Document - الجزائر\r\n:\r\n مذكرة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان

ALGERIA الجزائر

الجزائر
مذكرة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان

المقدمة
تضع منظمة العفو الدولية هذه المذكرة بين يدي اللجنة المعنية بحقوق الإنسان لدراستها، بسبب نظرها الوشيك في التقرير الدوري الثالث للجزائر الخاص بالتدابير التي اتخذتها لتنفيذ نصوص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتُلخص هذه المذكرة بعضاً من بواعث القلق الرئيسية لدى منظمة العفو الدولية المتعلقة بالجزائر، كما جرى توثيقها في عدد من التقارير السابقة للمنظمة التي تلقي الضوء بشكل خاص على بواعث قلقها المتعلقة بتقاعس الدولة الطرف عن التقيد التام بالواجبات المترتبة عليها بموجب المواد 2 و3 و4 و6 و7 و9 و12 و13 و14 و15 و17 و18 و19 و21 و22 و24 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتتعلق بواعث القلق هذه بشكل عام بتقاعس الدولة الطرف عن تقديم سبيل انتصاف فعال إلى ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، مع الاستمرار في ممارسة التمييز ضد المرأة ومواصلة نمط ثابت للاعتقال السري والتعذيب.

وقدمت الجزائر تقريرها الدوري الثالث(1) إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في ديسمبر/كانون الأول 2006، متأخراً ست سنوات. وكان قد تم النظر في التقرير الدوري الثاني للجزائر المقدم إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في العام 1998. وفي حينه، كان يعصف بالبلاد نزاع داخلي، أشعل فتيله الإقدام في العام 1992 على إلغاء الانتخابات التي شاركت فيها عدة أحزاب والتي كان من المتوقع على نطاق واسع أن تفوز فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهي حزب سياسي إسلامي. وأُعلنت حالة طوارئ، وحُظرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ وتسلم العسكريون زمام السلطة. وإذ سعت الجماعات المسلحة إلى إعلان فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات بواسطة العنف، عمدت إلى استهداف المؤسسات الرسمية وبشكل متزايد المدنيين الذين اعتُقد أنهم ساندوا الانقلاب العسكري أو لم يلتزموا بمفهومها "للقيم الإسلامية". وتظل الجماعات المسلحة تتحمل مسؤولية عن الانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، ومن ضمنها عمليات القتل غير القانونية والخطف والتعذيب والاغتصاب. كذلك لعبت السلطات الجزائرية دوراً رئيسياً في تصعيد العنف لاجتثاث الدعم الذي تتمتع به الجبهة الإسلامية للإنقاذ في صفوف بعض الشرائح السكانية، باسم مكافحة الإرهاب. وارتكبت قوات الأمن الرسمية وفيما بعد الميليشيا التي سلحتها الدولة (والتي تعتبرها السلطات "جماعات دفاعية مشروعة"، أو "جماعات للدفاع الذاتي" أو "وطنية") انتهاكات هائلة لحقوق الإنسان، بما فيها عمليات إعدام خارج نطاق القضاء وغيرها من عمليات القتل غير القانونية والاختفاء القسري وممارسة الاعتقال السري والتعذيب ضد آلاف الأعضاء أو الأنصار الحقيقيين أو المشتبه بهم للجماعات المسلحة.

واليوم تنفض الجزائر عنها غبار أكثر من قرن من العنف الذي أدى كما يُعتقد إلى مقتل ما يصل إلى 200,000 شخص.(2) وفكرت الحكومة الجزائرية في طي صفحة العنف عن طريق اعتماد تدابير للعفو عن أعضاء الجماعات المسلحة الذين ألقوا أسلحتهم، في العامين 1999 و2000 وفي فترة أحدث عهداً في العامين 2005 و2006. وبرغم تراجع مستوى العنف بشكل ملموس منذ نهاية التسعينيات، إلا أن عمليات القتل تظل ترتكب حتى الآن. وبحسب الأنباء الصحفية، التي تعتمد على المصادر الأمنية ولا يمكن التحقق من صحتها بصورة مستقلة، قتل أكثر من 300 شخص إما على يد الفصائل المسلحة أو قوات الأمن الحكومية في العام 2006، بينهم ما يزيد على 70 مدنياً، وقتل كما ورد 265 شخصاً بين 1 يناير/كانون الثاني و1 أغسطس/آب 2007(3). في سياق القتال المستمر بين قوات الأمن وفلول الفصائل المسلحة التي رفضت الاستسلام وفقاً لتدابير العفو الحكومية. وفي العام 2007، حدث تصعيد في التفجيرات من جديد، يبدو أن بعضها استهدف المدنيين عمداً. فمثلاً في 11 إبريل/نيسان، أودت الانفجارات التي وقعت في الجزائر العاصمة بحياة 33 شخصاً وأصابت أكثر من 200 بجروح. وفي 6 سبتمبر/أيلول، أسفر هجوم انتحاري وقع في باتنة عن مصرع 22 شخصاً وإصابة 107 بجروح بعدما ورد أن المهاجم أشعل فتيل قنبلة وسط حشد من الناس تجمعوا لاستقبال الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في زيارة له إلى البلدة. وقد أدانت منظمة العفو الدولية كلا الهجومين.(4)

وأعلنت الجماعة السلفية للدعوة والقتال مسؤوليتها عن هذه الهجمات التي يُعتقد، بحسب البيان الذي عُرض في يناير/كانون الثاني 2007 في موقع للإنترنت يُعتقد أنه مرتبط بالجماعة، أنها غيرت اسمها كما ورد إلى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي. ويُزعم أن الجماعة السلفية للدعوة والقتال هي الفصيل المسلح الرئيسي المتبقي الذي يقاتل الحكومة الجزائرية، رغم ازدياد الغموض الذي يحيط بقيادته وتركيبته ودوافعه. وتزداد صعوبة استقراء أساس منطقي واضح من وراء معظم الهجمات التي تشنها الفصائل المسلحة التي يُعتقد أن أعضاءها يمارسون أنشطة إجرامية أخرى مثل التهريب وشبكات ابتزاز الأموال باسم الحماية وغسيل الأموال. ويبدو أن الارتباط المعلن للجماعة السلفية للدعوة والقتال بالقاعدة يتوافق مع ازدياد استهداف المدنيين من خلال استخدام الهجمات الانتحارية وغيرها من الهجمات.

ويلقي الإرث المظلم للنـزاع بثقله على الشعب الجزائري. إذ إنه لم تفلت أية شريحة في المجتمع من آثار العنف. وعوضاً عن معالجة هذا الإرث بما يتماشى مع الواجبات المترتبة على السلطات الجزائرية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، باركت هذه السلطات ظاهرة الإفلات من العقاب وحرمت الضحايا فعلياً من حقهم في جلاء الحقيقة والحصول على العدل والتعويضات. وقد وُسع شبه الإفلات التام الفعلي من العقاب الذي يتمتع به أفراد قوات الأمن والميليشيا الرسمية ليشمل أعضاء الجماعات المسلحة الذين استفادوا منذ العام 1999 من تدابير العفو المتعاقبة التي لم تقر بحق الضحايا في الحصول على سبيل انتصاف فعال عن المظالم التي لحقت بهم. وقد ترسخت ظاهرة الإفلات من العقاب بموجب المراسيم الرئاسية الأخيرة التي صدرت في فبراير/شباط 2006 لتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، وهو وثيقة إطار اعتمدت في استفتاء وطني جرى في العام 2005.

وبرغم تراجع وتيرة العنف والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان المرتبطة بالنـزاع الداخلي، يتواصل ارتكاب انتهاكات خطيرة للحقوق المكرسة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بالجزائر، ومن ضمنها الاعتقال السري والتعذيب على يد دائرة الاستعلام والأمن، وهي شعبة تابعة لجهاز المخابرات الجزائري، وذلك في سياق عمليات مكافحة الإرهاب التي تقوم بها الحكومة. وفي حين أن النصوص القانونية التي أُدرجت في القانون الوطني في العام 2004 والتي تجرم التعذيب هي محط ترحيب، إلا أنها لم تضع حداً للمزاعم المتواصلة حول ممارسة التعذيب من جانب أفراد دائرة الاستعلام والأمن.

لقد اتخذت السلطات الجزائرية خطوات إيجابية عديدة لمعالجة مسألة التمييز بين الرجل والمرأة الراسخ في القانون والممارسة. وأدخلت تعديلات جوهرية على قانون الأسرة وقانون الجنسية في العام 2005 لإعطاء النساء مزيداً من الحقوق، عن طريق اعتماد الأمر رقم 05-02 المؤرخ في 27 فبراير/شباط 2005، والذي يعدِّل القانون رقم 84-11 المؤرخ في 9 يونيو/حزيران 1984 ويتمِّمه، والمتضمِّن قانون الأسرة والأمر رقم 05-01 المعدِّل لقانون الجنسية. واعتُمد قانون يجرم التحرش الجنسي في مكان العمل في العام 2004. وسمحت السلطات للمقرر الخاص (للأمم المتحدة) المعني بالعنف ضد المرأة بزيارة الجزائر في فبراير/شباط 2007. وهذه حقيقة جديرة بالتنويه، لأنه باستثناء زيارة قام بها المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الدين أو المعتقد في العام 2002، لم تقبل الجزائر طلبات عديدة تقدَّم بها خبراء آخرون لحقوق الإنسان تابعون للأمم المتحدة لزيارة البلاد، ومن ضمنها المقرر الخاص المعني بالتعذيب، والمقرر الخاص المعني بعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام بإجراءات مقتضبة أو الإعدام التعسفي، ومجموعة العمل المعنية بحالات الاختفاء القسري أو اللاطوعي. بيد أن القانون الجزائري يظل يتضمن نصوصاً تميز بين الرجال والنساء. وعلاوة على ذلك لم تتخذ السلطات تدابير كافية لحماية النساء من العنف، سواء في سياق النـزاع أو في إطار العائلة.

وهناك حاجة لإجراء تغييرات هيكلية إذا أرادت الجزائر التغلب على العواقب المترتبة على أزمة حقوق الإنسان التي ابتليت بها البلاد، وبخاصة التغييرات في القانون والممارسة التي تعكس الواجبات المترتبة على الجزائر بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وفي هذا السياق، فإن حقيقة أن توصيات اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التي قُدمت إلى السلطات الجزائرية في العام 1998 لم تنفذ بشكل جدي، تدل على افتقار السلطات الجزائرية إلى الإرادة السياسية على الوفاء الكامل بالواجبات المترتبة عليها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

المادة 2 : الحق في سبيل تظلم فعال
تحدد المادة 2-3 من العهد الواجبات المترتبة على الدول الأطراف في توفير سبيل تظلم فعال للأشخاص الذين انتُهكت حقوقهم المكرسة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتصر المادة 2-3 على وجوب حصول الضحايا على سبيل تظلم قضائي.

لقد تعرض الشعب الجزائري لانتهاكات جسيمة وواسعة النطاق لحقوقه الإنسانية في خضم النـزاع المسلح، ومن ضمنها انتهاكات للحق في الحياة (المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، وانتهاكات للحق في عدم التعرض للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (المادة 7)، وانتهاكات للحق في الحرية والأمن (المادة 9)، وانتهاكات للحق في الاعتراف للمرء بالشخصية القانونية (المادة 16). ومع ذلك فحتى تاريخه، تقاعست السلطات الجزائرية إلى حد كبير عن إجراء تحقيقات كاملة ومستقلة وحيادية في هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وأشار التقرير الدوري الثالث للجزائر، رداً على توصيات اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في العام 1998(5) بإجراء تحقيقات صحيحة ومستقلة في هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان، إلى أن البرلمان الجزائري وحده يحق له تشكيل لجنة تحقيق، وأن القيام بذلك "من شأنه أن يلقي ظلالاً من الشك على هوية الفاعلين ويضفي مصداقية على أقوال روجها بعض المنظمات غير الحكومية التي غالباً ما كانت تستند إلى شهادات مجهولة المصدر يستحيل التأكد من صحتها".

