Document - Liban. Élections au Liban : recommandations d'Amnesty International en matière de droits humains














قائمة المحتويات











مقـدمة


تنعقد في 7 يونيو/حزيران في لبنان انتخابات برلمانية لاختيار مجلس تشريعي جديد. وقد تثير الانتخابات التوترات الكامنة في البلاد، ولكنها تتيح، في المقابل، فرصاً جلية لحقوق الإنسان.


إذ ستشهد الانتخابات سباقاً نحو الحكم بين الائتلافيين الرئيسيين للأحزاب السياسية، المعروفين بائتلاف 8 آذار وائتلاف 14 آذار، إشارة إلى المواعيد التي عقد فيها أنصار الجانبين مهرجانات ضخمة في 2005 في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005. وكثيراً ما يوصف ائتلاف 8 آذار، الذي يضم حزب الله المسلم الشيعي، وهو أكبر أحزاب الائتلاف، وما لا يقل عن نصف المجتمع المسيحي اللبناني، عموماً بأنه "مؤيد لسوريا". بينما يضم ائتلاف 14 آذار، الذي تطلق عليه في العادة أوصاف من قبيل "المناهض لسوريا" أو "الموالي للغرب" أو "المدعوم من المملكة العربية السعودية"، المسلمين السنة وما قد يصل إلى نصف المجتمع اللبناني المسيحي وأغلبية الدروز. وفي مايو/أيار 2008، جرت اشتباكات عنيفة بين أنصار الجانبين في بيروت وأماكن أخرى من لبنان، ما أدى إلى مقتل نحو 70 شخصاً. بيد أن التكتلين المتنافسين انخرطا في حوار انتهى في 21 مارس/آذار إلى عقد اتفاق بينهما عرف باسم "اتفاق الدوحة"، حيث تفاهم الجانبان على تسوية خلافاتهما بصورة سلمية والتوقف عن استخدام الخطاب التحريضي. وفي وقت لاحق، شُكِّلت في صيف 2008 حكومة وحدة وطنية، بينما انتخب رئيس جديد بالإجماع، مؤذناً بفترة من الهدوء النسبي في لبنان.


وكانت آخر انتخابات في لبنان قد عقدت ما بين 29 مايو/أيار و19 يونيو/حزيران 2005، بعد أسابيع فقط من الانسحاب النهائي للقوات السورية بعد تواجد دام نحو 30 سنة في البلاد. وجاء الانسحاب إثر موجة احتجاج شعبية ضد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005، الذي اتهم كثيرون السلطات السورية بالمسؤولية عنه، بينما نفت سوريا لاحقاً أي دور لها في عملية الاغتيال. وفي المقابل، تأتي الانتخابات المقبلة في وقت تحسنت فيه العلاقات بين الدولتين اللبنانية والسورية، اللتين تبادلتا السفراء في الآونة الأخيرة. وعموماً، يمكن القول إنه ثمة سبباً معقولاً للأمل بأن تمر الانتخابات بسلام. وهو أمل أعرب كبار المسؤولين، بمن فيهم الرئيس ميشيل سليمان، عنه على وجه التحديد.


على هذه الخلفية، ثمة انقسام متوتر في صفوف المواطنين اللبنانيين ما بين ائتلاف 8 آذار وائتلاف 14 آذار. فاستمرار الاحتكاكات بين الجانبين، وتواجد الأسلحة بين أيدي الناس وما شهده العام الماضي من مصادمات عنيفة، تعني أن المعركة الانتخابية سوف تكون حامية الوطيس من حيث التنافس على الأغلبية بين التجمعين، ما يثير بعض المخاوف من تجدد العنف على خلفية سياسية. وتحث منظمة العفو الدولية جميع قادة الأحزاب والمرشحين لعضوية البرلمان على ضمان عدم تحقق هذه المخاوف، وذلك عن طريق الالتزام العلني بتعزيز حقوق الإنسان واحترامها قبل حلول موعد الانتخابات وأثناءها وبعدها. وفضلاً عن ذلك، ينبغي عليهم الابتعاد عن اللغة التحريضية أو المستفزة.


