Document - الصراعات الفئوية تمزق الأراضي الفلسطينية المحتلة

PALESTINIAN AUTHORITY الصراعات الفئوية تمزق الأراضي الفلسطينية المحتلة

الصراعات الفئوية تمزق الأراضي الفلسطينية المحتلة
مسرد
كتائب الأقصى: كتائب شهداء الأقصى، الجناح المسلح لفتح
القوة التنفيذية: القوة التنفيذية التي أنشأتها حكومة حماس في 2006
فتح: الفصيل الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية الذي ترأسه فيما سبق أول رئيس للسلطة الفلسطينية، ياسر عرفات
حماس: حركة المقاومة الإسلامية
الصليبب الأحمر: اللجنة الدولية للصليب الأحمر
الميزان: منظمة فلسطينية لحقوق الإنسان
المخابرات: المخابرات العامة
الأراضي المحتلة: الأراضي الفلسطينية المحتلة
السلطة: السلطة الفلسطينية
المركز الفلسطيني: المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
اللجنة الفلسطينية المستقلة: اللجنة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطنين
م. ت. ف. منظمة التحرير الفلسطينية
كتائب القسام: كتائب عز الدين القسام، الجناح المسلح لحماس
آر بي جيه: المقذوفات المدفوعة صاروخياً

تسلسل تاريخي للأحداث
يناير/كانون الثاني 2006: حماس تفوز بانتخابات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وتهزم حركة فتح، حزب الرئيس محمود عباس
مارس/آذار 2006: حماس تشكل حكومة برئاسة إسماعيل هنية
فبراير/شباط 2007: قادة فتح وحماس يلتقون في المملكة العربية السعودية للتفاوض من أجل وقف الاقتتال بين الفصيلين وتتفقان على تشكيل حكومة وحدة وطنية
17 مارس/آذار 2007 فتح وحماس تشكلان حكومة وحدة يترأسها رئيس الوزراء هنية
مارس/آذار – مايو/أيار: استمرار الاشتباكات والهجمات المتقطعة بين قوات الأمن والجماعات
2007 : المسلحة التابعة لفتح وحماس
مايو/أيار 2007: تصاعد الاشتباكات بين فصيلي فتح وحماس المسلحين
يونيو/حزيران 2007 : قوات حماس وجماعات مسلحة تهاجم جميع المرافق الأمنية والمباني الحكومية للسلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها فتح في قطاع غزة وتسيطر عليها بحلول 14 يونيو/ حزيران. وفي 14 يونيو/حزيران يُقيل الرئيس عباس حكومة رئيس الوزراء هنية ويعلن حالة الطوارئ ويقيم حكومة طوارئ مقرها الضفة الغربية ويرأسها وزير المالية السابق، رئيس الوزراء الحالي سلام فياض. وحماس ترفض الاعتراف بحكومة الطوارئ وتقيم إدارة أمر واقع في قطاع غزة.

سياق تاريخي

في 1994، أدى توقيع اتفاقات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية (منظمة التحرير) إلى إنشاء السلطة الفلسطينية (السلطة)، حيث شملت ولايتها القضائية أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة (الأراضي المحتلة – الضفة الغربية وبضمنها القدس الشرقية، وقطاع غزة) التي تحتلها إسرائيل منذ 1967. ولم تغير إقامة السلطة الفلسطينية من الوضع القانوني للأراضي المحتلة شيئاً بمقتضى القانون الدولي بصفتها أراض تخضع للاحتلال العسكري الإسرائيلي، حيث احتفظت إسرائيل بالسيطرة الفعلية على الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى سكانهما ومواردهما الطبيعية.

وأعطت اتفاقات أوسلو السلطة الفلسطينية الولاية على الشؤون المدنية (كالصحة والتعليم والأمن الداخلي) في نحو 40 بالمائة من الضفة الغربية، مشظّاة إلى نحو 230 منطقة منفصلة محصورة ضمن مناطق تخضع للإدارة العسكرية الكاملة. وقُسِّم قطاع غزة بالطريقة نفسها وأُحيط بسياج زاد من تقييد إمكانات الانتقال منه إلى الضفة الغربية.

وفي عقد التسعينيات من القرن الماضي، صعَّدت إسرائيل من إنشاء المستوطنات الإسرائيلية – غير المشروعة بحكم القانون الدولي – ومن توسعتها فوق أراض فلسطينية قامت بمصادرتها ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما أدى في المحصلة إلى مضاعفة عدد المستوطنين الإسرائيليين هناك، كما بنت شبكة واسعة من الطرق لخدمة هذه المستوطنات. وأقدمت السلطات الإسرائيلية على هدم مئات البيوت الفلسطينية، مدّعية أنها قد أقيمت من دون الحصول على تصاريح اتخذت السلطات الإسرائيلية من عدم منحها سياسة معتمدة.

وبعد اندلاع الانتفاضة (الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي) في سبتمبر/أيلول 2000، أخذ العنف الإسرائيلي – الفلسطيني يتعاظم. ومنذ ذلك الوقت، قتلت القوات الإسرائيلية نحو 4,200 فلسطيني، بمن فيهم ما يربو على 800 طفل، وذلك بواسطة الضربات الجوية والقصف المدفعي وغيرهما من أشكال الهجمات ضد مخيمات اللاجئين والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية في مختلف الأراضي المحتلة. وفي الفترة نفسها، قتلت الجماعات الفلسطينية المسلحة نحو 1,100 إسرائيلي، بينهم 120 طفلاً، أثناء هجمات بالأسلحة وتفجيرات انتحارية لحافلات ومطاعم ومراكز للتسوق. وقد تضاءل قتل الإسرائيليين بصورة كبيرة في السنتين الماضيتين، ولكن لم يقابل ذلك تراجع في عمليات قتل الفلسطينيين. فمنذ مطلع 2006، قُتل على أيدي الجماعات الفلسطينية المسلحة عشرون إسرائيلياً، بينما قتلت القوات الإسرائيلية نحو 900 فلسطيني.

وفضلاً عن ذلك، عانى الفلسطينيون في الأراضي المحتلة الكثير من الانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان. إذ دمَّرت القوات الإسرائيلية الآلاف من منازل الفلسطينيين ومناطق زراعية شاسعة، ناهيك عن البنية التحتية المدنية الأساسية. فقد جرى تدمير محطات توليد الكهرباء والطرق والجسور وشيكات المياه والمجاري والهاتف في قطاع غزة أو أُلحقت بها أضرار بالغة جراء الهجمات الجوية الإسرائيلية رداً على استمرار الهجمات بالصواريخ على إسرائيل من جانب الجماعات الفلسطينية المسلحة. وقصف الجيش الإسرائيلي مرافق قوات الأمن والسجون التابعة للسلطة الفلسطينية، كما منع قوات الأمن التابعة للسلطة من العمل في مناطق عديدة من الضفة الغربية. وتواصل القوات الإسرائيلية كذلك اقتحاماتها وهجماتها وعمليات رجالها المتخفين في مختلف الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأدت القيود المتزايدة باطِّراد على انتقال الأشخاص والسلع إلى الأراضي المحتلة ومنها إلى شل الاقتصاد الفلسطيني وجعلت أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية أمراً مستحيلاً لمن يعيشون في الأراضي المحتلة من الفلسطينيين، البالغ عددهم 3.5 مليون فلسطيني.

ففي الضفة الغربية، يُعرقل نحو 500 نقطة تفتيش وحاجز عسكري تحيط بالمدن والقرى الفلسطينية تنقُّل الفلسطينيين، بينما يفاقم جدار العزل البالغ طوله 700 كيلومترا ، والذي أعلنت محكمة العدل الدولية عدم شرعيته، من صعوبات التنقل هذه. وتدعي السلطات الإسرائيلية أن الحواجز ضرورية لمنع الانتحاريين الفلسطينيين من دخول إسرائيل، بيد أن نقاط التفتيش والحواجز و80 بالمائة من جدار العزل موجود داخل الضفة الغربية – وليس بينها وبين إسرائيل. وهي تعرقل التنقل بين المدن والقرى الفلسطينية، وتفصل المجتمعات وتعزلها عن بعضها البعض، وتحول دون وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الزراعية، وتعرقل وصولهم إلى أعمالهم ومدارسهم ومشافيهم، ناهيك عن تدميرها الاقتصاد الفلسطيني.

وفي قطاع غزة، شددت إسرائيل من إغلاقاتها التي فرضتها إثر انتصار حماس في انتخابات يناير/كانون الثاني 2006، وكذلك بعد سيطرة حماس بالقوة على القطاع في يونيو/حزيران 2007، وهي الآن تبقي على الفلسطينيين من سكان القطاع، البالغ عددهم مليوناً ونصف المليون، في حالة انقطاع تام عن باقي العالم. وكانت حصيلة ذلك زيادة حادة في معدلات الفقر والبطالة والمشكلات الصحية بين الفلسطينيين، وتدهور للأوضاع الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة. إذ يعيش نحو 80 بالمائة من سكان قطاع غزة الآن دون خط الفقر (دولارين أمريكيين في اليوم) ويعتمد هؤلاء على المعونات الدولية في بقائهم على قيد الحياة. ويؤجج اليأس وفقدان الأمل بمستقبل منظور العنف وروح التطرف للسكان الفلسطينيين، الذين يشكل الشبان الأغلبية الساحقة بينهم ولا يرون أي أفق لإيجاد فرصة للعمل أو للعيش الطبيعي، اللذين لم يعد لهما وجود.

وفي السنوات الأخيرة، أدت الصراعات والاقتتال داخل قيادة السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية والسياسية، وبين الفصائل السياسية الفلسطينية، إلى مزيد من التدهور في الأوضاع وإلى الاتساع المتزايد لحالة غياب القانون.

1. مقـدمة

أدت مستويات العنف السياسي غير المسبوقة بين الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة خلال السنة الماضية، التي بلغت ذروتها في يونيو/حزيران 2007 بسيطرة حماس على المؤسسات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في القطاع، إلى مقتل أعداد كبيرة من السكان الفلسطينيين وضاعفت من الآثار المدمرة لعقود من الاحتلال الإسرائيلي والحملات العسكرية الإسرائيلية، مسببة مزيداً من التدهور في الأوضاع المعيشية، ومؤدية إلى المزيد من العزلة الدولية.
وبصورة إجمالية، لقي نحو 350 شخصاً حتفهم وجرح ما يربو على 2,000 شخص غيرهم في النصف الأول من 2007، نتيجة الاقتتال بين قوات الأمن المتناحرة والجماعات المسلحة الموالية للحزبين السياسيين الفلسطينيين الرئيسيين – حركة فتح بزعامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وحركة حماس التي ينتمي إليها رئيس الوزراء المُقال إسماعيل هنية. وكان بين من لاقوا حتفهم أو جرحوا العديد من المارة العزل غير المشاركين في المواجهات؛ بينما كان آخرون من المقاتلين التابعين لهذا الطرف أو ذاك، الذين قتل العديد منهم بدم بارد.