ومنذ العام 1999، اتخذت السلطات الجزائرية سلسلة من التدابير التشريعية استهدفت "طي صفحة" النـزاع وتحقيق "السلام والمصالحة" ومنعت ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الجماعات المسلحة وقوات الأمن على السواء من كشف الحقيقة والحصول على العدل والتعويض، وهي المبادئ ذاتها التي يستند إليها حق الضحايا في سبيل تظلم فعال. ولا تعارض منظمة العفو الدولية اتخاذ إجراءات للرأفة والصفح، ما دامت لا تمنع ظهور الحقيقة والبت القضائي النهائي في الذنب أو البراءة وتقديم تعويضات كاملة للضحايا وعائلاتهم. وعلاوة على ذلك، فإن تدابير العفو، في حال تضمينها الإفلات من العقاب، تقوض الثقة بالنظام القضائي والحماية المستقبلية لحقوق الإنسان. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن ضحايا الجرائم الخطيرة المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، مثل تلك التي ارتُكبت في الجزائر، يجب أن تُقدَّم لهم ضمانات بعدم التكرار، أي تأكيدات بمقاضاة الجناة وعدم الإفلات من العقاب على الجرائم التي تُرتكب في المستقبل.

تدابير العفو التي اعتمدتها السلطات الجزائرية
خلال الفترة موضوع المراجعة في هذه المذكرة، اعتمدت السلطات الجزائرية مجموعتين مهمتين من تدابير العفو : الأولى تم اعتمادها في العامين 1999-2000 والثانية في العامين 2005-2006.

صدر قانون الوئام المدني (رقم 99-08) ودخل حيز النفاذ في 13 يوليو/تموز 1999 بعدما اعتمدته الحكومة وصوَّت عليه البرلمان ومجلس الشيوخ. وبعد شهرين في سبتمبر/أيلول 1999، طُرح أيضاً على الاستفتاء الذي منحه مساندة شعبية واسعة.(6) وبموجب هذا القانون، فإن أعضاء الجماعات المسلحة الذين استسلموا للسلطات في غضون ستة أشهر اعتباراً من تاريخ إصدار التشريع ولم يرتكبوا عمليات قتل أو اغتصاب أو يتسببوا بعاهة دائمة أو يزرعوا قنابل في أماكن عامة أو يشاركوا فيها يتم إعفاؤهم من المقاضاة. أما الذين ارتكبوا هذه الجرائم فتصدر عليهم أحكام مخففة يمكن تخفيضها أكثر بالنسبة للذين يستسلمون خلال ثلاثة أشهر.

ويستطيع الذين يريدون الاستسلام بموجب قانون الوئام الوطني تسليم أنفسهم للسلطات العسكرية أو المدنية أو الإدارية أو القضائية، التي ستقرر ما إذا كان يجب منح الشخص المعني إعفاءً من المقاضاة أو تقديمه للمحاكمة. وإضافة إلى ذلك، تضمن القانون نصاً استنسابياً يتعلق بفترة تجربة. ولهذا الغرض أسَّس المرسوم التنفيذي رقم 99-142 في النطاق الإقليمي لكل ولاية لجنة إرجاء برئاسة النائب العام المسؤول عن المنطقة وعضوية ممثلين عن وزارتي الدفاع والداخلية وقائد الدرك في الولاية ورئيس الأمن فيها ورئيس نقابة المحامين أو من يمثله.

واستناداً إلى المادة 41 من قانون الوئام الوطني، أصدر الرئيس بوتفليقة المرسوم الرئاسي رقم 2000-03 المؤرخ في 10 يناير/كانون الثاني 2000 الذي يتضمن عفواً عن أعضاء جماعتين أعلنتا وقفاً لإطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 1997 هما جيش الإنقاذ الإسلامي والرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد. ومنح المرسوم الرئاسي حصانة شاملة من المقاضاة "للأشخاص المنتمين إلى المنظمات التي قررت بصفة تلقائية وإرادية محضة إنهاء أعمال العنف ووضعت نفسها تحت تصرف الدولة كلياً والملحقة أسماؤها بأصل هذا المرسوم". ولم يصدر حتى اليوم ملحق يتضمن أسماء المستفيدين من العفو.

وبعد مضي خمس سنوات في 15 أغسطس/آب 2005، أصدر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المرسوم الرئاسي 05-278، الذي صدر كملحق تحت عنوان: مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية، والذي يحدد إطاراً للتدابير اللازمة لإنهاء النـزاع الداخلي ويمنح الرئيس السلطة الكاملة لتنفيذ نصوصه. واقترح الميثاق تدابير للإعفاء من المقاضاة أو للرأفة بالنسبة للأعضاء الحاليين والسابقين في الجماعات المسلحة وأشار إلى أن قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة تصرفت لما فيه مصلحة البلاد، ونفى تحديداً مسؤولية قوات الأمن عن تنفيذ الآلاف من أفعال "الاختفاء"، برغم أنه وعد عائلات المفقودين بدفع تعويض لهم والاعتراف بهم "كضحايا للمأساة الوطنية". وقد اعتمد الناخبون الميثاق في استفتاء جرى في 29 سبتمبر/أيلول 2005.

وفي 27 فبراير/شباط 2006، اعتمدت الحكومة الجزائرية "أمر تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية".(7) واعتُمد القانون من جانب الحكومة الجزائرية برئاسة الرئيس عبد العزيز بو تفليقة، قبل أن يناقشه البرلمان الذي لم يكن في دور الانعقاد في حينه. ولم يُنشر النص الكامل للمرسوم أو يُكشف النقاب عنه قبل اعتماده، ما أغلق الباب في وجه أي نقاش. ومنح المرسوم عفواً شاملاً عن أفراد قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة ووسَّع إجراءات العفو الجزئية السابقة عن أعضاء الجماعات المسلحة التي مُنحت بموجب قانون الوئام المدني، ورسَّخ إحساساً واسعاً بالإفلات من العقاب كان قائماً أصلاً. ويُتهم كل من أفراد القوات الحكومية وأعضاء الجماعات المسلحة بارتكاب جرائم بموجب القانون الدولي وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي لم يتم التحقيق فيها بعد. وإزاء الانتقادات التي وجهتها المنظمات غير الحكومية الجزائرية، قالت السلطات الجزائرية إن الشعب الجزائري صوّت بأغلبية ساحقة لمصلحة الميثاق في العام 2005. بيد أن الميثاق لم يذكر صراحة أن قوات أمن الدولة ستستفيد من العفو.

وينص الأمر رقم 06-01 الصادر بتاريخ في 27 فبراير/شباط 2006 على إصدار عفو عن أعضاء الجماعات المسلحة الذين يستسلمون أو يكونون في السجن، طالما أنهم لم "يرتكبوا أفعال المجازر الجماعية أو انتهاك الحرمات أو استعمال المتفجرات في الأماكن العمومية أوشاركوا فيها أو حرضوا عليها،" وتحديداً يأمر بوقف الإجراءات القضائية ضد : الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم تتعلق "بالإرهاب"(8) أو شاركوا فيها وسلموا أنفسهم للسلطات بين 13 يناير/كانون الثاني 2000 و28 فبراير/شباط 2006 (المادة 4 من الأمر رقم 06-01)؛ وعن الأشخاص المطلوبين من السلطات بسبب ارتكابهم جرائم تتعلق "بالإرهاب" ويسلمون أنفسهم للسلطات في غضون ستة أشهر اعتباراً من 28 فبراير/شباط 2006 (المواد 5 و6 و7 من القانون رقم 06-01)؛ وعن الأشخاص المعتقلين بتهم تتعلق "بالإرهاب"، بغض النظر عما إذا كانوا قُدموا فعلاً للمحاكمة أم لا (المادتان 8 و9 من القانون رقم 06-01). ويشير القانون تحديداً إلى أن هذه التدابير لا تنطبق على المطلوبين بسبب ارتكاب أنشطة إرهابية في الخارج أو المتهمين أو المدانين بارتكابها دون أن تكون موجهة ضد المصالح الجزائرية.(9)

وبموجب أحكام القانون نفسه، فإن أولئك الراغبين في الاستسلام يمكنهم تسليم أنفسهم إلى السفارات والقنصليات الجزائرية في الخارج أو إلى السلطات القضائية وقوات الأمن الوطني وأفراد الشرطة القضائية داخل الجزائر (المادة 12). وسيتم إخطار السلطات القضائية بأية عملية استسلام لدى هذه السلطات (المادة 14) وتُوقف الإجراءات القضائية المتخذة ضد أولئك الذين يستسلمون (المادة 15). أما بالنسبة لأولئك الذين يُستثنون من تدابير العفو، وتحديداً أولئك الذين أُدينوا بارتكاب "أفعال المجازر الجماعية أو الاغتصاب أو استخدموا المتفجرات في الأماكن العامة"، فيمكنهم الاستفادة من تخفيف الحكم الصادر عليهم أو تخفيض مدته بموجب المادتين 18 و19 من القانون نفسه.

وتتناول فقرتان منفصلتان أدناه تأثير هذه القوانين على ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الجماعات المسلحة من ناحية، وضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها الموظفون الرسميون من ناحية أخرى.

عدم توفر سبيل تظلم فعال لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الجماعات المسلحة
حرمت المجموعتان المذكورتان أعلاه من تدابير العفو ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الجماعات المسلحة من حقهم في سبيل تظلم فعال ورسخت إفلات الجناة من العقاب.

وتنص المجموعة المنقحة من مبادئ الأمم المتحدة لحماية حقوق الإنسان وتعزيزها عن طريق العمل على مكافحة الإفلات من العقاب على أنه "حتى عندما يُقصد بالعفو أو غيره من تدابير الرأفة خلق أوضاع تؤدي إلى اتفاق سلام أو تعزز المصالحة الوطنية، يجب أن تظل ضمن الحدود التالية : (أ) لا يجوز أن يستفيد مرتكبو الجرائم الخطيرة بموجب القانون الدولي من هذه التدابير إلى حين وفاء الدولة بواجبها" في "إجراء تحقيقات سريعة وشاملة ومستقلة وحيادية في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي واتخاذ تدابير مناسبة فيما يتعلق بالجناة، وبخاصة في مجال العدالة الجنائية، عن طريق ضمان مقاضاة المسؤولين عن ارتكاب جرائم خطيرة بموجب القانون الدولي ومحاكمتهم ومعاقبتهم بحسب الأصول". وتُعرِّف المبادئ المنقحة عبارة "الجرائم الخطيرة المنصوص عليها في القانون الدولي" بأنها تشمل من جملة أشياء، الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية و"غيرها من الانتهاكات لحقوق الإنسان التي تتمتع بحماية دولية والتي تشكل جرائم بموجب القانون الدولي و/أو يقتضي القانون الدولي من الدول المعاقبة عليها مثل التعذيب والاختفاء القسري والإعدام خارج نطاق القضاء والرق". E/CN.4/2005/102/Add.1، 8 فبراير/شباط 2005، اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، الدورة الحادية والستون، البند 17 على جدول الأعمال المؤقت.

وبموجب قانون الوئام المدني (رقم 99-08، المؤرخ في 13 يوليو/تموز 1999)، فإن أعضاء الجماعات المسلحة المعروف عنهم أنهم ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك عمليات قتل المدنيين، مُنحوا عفواً وتم إعفاؤهم من المقاضاة، بغض النظر عن الأدلة التي توافرت حول مسؤوليتهم عن هذه الانتهاكات في وقت منحهم العفو أو التي ربما كُشف النقاب عنها لاحقاً.

وأبلغ مسؤولو الحكومة الجزائرية منظمة العفو الدولية في مايو/أيار 2000 أنه بوشر بمقاضاة قرابة 350 شخصاً سلموا أنفسهم بموجب هذا القانون (والذين ورد أن عددهم، وفقاً للمصادر ذاتها، بلغ حوالي 4500). بيد أنه حتى الآن، لم تقدم السلطات أية أرقام دقيقة تتعلق بعدد الذين استسلموا بموجب هذا القانون، وعدد الذين قُدِّموا إلى العدالة، وعدد الذين برئت ساحتهم أو أدينوا بارتكاب جرائم محددة من أصل هؤلاء عقب تقديمهم إلى العدالة.

ولم تنشر السلطات الجزائرية الأرقام الرسمية الدقيقة لعدد أفراد الجماعات المسلحة الذين استفادوا من الإعفاء من المقاضاة بموجب قانون الوئام المدني أو العفو الرئاسي للعام 2000. وقد ذكرت المصادر الحكومية للصحف أن أكثر من 1000 عضو في الجبهة الإسلامية للإنقاذ والرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد استفادوا من العفو الرئاسي اللاحق وأن حوالي 4500 عضو في جماعات مسلحة أخرى استسلموا للسلطات بموجب أحكام قانون الوئام المدني. لكن لم يتم نشر أسماء أولئك الذين استفادوا من الحصانة وعددهم الدقيق.

