحالات الأخرى التي زُعم فيها وقوع التعذيب على أيدي المسؤولين في الدولة ولم تكن التحقيقات الجنائية والدعاوى القضائية ضد الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون ذات فعالية فيها.

 

العنف ضد المرأة

استمر انتشار العنف ضد النساء والفتيات على امتداد المنطقة وبين شتى الأعمار والفئات الاجتماعية. ولم تقم بالإبلاغ عن مثل ذلك الإيذاء رسمياً إلا نسبة ضئيلة من النساء، إذ كان يمنعهن الخوف من انتقام شركاء حياتهن الميالين إلى الأذى، وفكرة جلب "العار" للأسرة، أو لأسباب تتعلق بعدم الأمن المالي. وكانت المهاجرات اللاتي لم تُوفق أوضاعهن يخشين بصفة خاصة تسجيل الشكاوى لدى الشرطة بسبب خوفهن من الطرد من البلد إذا اكتُشفت أحوالهن غير القانونية. وفي معظم الأحوال، فإن الإفلات من العقاب، الذي يتمتع به مرتكبو هذا الإيذاء على نطاق واسع، جعل النساء يدركن أن الإبلاغ عما حدث لن يأتي بنتيجة تُذكر.

وكثيراً ما كانت النساء اللاتي يتجاسرن على الإبلاغ يلاقين الخذلان من جانب نظم العدالة والمساندة التي تتسم بالقصور وعدم الاستجابة لأحوالهن. وفي بعض البلدان، مثل ألبانيا، لم يكن العنف الأسري يمثل جريمة جنائية محددة. كما كانت بلدان كثيرة تفتقر إلى نظم إحالة وخدمات عاملة على مستوى الدولة كلها، كما إن الخدمات اللازمة لحماية الناجيات من العنف الأسري، مثل الملاجئ الخاصة، وأماكن الإقامة البديلة المناسبة والمأمونة، كانت تتسم بالقصور بصورة تدعو للأسى. فلم يكن في أرمينيا، على سبيل المثال، غير ملجأ واحد، تموّله التبرعات الأجنبية.

 

العدالة والإفلات من العقاب

ظلت الرغبة في الحقيقة والعدالة والإنصاف على امتداد المنطقة مشتعلة لا تنطفئ نارها، وكان تحقيق ذلك بالنسبة للبعض يتوسل بالإرادة السياسية للتصدي للماضي وتصحيحه، أو رفض الأصدقاء وأفراد الأسرة والدعاة بإصرار التسليم بالظلم، وكان الكثيرون يرون أن الانتظار قد يطول ولكن القضية جديرة بالصبر في جميع الأحوال. ومن بين هؤلاء أفراد أسرة هيمزو دمير، الذي اختُطف واختفى في عام 1992 خلال الحروب اليوغوسلافية. وفي أكتوبر/تشرين الأول، تلقوا تأكيداً بأن رفاته كان بين الذين دُفنوا باعتبارهم مجهولي الهوية في قبر جماعي في فيشغراد. وهكذا انتهى بحثهم واستطاعوا أخيراً تشييع جنازته.

وأما الذي يبرز حقاً بين القصص الكثيرة المُلهمة فهو انتظار كثير من الأشخاص إلى الآن بسبب سعي الدول لإعاقة التوصل إلى الحقيقة، وعرقلة العدالة، والنكوص عن الانتصاف لهم. ويبرز ذلك بصفة خاصة لأنه يحدث في منطقة تتمتع بهيكل لحقوق الإنسان لا ينافسه هيكل آخر في أي مكان في العالم.

لقد آن الأوان لكي تدرك حكومات أوروبا أن جهود الإنكار والتعتيم، من جانبها أو جانب حلفائها، لن تنجح في آخر المطاف في قهر أولئك الشجعان الذين واتتهم الجرأة على النهوض، مهما يكلفهم ذلك شخصياً، وعلى مساءلة تلك الحكومات.

حقوق الإنسان بحسب المنطقة

World regions الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأمريكيتان الأمريكيتان أفريقيا الأمريكتان

آسيا والمحيط الهادئ

في منطقة تضم ما يقرب من ثلثي سكان العالم، وتمتد أ ...

أوروبا ووسط آسيا

ظل الحق في إجلاء الحقيقة وإقامة العدالة، وتصميم الض ...

إفريقيا

احتفل عدد من البلدان الإفريقية بالذكرى السنوية الخمسين لاست ...

الأمريكيتان

شهدت الأعوام الخمسين الماضية الاعتراف قانوناً في الأمري ...

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

أشرق عام 2010 وقد أصبحت اليمن محط أنظار المج ...

لتصفح تقرير البلد