وارتكبت قوات الأمن التابعة سواء لفتح أو لحماس انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، كما أظهرت عدم اكتراث فاضح حيال سلامة السكان المدنيين. وتنكَّرت قوات الأمن المتصارعة، التي كانت مسؤولة عن احترام القانون وتنفيذه، وعن حماية السكان، لمسؤولياتها هذه، وعوضاً عن ذلك، تصرفت كأطراف نزاع، بالتناغم مع الجماعات المسلحة التي كانت تتصرف كمليشيات تابعة، فقامت بنفسها بخرق القانون وارتكاب انتهاكات جسيمة دونما خشية من عقاب.
وأقدم كلا الجانبين على قتل خصومهم بعد القبض عليهم،كما قاما باختطاف العشرات من أعضاء الجماعات المناوئة واحتجازهم كرهائن لمبادلتهم لاحقاً بأصدقاء وأقارب محتجزين لدى الطرف الآخر. وأدت الهجمات العشوائية والمعارك اللامسؤولة بالسلاح في المناطق السكنية إلى محاصرة السكان المدنيين بحيث أصبحوا من الناحية الفعلية سجناء في بيوتهم. وعرَّضت حواجز الطرق التي أقامها مسلحون من كلا الجانبين سلامة السكان لمزيد من الأخطار، وأعاقت حركتهم.
ووقع القسط الأكبر من الاقتتال داخل المباني السكنية ومنها وحولها، ما عرَّض للخطر المقيمين والمارة على حد سواء. إذ سيطر مسلحو حماس على أسطح المباني المرتفعة، التي كانوا يشنون منها هجماتهم على قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، بينما استخدم مسلحو فتح الأبنية بالطريقة نفسها لمهاجمة مواقع حماس. وأطلق المسلحون قذائف الآر بي جيه وغيرها من القذائف الصاروخية من المباني السكنية التي يقطنها المدنيون وعليها، معرضين بذلك المباني لأضرار واسعة النطاق ومشعلين فيها الحرائق، التي كانت تؤدي إلى مزيد من الدمار. كما شنّوا هجمات داخل المستشفيات وحولها، معرِّضين بذلك حياة المرضى والموظفين للخطر، ناهيك عن عرقلة عمل الجهاز الطبي والحيلولة دون وصول المحتاجين إلى الرعاية الصحية إلى مبتغاهم. وفي بعض الأوقات، كانوا يستهدفون المرضى في أسرة المستشفى على نحو مباشر.
وأثناء زيارتها للأراضي الفلسطينية المحتلة في يونيو/تموز – يوليو/حزيران، سمعت منظمة العفو الدولية روايات مفزعة من ضحايا كلا الجانبين ومن السكان الذين تضرروا على نحو مباشر من موجات الاشتباكات المسلحة التي وقعت في قطاع غزة في يونيو/حزيران والأشهر التي سبقتة. وعلى الرغم من الاختلافات في الروايات حول الاشتباكات المسلحة وغيرها من الهجمات التي قتل فيها أو جرح مسلحون وأشخاص عزَّل من غير المشاركين في المواجهات، إلا أن هناك أدلة لا خلاف حولها بأن كلا الجانبين تصرف بصورة لا مسؤولة حيال سلامة السكان المحليين وارتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

إن الأوضاع التي نشأت منذ استيلاء حماس على السلطة عن طريق العنف في قطاع غزة في يونيو/حزيران المنصرم قد أدت إلى مزيد من التقويض لحكم القانون. فقد خلق قرار الرئيس عباس بتجميد جميع عمليات قوات الأمن والمؤسسات القضائية التابعة للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة فراغاً قانونياً ومؤسسياً ملأته حماس بإنشاء جهاز أمني بديل لإنفاذ القانون يفتقر إلى الأفراد المدربين تدريباً مناسباً ولآليات المساءلة والضمانات الكافية. إذ تواصل القوة التنفيذية التابعة لحماس ومعها كتائب عز الدين القسام (كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس) العمل خارج الإطار القانوني واستهداف ناشطي فتح وغيرهم من منتقديها. وهي تستخدم العنف بصورة روتينية لتفريق المظاهرات وغيرها من التجمعات، كما تقوم باعتقالات تعسفية وكثيراً ما تُخضع المعتقلين للضرب والتعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة. ولم تُتبت تعهدات رئيس الوزراء المقال هنية وغيره من قادة حماس بفتح تحقيقات في مثل هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها ومنع تكرار الانتهاكات، فعاليتها. وقد تزايدت الانتهاكات بصورة عامة.
وفي الضفة الغربية، لم تفعل حكومة الطوارئ التي عينها الرئيس عباس في يونيو/حزيران شيئاً يُذكر لمحاسبة مسلَّحي فتح الذين ردوا على هجمات حماس في غزة بمهاجة مؤيدي حماس واختطافهم وحرق منازلهم ومقرات أعمالهم، وكذلك مكاتب الجمعيات الخيرية التي يُعتقد أنها على صلة بحماس. ومع أن الهجمات التي استهدفت أعضاء حماس ومؤيديها انتهت في العادة بعد بضعة أيام، إلا أن الجناح المسلح لفتح، كتائب شهداء الأقصى، لا يزال يعمل خارج القانون ويهاجم مؤيدي حماس ويخوِّفهم دون خشية من عقاب. فقد اعتقلت قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية المئات من مؤيدي حماس المعروفين أو المفترضين وغيرهم من منتقدي فتح، بينما تكرَّر انتهاك الإجراءات المتعلقة بالاعتقال والاحتجاز. وضاق كذلك المجال المتاح لحرية الكلام وللأنشطة السياسية اللاعنفية في كلا الضفة الغربية وقطاع غزة بصورة كبيرة، سواء بسبب المضايقة والترهيب على أيدي المليشيات العاملة خارج إطار القانون، أم نتيجة لتدابير مباشرة اتختها السلطة الفلسطينية لإسكات خصومها.
إن قلقاً بالغاً يساور منظمة العفو الدولية بشأن سلوك قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية والجماعات المسلحة التي تسيطر عليها فتح وتلك الخاضعة لسيطرة حماس، وعلى وجه الخصوص بشأن:


- الاستخدام المتهور للقوة من قبل جميع أطراف المواجهات المسلحة، ما أدى إلى مقتل وجرح المارة العزل، بمن فيهم الأطفال؛

- القتل المتعمد للخصوم السياسيين والرهائن، وكذلك للمسلحين الذين قُبض عليهم أو تم حبسهم؛

- استخدام جميع الأطراف المستشفيات والمدارس والمباني السكنية المدنية منطلقاً لشن الهجمات المسلحة ضد خصومهم، بما في ذلك الهجمات التي تشن ضد مثل هذه المباني، ولا سيما المستشفيات، أو في داخلها؛

- عمليات الاختطاف واحتجاز الرهائن والاعتقال التعسفي؛

- تعذيب المعتقلين والرهائن وغيره من ضروب سوء المعاملة؛

- حرمان المعتقلين من الاتصال بمستشار قانوني؛

- استخدام القوة المفرطة وغير الضرورية وحتى المميتة ضد المتظاهرين السلميين؛

- إفلات أفراد قوات الأمن والجماعات المسلحة المسؤولين عن هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بشكل منهجي من العقاب في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ففي قطاع غزة، تساور منظمة العفو الدولية بواعث قلق بشأن:


- أعمال القتل السياسي وعودة حالة انعدام سيادة القانون؛

- استهداف مؤيدي فتح وغيرهم من الخصوم السياسيين من جانب القوة التنفيذية وكتائب القسام بالاعتقالات التعسفية وعمليات الاختطاف ضمن حملة ذات دوافع سياسية؛

- التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة للمعتقلين والرهائن؛

- الاحتجاز التعسفي للمعتقلين في أماكن لم يصرِّح بها القانون لهذا الغرض، وتعرِّض المعتقلين للخطر؛
- إنشاء إدارة الأمر الواقع التابعة لحماس هيئات وآليات لتنفيذ القانون وتسيير العدالة، ولكن دون أن تتمتع هذه بمتطلب الاستقلالية والمهارات والمساءلة التي تؤهلها للقيام بهذا الدور وضمان احترام حكم القانون للضحايا والمتهمين على السواء، وكذلك ضمان عدم ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وتمتع الضحايا بفرصة اللجوء إلى آليات فعالة للحصول على الإنصاف، ومراعاة الإجراءات المرعية بشأن من يتهمون بارتكاب جرائم جنائية؛

- الحصانة من العقاب التي يتمتع بها مرتكبو الجرائم وغياب الإرادة السياسة لدى إدارة حكم الواقع التابعة لحماس في مساءلة مثل هؤلاء الجناة واحترام حقوق الإنسان الأساسية، بما فيها الحق في حرية التعبير والتجمع والانتساب إلى الجمعيات.

وفي الضفة الغربية، تساور بواعث القلق منظمة العفو الدولية بشأن:

- استهداف قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية مؤيدي حماس بالاعتقال التعسفي والتخويف ضمن حملة ذات دوافع سياسية؛
- تعذيب المعتقلين الذين تحتجزهم قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية وغيره من ضروب سوء المعاملة؛
- الخروقات المنهجية للإجراءات التي أرساها القانون الفلسطيني بشأن اعتقال ومقاضاة المشتبه بهم؛ وعمليات الاعتقال التي تقوم بها قوات الأمن غير المخولة بمثل هذه السلطة بموجب القانون؛ والاحتجاز التعسفي للمعتقلين في مرافق قوات الأمن غير المخصصة بحكم القانون لهذا الغرض؛
- امتناع قوات الأمن عن جلب المعتقلين للمثول أمام المدعين العامين والقضاة ضمن المهلة الزمنية التي ينص عليها القانون، ومواصلة الاحتجاز التعسفي للمعتقلين الذين صدر بحقهم أمر بالإفراج من قبل قاض؛
- الهجمات التي يشنها أعضاء في كتائب الأقصى ضد مؤيدي حماس وآخرين؛
- الحصانة من العقاب التي يتمتع بها أفراد قوات الأمن وكتائب الأقصى، وغياب الإرادة السياسية لدى إدارة السلطة الفلسطينية بخصوص مساءلة الجناة؛ واحترام حقوق الإنسان الأساسية، بما فيها الحق في حرية التعبير والتجمع والانتساب إلى الجمعيات؛ وتوفير الإجراءات الواجبة لإنصاف الضحايا.

2. خلـفية

في يناير/كانون الثاني 2006، فازت حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، ملحقة هزيمة بحزب الرئيس محمود عباس، فتح، الذي استمر في السلطة بلا انقطاع منذ تأسيس السلطة الفلسطينية في 1994. وشكَّلت حماس حكومة في مارس/آذار 2006 برئاسة إسماعيل هنية.

وعلى مدار الأشهر التي تلت، تطورت التوترات السياسية بين الطرفين المتصارعين ومؤيديهما إلى مواجهات مسلحة وقفت فيها قوات الأمن والجماعات المسلحة ذات الطابع المليشوي التابعة لفتح ضد قوات الأمن والجماعات المسلحة ذات الطابع المليشوي المماثلة التابعة لحماس. واشتدت وتيرة هذه المواجهات بصورة متزايدة وأصبحت أكثر شدة مع فشل المحاولات المستمرة للتوصل إلى تسوية وتشكيل حكومة ائتلاف تضم فتح وحماس، واندلعت موجة جديدة من الاقتتال الفئوي بعد إعلان الرئيس عباس في ديسمبر/كانون الأول 2006 أنه يعتزم الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة للسلطة الفلسطينية.

وفي فبراير/شباط 2007، التقى زعماء الطرفين في مكة تحت رعاية الملك عبدالله، ملك المملكة العربية السعودية، وتوصلوا إلى ما أصبح يعرف بـ "اتفاق مكة. (1)وفي الأساس، شكَّل الاتفاق تعهداً من جانب الطرفين بوضع حد للاقتتال الفئوي وبتشكيل حكومة وحدة وطنية؛ بيد أن الاتفاق خلا بصورة حاسمة من تحديد التدابير الملموسة التي ينبغي على الطرفين اتخاذها لتحقيق الهدف المعلن.

وأُلِّفت بعد ذلك حكومة وحدة وطنية في 17 مارس/آذار 2007. حيث ظل رئيس الوزراء هنية على رأس الحكومة الجديدة، ولكنها ضمت وزراء من فتح وحماس، وكذلك مستقلين وممثلين لأحزاب صغيرة. بيد أن حكومة الوحدة لم تجلب معها أي تحسينات تذكر، وأدى استمرار حماس في السلطة إلى إبقاء المجتمع الدولي بمعظمه على مقاطعته وعلى العقوبات التي كان قد فرضها على الحكومة التي تقودها حماس منذ انتخابها في 2006، كما واصل اقتصار اتصالاته وتمويله للسلطة الفلسطنية على الرئيس عباس وعلى الوزراء غير المنتسبين لحماس. ولم تستسغ حماس استمرار العزلة الدولية حولها، ولكنها واصلت رفضها التقيد بالشروط التي وضعتها "الرباعية" (الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والأمم المتحدة)، وتحديداً الاعتراف بدولة إسرائيل ونبذ العنف في كفاحها ضد الاحتلال الإسرائيلي وقبول الاتفاقيات السابقة التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل.

واستمر تصاعد التوترات ولا سيما في قطاع غزة، حيث ظلت قيادة حماس محاصرة وتزايَد شعورها بالامتعاض من استمرار عزل وزرائها ومؤسساتها من خلال المقاطعة والعقوبات الدولية، بينما تمتعت قيادة فتح، التي تمركزت بصورة رئيسية في الضفة الغربية، بالاعتراف الدولي واستمر تلقيها للدعم المالي الأجنبي.

ومع تنامي مستوى الشعور بعدم الثقة بين فتح وحماس، غدت قابلية حكومة الوحدة الوطنية الجديدة للاستمرار موضع تساؤل بصورة مطردة، واتهم كل من الجانبين الجانب الآخر بالسعي إلى زعزعتها. وفي الوقت نفسه، تدهور الوضع الأمني، واتسمت هذه الفترة باختطاف الأجانب وتزايد الهجمات عليهم، وزعمت حماس أن أفراداً بعينهم من داخل فتح كانوا يزرعون الفوضى عن عمد في قطاع غزة بهدف إسقاط حكومة الوحدة بالقوة.