ومنذ ذلك الحين أبلغت بعض عائلات الأشخاص الذين قُتلوا على أيدي الجماعات المسلحة منظمة العفو الدولية أن المسؤولين عن قتل أقربائهم قد تم إعفاؤهم من المقاضاة بموجب قانون الوئام الوطني أو العفو الصادر في 10 يناير/كانون الثاني 2000. وقد حمل هذا الأمر منظمة العفو الدولية على الاعتقاد بأنه لم تُجر تحقيقات كاملة وشاملة لتحديد الجرائم التي ربما ارتكبها أو لم يرتكبها أعضاء الجماعات المسلحة الذين سلَّموا أنفسهم.(10)

ومنذ 13 يناير/كانون الثاني 2000، ورد أن مئات آخرين من أعضاء الجماعات المسلحة استسلموا للسلطات. وخلال هذه الفترة، لم تكن هناك نصوص قانونية تسمح بإعفاء هؤلاء الأشخاص من المقاضاة، أو حتى إصدار عقوبات مخففة عليهم. وأكد مسؤولو وزارة العدل هذا الأمر خلال اجتماع عُقد مع مندوبي منظمة العفو الدولية في فبراير/شباط 2003، قائلين إن جميع أعضاء الجماعات المسلحة الذين سلَّموا أنفسهم قُدِّموا بصورة منهجية إلى العدالة بحيث يمكن التحقيق في أية جرائم ربما ارتكبوها. بيد أن السلطات الحكومية، ومن ضمنها الرئيس بوتفليقة نفسه، أشارت، منذ يناير/كانون الثاني 2000، إلى أن أعضاء الجماعات المسلحة الذين استسلموا طواعية سيظلون يستفيدون من بعض تدابير الرأفة غير المحددة.(11)

ويشير الأمر رقم 06-01 بتاريخ 27 فبراير/شباط 2006 بشأن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية إلى أن الأشخاص استسلموا بالفعل بعد يناير/كانون الثاني 2000، لأنه يعفي الأشخاص الذين استسلموا بين 13 يناير/كانون الثاني و28 فبراير/شباط 2007 من المقاضاة (المادة 4 من الأمر). وعلاوة على ذلك، تمثل قائمة الجرائم الثلاث المستثناة في القانون 06-01 تراجعاً عن قائمة الجرائم المستثناة بموجب قانون الوئام المدني التي تضمنت ارتكاب "أية جريمة أدت إلى قتل شخص أو سبَّبت له عجزاً دائماً" أو المشاركة فيها (المادة 3). وهكذا فإن مرتكبي واحدة أو أكثر من جرائم القتل الفردية أو أفعال التعذيب التي تسبب إصابة دائمة، قد لا يستحقون العفو بموجب قانون الوئام الوطني، لكنهم كما يبدو يستحقونه بموجب الأمر رقم 06-01 المؤرخ في 27 فبراير/شباط 2006.

ولدى منظمة العفو الدولية بواعث قلق أخرى حول تدابير العفو للعام 2006.

أولاً، إن قائمة الجرائم المستثناة بموجب الأمر رقم 06-01 بتاريخ 27 فبراير/شباط 2006 بشأن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، مهما كانت مناسبة، لا تطال الجرائم الخطيرة الأخرى، ما يوحي بأن أعضاء الجماعات المسلحة الذين قتلوا شخصاً واحداً أو أكثر سيفلتون من العقاب، ما دامت عمليات القتل ليست ذات طبيعة جماعية.

ثانياً، لم تقدم السلطات معلومات تبين أن المسؤولين عن "أفعال المجازر الجماعية أو الاغتصاب أو استخدام المتفجرات في أماكن عامة" قد استُثنوا فعلياً من تدابير العفو وتمت مقاضاتهم. ولا تتوافر أية معلومات رسمية علنية على وجه الدقة حول أسماء أولئك الذين استفادوا من الحصانة المنصوص عليها في الأمر رقم 06-01 بتاريخ 27 فبراير/شباط 2006 بشأن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية وعددهم والجرائم التي ارتكبوها. ووفقاً للأنباء الصحفية التي استشهدت بالتصريحات الرسمية، أُفرج عن حوالي 2200 شخص اتُهموا أو أُدينوا بالمشاركة في أنشطة إرهابية وذلك في مارس/آذار 2006 وفي الأشهر التالية.(12) ولم تُنشر أسماء الذين أُفرج عنهم، ولا طبيعة الجرائم التي اتُهموا بارتكابها. ويجب أن تحترم مقترحات العفو أو تخفيف الأحكام الصادرة على السجناء المدانين مبدأ توقيع عقوبات على المدانين بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان تتناسب مع خطورة الجرائم التي ارتكبوها. ولا ينص الأمر رقم 06-01 بتاريخ 27 فبراير/شباط 2006 بشأن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية على مثل هذه الضمانات. ويقترح العفو عن أشخاص أُدينوا "بدعم الإرهاب" أو بارتكاب أعمال عنف غير المجازر "الجماعية والاغتصاب وشن هجمات بالقنابل على أماكن عامة".

وقد تلقت منظمة العفو الدولية معلومات حول الإفراج عن عدة أشخاص متهمين بالمشاركة في الإرهاب الدولي، برغم أنهم لا يستحقون ذلك بموجب أحكام قوانين العفو. وأُعيد توقيف بعضهم فيما بعد واعتقالهم. والمعتقلون الآخرون الذين كان يمكن أن يستحقوا الإفراج ظلوا رهن الاعتقال، كما يبدو. وهذا يشير إلى التطبيق التعسفي للأمر 06-01 بتاريخ 27 فبراير/شباط 2006 بشأن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية ويقلل الثقة في أن السلطات القضائية أجرت تحقيقات شاملة قبل أن تقرر الأهلية للتعويض. وبحسب البيانات الرسمية، استسلم عدد يصل إلى 300 عضو في الجماعات المسلحة للسلطات خلال الأشهر الستة المحددة في القانون. ولم تقل السلطات ما إذا كان جميع الذين استسلموا قد استفادوا من العفو أو ما إذا كان بعضهم قد أُحيل إلى القضاء لمقاضاته.

حالة : مراد يخلف لاجئ جزائري في كندا، قُبض عليه في مونتريال وأُعيد قسراً إلى الجزائر في العام 2003، بسبب صلات مزعومة مع شخص جزائري آخر مدان بممارسة أنشطة تتعلق بالإرهاب. وكان قد حُكم على مراد يخلف غيابياً بالسجن المؤبد في الجزائر في العام 1993 بتهمة "عضوية مجموعة إرهابية تنشط بالجزائر والخارج". ولدى وصوله إلى الجزائر العاصمة، اعتقلته دائرة الاستعلام والأمن، وبحسب ما ورد مارست عليه أسلوب الإكراه والضغط. وواجه ثلاث محاكمات منفصلة : في الأولى أُعيدت محاكمته بالنسبة للحكم الصادر عليه غيابياً في العام 1993 وبرئت ساحته؛ وفي الثانية حُكم عليه في العام 2005 بتهم "الانتماء إلى جماعة إرهابية تنشط بالخارج تستهدف الإضرار بمصالح الجزائر"، ويبدو أن الحكم استند حصرياً إلى الأقوال التي أدلى بها بينما كان في حجز دائرة الاستعلام والأمن. وتنتظره محاكمة أخرى. وفي 26 مارس/آذار 2006، أُفرج عنه وقيل له إن جميع الإجراءات المتخذة ضده ستنتهي في سياق تدابير "المصالحة الوطنية". وأُعيد توقيفه بعد أسبوع. وفي 9 إبريل/نيسان، نُقل عن وزير العدل الطيب بلعيز قوله في الصحافة إن مراد يخلف ما كان يجب أن يستفيد من تدابير "المصالحة الوطنية" بسبب مشاركته المزعومة في التخطيط لهجمات بالمتفجرات.

أما مالك مجنون، الذي قُبض عليه في 28 سبتمبر/أيلول 1999، و اتُهم في سنة 2000 بالمشاركة في قتل المطرب لوناس معطوب في العام 1998، لم يستفد من العفو حسب للأمر 06-01 بتاريخ 27 فبراير/شباط 2006 رغم أن حالته تبدو أنها تفي بشروط الاستفادة من العفو. و مازال مالك مجنون ينتظر محاكمته، بعد مضي ثماني سنوات على اعتقاله (أنظر المادة 9).

ثالثاً، تخول المادة 47 من الأمر رقم 06-01 الرئيس الجزائري، "عملاً بالتفويض الذي أوكله إياه استفتاء يوم 29 سبتمبر 2005 وطبقاً للسطلات المخولة له دستورياً، يمكن أن يتخذ رئيس الجمهورية، في أي وقت، كل الإجراءات الأخرى اللازمة لتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية"، وبالتالي جرى تمهيد الطريق لاتخاذ تدابير في المستقبل لمنح الحصانة من العقاب لمرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان. وفي الواقع، أشارت بعض التصريحات الرسمية إلى أن نصوص العفو قد توسَّع لتشمل أولئك الذين يستسلمون بعد مهلة الستة أشهر المحددة في مرسوم العام 2006.

وحتى الآن، لم تتخذ السلطات الجزائرية الخطوات الضرورية لإقناع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الجماعات المسلحة وعائلاتهم بأنه تُبذل جهود جدية لجلاء الحقيقة والتعرف على هوية المسؤولين عن ارتكاب الجرائم وتقديمهم إلى العدالة. وتقاعست السلطات إلى حد كبير عن إجراء تحقيق شامل في عمليات القتل والخطف والاغتصاب والتعذيب التي مورست ضد آلاف المدنيين وكشف حقيقتها. والأسئلة الخطيرة التي أُثيرت حول تقاعس الدولة عن حماية المدنيين، وبخاصة في وقت المجازر واسعة النطاق التي وقعت في العامين 1997 و1998 لم تلق جواباً بعد. وبرغم إجراء محاكمات لآلاف الأشخاص الذين اتهموا بصورة غامضة وتعميمية بالإرهاب وأُدينوا بممارسته (غالباً استناداً إلى اعترافات زُعم أنها انتُزعت تحت وطأة التعذيب)، إلا أن هذه المحاكمات لم تفعل شيئاً يذكر لمنح الثقة لنظام القضاء في إماطة اللثام عن الحقيقة المتعلقة بالانتهاكات المرتكبة ولإثبات الذنب بشكل نهائي. وحتى في الحالات التي تزعم فيها السلطات أنها أجرت تحقيقات، غابت الشفافية حول الإجراءات ولم يكن هناك استعداد لتزويد عائلات الضحايا بتفاصيل التحقيقات ونشر نتائجها على الملأ. ولم يحصل ضحايا الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعات المسلحة على ضمانات تؤكد تقديم مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة.

وفي العام 2005، أصدرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان قراراً بعنوان : "الحق في معرفة الحقيقة". ويشدد على أن "المجتمع ككل ملزم بالاعتراف بحق ضحايا الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي وعائلاتهم، في إطار النظام القانوني المحلي في كل دولة، في معرفة الحقيقة المتعلقة بهذه الانتهاكات، ومن ضمنها هوية الجناة والأسباب والحقائق والملابسات التي أحاطت بارتكاب هذه الانتهاكات". وينتقل القرار إلى الإقرار "بأهمية احترام الحق في معرفة الحقيقة وضمانه بحيث يسهم ذلك في وضع حد للإفلات من العقاب وتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها". (اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، القرار 2005/66، المعتمد في 20 إبريل/نيسان 2005).

وتنص مجموعة المبادئ المنقحة للأمم المتحدة الخاصة بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها عبر العمل على مكافحة الإفلات من العقاب على أنه "لكل شعب حق ثابت (غير قابل للتصرف) في معرفة الحقيقة حول الأحداث الماضية المتعلقة بارتكاب جرائم شنيعة وحول الملابسات والأسباب التي أدت، من خلال الانتهاكات الهائلة أو المنهجية، إلى ارتكاب تلك الجرائم. وتقدم الممارسة الكاملة والفعالة للحق في معرفة الحقيقة ضمانة حيوية ضد تكرار الانتهاكات." كما تنص المبادئ على أنه "بصرف النظر عن أية إجراءات قانونية، يتمتع الضحايا وعائلاتهم بحق غير قابل للتصرف في معرفة الحقيقة حول الملابسات التي جرت فيها الانتهاكات، وفي حالة الوفاة أو الاختفاء، حول مصير الضحية".

وبموجب المرسوم التنفيذي رقم 99-47 المؤرخ في 13 فبراير/شباط 1999، فإن الأشخاص الذين تعرضوا للأذى البدني أو الضرر المادي في أعقاب الأفعال الإرهابية يحق لهم الحصول على تعويض. وقد خصصت السلطات أموالاً لأقرباء الأشخاص الذين اغتالتهم الجماعات المسلحة. وجرى توزيع هذه الأموال في حالات عديدة على العائلات المعنية، برغم أن بعضها اشتكى من أنها لم تتلق قط المال الذي تم التعهد بتقديمه لها.

وترحب منظمة العفو الدولية بالتدابير التي اتخذتها السلطات للتعويض على ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الجماعات المسلحة، لكن يساورها القلق من أن هذه التدابير لا تشكل تعويضاً كافياً عن الأذى الذي لحق بهم. وتنص المبادئ الأساسية والتوجيهات المتعلقة بحق ضحايا الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي(13) في سبيل تظلم وتعويض على وجوب أن يتضمن التعويض الكامل رد الحقوق والتعويض المادي والتأهيل والرضاء والضمانات بعدم التكرار.

والتعويض المادي بشكل خاص يجب أن يكون مناسباً ومتناسباً مع خطورة الانتهاك والملابسات المحددة المحيطة بكل حالة وتقييم الضرر البدني أو العقلي وضياع الفرص، بما في ذلك العمل والتعليم والمزايا الاجتماعية؛ والأضرار المادية وخسارة الدخل، ومن ضمنها خسارة إمكانية تحقيق دخل؛ والضرر المعنوي؛ والتكاليف اللازمة للحصول على مساعدة قانونية أو تخصصية والعقاقير الطبية والخدمات الطبية والخدمات النفسية والاجتماعية. ويجب أن يشمل التأهيل الرعاية الطبية والنفسية، لكن ضحايا الهجمات التي شنتها الجماعات المسلحة وأقرباءهم ذكروا أنهم يشعرون بأنه تم التخلي عنهم وتركهم يواجهون الصدمة التي أصيبوا بهم بمفردهم. وهناك بعض الجمعيات التي تقدم الرعاية إلى ضحايا الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعات المسلحة، لكنها غير قادرة على مساندة العدد الهائل من هؤلاء الضحايا في الجزائر. وهناك عدد قليل من البرامج الرسمية للتأهيل النفسي للناجين.

ضحايا العنف الجنسي على أيدي الجماعات المسلحة
هناك فئة محددة واحدة من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الجماعات المسلحة تم المساس الخطير بحقها في سبيل تظلم فعال: وهؤلاء هم مئات النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب على أيدي أعضاء الجماعات المسلحة. وقد تعرضت بعض النساء للتشويه والقتل عقب اغتصابهن، وأُرغمت أخريات على البقاء مع خاطفيهن وأجبرن على القيام بالطهي والتنظيف. واستطاعت بعضهن الهرب، وتركت الجماعات المسلحة أخريات عقب اغتصابهن. وتعاني نساء عديدات اليوم من آلام وصدمات بدنية ونفسية ناجمة عن هذه التجربة. وتتعرض النساء اللاتي يُغتصبن لخطر الحمل، والإصابة بالأمراض الجنسية المعدية، والمعاناة من أمراض نسائية. وعلاوة على ذلك تعاني النساء اللواتي تعرضن للعنف الجنسي من وصمة العار الاجتماعية التي تُلصق بالاغتصاب وإمكانية رفض أزواجهن أو أقربائهن أو مجتمعهن المحلي لهن. ونتيجة لذلك، نادراً ما يتقدمن بشكاوى رسمية أو حتى أنهن يفضلن التكتم على محنتهن. لذا لا يُعرف مدى العنف الجنسي الذي ارتُكب خلال النـزاع الداخلي الذي عصف بالجزائر.

وقد أقرت السلطات الجزائرية بأن الاغتصاب حدث خلال النـزاع الداخلي. وترحب منظمة العفو الدولية بحقيقة أن تدابير العفو المتخذة في العام 1999 وفي العام 2006 تستثني من العفو أعضاء الجماعات المسلحة المسؤولين عن ارتكاب الاغتصاب. بيد أنه على حد علم منظمة العفو الدولية، بالكاد تمت مقاضاة أعضاء الجماعات المسلحة بتهم الاغتصاب. ونظراً لعدم توفر المعلومات المحيطة بتطبيق مرسوم العام 2006، لا يُعرف عدد الأشخاص الذين استُثنوا من تدابير العفو بسبب ارتكابهم الاغتصاب، أو عدد الذين قدموا للمحاكمة وتمت مقاضاتهم على الاغتصاب من ضمن الذين استسلموا.

حظيت مشكلة حالات الحمل غير المرغوب فيها والناجمة عن الاغتصاب ببعض الاهتمام في الجزائر، وبخاصة قضية ما إذا كان يمكن السماح للنساء الحوامل نتيجة الاغتصاب إجراء عملية إجهاض. إذ إن طلب الإجهاض والقيام به وإجراءه يشكل جرماً بموجب المادتين 304 و309 من قانون العقوبات الجزائري.(14) ويُسمح بالإجهاض قانونياً في حالة تعرض حياة الأم للخطر أو تهديد توازنها الجسدي والعقلي بشكل خطير، بموجب المادة 308 من قانون العقوبات والمادة 72 من قانون صدر في العام 1985 حول تعزيز الصحة وحمايتها.(15) وفي العام 1998، أصدر المجلس الإسلامي الأعلى، وهو مؤسسة رسمية، رداً على هذا السؤال، فتوى تقضي أنه يمكن للنساء اللاتي تعرضن للاغتصاب، وفي الحالات القصوى التي تتعرض فيها حياتهن لخطر شديد وتم إثبات ذلك طبياً الخضوع لعملية إجهاض. كذلك أكدت الفتوى أن النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب لم يفقدن شرفهن وأنه لا يجوز إلقاء اللوم عليهن أو معاقبتهن لأنهن اغتُصبن. وبحسب ما ورد، أصدرت وزارة الصحة تعليمات في العام 1998 للسماح للنساء اللاتي حملن نتيجة الاغتصاب على أيدي الجماعات المسلحة بإجراء الإجهاض في ظروف معينة. ولم تتمكن منظمة العفو الدولية من الحصول على نسخة من هذه التعليمات. وقد نددت المنظمات النسائية الأعضاء في "شبكة وسيلة" في الجزائر بعدم تنفيذ النصوص القانونية والدينية التي تسمح بإجراء الإجهاض للناجيات من الاغتصاب على أيدي الجماعات المسلحة. ولا تتوافر أية معلومات رسمية حول عدد النساء اللاتي ربما استفدن من هذه التدابير، برغم محدوديتها.

كذلك اشتكت المنظمات النسائية من أن ضحايا الاغتصاب الذي ارتكبته الجماعات المسلحة لا يستفدن من التأهيل الذي تقدمه الحكومة، بما في ذلك الإرشاد الطبي والنفسي واللاحق للإصابة بالصدمات، ولا من التعويض المادي الذي استطاع الضحايا الآخرون للجماعات المسلحة الحصول عليه. وتدابير التعويض التي اتُخذت لمصلحة "ضحايا الإرهاب" لا تشير تحديداً إلى الناجيات من الاغتصاب، ولا تتضمن نصوصاً محددة لتلبية احتياجاتهن المعينة وتأهيلهن. وتقدم منظمات غير حكومية مثل تلك الأعضاء في شبكة الوسيلة مساعدة طبية ونفسية لعدد محدود من الأفراد، لكنها لا تملك الإمكانيات الكافية لتقديمها إلى مئات النساء والفتيات اللاتي يحتجن إلى مساعدة. ويثير غياب هذه الخدمات قلقاً بالغاً في مجتمع مثل الجزائر، حيث تضطر ضحايا الاغتصاب إلى مواجهة الصدمة التي تسببها الجريمة، ليس هذا وحسب، بل أيضاً المحرمات الاجتماعية والعار والوصمة المرتبطين بهذه القضية الحساسة. وتعيش العديد من النساء اللواتي وقعن ضحايا للخطف والاغتصاب على أيدي الجماعات المسلحة في المناطق الريفية والمحافظة اجتماعياً من البلاد، ما يزيد من تعقيد القضية. أما النساء الأخريات اللاتي نبذتهن عائلاتهن أو غادرن منازلهن خوفاً من إلصاق وصمة العار بهن، فقد بتن مشردات وعاطلات عن العمل، في مجتمع يظل فيه عمل المرأة صعباً.

عدم توفير سبيل تظلم فعال لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الموظفون الرسميون
خلال الفترة موضوع المراجعة في هذه المذكرة، كانت قوات الأمن الرسمية والميليشيات التي تسلحها الدولة تتمتع بشبه إفلات تام واقعي من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها خلال النـزاع. وإذا كان ميثاق العام 2005 للسلم والمصالحة الوطنية قد أقر بمسؤولية الجماعات المسلحة عن الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، إلا أنه نفى أية مسؤولية لقوات الأمن الرسمية في أزمة حقوق الإنسان التي ألّمت بالجزائر. وينص الأمر رقم 06-01 بتاريخ 27 فبراير/شباط 2006 بشأن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية على إفلات شامل من العقاب للموظفين الرسميين بالنسبة لأي من الأفعال التي اقترفوها وكذلك لأعضاء الميليشيات التي تسلحها الدولة.

وتنص المادة 45 من الأمر على أنه :
"لا يجوز الشروع في أي متابعة، بصورة فردية أو جماعية، في حق أفراد قوى الدفاع والأمن للجمهورية، بجميع أسلاكها، بسبب أعمال نـفـذت من أجل حماية الأشخاص والممتلكات، ونجدة الأمة والحفاظ على مؤسسات الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
يجب على الجهة القضائية المختصة التصريح بعدم قبول كل إبلاغ أو شكوى".

وتنص المادة 44 من الأمر على:
إن المواطنين الذين ساهموا بالتزامهم وعزمهم في نجدة الجزائر أو في الحفاظ على مكتسبات الأمة، يكونوا قد أثبتوا حساً وطنياً".

وتشير هذه المادة، مقرونة بالمادة 45 أعلاه، إلى أن الميليشيا التي سلحتها الدولة، والتي يُعتقد أنها ارتكبت انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق لحقوق الإنسان، تُعفى أيضاً من المقاضاة.

وتنتهك المادة 45 من الأمر بشكل صريح المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي بموجبها "تكفل (كل دولة) توفر سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتُهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في هذا العهد، حتى ولو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية". كما تمنع الضحايا وعائلاتهم من المطالبة بالعدل في الجزائر والحصول على سبل تظلم قضائية وتمنع جلاء حقيقة انتهاكات حقوق الإنسان عبر المحاكم الجزائرية.

وعلاوة على ذلك، تنص المادة 46 من الأمر على أن :
"يعاقب بالحبس مدة من ثلاث (3) سنوات إلى خمس (5) سنوات و بغرامة من 250.000 دج إلى 500.000 دج، كل من يستعمل، من خلال تصريحاته أو كتاباته أو أي عمل آخر، جراح المأساة الوطنية أو يعتد بها للمساس بمؤسسات الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، أو لإضعاف الدولة، أو للإضرار بكرامة أعوانها الذين خدموها بشرف، أو تشويه سمعة الجزائر في المحافل الدولية".

وتخنق هذه المادة حرية الكلام وتمثل عائقاً إضافياً في وجه الحق في إنصاف ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها الموظفون الرسميون.

بيد أن القانون ينص على تدابير للتعويض على "الأسر التي ابتليبت بضلوع أحد أقاربها في الإرهاب"، أي عائلات أعضاء الجماعات المسلحة الذين قُتلوا (على أيدي الموظفين الرسميين كما يُفترض) والتي ليست لديها أية موارد. وتستطيع هذه العائلات المطالبة بالتعويض عند تقديم شهادة صادرة عن الشرطة القضائية تؤكد وفاة أقربائها أثناء وجودهم في صفوف الجماعات المسلحة وشهادة صادرة عن الوالي في الولاية التي تقيم فيها تؤكد أنها لا تملك موارد تُذكر. ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن الشهادات التي تؤكد وفاة عضو في جماعة مسلحة قد يتم إصدارها بدون إجراء تحقيق صحيح في الملابسات المحيطة بقتله (والتي يمكن أن تكون عملية قتل غير قانونية أو إعدام خارج نطاق القضاء).(16) وعلاوة على ذلك، تستثني التدابير من التعويض العائلات التي لديها قريب قُتل، لكنها تتجاوز مستوى معين من الفقر. وهذا يبين أن تدابير التعويض التي تصورتها السلطات لا تضع في الحسبان الأضرار المعنوية والعواقب النفسية والطبية الممكنة التي تعرض لها أقرباء الأشخاص الذين ربما قُتلوا بصورة غير قانونية أو أُعدموا خارج نطاق القضاء. وبحسب البيانات الرسمية الأخيرة، فإنه من أصل 16648 مطالبة بالتعويض تحتفظ بها السلطات فعلاً، قُدِّمت 10200 منها من جانب عائلات محرومة اجتماعياً كان لديها قريب "ضالع في الإرهاب". ومن أصل هذه المطالبات البالغة 10200، يقال إنه يتم تسيير معاملة 5317 منها وأنه تمت تسوية 2757 مطالبة. كذلك ذكرت البيانات الرسمية أن العدد في قائمة "الضالعين في الإرهاب" يصل إلى 17,000.