وفي مايو/أيار 2007، استؤنفت الاشتباكات المسلحة بين الجانبين بزخم جديد. وتوصلت قيادتا فتح وحماس إلى سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار، إلا أن هذه كانت تنهار في غضون أيام وحتى ساعات. وفي كل مرة، كانت الإصابات والأضرار الناجمة عن المواجهات تزيد من الشعور بالكره وعدم الثقة بين الجانبين، ما أدى إلى تفاقم الانشقاق فيما بينهما وزاد من احتمالات اندلاع اشتباكات جديدة. ومع انتشار حالة انعدام القانون، اختلطت الصورة وأصبح من الصعب التمييز بين الهجمات على خلفية الدوافع السياسية وتصفية الحسابات من قبل مجموعات فرعية تتبع كلا الجانبين، والهجمات التي تقوم بها جماعات سياسية أخرى والخصومات العائلية التي طال عليها الزمن. وفي مايو/أيار، استقال وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية هاني طالب القواسمي من منصبه وسط توتر متصاعد بين فتح وحماس، وأفعال أقدم عليها الجانبان وأدت إلى تقويض منصبه.(2) وبعد أن صرَّحت الحكومة الإسرائيلية لاحقاً لمئات من مقاتلي فتح ممن تلقوا تدريباً جديداً في مصر ضمن برنامج مولَّته الولايات المتحدة بدخول غزة، ونصب مسلحون من حماس كميناً لقافلة زعموا أنها كانت تنقل أسلحة سُلِّمت حديثاً إلى فتح، اتهم كل جانب الجانب الآخر بالتحضير لانقلاب ضده. واندلعت إثر ذلك مواجهات مسلحة عنيفة وواسعة النطاق.

وهاجمت قوات حماس وجماعات مسلحة جميع مواقع قوات الأمن وغيرها من المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية واستولت عليها، وسيطرت عملياً على الشؤون الداخلية لقطاع غزة. ورداً على ذلك، أقال الرئيس عباس حكومة الوحدة الوطنية برئاسة إسماعيل هنية، وأعلن حالة الطوارئ وعيَّن وزير المالية في الحكومة المقالة، سلام فياض، رئيساً لحكومة طوارئ جديدة مقرها الضفة الغربية. وجرى تعيين حكومة الطوارئ في 17 يونيو/حزيران ولفترة 30 يوماً، وفق ما ينص عليه القانون الأساسي الفلسطيني،(3) ولكنها ما زالت باقية حتى تاريخه دون أن تحصل على موافقة المجلس التشريعي الفلطسيني (البرلمان).(4) ويمثل هذا انتهاكاً للقانون الأساسي، الذي ينص على أنه: "يجوز تمديد حالة الطوارئ لفترة أخرى من (30) يوماً إذا صوَّتت أغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي إلى جانب التمديد". (5)

وقد رفضت حماس الاعتراف بحكومة الطوارئ في الضفة الغربية، مصِرَّة على أن رئيس الوزراء هنية المقال هو رئيس الوزراء الشرعي المنتخب ديمقراطياً، وداعية إلى استئناف الحوار مع فتح. ويصر الرئيس عباس وفتح وحكومة الطوارئ على أن تتخلى حماس عن سيطرتها على جميع المرافق الأمنية وغيرها من المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة قبل النظر في أي حوار سياسي معها. وامتنعت الأحزاب السياسية الأخرى الممثلة في البرلمان الفلسطيني عن المشاركة في حكومة الطوارئ باستثناء حزب "الطريق الثالث" الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء فياض، ولكن بعض هذه الأحزاب ساند الرئيس عباس في دعوته إلى العودة إلى واقع الحال السابق في قطاع غزة.

3. الإطار القانوني

القانون الفلسطيني والقانون الدولي لحقوق الإنسان
لفترات وجيزة وقليلة، وحتى 14 يونيو/حزيران 2007، عندما وصل العنف بين قوات الأمن والجماعات المسلحة التابعتين لفتح وحماس في قطاع غزة إلى درجة معينة من الاتساع والكثافة، كانت القواعد ذات الصلة للقانون الإنساني الدولي(6) المتعلقة بسير الأعمال العدائية نافذة، إلى جانب معايير حقوق الإنسان.

ويحدد القانون الإنساني الدولي معايير السلوك الإنساني الذي ينطبق على جميع الأطراف في المنازعات المسلحة، بما في ذلك على الجماعات المسلحة. وإذا ما استخدمنا كلمات اللجنة الدولية للصليب الأحمر (الصليب الأحمر)، وهي الجهة الأوثق معرفة وصلة بالقانون الإنساني الدولي، فإنه "حيثما استخدمت القوة المسلحة، لا يعود اختيار الوسائل والأساليب أمراً غير خاضع للتقييد". وتنعكس هذه القاعدة الأساسية صراحة في عدد من معاهدات القانون الإنساني
الدولي. فالمادة العامة 3 لاتفاقيات جنيف الأربع المنعقدة في العام 1949، والبروتوكول الإضافي الثاني الملحق بها، هما الصكان الدوليان الأوثق صلة بالمنازعات المسلحة التي ليس لها طابع دولي. ويكمِّل القانون العرفي الدولي هذه المعاهدات بصورة متزايدة. وقد أقرت الدراسة المرجعية للصليب الأحمر بشأن القانون الإنساني الدولي العرفي أن العديد من قواعد القانون الإنساني الدولي التي سُنَّت لمعالجة المنازعات الدولية تنطبق الآن بالمثل على المنازعات التي ليس لها طابع دولي. وتتضمن هذه القواعد العرفية(7) حظر الهجمات المباشرة على المدنيين؛ وحظر الهجمات العشوائية – الهجمات التي لا تتخذ الاحتياطات اللازمة للتمييز بين المدنيين والمقاتلين - والهجمات غير المتناسبة، أي الهجمات التي يمكن توقُّع أن تتسبب بخسائر عرضية في أرواح المدنيين، أو أن تلحق إصابات بالمدنيين، أو أضراراً بالأهداف المدنية، أو كلها مجتمعة، والتي يمكن أن تعتبر مفرطة بالعلاقة مع الفوائد العسكرية المباشرة المتوخاة منها. وقد غدا الآن من المسلم به أن أعمال القتل العمد والتعذيب؛ واحتجاز الرهائن ومهاجمة الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية من الأمور المحظورة بمقتضى القانون الإنساني الدولي الخاص بالمنازعات المسلحة غير الدولية. (8)

ويقضي القانون الجنائي الدولي بمسؤولية الأفراد الذين يرتكبون انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي مسؤولية فردية فينبغي تقديمهم إلى العدالة. وتعتبر الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي جرائم حرب.

أما الحق في الحياة وفي الحرية وفي الأمن الشخصي فقد كرسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (الإعلان العالمي – المادة 3).

ومع أن القوانين الفلسطينية لا تتماشى بصورة تامة مع المعايير المعترف بها دولياً لحقوق الإنسان، إلا أنها تتضمن العديد من الأحكام التي يمكن أن توفر للمعتقلين ضمانات مهمة – إذا ما طُبقت – في مواجهة الاعتقال التعسفي والتعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة.

فالمادة 13 من القانون الأساسي تحظر حظراً قطعياً استخدام التعذيب والإكراه ضد المعتقلين، وتنص على اعتبار الأقوال أو الاعترافات التي يتم الحصول عليها نتيجة لمثل هذه الانتهاكات لا قيمة لها.

إن واجب عدم إخضاع الأشخاص للتعذيب أو لغيره من ضروب سوء المعاملة قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي، والحظر المفروض على التعذيب مطلق في كل الأحوال. وقد جرى النص على هذا الحظر المطلق في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذلك في عدة معاهدات لحقوق الإنسان، ولا سيما اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وأيضاً في اتفاقيات لحقوق الإنسان لم تكتسب بعد صفة
المعاهدات. حيث تنص مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال
الاحتجاز أو السجن (مجموعة المبادئ من الآن فصاعداً)(9) في المبدأ 6 على ما يلي: "لا يجوز إخضاع أي شخص يتعرض لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.(10) ولا يجوز الاحتجاج بأي ظرف كان كمبرر للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية".

ويحظر القانون الإنساني الدولي التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة أيضاً باعتبارهما خرقاً فاضحاً لاتفاقيات جنيف وجريمة حرب.

وتحظر المادة 9 من الإعلان العالمي الاعتقال والاحتجاز التعسفيين. ويعتبر حظرُ الحرمان التعسفي من الحرية كذلك عُرفاً من أعراف القانون الدولي العرفي.(11) وتم تكريس هذا الحظر أيضاً في مجموعة المبادئ. فالمبدأ 2 ينص على أنه: "لا يجوز إلقاء القبض أو الاحتجاز أو السجن إلا مع التقيد الصارم بأحكام القانون وعلى أيدي موظفين مختصين أو أشخاص مرخص لهم بذلك".

وينص المبدأ 36 (2) على أنه: "لا يجوز القبض على هذا الشخص أو احتجازه على ذمة التحقيق والمحاكمة إلا لأغراض إقامة العدل وفقاً للأسس والشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون. ويحظر فرض قيود على هذا الشخص لا تقتضيها مطلقاً أغراض الاحتجاز أو دواعي منع عرقلة عملية التحقيق أو إقامة العدل أو حفظ الأمن وحسن النظام في مكان الاحتجاز".

وفضلاً عن ذلك تقتضي المعايير الدولية أن تتم جميع عمليات الاعتقال بناء على أوامر نافذة تصدرها سلطة قضائية مستقلة، وأن تكون خاضعة للطعن أمامها وتحت إشرافها. حيث ينص المبدأ 4 من مجموعة المبادى على أن:

"لا يتم أي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن ولا يتخذ أي تدبير يمس حقوق الإنسان التي يتمتع بها أي شخص يتعرض لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن إلا إذا كان ذلك بأمر من سلطة قضائية أو سلطة أخرى أو كان خاضعاً لرقابتها العملية".

وينص المبدأ 11 على أنه: "لا يجوز استبقاء شخص محتجزاً دون أن تتاح له فرصة حقيقية للإدلاء بأقواله في أقرب وقت أمام سلطة قضائية أو سلطة أخرى. ويكون للشخص المحتجز الحق في أن يدافع عن نفسه أو أن يحصل على مساعدة محام بالطريقة التي يحددها القانون".

ويقنضي المبدأ نفسه أيضاً أن "تعطى على وجه السرعة للشخص المحتجز ومحاميه … معلومات كاملة عن أي أمر بالاجتجاز وعن أسبابه"، وكذلك أن "تكون لسلطة قضائية أو سلطة أخرى صلاحية إعادة النظر حسب
الاقتضاء في استمرار الاحتجار". ولا يجوز تعليق الحق في الطعن في قانونية الاعتقال، حتى في أوقات الطوارئ.(12)
ويتضمن القانون الفلسطيني أحكاماً مماثلة: فالمادة 11 من القانون الأساسي تعتبر مخالفاً للقانون توقيف أي شخص وسجنه إلا بأمر قضائي وفقاً لأحكام القانون، وتقتضي أن يُحتجز الموقوفون في أماكن تصرِّح بها القوانين المتعلقة بتنظيم السجون. وتنص المادة 29 من قانون الإجراءات الجزائية على أنه: "لا يجوز على أحد أو حبسه إلا بأمر من الجهة المختصة بذلك قانوناً. كما يجب معاملته بما يحفظ كرامته، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً".

زد على ذلك، تحظر المعايير الدولية(13) والقانون الفلسطيني، على السواء، احتجاز الأشخاص في أماكن اعتقال غير رسمية. فتنص المادة 68 من قانون الإجراءات الجزائية على أنه: "لا يجوز اعتقال أو احتجاز أي شخص إلا في مركز للإصلاح و إعادة التأهيل [سجن] وفي أماكن اعتقال مخصصة لهذا الغرض من جانب القانون". ويجعل عدم التقيد بأحكام القانون المذكور آنفاً و/أو هذه المعايير الدولية من أي احتجاز أو اعتقال احتجازاً أو اعتقالاً تعسفياً بمقتضى المعايير الدولية لقانون الإنسان.

وتنص مجموعة المبادئ على أنه "لا يجوز للسلطات التي تلقي القبض على شخص ... أن تمارس صلاحيات غير الصلاحيات الممنوحة لها بموجب القانون، ويجوز التظلم من ممارسة تلك الصلاحيات أمام سلطة قضائية أو سلطة أخرى" (المبدأ 9)، كما تنص على وجوب مراجعة قرارات التوقيف على وجه السرعة من جانب سلطة قضائية أو سلطة أخرى، وعلى وجوب السماح للأشخاص المحتجزين أو المسجونين على وجه السرعة الاتصال بأسرهم أو محامييهم (المبدأ 15).