كذلك ينص الأمر رقم 06-01 بتاريخ 27 فبراير/شباط 2006 بشأن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية على تدابير للتعويض على ضحايا حوادث "الاختفاء". وحوادث الاختفاء القسري التي وصل عددها إلى الآلاف، تشكل إحدى السمات المؤسفة للنـزاع الداخلي في الجزائر. وفيما يلي موجز لتقاعس السلطات الجزائرية عن تقديم سبيل تظلم فعال لأقرباء المفقودين خلال الفترة قيد المراجعة.

حوادث الاختفاء القسري
ينص إعلان الأمم المتحدة الخاص بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري على أن :
"يحصل ضحايا أفعال الاختفاء القسري وعائلاتهم على سبيل انتصاف ويحق لهم الحصول على تعويض كافٍ، بما في ذلك وسيلة التأهيل الكامل قدر المستطاع. وفي حال وفاة الضحية نتيجة اختفاء قسري، يستحق معولوه تعويضاً مادياً" (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 47/133 الصادر في 18 ديسمبر/كانون الأول 1992، المادة 19).

ويتعارض الألم والمعاناة المتواصلان اللذان يعاني منهما الأقرباء الذين لا يستطيعون الحصول على معلومات من السلطات الرسمية حول وضع أقربائهم، أو أي تحقيق يجري في "اختفائهم" مع الصكوك المتزايدة للقانون الدولي التي تعتبر "الاختفاء" "جريمة مستمرة"، طالما أنه لم يتم توضيح مكان وجود الشخص المختفي.

ويتخذ إعلان الأمم المتحدة الخاص بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري رأياً أكثر تأكيداً لمسؤولية الدولة عندما يرتكب موظفوها حوادث "الاختفاء". وتنص المادة 5 على أنه "إضافة إلى العقوبات الجزائية المنطبقة، فإن حوادث الاختفاء القسري تجعل مرتكبيها والدولة أو السلطات الرسمية التي تدبر حوادث الاختفاء هذه أو تسكت عنها أو تتساهل إزاءها مسؤولين بموجب القانون المدني، بدون المساس بالمسؤولية الدولية للدولة المعنية وفقاً لمبادئ القانون الدولي". (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 47/133 المؤرخ في 18 ديسمبر/كانون الأول 1992).

وفي الملاحظات والتوصيات المقدمة في العام 1998 إلى الجزائر، حثت لجنة حقوق الإنسان الدولة الطرف على وضع سجل مركزي لتسجيل كافة حالات "الاختفاء" المبلَّغ عنها وجميع الإجراءات المتخذة لتقفي أثر "المختفين" ولمساعدة العائلات على إعادة تقفي أثر أقربائهم "المختفين". وحتى الآن فإنه على حد علم منظمة العفو الدولية، لم توضح السلطات الجزائرية أية حالة "اختفاء" بطريقة مرضية. ولا تتوافر أية قائمة علنية بأسماء ضحايا حالات الاختفاء القسري، وفي أغلب الأحيان بدا أن أفعال الدولة الطرف فيما يتعلق بحالات "الاختفاء" تعرقل جهود العائلات لتقفي أثر أحبائها وتحرمها من الحق في سبيل تظلم فعال. وعلاوة على ذلك، انكرت السلطات الجزائرية بثبات أية مشاركة للدولة في حوادث الاختفاء القسري.

ومنذ ذلك الحين، وعلى نحو يتعارض مع السنوات السابقة، بدا أن السلطات تعترف إلى حد ما بمشكلة حوادث الاختفاء القسري معلنة أن هدفها هو حل المسألة. بيد أن تأثير هذه الخطوات ضئيل عملياً. وما دام أنه لا تُجرى تحقيقات كاملة وشفافة ومحايدة في حالات الاختفاء، فلن تظهر الحقيقة المتعلقة بمصير آلاف "المفقودين" وسيظل أقرباؤهم يعانون من الألم.
وفي أغسطس/آب 1998، أعلنت وزارة الداخلية أنه سيتم فتح مكاتب في كل ولاية من الولايات الثماني والأربعين لتلقي الشكاوى حول حالات "الاختفاء". وانتابت العديد من عائلات "المختفين" شكوك حول هذه المبادرة، لأنها أتت من وزارة الداخلية التي أشرفت على قوات الأمن التي تشتبه العائلات في أنها مسؤولة عن الاختفاء القسري لأحبائها. ولم تعلن على الملأ صلاحيات التحقيق التي تتمتع بها هذه المكاتب. وفي العام 2001، ذكر وزير الداخلية يزيد زرهوني أمام البرلمان أنه في السنوات الثلاث الماضية، راجعت هذه المكاتب حوالي 4880 حالة لأشخاص أُعلن أنهم في عداد المفقودين. وقال إنه من بين هذه الحالات، هناك أشخاصاً مطلوبين من السلطات بسبب جرائم ارتكبوها، وأشخاصاً قُتلوا في اشتباكات مع قوات الأمن وأشخاصاً قتلتهم الجماعات المسلحة وأشخاصاً يقضون حالياً عقوبات بالسجن وأشخاصاً أُفرج عنهم. ولم تُنشر قط أية قائمة بأسماء الحالات الـ 4880 أو المعلومات التي عُثر عليها حولهم.

وفي العام 2001، أُنشئت هيئة رسمية جديدة لحقوق الإنسان هي اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها،(17) واستقبلت عائلات المختفين في مكتبها بالجزائر العاصمة بصورة منتظمة للاستماع إلى بواعث قلقهم. وصرح رئيس اللجنة فاروق القسنطيني أنه يحبذ تشكيل لجنة تحقيق وطنية لجلاء حقيقة كل حالة من حالات "الاختفاء"، وهو إجراء دعت إليه منظمة العفو الدولية منذ وقت طويل. وفي سبتمبر/أيلول 2003، شكلت السلطات الجزائرية لجنة معنية بحالات "المفقودين" لتكون بمثابة همزة وصل بين السلطات الجزائرية وعائلات "المختفين". ولم تحمل اللجنة اسماً رسمياً، لكن يشار إليها عموماً بالآلية الخاصة. وقد شُكلت الآلية لمدة 18 شهراً تحت إشراف اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها. وتألفت من أعضاء هيئة حقوق الإنسان، وترأسها فاروق القسنطيني رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها. وكُلفت الآلية بجمع معلومات حول حالات "المختفين" وتسهيل الاتصالات بين عائلات "المختفين" وبين السلطات ووضع مقترحات لتسوية مشكلة "المفقودين" في الجزائر.

وكانت الآلية تفتقر إلى سلطات التحقيق الضرورية والصلاحيات للعمل على إجراء تحقيقات كاملة ومستقلة وحيادية في الاختفاء القسري. وبشكل خاص، لم تتمتع بصلاحية الاطلاع على المعلومات المتوافرة في أرشيف قوات الأمن أو التأكد من المحافظة عليها. ولم تتمتع بصلاحية إحالة المعلومات الجديرة بالثقة التي تشير إلى مسؤولية الأشخاص عن حالات "الاختفاء" إلى السلطات المختصة أو القضائية.

وفي نهاية مارس/آذار 2005، انتهت صلاحياتها. واستبعد رئيس اللجنة علانية المقاضاة الجنائية للمسؤولين عن حوادث "الاختفاء" واقترح دفع تعويضات مالية إلى العائلات التي ظل العديد منها يتحمل المشقات الاقتصادية. والتزمت اللجنة الصمت حيال واجب الدولة في التحقيق في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان وضمان حق الضحايا في سبيل تظلم فعال. وأبلغ رئيس اللجنة منظمة العفو الدولية أنه، بناء على الشكاوى التي قدمتها العائلات إلى السلطات، خلصت بأن 6146 شخصاً اختفوا بين 1992 و1998. ولم ينشر بعد التقرير السري الذي رفعته اللجنة إلى رئيس الجمهورية، بعد مضي أكثر من عامين على تقديمه إليه.

واتخذت عائلات الذين اختفوا قسراً خطوات عديدة لمعرفة مصيرهم. واتصل العديد منها بالشرطة والدرك وغيرهما من قوات الأمن لمحاولة الحصول على معلومات حول مكان اعتقال أقربائها ولماذا. وقدمت عائلات كثيرة حالاتها إلى السلطات القضائية، مطالبة بإجراء تحقيقات في الاختفاء القسري لأحبائها أو قدمت شكاوى إلى المحاكم على أساس الاعتقال التعسفي. بيد أن نظام القضاء تقاعس إلى حد كبير عن تقديم أجوبة شافية إلى هذه العائلات. ولم تتلق العائلات أي رد من المحاكم منذ تقديم شكواها، أو أنه لم يتم إحراز أي تقدم في التحقيقات، أو أن الشكاوى أُقفلت بناء على عدم كفاية المعلومات أو الأدلة. وذكرت عائلات "المختفين" أن القيّمين على التحقيق قلما استدعوا شهود العيان على توقيف أحبائها، أو أنهم لم يُولوا أي اعتبار للمعلومات التي كانت يمكن أن تساعد على تقفي أثر أحبائهم.

كما تلقت بعض العائلات معلومات، يبدو أنه تم الحصول عليها من قوات الأمن، عن طريق السلطات القضائية أو الهيئة الرسمية لحقوق الإنسان أفادت أن أحباءها قتلوا أثناء وجودهم في صفوف الجماعات المسلحة أو أنهم هربوا من الحجز، لكن بدون إعطاء أية معلومات توضح كيف يمكن لشخص محتجز لدى الموظفين الرسميين أن يجد نفسه حينها في صفوف جماعة مسلحة، أو أية تفاصيل حول الهروب المفترض. وأحياناً تلقت العائلات معلومات متناقضة من جانب سلطات مختلفة تتضمن مثلاً اختلافات في تواريخ التوقيف أو الاعتقال.

ويمنع أمر تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الآن صراحة إجراء تحقيقات في سلوك قوات الأمن، ويشكل عقبة كبرى جديدة أمام البحث عن الحقيقة والعدالة من أجل أقرباء "المختفين". بيد أنه يقترح تدابير لمساندة عائلات الأشخاص "المفقودين"، التي يعاني العديد منها من العواقب الاجتماعية والاقتصادية القاسية المترتبة على غياب أحبائهم، تتألف من تعويضات مالية.

ودفعات التعويض مشروطة بحصول العائلات على قرار من الشرطة القضائية يؤكد أن أقرباءهم مفقودون، وتم إثباته "على إثر عمليات بحث دون جدوى". وعندها يمكنهم الحصول على شهادة وفاة عن طريق حكم إداري (وفقاً للمادة 30 من القانون، تُعلن وفاة كل شخص مفقود ولم يتم العثور على جثته بعد إجراء تحقيقات عبر كافة الوسائل القانونية). ويجب أن يصدر الحكم الإداري بالوفاة خلال شهرين من الطلب الذي تقدمه العائلات. ويجب على العائلات التي تقدم طلباً للتعويض تقديم القرار الذي يؤكد أن الشخص مفقود وشهادة الوفاة إلى السلطات. وأعلنت عائلات عديدة أنها لن تطلب شهادة وفاة، خشية أن يؤدي ذلك إلى إغلاق الباب أمام إجراء تحقيقات صحيحة في مصير أحبائها ومنعها من الحصول على الحقيقة.

وبحسب المرسوم الرئاسي 06-93 المؤرخ في 28 فبراير/شباط 2006 والمتعلق بتعويض ضحايا المأساة الوطنية، يتم اعتماد طلبات التعويض من جانب: وزارة الدفاع الوطني، فيما يخص ذوي حقوق الضحايا الذين ينتمون إلى المستخدمين العسكريين و المدنيين التابعين لها؛ الهيئة المستخدمة، فيما يخص المفقودين الذين كانوا موظفين وأعوان عموميين؛ المدير العام للأمن الوطني، فيما يخص المفقودين المنتمين إلى هذه القوة؛ و والي ولاية محل الإقامة، فيما يخص ذوي حقوق الضحايا الآخرين. (المادة 8)

ويفرض الأمر رقم 06-01 بتاريخ 27 فبراير/شباط 2006 بشأن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية أيضاً مهلة زمنية مدتها سنة واحدة اعتباراً من تاريخ اعتماده لحصول العائلات على شهادة تثبت أن قريبها مفقود، تعقبها فترة ستة أشهر لتقديم طلب التعويض. ولا توجد أية نصوص تتعلق بحالات عائلات الأقرباء الذين لم يحصلوا، لسبب أو لآخر، على شهادة تفيد أن قريبهم مفقود ضمن المهلة الزمنية البالغة سنة واحدة، ما يُفترض أنه يعني أن هؤلاء الأقرباء لن يستحقوا تعويضاً. ولا يعترف القانون بمسؤولية الدولة عن حالات "الاختفاء" أو بحقوق أقرباء "المختفين"، لكنه لا يتحدث إلا عن حق الأقرباء في التعويض كما أوجزنا.

وينص المرسوم الرئاسي 06-93 المؤرخ في 28 فبراير/شباط 2006 والمتعلق بتعويض ضحايا المأساة الوطنية على أن قيمة التعويض هي 120 ضرب 16,000 دينار (حوالي 28,000 دولار أمريكي في مجموعه) يُقسَّم بين أفراد العائلة (المادة 43). وينخفض المبلغ إلى 120×10,000 دينار إذا كان "المختفي" قاصراً أو يتجاوز الستين من عمره ولم يكن لديه خطط تقاعد (المادتان 45 و46). ولا ينص المرسوم على أية تفاصيل حول كيفية تناسب قيمة التعويض مع خطورة الانتهاك والأذى الذي لحق. ولا ينص المرسوم على تدابير لتقديم مساعدة نفسية أو تأهيل لعائلات "المختفين". وعلاوة على ذلك، يبين بالتفصيل نسبة التعويض التي يحصل عليها كل واحد من أقرباء المختفي، لكن يبدو أنه يستثني الأطفال الذين تتجاوز أعمارهم 19 و21 عاماً إذا كانوا يدرسون(18)، لاعتبارات تفترض أنهم يتمتعون بالاستقلالية المالية. ويبدو أن هذه الاستثناءات تتعارض مع حق كل شخص في سبيل تظلم فعال، ويجب على الدولة الطرف أن توضحها.

وبرغم أن وسائل الإعلام الجزائرية ذكرت أن أموال التعويض قد بدأت توزع خلال العام 2007، إلا أنه لا تتوافر أية معلومات علنية حول عدد العائلات التي استفادت حتى الآن من التعويض. وقال رئيس اللجنة القانونية المكلفة بتنفيذ مرسوم العام 2006 إنه فيما يتعلق بقضية حالات "الاختفاء"، هناك قائمتان : الأولى تتضمن 6,145 "مختفياً" والأخرى تتضمن 17,000 "إرهابي" قتيل. ونظراً لأن السلطات أبلغت أحياناً بعض أقرباء "المختفين" أن أحباءهم قُتلوا في اشتباكات مع الجماعات المسلحة أو على أيديها، فهذا يضيف مزيداً من الالتباس حول الجهة التي تُحملها السلطات مسؤولية حوادث "الاختفاء". انظر شهادتي وفاة في الملحق.

وفي العام 2006، صرحت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في أول قرار لها حول حالتي اختفاء قسري في الجزائر أن السلطات الجزائرية تقاعست عن حماية حياة صلاح ساكر ورياض بوشرف وأمنهما. وكان صلاح ساكر، وهو مدرس وعضو في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي حُظرت في العام 1992، قد اختفى عقب إلقاء القبض عليه من جانب قوات الأمن في 29 مايو/أيار 1994. واختفى رياض بو شرف في العام 1995. وقد حاول أقرباؤهما الحصول على معلومات حول مصيرهما طوال سنوات عديدة وقدموا شكاوى إلى المحاكم الجزائرية التي لم تحرز أي تقدم. ولم تجر السلطات الجزائرية بعد تحقيقاً مستقلاً وشاملاً في القضيتين، برغم التوصيات التي قدمتها اللجنة المعنية بحقوق الإنسان. ومنذ صدور قرار اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، لم تتلق زوجة صلاح ساكر إلا وثيقة تشهد أن زوجها مفقود، وهو شرط مسبق للأهلية لتدابير التعويض.

المادة 3 : المساواة في الحقوق بين النساء والرجال
وفقاً للمادة 3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يتساوى النساء والرجال في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية المكرسة فيه.

التمييز القانوني ضد النساء
برغم المادة 29 من الدستور الجزائري التي تكفل المساواة بين الرجال والنساء، إلا أن التمييز القانوني بين الرجال والنساء يظل راسخاً في تشريعات أخرى، لاسيما قانون الأسرة. وقد أدخلت التعديلات التي جرت على قانون الأسرة وقانون الجنسية في العام 2005 تحسينات كبيرة على وضع التمييز القانوني ضد المرأة. وتنص التعديلات التي أُدخلت على قانون الجنسية على أن النساء المتزوجات من غير المواطنين يمكنهن الآن منح الجنسية لأطفالهن. بيد أن قانون الأسرة يظل يميز ضد المرأة في قضايا الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والولاية والميراث، برغم أهمية التقدم الذي حققته تعديلات العام 2005.

الزواج
حُدد سن الزواج الآن بتسعة عشر عاماً لكلا الطرفين (المادة 7 من قانون الأسرة)، بيد أن القاضي يمكن أن يلغي الحد الأدنى للعمر لأسباب تتعلق بالمصلحة أو الضرورة، إذا تم إثبات قدرة كلا الطرفين على عقد القران. كذلك تجيز مواد محددة عقد قران القصّر، شريطة حضور ولي الأمر.

أُلغيت المادة 39 من قانون الأسرة للعام 1984 التي جعلت طاعة الأزواج واحترامهم وخدمتهم هم وآبائهم وأقربائهم واجباً قانونياً على المرأة الجزائرية. والمادة نفسها من قانون الأسرة للعام 1984 جعلت من رضاعة الثدي والرعاية حتى بلوغ سن الرشد واجباً قانونياً على المرأة تجاه أطفالها، وحددت واجبات منفصلة للرجال والنساء في إطار الزواج. وقد أُلغيت هذه النصوص القائمة على التمييز لمصلحة مجموعة متساوية من الواجبات لكلا الزوجين في قانون الأسرة المعدل للعام 2005.

وجرى إدخال تعديل جوهري على المادة 37 من قانون الأسرة للعام 1984. وتنص الآن على أن يحتفظ كل من الزوجين بممتلكاته عند إبرام عقد الزواج، وأن عقد الزواج أو أي اتفاق آخر يمكن أن يُقسِّم الممتلكات التي يتم الحصول عليها خلال الزواج، بحسب ما يراه الزوجان مناسباً. و لكن هذا النص قليلاً ما يحمي حق المرأة في الممتلكات المكتسبة أثناء الزواج في حدوث اختلاف عليها بين الزوجين بعد الطلاق. والقدرة على إبرام عقد الزواج استناداً إلى البنود المتفق عليها بين الطرفين تمنح المرأة مزيداً من الحماية، شريطة تزويدها بمعلومات كافية حول التأثير القانوني والإشراف على نص العقد.

وبحسب المادة 19 من قانون الأسرة المعدل، يستطيع الزوجان اشتراط أي بند في عقد زواجهما، وبخاصة تلك البنود المتعلقة بتعدد الزوجات وعمل الزوجة، ما دامت الشروط لا تتعارض مع توجهات القانون الحالي.

وتحظر المادة 30 الزواج بين الأنثى المسلمة والذكر غير المسلم "بصورة مؤقتة". ولا تتضمن تفاصيل حول كيفية رفع هذا الشرط ومتى يمكن رفعه. وهكذا تحتفظ المادة 30 بالتمييز بين الرجال والنساء، فضلاً عن التمييز الديني.

الاحتفاظ بتعدد الزوجات
عُدلت المادة 8 لتشمل مزيداً من القيود على تعدد الزوجات، لكن حق الرجل في تزوج أكثر من امرأة واحدة يظل موجوداً في قانون الأسرة. ولا يحتاج عقد الزواج مع امرأة أخرى إلا إلى "مبرر شرعي" – ليس مُعرَّفاً في قانون الأسرة - ومساواة في الشروط والنية في معاملة الزوجات. ويجب إبلاغ الزوجة الحالية والمستقبلية، وتقديم طلب للحصول على إذن من رئيس المحكمة الكائنة في المنطقة التي يعيش فيها الزوجان. ويجوز لرئيس المحكمة أن يسمح بالزواج الجديد، إذا خلص إلى أن الزوجين قد وافقا، وأن الزوج أثبت مبرره الشرعي وقدرته على تحقيق المساواة والشروط الضرورية للحياة الزوجية. إن قانون الأسرة المعدل لا يعطي تفاصيل تطبيق هذه الشروط من قبل القاضي. الإبقاء على حق الرجل في تعدد الزوجات هو رمزي حيث أن هذا الأمر ليس شائعاً في الجزائر.

الحفاظ على الولي (الوكيل) عند عقد القران
بينما تُغيِّر التعديلات التي أُدخلت على قانون الأسرة نظام الولي عند الزواج، إلا أن المرأة تظل بحاجة إلى ولي يكون حاضراً عند عقد قرانها. وتنص المادة 11 من قانون العائلة على أن المرأة التي تبلغ السن القانونية يجب أن تعقد قرانها في حضور وليها الذي يمكن أن يكون والدها أو قريباً ذكراً أو أي شخص آخر تختاره. وليس واضحاً ما إذا كان الزواج يُعتبر باطلاً في غياب الولي. ويبدو أن التعديل يسمح فقط للمرأة بالاختيار الحر لوليها، بينما يظل يعزز الشرط القائم على التمييز والقاضي بحضور الولي لإتمام عقد الزواج. بيد أن القاصر لا تستطيع إبرام عقد زواج إلا عن طريق "وليها" الذي هو والدها أو قريبها. وتشير المادة 13 تحديداً إلى أن الولي، سواء أكان الوالد أو شخصاً آخر، لا يستطيع إرغام القاصر بموجب وصايته عليها على إبرام عقد زواج بدون موافقتها.

حضانة الأطفال والوصاية عليهم
بموجب قانون الأسرة للعام 1984، لا تستطيع الأم أن تتولى رعاية أطفالها حتى يبلغوا سن الرشد إلا إذا وافق والدهم على ذلك. ولا تستطيع الأم أبداً أن تصبح ولي أمر أطفالها، وتحتاج إلى الحصول على موافقة الوالد وإذنه من أجل أبسط الاحتياجات الأساسية للطفل، بما في ذلك تسجيله أو تسجيلها في المدرسة، وحتى الموافقة على مشاركة الطفل في الأنشطة المدرسية.

وتقرر المادة 87 بأن تعليم الأطفال أو الولاية عليهم هي من مسؤولية الوالد. ويُسمح للمرأة باتخاذ قرارات في حالة الطوارئ، أو في حالة غياب الوالد أو سوى ذلك من حالات العجز، من دون الحصول على إذن قضائي كما هو الحال في قانون العام 1984. وفي حال حدوث طلاق، تمنح المادة 87 الآن القاضي حق منح الولاية على الأطفال إلى الوصي عليهم، ما يمنح المرأة التي بيدها حضانة الأطفال حق إصدار القرارات المتعلقة بتعليمهم.

وتنص المادة 64 على أنه في حالة الطلاق تؤول حضانة الأطفال بحسب ترتيب الأولوية إلى الأم، ثم الأب، ثم الجدة (والدة الأم) ثم الجدة (والدة الأب) وهكذا دواليك، بقصد ضمان المصلحة الفضلى للطفل. يعد ذلك تحسن هام لقانون الأسرة للعام 1984. بيد أن المادة 62 من قانون الأسرة تُعرِّف تحديداً الوصاية على الأطفال بأنها تلقين الطفل دين والده، دون إيلاء أي اعتبار، كما يبدو، لدين الأم أو رغباتها. فالمادة 62 تمس بشدة قدرة الأم على الإسهام المتساوي في القرارات الرئيسية المتعلقة بحياة أطفالها وتعليمهم.
و حسب المادة 66 من قانون الأسرة و التي تم الإبقاء عليها في تعديلات 2005 فإن الأم تفقد حضانة أطفالها إذا تزوجت مرة أخرى.