ويتضمن قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني أحكاماً مماثلة يتعين بموجبها مراجعة أي عملية توقيف لشخص تتم قبل اتهامه بجرم خلال 24 ساعة من جانب مدع عام (المادة 34)، الذي يجوز له تمديد فترة التوقيف مدة 48 ساعة إضافية. وبعد 72 ساعة من التوقيف، يجب أن تتم مراجعة القضية من قبل قاض (المادة 51)، ويجوز له تمديد فترة التوقيف السابقة على الاتهام مدة 15 يوماً (المادتان 62 و63) قابلة للتجديد من قبل قاض كل 15 يوماً لمدة أقصاها 45 يوماً.(14) ويمنح القانون الموقوفين فرصة الاتصال بسرعة وبلا معوقات بمحام (المادة 46). وفضلاً عن ذلك، تقتضي المادة 12 من القانون الأساسي توجيه الاتهام إلى من يجري القبض عليهم وتقديمهم إلى المحاكمة بلا إبطاء.

النظام القضائي الفلسطيني
يضم النظام القضائي في مناطق الأراضي الفلسطينية المحتلة الخاضعة للولاية القضائية للسلطة الفلسطينية مجموعة من القوانين والمراسيم تتضمن تلك المتبقية من قرون سابقة عندما كانت المنطقة تحت سيطرة قوى أخرى – العثمانيين والبريطانيين والأردنيين (في الضفة الغربية) والمصريين (في قطاع غزة) والإسرائيليين – وتشريعات أُقرت منذ 1994، ولا سيما المراسيم التي أقرها الرئيس السابق ياسر عرفات والرئيس الحالي محمود عباس، وكذلك قوانين أقرها البرلمان الفلسطيني، أي المجلس التشريعي الفلسطيني (المجلس التشريعي). وعُقدت أولى الانتخابات للمجلس التشريعي، الذي يضم 132 عضواً، في 1996. وتصبح القوانين التي يقرها المجلس التشريعي نافذة حالما يُصدِّق عليها رئيس السلطة الفلسطينية. ولا يزال القانون الثوري الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية للعام 1979 (الذي صاغته هياكل منظمة التحرير الفلسطينية في المنفى قبل إقامة السلطة الفلسطينية) ساري المفعول، وهو الأساس الذي ينبني عليه نظام القضاء العسكري. ويقوم القانون الأساسي للعام 2003، الذي جرى تعديله في 2005، مقام الدستور إلى حين قيام الدولة الفلسطينية.

ويتألف نظام المحاكم من محاكم الصلح، التي تنظر قضايا الجنح؛ ومحاكم البداية، التي تنظر قضايا جرمية أكثر خطورة والاستئنافات المقدمة ضد الأحكام الصادرة عن محاكم الصلح؛ ومحاكم الاستئناف، التي تنظر الاستئنافات ضد الأحكام الصادرة عن محكمة البداية؛ والمحكمة العليا، التي تنظر في الاستئنافات على أعلى مستوى قضائي وتنظر في التماسات التمييز بشأن الطعون المتعلقة بالمخالفات الإجرائية. وأُنشئت في 2006 المحكمة الجزائية العليا لنظر جرائم مثل القتل والاختطاف والاغتصاب، وما يسمى جرائم الشرف والاعتداءات على المال العام والأمن الوطني. وتنظر المحاكم العسكرية القضايا المتعلقة بمنتسبي قوات الأمن وتطبق القانون الثوري لمنظمة العفو الدولية للعام 1979. وفي 2006، أُقر قانون أُنشئت بموجبه المحكمة الدستورية العليا، ولكنه لم يوضع بعد موضع التطبيق.(15) وتنظر المحاكم المدنية القضايا المدنية، بينما تنظر المحاكم الشرعية قضايا الأسرة وتلك التي يشملها قانون الأحوال الشخصية (من قبيل الزواج والطلاق). وألغى وزير العدل في 2003 محاكم أمن الدولة. (16)

ويتولى النائب العام والمدعون العامون التحقيق في الجرائم ومقاضاة مرتكبيها، ويشرفون على قانونية الاعتقالات ويحققون في الشكاوى التي يتقدم بها المعتقلون. وتتم تسمية النائب العام والقضاة من قبل المجلس القضائي الأعلى، الذي يرأسه رئيس المحكمة العليا، ولكن تعيينهم يتم من قبل رئيس السلطة الفلسطينية.

وإلى جانب النظام القضائي، ما زال نظام العرف التقليدي للمصالحة والوساطة الذي يتولاه الزعماء العشائريون/ القبليون وغيرهم من الوجهاء الآخرين موجوداً على مستوى المجتمع المحلي ويقوم بدور مواز لنظام المحاكم؛ وبالنسبة للعديد من الفلسطينيين، يظل هذا هو الوسيلة المفضّلة التي يمكن من خلالها تسوية الخلافات العائلية والعشائرية وغيرها من المنازعات، بدءاً بالأمور المتصلة بـ"شرف" العائلة، وانتهاء بجرائم القتل والتسبب بالإصابة والأمور المالية. وقد استُخدم نظام الوساطة هذا أيضاً كأساس لمعالجة المصادمات بين الفصائل السياسية، بما في ذلك التوسط في اتفاقاتٍ لوقف إطلاق النار ومفاوضات بشأن المرور الآمن لمقاتلين/قادة يواجهون الخطر، وتسوية قضايا أخرى تتصل بالصراع بين فتح وحماس كانت تبرز في مجرى المواجهات الدامية التي وقعت في قطاع غزة في النصف الأول من 2007(17).

الفراغ المؤسسي والقضائي في قطاع غزة
على إثر سيطرة حماس على المقار الأمنية للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة في يونيو/حزيران، أصدر الرئيس عباس أوامره إلى منتسبي الشرطة وقوات الأمن بعدم الالتحاق بوظائفهم في غزة تحت طائلة العقاب بعدم صرف رواتبهم. وفي 10 يوليو/تموز، أكد النائب العام، المسؤول عن التحقيق في القضايا الجنائية ومقاضاة مرتكبيها(18) ، لمنظمة العفو الدولية أن مكتبه لم يزاول أياً من مهامه في قطاع غزة منذ منتصف يونيو/حزيران(19).

وفي 2 يوليو/تموز، أصدر رئيس القضاة ورئيس المجلس القضائي الأعلى والمحكمة العليا التعليمات التالية إلى رؤساء محاكم البداية والصلح:

"نظراً للأوضاع الراهنة في قطاع غزة، وببسبب عدم وجود قوة شرطة تساعد على تنفيذ القرارات القضائية وحمايتها، نطلب من جميع القضاة والعاملين في المديريات المسؤولة عن تنفيذ القرارات القضائية تعليق جميع القرارات التي تتطلب المساعدة من جانب الشرطة لتنفيذها، وذلك من أجل حماية استقلال وكرامة القضاء وحمايته من أي تدخل يمكن أن يتهدد استقلاليته".(20)

ولم تستمر في عملها سوى المحاكم الشرعية، غير أن الأحكام القضائية التي كانت تتطلب التنفيذ من جانب الشرطة لم يمكن تنفيذها بسبب غياب قوات الشرطة بناء على أمر الرئيس عباس إلى الشرطة بعدم القيام بمهامهم.

وفاقم هذا من حالة انعدام القانون السائدة أصلاً. فلعدة سنوات، لم يحدث أن قُدِّم إلى لعدالة أي شخص من المسؤولين عن أعمال القتل السياسي والاختطاف – ومعظم هؤلاء من الجماعات المسلحة المرتبطة بفتح، ولاحقاً بالجناح العسكري لحماس والجماعات الأخرى. فمع عدم قدرة قوات الأمن والنواب العامين والمدعين العامين على مقاضاة أصحاب القضايا السياسية، أو عدم رغبتهم في ذلك، ظلت عمليات التوقيف والمقاضاة تقتصر عموماً على قضايا القانون العام، بينما ظلت معالجة الجرائم التي ارتكبت في سياق المواجهات السياسية والمصادمات العشائرية والعائلية تتم عبر جهود الوساطة غير الرسمية بين الأطراف المعنية، وعلى أيدي قادة المجتمع المحلي المرموقين، أو تترك ببساطة لشأنها دون معالجة. وكان هذا مؤشراً على فشل السلطة الفلسطينية وقوات أمنها وهيئتها القضائية في أن تحقق وفي أن تقاضي مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان، وأسهم إلى حد كبير في حالة الانفلات الأمني التي أصبحت أكثر تجذراً بمرور الوقت في قطاع غزة، كما في الضفة الغربية(21).
"اندفع داخلاً إلى المركز رجل بدا عليه أنه مضطرب عقلياً. لم نعرف ماذا نفعل، فلم تعد هناك شرطة ولم نرغب في اللجوء إلى قوات حماس، ولكننا اضطررنا إلى ذلك في نهاية الأمر، إذ إن الرجل بدأ بالسباب وبإحداث المتاعب، ولكننا لم نشعر بالارتياح حيال ذلك". (عامل في إحدى المنظمات غير الحكومية، يوليو/تموز 2007).

"لا توجد شرطة للتحقيق في الجرائم ولا محاكم لمقاضاة المجرمين. هناك أشخاص حصلوا على أحكام لصالحهم من المحاكم قبل 14 يونيو/حزيران تتطلب تدخل الشرطة لتنفيذها؛ قضايا نزاعات حول الأراضي وقضايا لنساء مطلقات يرفض أزواجهن دفع مستحقاتهن وقضايا أخرى كثيرة – ولكن ليست هناك شرطة لتنفيذ هذه الأحكام. أين هم الأشخاص الذين يفترض أن يتلقوا شكاوى الناس؟ حتى إذا قامت حماس بتوقيف المجرمين، ماذا بعد؟ هل نرغب حقاً في أن يبدأوا بإنشاء محاكم وأنظمة جديدة؟ ينبغي أن يبقى القضاء والمؤسسات التي يفترض فيها خدمة المواطنين بعيدين عن السياسة. إن لقرار وقف عمل الشرطة والمحاكم نتائجه السلبية. وهو غلطة كبيرة". (محام لحقوق الإنسان، يوليو/تموز 2007).

إن أوجه الفشل والنواقص البنيوية هذه أكدت على ضرورة القيام بإصلاحات عاجلة وبعيدة المدى – من قبيل تعيين شرطة وموظفين رسميين غير متحزبين، وتوفير تدريب أفضل، وإنشاء آليات فعالة للإشراف والمحاسبة تستطيع المساعدة على استئصال شأفة الانتهاكات من جانب قوات الأمن، وتدابير لتمكين القضاء وتعزيز استقلاليته. وعوضاً عن ذلك، أدى قرار الرئيس عباس بتجميد أنشطة الشرطة والقضاة في قطاع غزة إلى فراغ مؤسسي وقضائي ترك 1.5 مليون من السكان في قطاع غزة فعلياً من دون أي مؤسسات لإنفاذ القانون ليعودوا إليها.(22) كما فتح الباب أمام إدارة حكم الواقع التابعة لحماس كي تضع أنظمة بديلة لملء هذا الفراغ القضائي والشرطي تفتقر، على أية حال، إلى لاستقلال وغدم التحيز والتدريب والإشراف والمساءلة العامة على نحو كاف.

قبل يونيو/حزيران 2007، كان سكان قطاع غزة يواجهون صعوبات أكبر في الحصول على العدالة أو تحقيق الإنصاف من جانب المؤسسات والآليات القضائية المعطوبة للسلطة الفلسطينية. بيد أن الأوضاع قد تدهورت أكثر منذ تولي حماس زمام الأمور. فليست أمام أهالي غزة الآن أية فرصة لتحقيق العدالة أو الإنصاف من خلال القانون بسبب غياب المؤسسات الرسمية. وفي الماضي، كانت الشرطة والمحاكم التابعة للسلطة الفلسطينية نادراً ما تتخذ إجراءات ضد قوات الأمن والمليشيات المسؤولة عن جرائم "سياسية" مثل القتل والاختطاف، إلا أنها كانت تتصرف حيال أنواع أخرى من القضايا كجرائم القانون العام، وكذلك تنفذ الأحكام الصادرة عن المحاكم المدنية والشرعية.