عدم تساوي الحقوق عند فسخ الزواج
إن تعديلات قانون الأسرة تعطي للزوجات أساس أكبر لطلب الطلاق. و لكن بالرغم من تضييق التعديلات للتمييز بين الرجل و المرأة في هذه المسألة فإن التمييز مازال موجود في القانون.

يستطيع الزوج أن يطلق زوجته بحرية من دون إعطاء مبرر، لكن الزوجة يجب أن تستوفي شروطاً محددة جداً من أجل المباشرة بإجراءات الطلاق. وتحافظ التعديلات في قانون الأسرة على التمييز القانوني بين الرجال والنساء في تلك القضية، برغم أن النساء يستطعن المطالبة بالطلاق في حالات محدودة ترد في المادتين 53 و54 من القانون. وتسمح المادة 53 الآن بسببين آخرين للطلاق الذي تطلبه المرأة: الخلافات اليومية بين الزوجين والإخلال ببنود عقد الزواج.

وهكذا تضطر المرأة إلى الإفصاح عن أسباب طلاقها بناء على شروط غير متساوية، ما يؤثر على حقوقها في الخصوصيات (الحياة الخاصة) فضلاً عن الكرامة. وتشمل أسباب الطلاق عدم الإنفاق، العيوب التي تحول دون تحقيق الهدف من الزواج، الهجر في المضجع فوق أربعة أشهر و الغيبة بعد مضي سنة بدون عذر و لا نفقة. وبينما تذكر المادة 54 تحديداً بأنه يجوز للمرأة الحصول على الطلاق دون موافقة زوجها بدفع تعويض مالي (خلع) يستطيع القاضي تقدير قيمته على أساس مهرها التقديري عند إصدار الحكم. والرجال ليسوا مضطرين لفعل ذلك في حال طلبوا الطلاق.

وتوضح المادة 57 أن حكم الطلاق نهائي، ولا يمكن تقديم استئناف ضده إلا في تقسيمه للممتلكات، ومنذ إدخال تعديلات العام 2005، في ترتيبات الوصاية. وتضيف المادة 57 مكرر بأن القاضي يستطيع إصدار أمر باتخاذ تدابير مؤقتة تتعلق بالنفقة والوصاية وترتيبات الزيارة أو المعيشة.

واجب الأب في توفير بيت مناسب للأطفال
في حال انهيار الزواج، تظل الوصاية على الأطفال بيد الوالدة، ويترتب على الوالد واجب توفير سكن لائق لهم بموجب المادة 72 من قانون الأسرة المعدل. وتقرر المادة 72 أيضاً أنه في حال الطلاق، عندما تُمنح الزوجة حق الوصاية، ستظل في بيت الزوجية إلى حين تنفيذ أي قرار قضائي يتعلق بالسكن. و يمكن أن يقلل ذلك من النساء المطلقات أو منبوذات الآتي تعيشن في الشوارع مع أطفالهن في الجزائر. و لكن ليس للمرأة حقوق في بيت الزوجية إذا لم يؤد الزواج إلى إنجاب أطفال.

عدم المساواة في الميراث
يُعزز عدم المساواة بين الرجال والنساء في قانون الميراث التمييز المنهجي الذي تواجهه النساء في الجزائر. وقد تركت التعديلات الميراث على حاله دون المساس به، وبالتالي يظل قانون الأسرة يرجح مصلحة الأبناء على والبنات.
هكذا يكرس القانون معادلة رياضية شديدة التمييز وهي: كل ابن يساوي ابنتين.

حالة
تأثرت بشكل خاص بهذا التمييز القانوني النساء المتضررات من انتهاكات حقوق الإنسان في سياق النـزاع الداخلي، وبخاصة زوجات "المفقودين" (الذين هم ذكور في أغلبيتهم الساحقة). وكانت الصعوبات التي واجهنها إدارية واقتصادية على السواء ونجمت عن التمييز المزدوج ضدهن كنساء من ناحية وكمتضررات من عدم وجود نصوص قانونية كافية لمعالجة مشكلة حوادث "الاختفاء" من ناحية أخرى.

والنساء لا يتساوين في الحقوق كأوصياء على أطفالهن، حتى مع التحسينات التي أدخلتها التعديلات التي جرت على قانون الأسرة في العام 2005. لذا واجهن العديد من المشاكل الإدارية، مثل تسجيل أطفالهن في المدرسة، في غياب الزوج، ما لم يستصدرن حكماً إدارياً يعلن أن أزواجهن في عداد المفقودين. وكما ورد في الفقرة 2 من هذا التقرير، غالباً ما اعتبرت زوجات "المختفين" هذا الأمر تهديداً لحقهن في إجراء تحقيقات وزعمهن بأن أزواجهن ربما ما زالوا على قيد الحياة. كذلك واجهت زوجات "المختفين" مصاعب اقتصادية، لأنهن اضطررن إلى إعالة أنفسهن فضلاً عن أطفالهن في غياب أزواجهن. ولعل "اختفاء" الابن الذي كان يعيل عائلة براتبه يمكن أيضاً أن يفاقم الوضع الاقتصادي للنساء في العائلة، وبخاصة النساء الأكبر سناً المطلقات أو الأرامل واللواتي ليس لديهن دخل مستقل.

ومن المشكلات التي واجهتها بصورة متكررة النساء اللاتي "اختفى" أزواجهن عدم قدرتهن قانونياً على الاستفادة من معاشات التقاعد أو المدخرات أو الممتلكات أو غيرها من المقتنيات المادية المسجلة باسم الزوج، إلا إذا حصلن على شهادة وفاة. وبرغم أنه يحق للنساء فتح حسابات مصرفية، إلا أنه في الأغلبية العظمى من الحالات يكون الحساب المصرفي للعائلة باسم الزوج. وبالمثل، من المحتمل أن تكون العقارات مسجلة رسمياً باسم الزوج. وحيث تحصل زوجة الشخص "المختفي" على إعلان غياب، يتم إعداد جردة بالمقتنيات المادية للشخص المختفي ويعين وصي لإدارتها. وبرغم أن زوجة الرجل "المختفي" يمكن أن تصبح وصياً على العقارات والممتلكات المسجلة باسم زوجها، إلا أنها لا تستطيع استخدامها لتغطية النفقات المعيشية للعائلة عقب "اختفائه".

وتنص المادة 115 من قانون الأسرة على أن الأموال وغيرها من المقتنيات المادية للشخص المفقود لا يمكن استعمالها أو توزيعها كإرث إلا إلى حين وفاة الشخص، وعندها توزع وفقاً لنصوص الميراث في قانون الأسرة، ما لم تنص وصية مُعدة بصورة قانونية على خلاف ذلك. لذا لا تستطيع زوجات "المختفين" استخدام أصول العائلة إلى أن تنجز العملية التي تؤدي إلى إصدار شهادة وفاة. وتواجه النساء اللاتي "اختفى" أزواجهن واللاتي يحق لهن الحصول على معاش تقاعد إذا أصبحن أرامل مشكلات مشابهة. فأرامل الرجال الذين كانوا يعملون في وظائف رسمية تشمل ضماناً اجتماعياً يحق لهن الحصول على معاش التقاعد بعد وفاة أزواجهن.(19) بيد أن زوجات الرجال الذين "اختفوا" لا يستطعن الحصول على معاشات التقاعد هذه إلى حين صدور شهادة وفاة، كما تنص المواد من 109 إلى 115 من قانون الأسرة. ويتضمن الأمر رقم 06-01 بتاريخ 27 فبراير/شباط 2006 بشأن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية شروطاً مشابهة للمطالبة بالتعويض. بيد أن الأمر يشير تحديداً إلى أنه لا يجوز أن يمر أكثر من شهرين بين تاريخ إصدار شهادة تفيد أن الشخص مفقود وبين تاريخ إصدار شهادة وفاة. وفي قانون الأسرة تبلغ هذه الفترة أربع سنوات.

وبوصفهن نساء، واجهن صعوبات في الحصول على عمل لإعالة عائلاتهن. واحتمال حصول النساء على التعليم أو التدريب الذي يسهِّل دخولهن إلى سوق العمل أقل من احتمال حصول الرجال عليه في إطار البطالة المرتفعة في الجزائر. وبحسب ما ورد، واجهت بعض زوجات "المختفين" صعوبات إضافية نتيجة الوصمة الاجتماعية التي تُلصق "باختفاء" أزواجهن. واضطرت نساء عديدات أصبحن ربات الأسرة نتيجة "اختفاء" الزوج إلى إيجاد طرق غير رسمية للحصول على دخل لأنفسهن وعائلاتهن، لكن هذا يعني أيضاً أنهن يتمتعن بدرجة من الحماية تقل عن تلك التي يوفرها العمل الرسمي.

المعاقبة على العلاقات الجنسية التوافقية
يتضمن قانون العقوبات نصاً مهماً قائماً على التمييز يتعلق بالمعاقبة على الزنا. فوفقاً للمادة 339 من قانون العقوبات يشكل الزنا جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة تتراوح بين سنة واحدة وسنتين. وعقوبات الزنا هي نفسها للرجال والنساء، باستثناء حالة الشخص غير المتزوج الذي لم يعرف أن الشخص الذي أقام علاقات جنسية معه كان متزوجاً. فإذا كان هذا الشخص امرأة، فيمكن معاقبتها بالعقوبة ذاتها التي يتم توقيعها على الشخص المتزوج الذي يثبت ارتكابه الزنا. أما الرجال غير المتزوجين الذين يواجهون الموقف ذاته، فلا تجوز معاقبتهم إلا إذا كانوا يعرفون أن شريكتهم متزوجة.(20)

العنف ضد المرأة
تتعرض النساء في الجزائر للعنف على أيدي جهات غير الجماعات المسلحة. وفي هذه الحالات، يترتب أيضاً على الدولة الطرف واجب تزويدهن بسبيل تظلم فعال، بما في ذلك سبيل تظلم قضائي وتأهيل وحماية كافيين.

وفي يوليو/تموز 2001، تعرضت مجموعة من النساء اللاتي يعشن ويعملن في حاسي مسعود، وهي منطقة غنية بالنفط تقع في جنوب الجزائر، لهجوم شنه حوالي 300 رجل. ورافق الهجوم، كما ورد، شائعات بأن النساء كن بائعات هوى. وتعرضت أغلبية النساء اللاتي هوجمن لاعتداءات جنسية، واغتُصبت بعضهن وتعرضت ثلاث منهن لاغتصاب جماعي. وطُعنت بعض النساء بسكاكين على وجوههن وأجسادهن وأُحرقت أخريات. وتم العبث بغرفهن ونهبها. ووقعت اعتداءات مشابهة، كما ورد، في بلدة تبيسة في الشهر ذاته. وحظي الهجوم بدعاية في الصحافة الجزائرية، وبوشر باتخاذ إجراءات قضائية. بيد أن عدداً قليلاً فقط من النساء أدلين بشهادتهن في المحاكمة. أما الأخريات فكن خائفات جداً. وفي النهاية، لم يُحكم إلا على رجل واحد بالسجن لمدة ثماني سنوات بتهمة الاغتصاب. ولم تتم مقاضاة أحد على الاعتداءات الجنسية الأخرى. واشتكت النساء اللاتي ذهبن للإدلاء بشهاداتهن في المحاكمة من أنهن لم يحصلن على حماية مناسبة عقب الإدلاء بشهاداتهن في المحاكمة ويقلن إنهن ما زلن يخشين جداً من أن يسعى الرجال أو عائلاتهم إلى الانتقام منهن. وعلاوة على ذلك، ما زلن يعانين من الصدمة التي ألمّت بهن نتيجة تعرضهن لاعتداء جنسي، فضلاً عن العواقب الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على فعل محرَّم مثل الاعتداء الجنسي.

ويعتقد أن العنف المنـزلي متفشٍ في الجزائر. وقد أقرت الحكومة ليس فقط بحقيقة أن العنف في العائلة يمثل مشكلة في الجزائر، بل أيضاً بعدم وجود تشريعات محددة تحمي النساء من العنف وإحصائيات حول مدى انتشار المشكلة. وأُجريت دراسة رئيسية حول العنف ضد المرأة في الجزائر بين ديسمبر/كانون الأول 2002 ويونيو/حزيران 2003 من جانب المعهد الوطني للصحة العمومية ونُشرت في العام 2005(21)، وبالتعاون مع مهنيين صحيين وقضائيين وأمنيين واجتماعيين ومنظمات حكومية دولية ومنظمات غير حكومة وطنية تعمل بشأن العنف ضد المرأة. وبحسب الدراسة، فإن العنف المنـزلي، وبخاصة أفعال العنف التي يرتكبها الزوج ضد زوجته، مثلت أغلبية حالات العنف ضد المرأة في البلاد. وقدمت الدراسة توصيات مهمة، بما في ذلك حول تدريب الموظفين الذين يتعاملون مع العنف المنـزلي، وحول إقامة مراكز لإيواء ضحايا العنف المنـزلي وتعزيزها، وحول المعلومات الوطنية والتدابير الوقائية، وحول الحاجة لإجراء إصلاحات قانونية.

القوانين المتعلقة بالعنف ضد المرأة
تجعل المادة 336 من قانون العقوبات الاغتصاب جرماً يعاقب عليه بالسجن مدة تتراوح بين خمس و10 سنوات، لكنها لا تُعرِّف الاغتصاب. والأشكال الأخرى للعنف الجنسي غير المُعرَّفة في قانون العقوبات، برغم أنه يمكن إدراجها تحت الأفعال المخلة بالجياء المقننة في المادتين 334 و335. والأدلة الطبية حاسمة في إثبات الاغتصاب في المحكمة، ويجب أن يقوم طبيب شرعي بفحص النساء اللاتي يتعرضن للاغتصاب، وفقاً للقانون. وتقول السلطات الجزائرية إن الأدلة التي يقدمها الأطباء، بخلاف الأطباء الشرعيين، يمكن النظر فيها أيضاً عملياً. ويستطيع الشهود تقديم أدلة أخرى تؤيد اتهام بالاغتصاب، برغم أن ذلك لا يُحتمل أن يحدث عملياً.

ولا توجد نصوص قانونية محددة حول العنف المنـزلي، برغم أن النساء تستطيع الآن تطليق أزواجهن في حال استخدموا العنف ضدهن (انظر قانون العائلة أدناه). ولا يوجد نص قانوني صريح يتعلق بالاغتصاب الزوجي. وتنص المادة 264 من قانون العقوبات على عقوبات بالنسبة لأفعال العنف المرتكبة ضد شخص آخر والتي تؤدي إلى مرض أو عجز عن العمل مدة تزيد على 15 يوماً. وهناك عقوبات أقل قسوة في حال عدم بلوغ عتبة العجز عن العمل البالغة 15 يوماً. وتحتاج النساء إلى شهادة طبية من جانب طبيب شرعي لإثبات هذا الأمر في المحكمة. وتجيز المادة 267 فرض عقوبات أكثر قسوة عندما يرتكب الشخص أعمال عنف ضد والديه. كما تجيز المادة 272 فرض عقوبات أشد عندما يرتكب الوالد أو الوصي (ولي الأمر) أفعال عنف ضد طفل يتحمل مسؤولية عنه. وتجعل المادة 337 غشيان المحارم جرماً.

ولا تعرف نساء عديدات النصوص القانونية التي يمكن أن تمنحهن شكلاً من أشكال الانتصاف والحماية في حالة العنف. ويجب على النساء أن يتقدمن أولاً بشكوى لدى السلطات القضائية للاستفادة من المساعدة والحماية القانونيتين.

وكما قيل في حالة النساء اللاتي وقعن ضحايا للعنف الجنسي في إطار النـزاع الداخلي، يُعتبر الإجهاض جرماً بموجب قانون العقوبات الجزائري. وبرغم أنه يمكن إجراء الإجهاض إذا كان الحمل يهدد حياة المرأة، إلا أنه لا توجد نصوص محددة للإجهاض في حالة الحمل الناتج عن الاغتصاب، إلى جانب الاغتصاب الذي ترتكبه الجماعات المسلحة. ومع أنه لا توجد دراسات جازمة حول المسألة، إلا أنه يعتقد أن عدداً من النساء في الجزائر يلجأن إلى استخدام خدمات الإجهاض بصورة غير قانونية.

ولتعزيز حماية النساء من العنف المنـزلي في الجزائر، هناك حاجة، بالإضافة إلى الإصلاحات القانونية التي تجعل صراحة كافة أشكال العنف ضد المرأة جرائم جنائية، لبرنامج واسع لنشر الوعي وتدريب المهنيين الذين قد يتعاملون مع النساء اللواتي يتعرضن للعنف. وهم يشملون الموظفين الرسميين والهيئات المكلفة بإنفاذ القوانين والمؤسسات القضائية، فضلاً عن المهنة الطبية. ويجب وضع برامج لتقديم المساعدة النفسية إلى النساء اللاتي يتعرضن للعنف المنـزلي. وتقدم منظمات غير حكومية مثل "جمعية نجدة نساء في الشدّة" في الجزائر العاصمة، المأوى للنساء الهاربات من العنف في منازلهن، لكنها ليست كافية لمساندة جميع النساء المحتاجات إلى مكان يمكثن فيه عندما يهربن من العنف.

المادة الرابعة : حالة الطوارئ
تحدد المادة الرابعة المعايير التي يمكن فيها لدولة طرف أن تعلن حالة طوارئ. ولا يجوز أي انتقاص من المواد 6 و7 و8 (الفقرتان 1 و2) و11 و15 و16 و18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بموجب حالة الطوارئ. وينبغي على الدول الأطراف أن تبلغ فوراً الدول الأطراف الأخرى في العهد، عبر وساطة الأمين العام للأمم المتحدة، بالنصوص التي انتقصت منها والأسباب التي دفعتها إلى ذلك.

وبعدما حصلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على أغلبية المقاعد في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأولى التي شاركت فيها عدة أحزاب في ديسمبر/كانون الأول 1991، فرضت السلطات الجزائرية حالة الطوارئ في فبراير/شباط 1992 لمدة سنة واحدة. وقد جرى تمديد حالة الطوارئ إلى أجل غير مسمى في فبراير/شباط 2003، في انتهاك للدستور الجزائري، وما زالت قائمة حتى يومنا هذا، برغم أن السلطات أكدت في السنوات الأخيرة أن الوضع الأمني قد شهد تحسناً ملحوظاً وأنه تمت الآن السيطرة على خطر الجماعات المسلحة. وعندما أعلنت السلطات الجزائرية حالة الطوارئ، أخطرت الأمين العام للأمم المتحدة، لكنها لم تزوده بأية معلومات حول النصوص التي انتقصت منها.

وبموجب إطار حالة الطوارئ، اعتمدت السلطات أيضاً قوانين طارئة محددة أُدمجت بأكملها فعلياً في قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية في العام 1995. ووسعت هذه التدابير من نطاق عقوبة الإعدام وخفَّضت سن المسؤولية الجنائية إلى 16 عاماً، وزادت من فترة التوقيف للنظر من يومين إلى 12 يوماً. كذلك أدرج تعريف واسع وغامض للأفعال "الإرهابية" أو "التخريبية" في قانون العقوبات وزادت تدابير أخرى عدد الجرائم التي تهدد أمن الدولة لتشمل نسخ أو توزيع "منشورات هدامة"، و"تبرير الإرهاب بأية وسيلة كانت" أو "المشاركة في أية جمعية أو جماعة أو منظمة إرهابية أو تخريبية".

وبينما تم اعتماد هذه التدابير الطارئة الاستثنائية لمواجهة أزمة محددة، إلا أنها باتت الآن راسخة في القانون العادي. ويبدو أنه تم صرف النظر عن شروط التناسب والضرورة القصوى والمدة المحدودة لتدابير الطوارئ عند دمجها في قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية الجزائريين.
وتنتهك بعض هذه التدابير الطارئة المعايير الدولية وقد أسهمت مباشرة في انتهاكات الحقوق المكرسة في المواد 6 و7 و15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، برغم أن هذه الحقوق غير قابلة للانتقاص، حتى في حالة الطوارئ، وبرغم أن مستوى انتهاكات حقوق الإنسان قد تراجع في الجزائر قياساً بالتسعينيات، إلا أنه تظل ترد أنباء اليوم حول الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي تُرتكب في سياق تدابير مكافحة الإرهاب. ومن الأمثلة المهمة المهلة الزمنية البالغة 12 يوماً التي يمكن خلالها احتجاز المتهمين "بارتكاب أفعال إرهابية أو تخريبية" دون تهمة أو استشارة قانونية (التوقيف للنظر).

وبحسب القانون الجزائري، يستطيع موظفو دائرة الاستعلام والأمن ممارسة دور الشرطة القضائية، وهي مهمة تمارسها عادة الشرطة أو الدرك. ويتمتع أفراد الشرطة القضائية بصلاحيات لفتح تحقيقات شرطية وتوقيف المشتبه بهم واعتقالهم لاستجوابهم لمدة محددة من الزمن تعرف بالتوقيف للنظر، إلى حين توجيه الاتهام أو إخلاء السبيل. وتقتصر فترة التوقيف للنظر على 48 ساعة في الحالات الجنائية العادية، لكن يجوز تمديدها لغاية 12 يوماً في الحالات المرتبطة بالأنشطة الإرهابية المزعومة. وتنتهك هذه الفترة الزمنية أصلاً أحكام المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما أن عدم مقابلة مستشار قانوني خلال هذه الفترة الزمنية يُسهِّل ارتكاب انتهاكات للمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لأنه يلغي ضمانة مهمة لحماية كل معتقل من أفعال التعذيب.

وحتى الضمانات القانونية لحماية المعتقلين مثل حقهم في الاتصال فوراً بعائلاتهم وتلقي زيارات منهم، والخضوع لفحص طبي يجريه طبيب من اختيارهم في نهاية فترة التوقيف للنظر قد جرى عادة تجاهلها عملياً من جانب قوات الأمن. وخلقت هذه الممارسة نمطاً واسع النطاق من الاعتقالات السرية وغير المعترف بها، خلال فترة التوقيف للنظر البالغة اثني عشر يوماً وما بعدها والتي سهَّلت ممارسة التعذيب والاختفاء القسري ضد آلاف الأشخاص.

وتخضع الشرطة القضائية لسلطة النائب العام. بيد أن موظفي دائرة الاستعلام والأمن يعملون، كما يبدو، بالفعل بدون إشراف من جانب النائب العام أو أية سلطات مدنية أخرى. وعلى عكس حالة التوقيف من جانب أفراد الشرطة أو الدرك، يبدو أن أعضاء النيابة لا يحاطون علماً بعمليات الاعتقال التي تجريها دائرة الاستعلام والأمن، ولا يزورون كما يظهر ثكناتها التي تُستخدم كأماكن للتوقيف للنظر. لذا لا يبدو أن أية مؤسسة مدنية تشرف على إجراءات التوقيف والاعتقال التي تتخذها دائرة الاستعلام والأمن، لضمان تقيدها بنصوص القانون الجزائري الرامية إلى حماية المعتقلين من التعذيب والاعتقال التعسفي.

المادة 6 : الحق في الحياة
تكفل المادة 6 تمتع كل إنسان بالحق في الحياة الملازم له.

عمليات القتل في سياق النـزاع
قُتل ما يصل مجموعه إلى 200,000 شخص في إطار النـزاع الداخلي الذي دار في الجزائر، وفقاً للأرقام الرسمية المنقحة في العام 2006. وكان بينهم العديد من المدنيين، برغم أن بعضهم كانوا أعضاءً في الجماعات المسلحة وسواهم أفراداً في قوات الأمن. وتتحمل جميع أطراف النـزاع الداخلي، ومن ضمنها الجماعات المسلحة وقوات الأمن الرسمية والميليشيا التي تسلحها الدولة، مسؤولية عن عمليات القتل. ولقي أشخاص كثر مصرعهم في انتهاك للمادة 6، حيث تعرض الآلاف للذبح و"الاختفاء" والقتل بعد التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء والقتل العمد والتعسفي. ولا شك في أن انتهاكات واسعة النطاق للحق في الحياة قد وقعت في الجزائر، وأن السلطات الجزائرية تقاعست إلى حد كبير حماية حياة الناس وأمنهم.

وبرغم تراجع عمليات القتل بدرجة كبيرة عما كانت عليه في أوج النـزاع الداخلي، إلا أنها تظل تقع في الجزائر اليوم (انظر المقدمة). وترتكب الجماعات المسلحة بعض عمليات القتل خلال الهجمات التي تستهدف العسكريين، لكن المدنيين أيضاً. ويظل الأعضاء النشطون المشتبه بهم في الجماعات المسلحة يُقتلون خلال العمليات التي تقوم