ومنذ يونيو/حزيران، ترك غياب مؤسسات السلطة الفلسطينية سكان قطاع غزة بلا خيار آخر سوى أن يتولوا بأنفسهم تنفيذ القانون أو يلجأوا إلى أجهزة الأمن وتنفيذ القانون المتحزِّبة التي أقامتها حماس. وفي نهاية الأمر، شجَّع الفراغ حماس على وضع أنظمة موازية واتخاذ تدابير آنية خارج الإطار القضائي والمؤسسي.
ومنذ يوليو/تموز، أخذ منتسبو قوات الأمن في قطاع غزة يتلقون رواتبهم كاملة من حكومة الطوارئ التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بعد أشهر عديدة تسلموا خلالها جزءاً من رواتبهم فقط، أو لم يصلهم أثناءها شيء. بيد أن دفع الرواتب مقتصر حصرياً على الأشخاص الذين لا يلتحقون بعملهم – ما يعني في المحصلة قبضهم الرواتب حتى لا يعملوا. أما من واصلوا العمل تحت إدارة الأمر الواقع التابعة لحماس فأوقفت رواتبهم(23). وبذا، وبينما كان على قوات الأمن أن تقوم بواجباتها لأكثر من سنة دون أن تقبض رواتبها، فإن المطلوب منها الآن أن لا تعمل كشرط لتسلُّم رواتبها.

انتشار الأنظمة الموازية خارج الإطار القانوني في قطاع غزة
ملأت حماس الفراع بنشر القوة التنفيذية في مختلف أرجاء قطاع غزة. وأعضاء هذه القوة النظاميون يتحدرون من كتائب القسام التابعة لحماس (أنظر الجزء 4) التي تدرب أفرادها على شن هجمات ضد أهداف إسرائيلية وعلى مقاتلة القوات الإسرائيلية أثناء دخولها قطاغ غزة للإغارة عليه، وليس على القيام بدور الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون. وكما كان الحال في الماضي، حيث ظلت الولاءات السياسية والشخصية – وليس المهارات والكفاءة – هي العامل الحاسم في تجنيد قوات الأمن والأجهزة القضائية التابعة للسلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها فتح، واصلت إدارة الأمر الواقع لحماس النهج نفسه بتجنيد مؤيدي حماس في قواتها وفي غيرها من المؤسسات العامة.

فشاركت كتائب القسام في هجمات على المتظاهرين إلى جانب القوة التنفيذية، كما قامت أيضاً باختطاف أشخاص بصورة مستقلة عن القوة التنفيذية وأقامت مركزي اعتقال في الضفة الغربية. علماً بأنه لا كتائب القسام ولا القوة التنفيذية تملك أي سلطة قانونية لاعتقال الأشخاص؛ فكتائب القسام جماعة مسلحة تعمل خارج إطار القانون، والقوة التنفيذية قوة لا تملك التخويل القانوني الذي يمكنها من ممارسة توقيف الناس واحتجازهم. والاعتقالات التي تقوم بها تعسفية وتشكل انتهاكاً للقانون الفلسطيني وللمعايير الدولية.

ومنذ يوليو/تموز 2007، أعلنت حماس سلسلة من الهيئات أو الآليات الجديدة لتحل محل قوات الأمن والمؤسسات القضائية التابعة للسلطة الفلسطينية التي رفضت العمل تحت مظلة إدارة حماس للأمر الواقع أو إلى جانبها. فوفق الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان)،(24) شكَّلت القوة التنفيذية في 9 يوليو/تموز لجنة لمعالجة قضايا المعتقلين المحتجزين في سجن غزة المركزي في مجمع السرايا الأمني قبل سقوط المجمع بأيدي
قوات حماس.(25)
وفي 21 يوليو/تموز، أعلن الناطق بلسان القوة التنفيذية أن حماس قد شكلت لجنة قانونية لمعالجة غياب المؤسسات القضائية العاملة في قطاع غزة وقال إن هذه اللجنة تحل محل مكتب الادعاء العام التابع للسلطة الفلسطينية "وتمنعها من التدخل في قضايا الجمهور الفلسطيني".(26) بيد أن القوة التنفيذية لم تستولِ على مكاتب النيابة العامة للسلطة الفلسطينية في غزة حتى 16 أغسطس/آب. وبعد ذلك بفترة وجيزة، أعلن المدير العام للشؤون القانونية في وزارة العدل التابعة لإدارة الأمر الواقع لحماس أن الوزارة قد عينت ثمانية نواب عامين و20 مدعياً عاماً مساعداً ليحلوا محل من توقفوا عن العمل في منتصف يونيو/حزيران.(27)

وفي 16 أغسطس/آب، اعتقلت القوة التنفيذية النائب العام، الذي كان في الضفة الغربية منذ بداية الأزمة، بعد فترة وجيزة من عودته. وفي شهادة أدلى بها للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، قال إنه اقتيد من مكتبه وتعرض للضرب أثناء نقله إلى السجن المركزي، حيث طُلب منه أن يوقع تعهداً بعدم ممارسة أي مهام تتعلق بواجبات الادعاء العام، وبعدم السفر إلى الضفة الغربية أو الإدلاء بأي تصريحات إلى وسائل الإعلام، وبالتوقف عن "التحريض" ضد إدارة حماس. ورفض توقيع التعهد، إلا أنه أُفرج عنه بعد فترة وجيزة. وأبلغ الناطق بلسان القوة التنفيذية المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أنه قد تم اعتقال النائب العام لساعة واحدة بشبهة تهريب ملفات قانونية لقضايا تتعلق بالفساد وبجرائم قتل، غير أن النائب العام أنكر هذه المزاعم. وقام أعضاء القوة التنفيذية كذلك بتفتيش مساعدي النائب العام تفتيشاً جسدياً وبمسح الصور من على هواتفهم النقالة وبتهديدهم بالسلاح. كما اعتقل محام يعمل مع المنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان "الميزان" لفترة وجيزة على يد القوة التنفيذية عندما حاول تصوير أعضاء القوة التنفيذية وهم يحاصرون مكتب النائب العام. واقتيد أيضاً إلى مجمع السرايا الأمني واحتجز هناك لمدة ساعة قبل أن يطلق سراحه.

وأعلن رئيس القوة التنفيذية، جمال جرّاح، في 18 أغسطس/آب أنه يجري تشكيل قوة جديدة للرد السريع، وأنه سيتم نشرها قريباً لمعالجة أمر "المتعاونين" (جواسيس إسرائيل) والتعامل مع المسائل الأمنية التي تحتاج إلى التدخل السريع، مثل تهريب المخدرات. وفي 27 أغسطس/آب، أعلن الأمين العام لإدارة الأمر الواقع، محمد عواد، عن تشكيل ثلاثة أجهزة شرطة فلسطينية جديدة – قوى الأمن الداخلي، وحرس السواحل، وقوة أمن نسائية.

وفي 4 سبتمبر/أيلول، أعلنت إدارة الأمر الواقع التابعة لحماس إنشاء المجلس القضائي الأعلى، المسؤول عن تعيين القضاة، بالتعاون مع الدائرة القضائية. والقصد من هذا المجلس هو الحلول محل مجلس القضاء الأعلى، الذي يتولى تسمية النائب العام والقضاة، لتعيينهم من قبل رئيس السلطة الفلسطينية، كما يتولى تدريب القضاة. ومثل هذا الإجراءات لا تتساوق مع مبدأ استقلالية السلطة القضائية، وتشكل خرقاً للعديد من القوانين الفلسطينية – ولا سيما قانون السلطة القضائية(28).
وتساور منظمة العفو الدولية بواعث قلق من أن الهيئات والآليات التي أقامتها إدارة الأمر الواقع لحماس لتنفيذ القانون وإدارة العدالة تفتقر إلى المهارات والاستقلالية والرقابة والمساءلة اللازمة لضمان احترام حكم القانون بالنسبة للضحايا والمتهمين على السواء؛ وعدم ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان؛ وتمكين الضحايا من الوصول إلى آليات فعالة للحصول على الإنصاف؛ وتمتع الأشخاص المتهمين بالإجراءات القانونية الواجبة. وعلى العكس من ذلك، فمن الواضح أن مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان ما زالوا يتمتعون بالحصانة من العقاب، وأن إدارة الأمر الواقع لحماس تفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة لمساءلة مرتكبي الجرائم عما فعلوه، ولا سيما أعضاء حماس نفسها، ولاحترام حقوق الإنسان الأساسية، بما فيها الحق في حرية التعبير والتجمع والانتساب إلى الجمعيات. وفي الجوهر، تسارع إدارة الأمر الواقع لحماس في قطاع غزة إلى تكرار الانتهاكات والنواقص التي أعلنت استنكارها لها فيما سبق، وليس دون أسباب صحيحة، لا بل تتجاوز في ممارساتها العديد من هذه الانتهاكات والنواقص التي ارتكبتها مؤسسات السلطة الفلسطينية تحت سيطرة فتح، ولا سيما استهتار قوات الأمن بحقوق الإنسان وغياب الإرادة السياسية اللازمة لإعمال حكم القانون، ما أدى إلى غياب سيادة القانون على نطاق واسع.

4. قوات الأمن والجماعات المسلحة – خطوط متداخلة

قوات الأمن

أنشأت السلطة الفلسطينية في عقد التسعينيات من القرن الماضي نحو 10 أجهزة أمنية مختلفة، بما فيها جهاز الأمن الوقائي، والقوة 17، والمخابرات العامة، والمخابرات (الاستخبارات) العسكرية، والدفاع المدني، التي تضم في مجملها ما يربو على 30,000 منتسب. ولسنوات عدة، كان التعذيب أمراً شائعاً بالنسبة للمعتقلين السياسيين والموقوفين المتهمين بـ"التعاون" مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.(29) واحتفظ كل جهاز أمني بمراكز اعتقاله الخاصة به، خارج الإطار القانوني، وفي بعض الأحيان، كان الموقوفون يحتجزون لسنوات بلا محاكمة أو أي وسيلة فعالة لتصحيح وضعهم أو إنصافهم(30).

وفي 2005، وحَّد الرئيس عباس قوات الأمن في ثلاثة فروع: الأمن الوطني، والأمن الداخلي، والمخابرات العامة، وضم كل منها عدة أجهزة.(31) وتضم المخابرات العامة الاستخبارات العسكرية والشرطة العسكرية، وهي تخضع للسيطرة المباشرة لرئيس السلطة الفلسطينية، كما يخضع لسيطرته حرس (أمن) الرئاسة/القوة 17.(32) وتم تعريف الأمن الوطني على أنه "هيئة عسكرية نظامية"(33) ويضم عدة أجهزة. ويضم الأمن الداخلي جهاز الأمن الوقائي والشرطة والدفاع المدني. ويخضع الأمن الوطني والأمن الداخلي لولاية وزيري الأمن الوطني والداخلية، على التوالي، إلا أن قيادتي القوتين تُعينان من قبل رئيس السلطة الفلسطينية.(34)

وبعد كسب حماس الانتخابات التشريعية وتشكيلها الحكومة في أوائل 2006، لم تتمكن من اكتساب أي نوع من السيطرة على قوات الأمن، التي تحدت على المكشوف، ولا سيما الحرس الرئاسي/القوة 17 والأمن الوقائي، سلطة الحكومة الجديدة وقامت بعمليات اغتيال وبهجمات أخرى ضد أعضاء حماس.

وأُنشئت القوة التنفيذية في أبريل/نيسان – مايو/أيار 2006 من قبل وزير الداخلية في حكومة حماس آنذاك، الذي قال إنه مع عدم وجود سيطرة على قوات الأمن العاملة التابعة للسلطة الفلسطينية، التي ظلت هياكل لفتح في الأساس، فإنه ليس ثمة آلية لتنفيذ القانون تحت سيطرة الحكومة ولا تستطيع بالتالي القيام بواجباتها وبمعالجة حالة انعدام الأمن المتنامية وعمليات الاختطاف المتكررة. وتتألف القوة التنفيذية من أعضاء في كتائب عز الدين القسام (كتائب القسام) ومؤيدين لحماس، بينما تضم قيادتها اللواء توفيق جابر، وهو قائد شرطة سابق لدى حكومة فتح.

واعترض الرئيس عباس على إنشاء القوة التنفيذية ودعا إلى حلها، ولكنه لم يتخذ أي تدابير لأكثر من سنة لإجبار حكومة حماس على التقيد بتعليماته هذه.(35) وفي هذه الأثناء، لم تبذل حماس أي مساع لجعل البرلمان، الذي تملك فيه الأغلبية، يسن تشريعاً لإضفاء الطابع الشرعي على القوة التنفيذية وتنظيم عملها. (36)ولذا فإن القوة التنفيذية ما زالت تعمل خارج إطار القانون.

وطبقاً للتقارير، فقد عقدت مفاوضات بين فتح وحماس بشأن إمكان دمج القوة التنفيذية مع قوات أمن السلطة الفلسطينية، إلا أنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق بشأن ذلك. وأصبحت الاغتيالات وعمليات الاختطاف والمواجهات المسلحة المتقطعة بين مسلحي فتح وحماس تتزايد باطراد، حيث قامت كتائب الأقصى التابعة لفتح وكتائب القسام التابعة لحماس بدور مليشيات داعمة لقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية وللقوة التنفيذية.
ولم يصدر الرئيس عباس أي مراسيم رئاسية لاعتبار القوة التنفيذية لحماس خارجة عن القانون إلا بعد قيامها مع كتائب القسام بالسيطرة على المرافق الأمنية وغيرها من المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة.(37)

الجماعات المسلحة
تملك معظم الفصائل السياسية الفلسطينية أجنحة مسلحة أو جماعات مسلحة تتبعها.(38) بيد أن الاشتباكات والهجمات المسلحة بين الفصائل اقتصرت بصورة شبه حصرية على الجناح المسلح لفتح، كتائب الأقصى، والجناح المسلح لحماس، كتائب القسام، الجماعتين المسلحتين الأكبر.

وأُنشئت كتائب الأقصى من جانب ناشطي فتح، بمن فيهم أعضاء في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية ولا سيما القوة 17 والأمن الوقائي(39) في أواخر 2000/أوائل 2001، وبعد فترة وجيزة من اندلاع الانتفاضة (الانتفاضية الفلسطينية ضد الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة).(40) وعُرفت أول ما عرفت في نابلس، التي ظلت أحد معاقلها الرئيسية في الضفة الغربية، وتم تشكيل مجموعات لها لاحقاً في المدن والبلدات الأخرى، ولا سيما جنين ورام الله، وكذلك في قطاع غزة. وهدفها المعلن هو المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك عبر استخدام التفجيرات الانتحارية وغيرها من الهجمات ضد الإسرائيليين، بمن فيهم المدنيون الإسرائيليين، داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. بيد أنها، وبخاصة في السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ 2004 – 05، كانت مسؤولة بصورة متزايدة عن عمليات اختطاف فلسطينيين ومواطنين أجانب، وعلى الأغلب بغرض انتزاع امتيازات من السلطة الفلسطينية – مثل الحصول على الوظائف وضمان الإفراج عن الأصدقاء والأقارب المعتقلين لدى السلطة الفلسطينية لقيامهم بأنشطة إجرامية أو لتسجيل عدم موافقتها على مواقف تتخذها قيادة السلطة الفلسطينية في مفاوضاتها مع إسرائيل. وكانت كتائب الأقصى مسؤولة كذلك عن الأغلبية الساحقة من عمليات قتل الفلسطينيين الذين اتهموا بـ"التعاون" (التجسس) لصالح أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، كما قامت باختطاف أشخاص وبتعذيبهم لإجبارهم على دفع الفدية لها. وقد تمتعت كتائب الأقصى بصورة ثابتة بالتغطية للإفلات من العقاب عما ترتكبه من انتهاكات لحقوق الإنسان – سواء أكان ذلك ضد فلسطينيين أم ضد مواطنين أجانب أو مدنيين إسرائيليين.

ومع أن فتح والسلطة الفلسطينية لم تعترفا أبداً بصورة رسمية بكتائب الأقصى بصفتها الجناح المسلح لفتح، إلا أن كتائب الأقصى ظلت على الدوام تعرِّف بنفسها على أنها الجناح المسلح لفتح ولم يحدث أن جرى التنكر لها من جانب السلطة– سواء في عهد الرئيس الحالي أم في عهد الرئيس السابق، أو من جانب قيادة فتح. وعلى العكس من ذلك، كثيراً ما قدَّم قادة فتح في السلطة الفلسطينية الامتيازات والاعتراف لكتائب الأقصى. فعلى سبيل المثل، جرى تصوير الرئيس عباس محمولاً على كتفي زكريا الزبيدي، قائد كتائب الأقصى في جنين، أثناء الحملة للانتخابات الرئاسية في 2005.(41) وبعد انتخابه بفترة وجيزة، أمر الرئيس عباس بدمج أعضاء كتائب الأقصى في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، حيث عنى ذلك إعطاءهم وضعاً رسمياً وخوّلهم الحصول على رواتب من السلطة الفلسطينية.(42) وفي 12 يوليو/تموز 2007، أصدر الرئيس عباس مرسوماً رئاسياً منح بموجبه وسام القدس إلى سميح المدهون، وهو عقيد في الحرس الرئاسي/القوة 17 وقائد كتائب الأقصى في قطاع غزة قُتل ونُكِّل به في يونيو/ حزيران 2007 على أيدي مسلحين تابعين لحماس بعد يوم واحد من مفاخرته في مقابلة إذاعية بأنه قد أحرق 20 من بيوت مؤيدي حماس(43).

وقد تم إدماج عدد غير محدد من أعضاء كتائب الأقصى في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية على مر السنين، ولا سيما في الحرس الرئاسي/القوة 17؛ وأصبح غيرهم أعضاء في كتائب الأقصى بينما كانوا لا يزالون يخدمون في قوات الأمن. وزادت الأوضاع المعقدة تعقيداً اعتباراً من 2004 مع ظهور جماعات منشقة في صفوف كتائب الأقصى وانخراطها في عمليات اقتتال داخل فصيل فتح نفسه أولاً، ومن ثم ضد حماس. وتزايدت الهجمات التي شنتها كتائب الأقصى ضد أعضاء حماس بعد سيطرة حماس على عدة بلديات في الانتخابات البلدية الفلسطينية الأولى في 2005، وقبل الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006،(44) وتصاعدت هذه الهجمات بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية.

وأُنشئت كتائب القسام في أوائل التسعينيات من القرن الماضي،(45) وبقيادة يحيى عياش، حسبما ذُكر، الذي اغتيل لاحقاً على أيدي الجيش الإسرائيلي. وهدفها المعلن هو المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك عبر استخدام التفجيرات الانتحارية وغيرها من أشكال الهجمات ضد الإسرائيليين، بمن فيهم المدنيون الإسرائيليون، داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. بيد أنها انخرطت في السنوات الأخيرة في صدامات وهجمات مسلحة ضد أعضاء فتح، ولا سيما في قطاع غزة. كما كانت مسؤولة عن قتل بعض الفلسطينيين ممن اتهموا بـ"التعاون" مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.
وخلافاً لأعضاء كتائب الأقصى، فقد ظل أعضاء كتائب القسام وأعضاء حماس بصورة دورية هدفاً للسلطة الفلسطينية وقوات أمنها – ولا سيما في منتصف إلى أواخر عقد التسعينيات. ففي هذه الفترة، اعتقلت السلطة الفلسطينية مئات من مؤيدي كتائب القسام وحماس وأخضعتهم للتعذيب أو لسوء المعاملة والسجن بناء على محاكمات جائرة، أو للاحتجاز لفترات مطولة بلا تهمة أو محاكمة. وبدا أن الاعتبارات السياسية كانت هي الدافع الأساسي وراء هذه الاعتقالات – وقصد بها منع الانشقاق عن السلطة الفلسطينية وكذلك التجاوب مع الضغوط الإسرائيلية والدولية على السلطة الفلسطينية كيما تتحرك ضد الجماعات المسلحة - وليس الرغبة الحقيقية في تقديم مرتكبي الجرائم الخطيرة إلى العدالة. فالسلطة الفلسطينية، ومنذ بدء الانتفاضة في أواخر 2000 وحتى استيلاء حماس على السلطة في غزة في منتصف يونيو/حزيران 2007، لم تتخذ أي إجراءات بوجه عام ضد كتائب الأقصى أو كتائب القسام أو أي جماعة مسلحة أخرى قامت بهجمات ضد مدنيين إسرائيليين، مع أن مثل هذه الهجمات ضد المدنيين شكلت انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.

انتشار الأسلحة غير المرخصة – سبب جذري لحالة انعدام حكم القانون
أسهم انتشار الأسلحة النارية والمفرقعات وإساءة استخدامها بلا رادع في تنامي حالة انعدام القانون والأمن إلى حد كبير في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكانت له آثار كارثية على حياة السكان المدنيين. فلاقى مئات الفلسطينيين، ومن ضمنهم أطفال، مصرعهم على أيدي فلسطينيين آخرين كانوا يستخدمون الأسلحة النارية والمتفجرات، إما عن عمد أو بصورة عرضية، في السنوات الأخيرة.

وسهَّل تواجد الأسلحة النارية والمفرقعات، التي ادعت الجماعات المسلحة أنها للاستعمال بشكل حصري في سياق المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، تأجيج المصادمات المسلحة في قطاع غزة والهجمات في الضفة الغربية، حيث أصبحت هذه الأسلحة تستخدم على نحو متزايد ضد فلسطينيين آخرين، ولا سيما من قبل الجماعات المسلحة لفتح وحماس. وعلى مر السنين، أدت حالة انعدام الأمن المتزايدة، وعدم تحرك قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في وجه مثل هذا العنف، إلى لجوء العديد من الفلسطينيين ممن لا صلة لهم بالجماعات المسلحة إلى حيازة السلاح لحماية أنفسهم. وأجج حصول هؤلاء على الأسلحة النارية بدوره العنف في صفوف المجتمع الفلسطيني وفاقم من نتائج المواجهات، حيث أصبحت الخلافات الصغيرة بين الجيران كثيراً ما تتصاعد لتتحول إلى معارك بالأسلحة لفترات طويلة تهدد بالخطر حياة سكان الحي بأسره.

ويقضي قانون رقم (2) لسنة 1998 بشأن الاسلحة الناريه والذخائر بأنه لا يجوز لأحد حيازة السلاح الناري ما لم يكن قد حصل على ترخيص بذلك من وزارة الداخلية (المادتان 2 و3)؛ وبأنه يجوز لأي شخص بلغ سن 21 سنة حيازة السلاح الناري وحمله (المادة 5.أ)؛ وبأنه لا يجوز لأي شخص حيازة أكثر من قطعة سلاح ناري واحدة (المادة 11)، وبأنه لا يجوز حمل الأسلحة النارية في الأماكن العامة، أو أثناء المؤتمرات أو الاجتماعات أو الاحتفالات أو حفلات الأعراس؛ وبأنه من المحظور حظراً مطلقاً الاستعراض (المباهاة) بالأسلحة النارية (المادة 14).

أما في الممارسة العملية، فنادراً ما وجد هذا القانون سبيلاً إلى التطبيق. فالكبار، وحتى الأطفال، يحملون الأسلحة النارية غير المرخصة ويستخدمونها بصورة روتينية في جميع الأماكن، بما في ذلك في المستشفيات والمدارس. وكثيراً ما كانت الشوارع المكتظة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية ساحة للمعارك بالأسلحة بين الجماعات المسلحة وقوات الأمن المتناحرة أو العائلات المتشاحنة، ناهيك عن الأفراد المسلحين وأفراد قوات الأمن الذين كثيراً ما يطلقون الرصاص الحي في الأماكن العامة المزدحمة للاحتفال أو الاحتجاج، أو ببساطة لاستعراض أسلحتهم والمباهاة بها. ومثل هذا الانتشار للأسلحة غير مبرر ويمثل تهديداً حقيقياً مستمراً للحقوق الإنسانية للعديد من الفلسطينيين.

5. الانتهاكات في قطاع غزة

القتل غير المشروع والاختطاف
تصيَّد مسلحو حماس أعضاء في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية وفي كتائب الأقصى سواء أثناء المصادمات التي انتهت بسيطرة حماس بحكم الأمر الواقع على قطاع غزة أو بعدها، واتهمت هؤلاء بأنهم جزء من مجموعة كانت قد أصدرت الأوامر باغتيالات لأعضاء في حماس ونفذتها.(46) ولقي أعضاء ذوو رتب عالية في هذه المجموعة المستهدفة ممن قبض عليهم أعضاء القوة التنفيذية وكتائب القسام حتفهم، بينما أُطلقت النار في كثير من الأحيان على سيقان الأعضاء الأقل بروزاً أو مساعديهم ضمن سياسة متعمدة ترمي إلى الثأر منهم وترويع الآخرين.

شهادة ف. هـ.، وهو ميكانيكي يعمل مع أمن الرئاسة/القوة 17:
"في ساعة متأخرة من صباح الأحد 10 يونيو/حزيران، حوالي الساعة 10.30 - 11 صباحاً، أًُرسلنا أنا وزميلي، محمد سويركي، الذي يعمل طباخاً، لتسليم الطعام إلى زملائنا الذين كانوا في برج البكري [مبنى سكني مرتفع في مدينة غزة]. إلا أننا ذهبنا إلى المبنى الخطأ بالصدفة، إلى برج الغفري القريب، حيث كانت مجموعة لحماس. وعندما فتحوا لنا الباب أسفل الدرج أبلغناهم أننا من القوة 17 فأدخلونا وربطوا أيدينا وعصبوا عيوننا وأخذونا إلى طابق علوي؛ لا أدري إذا كان الطابق الأخير في المبنى أو الذي تحته. ولا أعرف ما إذا كانوا من كتائب القسام أو من القوة التنفيذية، إذ كانوا يلبسون الأسود ومقنعين. وسألوني عن أسماء وأرقام هواتف ضباط في القوة 17، ونوع الأسلحة التي يملكونها وقلت إنني لا أعرف؛ فأنا ميكانيكي ووظيفتي هي إصلاح السيارات، ومحمد طباخ؛ ولا علاقة لنا بالمسائل الأمنية. ثم تركوني بسرعة وذهبوا ليقاتلوا لأنهم تعرضوا لهجوم من قبل القوة 17. وأبقوا علينا أنا ومحمد منفصليْن. وفي حوالي الساعة 4 أو 5 بعد الظهر، سمعت صراخاً وعادت مجموعة حماس إلي وأبلغوني أن محمد قد سقط عن السقف. وأعطوني ماء وسمحوا لي بالاعتسال والصلاة. وفي هذه الأثناء، كان بعض أقاربي قد سمعوا وحدث تدخل وأتى أحد الأشخاص لأخذي وسمح لي بالمغادرة. ووجدت جثة محمد في الشارع أسفل المبنى؛ وكانت يداه مقيدتين كما كانت عيناه معصوبتين. كان عمره 26 عاماً؛ وكان متزوجاً ولكن من دون أطفال".

بعد انتشار نبأ وفاة محمد سويركي سرت إشاعة بأنه قد ألقي به عن السطح من قبل مسلحين تابعين لحماس، وسرعان ما قام مسلحون مقنعون من فتح بمحاصرة منـزل الدكتور علاء الرفاتي، عميد كلية الأعمال في الجامعة الإسلامية بمدينة غزة، واختطفوا أخاه، محمد الرفاتي، وهو إمام مسجد في الخامسة والثلاثين من العمر ورد أنه من مؤيدي حماس. ووجد بعد ذلك مقتولاً وقد امتلأت جثته بالثقوب الناجمة عن العيارات النارية قرب المجمع الأمني للسلطة الفلسطينية في منطقة أنصار بمدينة غزة.

وفي وقت لاحق من ذاك المساء، اختطف مسلحون حسام أبو قينص عندما كان عائداً إلى بيته من العمل في خان يونس في سيارة تكسي تقاسمها مع آخرين. ووضعه الخاطفون في سيارة جيب، قيل إنها كانت تابعة لأمن الرئاسة/القوة 17، وأخذوه إلى برج مهنا (مبنى سكني مرتفع) في مدينة غزة وألقوا به من على السطح موثوق اليدين. وكانوا قبل ذلك قد أطلقوا النار على رأسه، ولكن من غير المعروف ما إذا كان حياً عندما ألقي به من سطح البناية. وحسام أبو قينص بلّيط في الخامسة والثلاثين ومتزوج وزوجته حامل بطفله الأول، وكان متديناً ولكنه لم يكن، حسبما ذُكر، عضواً في حماس. ويعتقد أن كلا الهجومين تما للثأر لمقتل محمد سويركي.

واندلعت معارك دامت ساعات في الأحياء السكنية حول بيوت الشخصيات القيادية في كتائب الأقصى والأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية وفتح. واستخدمت المقذوفات الصاروخية (الآر بي جيه) وغيرها من الأسلحة الثقيلة بصورة متهورة، ما عرَّض سلامة سكان هذه الأحياء والمارة للخطر. وواجه بعض من شاركوا في الاقتتال وقُبض عليهم القتل بلا محاكمة رغم أنهم استسلموا أو لم يعودوا يشاركون في القتال – بما في ذلك داخل المستشفيات وحولها. وجرى اختطاف آخرين ممن لم يشاركوا في القتال وقتلوا عن سابق تصميم أثناء احتجازهم كرهائن.


شهادة أحد أقرباء جمال أبو الجديان (أبو ماهر)، الأمين العام لفتح في شمال غزة البالغ من العمر 52 عاماً، والعقيد في حرس الرئاسة – القوة 17 وآمر قيادة كتائب الأقصى في شمال غزة والمقرب من محمد دحلان، الرئيس السابق للأمن الوقائي، والرجل القوي للرئيس عباس في قطاع غزة:

"في حوالي الرابعة من بعد ظهر 11 يونيو/حزيران، حاصر مسلحو حماس منـزلنا؛ وهناك ست شقق في المبنى ويعيش فيه نحو 50 شخصاً؛ العديد منهم من النساء والأطفال. استولوا على المنـزل المقابل واستخدموه للهجوم على منـزلنا. واستخدموا مقذوفات الآر بي جيه والصواريخ، التي تسببت بكل هذا الدمار والحريق. وجُرح جمال في وجهه بسبب انفجار أحد الصواريخ، كما جُرح أقارب آخرون لنا وأفراد من الحرس. وتمكنا من الخروج من الجهة الخلفية لنذهب إلى مستشفى كمال عدوان القريب. وعندما وصلنا إلى المستشفى، هاجمنا مسلحو حماس هناك. وأطلقوا الرصاص على أبو ماهر عدة مرات في رأسه.(47) ثم اقتادوا 10 من الأقارب والحرس [جميعهم من الشبان] إلى الخارج قريباً من المستشفى وأطلقوا النار على سيقانهم جميعاً. وأدى ذلك إلى بتر ساقي كل من شادي أحمد وبسام أبو ركبة؛ كما توجب بتر ساق واحدة من ساقي كل من صامد أبو جديان وعلاء عوده؛ بينما أُصيب آخرون بكسور في أرجلهم نظراً لأن إطلاق النار تم من مسافة قريبة".

وبعد ظهر اليوم نفسه، 11 يونيو/حزيران، اندلعت مواجهات مسلحة بين أعضاء في القوة التنفيذية لحماس وأفراد من عشيرة المصري، وهي عشيرة جيدة التسليح ظلت لسنوات عديدة طرفاً في خصومات عائلية دامية. ويرأس العشيرة رئيس المخابرات العامة في قطاع غزة. وجرت الاشتباكات عند المجمع السكني للعائلة في بيت حانون، في شمالي قطاع غزة. وبعد مقتل أحد أفراد القوة التنفيذية في المواجهات، قامت القوة التنفيذية بمطاردة أفراد من عشيرة المصري وأمسكت بهم في مستشفى بيت حانون.

شهادة ف. أ.، البالغة من العمر 24 عاماً، وهي أم لخمسة أطفال صغار:

"كان هناك إطلاق نار خارج المستشفى، ثم دخل مسلحو حماس إلى داخل المستشفى للبحث عن أقاربي. وأخذوا عيد، وهو أب لعشرين ولداً، وابنه إبراهيم، البالغ من العمر 21 عاماً، وابن أخيه فرج، البالغ من العمر 22 عاماً، إلى غرفة منفصلة وأطلقوا عليهم الرصاص فأردوهم قتلى؛ كانت إصاباتهم في الرأس والصدر. وعندما أطلق المسلحون الرصاص وألقوا قنابل خارج المستشفى، أصيبت ابنة عمي، تغريد [وهي في السابعة عشرة وفي الصف الثاني الثانوي]، بجروح خطيرة في وركها وأسفل ظهرها. وقد تظل تعاني من الإعاقة بسبب إصابتها. وعندما وجدت فرج ورأيت أنه قد قتل، ركضت خلف المسلحين وصرخت بهم فقام أحدهم بركلي. والتقطت حجراً لألقيه عليه فأطلق علي النار؛ أصبت في بطني؛ وأنا الآن أتعافى ولكن ذلك يحتاج إلى بعض الوقت".
الأطفال والمارة العزل الذين حاصرتهم الاشتباكات

أثناء الاشتباكات، لاقى عدد من المارة العزل، بمن فيهم أطفال، مصرعهم أو أصيبوا بجروح نتيجة تبادل إطلاق النار. فأصيبت شاهد ثامر مقداد، وهي طفلة تبلغ من العمر 18 شهراً، وعمتها، نداء أحمد مقداد، بجروح خطيرة في يومين متتاليين أثناء وجودهما في شقتهما بالطابق الرابع من مشروع إسكان المجوسي في مدينة غزة إثر اندلاع اشتباكات مسلحة متهورة حول بيت الناطق باسم فتح، ماهر مقداد، بين مسلحين في حماس وفتح.

شهادة جدة شهد:
"في 13 يونيو/حزيران وفي الساعة السادسة مساء، كانت شهد في هذه الغرفة مع أمها؛ وكانتا جالستين؛ ثم طلبت شهد من أمها شيئاً حلواً [حبة] ونهضت والدتها لتحضر لها قطعة حلوى من الخزانة، بينما ظلت شهد واقفة في وسط الغرفة. وفي تلك اللحظة دخلت رصاصة عبر النافذة وأصابت شهد في رأسها. ضربتها الرصاصة بجانب عينها اليسرى وخرجت من مؤخرة رأسها. ففقدت عينها اليسرى وهي لا تزال في حالة خطيرة. فهي لا تتكلم أو تتحرك حتى الآن؛ ولا نعرف ما إذا كانت ستنجو بروحها. وفي التاسعة من صباح اليوم التالي كانت نداء في الغرفة نفسها عندما دخلت رصاصة من النافذة نفسها وأصابتها أسفل ظهرها. وهي الآن تستعيد عافيتها".
ومن غير الواضح ما إذا كانت الطلقات التي أصابت شهد ونداء رصاصات طائشة نتيجة الاشتباكات أم أنها نتيجة استهداف للشقة، ربما عن طريق الخطأ أو بسبب عمل أفراد آخرين في العائلة مع قوات الأمن.

وفي الوقت نفسه، عرَّض العديد من الطلاب أرواحهم للخطر لتقديم امتحانات فاصلة بالنسبة لهم بدأت في 11 يونيو/حزيران، حيث كانوا يضطرون إلى عبور نقاط تفتيش أقامها المسلحون ومناطق تحتدم فيها المواجهات المسلحة. وبالنسبة للبعض، كان ثمن ذلك حياتهم.

شهادة أحد أقارب عائشة ماهر الشوا، البالغة من العمر 17 عاماً

"كانت عائشة في طريقها إلى المدرسة في حافلة صغيرة؛ وكانت في سنتها النهائية من المرحلة الثانونية وكانت علاماتها دائمة عالية جداً والمدرسة مهمة جداً بالنسبة لها. وفي ذلك الصباح، كانت خائفة ولكن كانت لديها رغبة ملحة في أن لا تغيب عن امتحاناتها؛ فذهبت. كانت الحافلة الصغيرة في منطقة قريبة من مركز رشاد الشوا (في مدينة غزة)، وعندما وصلت إلى زاوية سوق أبو كاس التجاري، أبلغ عضوان في كتائب القسام كانا عند زاوية المبنى سائق الحافلة بأن يتوخي الحذر بسبب وجود قناصين من الأمن الوقائي والأمن الوطني فوق مبنى سوسي في شارع الثلاثيني. وحالما انعطفت الحافلة الصغيرة، اخترقت رصاصة نافذتها قادمة من ارتفاع عال وأصابت عائشة في ظهرها مخترقة أحشاءها وملحقة بها أذىً بالغاً. وتظهر جميع المعلومات التي حصلنا عليها أن الرصاصة أطلقت من على ظهر عمارة سوسي، حيث اتخذت مجموعة تابعة للأمن الوقائي وبعض زملائهم من الأمن الوطني مواقع لهم".

وأصيب موسى أحمد أبو عودة، البالغ من العمر 9 سنوات، بجروح مميتة عندما أصابته شظية صاروح انفجر في الشارع القريب من بيته في 13 يونيو/حزيران. وأصيبت شقيقته خلود، البالغة من العمر 12 عاماً، بجرح في ساقها اليسرى. وكان الطفلان قد حاولا الاستفادة من هدوء في تبادل إطلاق النار للخروج من أجل شراء الحلوى. وقتل عابر طريق آخر في العشرين من العمر ويدعى رائد محمد أبو عبيد في الانفجار أيضاً بينما أصيب محمد موسى السيسي، البالغ من العمر 13 عاماً، في ساقيه. وبحسب أقوال عائلات الضحايا الثلاثة، تم إطلاق الصاروح من مركز المخابرات وكان موجهاً نحو سيارة جيب تابعة للقوة التنفيذية، إلا أن السيارة انعطفت عند زاوية الشارع فانفجر الصاروخ في الشارع. وطبقاً لمصادر أخرى، فإن من المرجح أن مقاتلي حماس هم الذين أطلقوا الصاروخ في اتجاه مركز المخابرات، كما يمكن أيضاً أن تكون الرصاصة الطائشة التي قتلت عائشة ماهر الشوا قد أطلقت من قبل مسلحين تابعين لحماس أيضاً. وفي هاتين الحالتين، كما في حالات أخرى، فإن السلوك المتهور لكلا الجانبين قد انتهى إلى نهاية مأساوية ذهب ضحيتها أشخاص عابرون لا صلة لهم بالمواجهات.

إطلاق النار على المتظاهرين السلميين

تعرضت مسيرة سلمية ضد المواجهات ما بين فتح وحماس وكانت تدعو كلا الجانبين إلى وقف الاقتتال لإطلاق نار في صباح 13 يونيو/حزيران في مدينة غزة. ولم تتمكن منظمة العفو الدولية من تحديد ما إذا كان المتظاهرون قد استُهدفوا عن عمد، أم أنهم كانوا أيضاً ضحايا الاستخدام المتهور للأسلحة الذي اتسمت به المصادمات المسلحة. وكانت المظاهرة من تنظيم الأحزاب اليسارية والمخاتير المحليين والجهاد الإسلامي والوفد المصري في غزة.(48) وانطلقت المظاهرة من حي الشجاعية وواصلت مسيرتها من جانب مبنى البرلمان على طول شارع عمر المختار، حيث تعرضت لإطلاق النار. وقتل اثنان من المتظاهرين بينما جرح 20 آخرون، بمن فيهم محمد محمود عدس، الذي ورد لاحقاً أنه فارق الحياة. وأصيبت تغريد صلاح العليا، وهي موظفة تبلغ من العمر 31 عاماً، بجروح توفيت على إثرها؛ بينما أصيب شادي تيسير العجلة، وهو طالب علم نفس وناشط سلمي في الثانية والعشرين من العمر، وتوفي بعد يومين.

شهادة والدة شادي تيسير العجلة:

"كان شادي نشيطاً جداً في المجتمع؛ وأراد أن يسهم في بناء مجتمع أفضل وإيجاد حلول سلمية للنـزاعات. وفي العام الماضي، شارك في مظاهرة أخرى في رفح تدعو إلى وضع حد للعنف. وشارك في ورشات عمل وفي تعليم الأطفال. وبعد يومين من وفاته، اتصلت [وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين في الشرق الأدنى] الأونروا لدعوته إلى المشاركة في أنشطة مخيم صيفي للأطفال. أصيب برصاصة في صدره أثناء مساعدته متظاهراً آخر كان قد أصيب".

شهادة والدة تغريد صلاح العليا:
"كانت تغريد تحب فعل الخير دائماً. وكانت قد تلقت دورة في الإسعافات الأولية مؤخراً بسبب الأحداث، حتى تستطيع المساعدة في معالجة الجرحى؛ وكانت قادرة على تقديم المساعدة للطبيب في العيادة في "البحرية"، حيث كانت تعمل كموظفة مكتبية. وفي ذاك الصباح، كانت تشعر بالقلق من المشاركة في المظاهرة، ولكنها كانت مؤمنة بأنها مبادرة جيدة. وأبلغتها أنني كنت سأذهب معها لولا أنني أشعر ببعض التوعك نتيجة عملية جراحية اجريت لعيني مؤخراً. وعندما أصابتها الرصاصة، كانت منحنية على متظاهر آخر أصيب قبلها. ونُقلت إلى مستشفى الشفاء القريب، ولكن صديقتها نقلتها بعد انتظار دام 45 دقيقة دون تلقيها أي علاج في سيارة تكسي إلى مستشفى القدس، إلا أنها فارقت الحياة بعد فترة وجيزة من وصولها المستشفى".

وأصيب الطالبان الجامعيان م وشقيقه أ كلاهما في المظاهرة. فأصيب م، وهو في التاسعة عشرة من العمر، في ساقه اليمنى وبكسر في قصبة ساقه، بينما تلقى أ، وهو في العشرين من العمر، رصاصة في ظهره. وأبلغا منظمة العفو الدولية أنهما لا يعلمان ما إذا كان مصدر الطلقات هو مسلحي حماس أم مسلحي فتح، أو ما إذا كانت مصوَّبة نحو المتظاهرين أو في اتجاه المسلحين الذين كانوا قريبين من المتظاهرين.(49)

إطلاق النار "العقابي" ينشر الخوف
إلى جانب عمليات الاغتيال والاختطاف، هاجمت قوات الأمن التابعة لفتح وحماس ومسلحوهما أعضاء ومؤيدي الطرف الآخر بغرض الانتقام وزرع الخوف. وانتشرت مثل هذه الهجمات على نحو خاص ما بين أواخر 2006 ويونيو/حزيران 2007. وأصبح اختطاف الخصوم وإطلاق النار على سيقانهم ممارسة يزداد انتشارها باطراد على أيدي مسلحي فتح وحماس على السواء. وأثناء الموجة الأخيرة من المصادمات المسلحة وبعدها، طيلة شهر يونيو/
حزيران 2007، ارتُكبت هذه الهجمات بصورة أوسع نطاقاً من جانب مسلحي حماس ضد الرهائن والناجين من المواجهات المسلحة ممن لم يعودوا مشتركين في القتال. وفي وقت سابق من العام، كانت هذه الممارسات كثيراً ما ترتكب على أيدي قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية ومسلحي فتح ضد أعضاء حماس. وفي معظم الحالات التي تقصَّت منظمة العفو الدولية بشأنها، كان إطلاق النار يتم من على مسافة قريبة، ومن الواضح أن ذلك كان عن عمد بقصد إحداث أقصى أذى ممكن عن طريق التسبب بكسور متعددة في عظام قصبة الرجل والفخذ. وفي عدة حالات، كانت الأضرار بالغة إلى حد الاضطرار إلى بتر الأطراف.

شهادة ت أ، وهو في الخامسة والعشرين ويعمل حارساً شخصياً لعمه، رئيس الشعبة الإقليمية للأمن الوقائي:
"صباح الثلاثاء 12 يونيو/حزيران 2007، كنت في طريقي من منـزل شقيقتي، حيث قضيت الليلة، إلى منـزل أهلي مع قريب لي أرسلته والدتي كي يصطحبني لأنها كانت تريد مني أن أذهب إلى البيت. وكنت أحمل بندقية كلاشنيكوف وقنبلة يدوية. وعندما وصلنا مفترق طرق القرارة (في جنوب قطاع غزة) أوقفت مجموعة من أعضاء كتائب القسام، 20 مسلحاً أو نحو ذلك، سيارتنا وقالوا لي: "أنت حرس فلان". وطلبوا مني مغادرة السيارة وجعلوني أفرد ساقيّ وقالوا: "هذه مجرد البداية مع الأمن الوقائي". ضربوني في ذلك المكان ثم أبعدوني عن جانب الطريق إلى حقل مجاور وجعلوني أستلقي ووجهي إلى أسفل وسألوني عن اسمي ووظيفتي وعمن أعمل عنده، وما إلى ذلك. ثم وضعوني في سيارة، وكانت سوبارو بيضاء، وعصبوا عيني حالما أصبحت داخل السيارة. أخذوني إلى بيت أو مبنى، فلم أكن أرى. وهناك سألوني عن سبب توقفي عن العمل مع جهاز الأمن الوطني وانتقالي إلى الأمن الوقائي. وسألوني عما إذا كانت لدي أسلحة أخرى فأجبت بالنفي، ولكنهم ظلوا يصرون على أن لدي أسلحة أخرى. وسألوني عن طبيعة عمل رئيسي وقلت إنني لا أعرف، ولكنهم لم يصدقوني وظلوا يلِّحون. أرادوا أن يعرفوا مكان قاذفات الآر بي جيه والصواريخ التي استخدمت في اليوم السابق في المواجهات عند بيت رئيسي. وقلت إنني لا أعرف. وراحوا يقرصون إبطيَّ بزرادية وكان ذلك مؤلماً جداً. وطلب أحدهم من الآخرين قتلي. ثم وضعوني في السيارة مجدداً ووضعوا ماسورة الكلاشنيكوف في فمي وتظاهروا بأنهم يطلقون النار. وبعد ذلك أخرجوني من السيارة ونزعوا عصابة العينين؛ وكنا مقابل مستشفى ناصر في خان يونس. وضعوني على الأرض ووجهي إلى أسفل وأطلقوا الرصاص مرتين على ساقي اليمنى، واحده في بطة الرجل والأخرى في فخذي. وبينما كانوا على وشك إطلاق النار على ساقي الأخرى ألقت امرأة كانت مارة وتحمل طفلاً بنفسها على ساقي اليسري وقالت لهم إن عليهم أن يقتلوها قبل أن يطلقوا النار على ساقي اليسري. كانت في غاية الشجاعة وأنقذتني. وبعد يومين من سيطرة حماس على غزة (في 15 أو 16 يونيو/حزيران)، بعثوا بورقة إلي في البيت يسألونني عن الأسلحة ويطلبون مني جلب أية أسلحة إلى مسجد عبد الله بن بن مسعود في القرارة. ولم يكن بإمكاني التحرك، ولذا ذهب والدي بدلاً مني وواجههم بما فعل مسلحوهم معي فاعتذروا. ومنذ ذلك الوقت لم يحاولوا إزعاجي في بيتي، ولم أغادر المنـزل؛ ولن يكون بإمكاني المشي لأسابيع".

شهادة محمود أبو كرش، البالغ من العمر 23 عاماً وكان يعمل في مطعم للعائلة:

"مساء الجمعة 18 مايو/أيار 2007، وفي حوالي الساعة الخامسة، كنت مع أخي محمد. وهو في السادسة والعشرين ومتزوج وله ابنة صغيرة وكان يعمل في مطعم للعائلة. كنا عائديْن في طريقنا من مستشفى الشفاء (في مدينة غزة) وذاهبين إلى مستشفى القدس لزيارة أطفال مصابين بالسرطان، ضمن نشاط نقوم بها كعمل خيري. وكنا في سيارة تكسي في شارع مجمع الوزراء عندما أوقفتنا مجموعة من أعضاء الأمن الوقائي وحرس الرئاسة. كانوا في سيارتي جيب فيلوكس بنوافذ قاتمة ومقنعين ومسلحين ببنادق كلاشنيكوف وببنادق رشاشة. كان هناك نحو 20 منهم ووصل آخرون بعد فترة وجيزة. سألونا عن اسم عائلتنا ثم اقتادونا إلى مركز حرس الرئاسة أولاً. تعرضنا هناك للضرب لبعض الوقت؛ وضربوا رأسينا بالحائط ووضعوهما في جرن المرحاض. كانوا يقولون لأخي: "أكفر" [يأمرونه بأن يشتم العلي القدير ويكفر به] فرفض. ثم أخذونا إلى مركز الأمن الوقائي في تل الهوى وعصبوا أعيننا، ولكنني تمكنت من أن أرى بعض الشيء من تحت العصابة. ووُضعنا هناك في زنزانتين منفصلتين؛ وكان المكان في غاية القذارة. وفي اليوم التالي أخرجونا كلينا في الشمس لفترة قصيرة ولكن أبلغونا بأنهم سيطلقون علينا النار إذا تكلمنا مع بعضنا البعض. وكانوا قد ضربوا أخي بمجرفة على رأسه وضربوا رأسه بالباب المعدني وكان ينـزف، لم يسمحوا به بأن يغتسل. قالوا إنهم سوف يقتلون واحداً منا ويطلقون النار على ساقي الآخر، وعلينا أن نختار؛ قلت إن عليهم أن يقتلوني أنا لأن لأخي طفلاً وأنا لست متزوجاً. وفي اليوم التالي، يوم الأحد، وضعونا كلينا في صندوق سيارة وكنا ما زلنا معصوبي العينين وأيدينا مقيدة. وعند إحدى نقاط التفتيش التابعة لهم سمعناهم يقولون إنهم سيقتلوننا. وعندما توقفوا وأخرجونا من صندوق السيارة طلبوا منا أن نمشي، ولكن أخي لم يستطع المشي؛ بدا أن ساقية قد كسرتا. وراحوا يطلقون الرصاص من حولنا وفي اتجاهنا. وانزلقت إحدى الطلقات وكسرت إحدى أسناني الأمامية، ثم أصبت برصاصة عالية السرعة في بطة ساقي اليسرى، بينما أصابتني أخرى في [ظاهر] فخذي اليسرى، ورابعة في ركبتى اليسرى وأخرى في قدمي اليمنى، واستقرت ثلاثة في قصبة رجلي اليسرى؛ ولم يكن بالإمكان إخراج هذه الثلاثة الأخيرة، وستبقى في الداخل. وتلقى أخي خمس رصاصات على الأقل في كل من ساقيه؛ وفي المستشفى، لم يتمكنوا من معرفة عدد الرصاصات التي اخترقت ساقه اليسرى على وجه الدقة لأنه لم يتبق في واقع الحال أي لحم وكانت العظا