وفي الوقت نفسه، توفر الانتخابات فرصة لوضع حماية الإنسان في قلب الأجندة السياسية والحوار الوطني في لبنان أثناء وبعد الانتخابات. فمن ناحية، هناك عدد من الجوانب الإيجابية التي يمكن البناء عليها. فحرية التعبير تلقى الاحترام بصورة عامة، وهي جزء من السبب في أن البلاد تشكل مركز جذب للأنشطة الإعلامية والمؤتمرات والندوات الإقليمية المتعلقة بحقوق الإنسان وبقضايا أخرى. ويستطيع الناشطون في مضمار حقوق الإنسان العمل بحرية في معظم الأحيان، مع أن استمرار المضايقات القضائية لمحامي حقوق الإنسان محمد مغربي يشكل استثناء يلفت النظر.


ومن الناحية الثانية، تشهد البلاد عدة مبادرات مهمة ترمي إلى تحسين مستوى الاحترام لحقوق الإنسان. وأحد أكثر هذه اتساعاً ما دأبت "اللجنة البرلمانية لحقوق الإنسان" على بذله من جهود على مدى أكثر من عام لوضع "خطة عمل لحقوق الإنسان". وبحسب ما ذُكر، ستتضمن خطة العمل هذه استراتيجية لمكافحة الإفلات من العقاب وللتصدي لغير ذلك من بواعث القلق المتعلقة بحقوق الإنسان في لبنان. ومن المبادرات الأخرى صياغة مشروع قانون لإلغاء عقوبة الإعدام، واتخاذ خطوات لمنع التعذيب، ومقترح لإنشاء لجنة تقص برلمانية للتحقيق في عمليات الاختفاء القسري في الماضي، وتدابير لتحسين ظروف العمال المهاجرين. وأخيراً، إنشاء "المحكمة الخاصة بلبنان"، التي باشرت عملها في هولندا في 1 مارس/آذار 2009 بهدف تقديم مرتكبي جريمة اغتيال رفيق الحريري وعدد صغير من الهجمات الأخرى إلى ساحة العدالة، ما يشكل قطعاً مهماً مع نمط الإفلات من العقاب الذي ساد في لبنان فيما مضى، رغم ما يعانيه نطاق صلاحيات المحكمة وولايتها القضائية من محدودية تدفع البعض إلى أن يرى فيها مثالاً على العدالة الانتقائية.


وفي هذه الوثيقة، تسلط منظمة العفو الدولية الضوء على خمسة مجالات مهمة لحقوق الإنسان تعتقد أنها تستدعي إجراء التحسينات، إلى جانب توصيات حول كيفية التصدي لبواعث القلق الخاصة بكل مجال من هذه المجالات. ومنظمة العفو الدولية تحث القادة السياسيين اللبنانيين والمرشحين لعضوية البرلمان من جميع أطراف الطيف السياسي إلى تركيز اهتمامهم على هذه المسائل أثناء وبعد الانتخابات، وتدعو الحكومة اللبنانية المقبلة إلى الالتزام بدعم أجندة التغيير هذه.


إصلاح النظام القضائي

الحالة الراهنة

  • لعدة سنوات، نُظر إلى النظام القضائي اللبناني على نطاق واسع بأنه غير مستقل بما فيه الكفاية. وحتى في فترة متقدمة تعود إلى عام 1997، على سبيل المثال، أعربت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وهي هيئة الخبراء المسؤولة عن مراقبة تنفيذ "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، الذي صدّق لبنان عليه في 1975، عن "بواعث قلق بشأن استقلالية وحيْدة القضاء [اللبناني]" ولاحظت أن "الإجراءات التي تحكم تعيين القضاة ... لم تكن مُرضية إلى حد بعيد". وأوصت اللجنة بأن يقوم لبنان "بمراجعة الإجراءات التي تحكم تعيين أعضاء السلك القضائي، كأمر يكتسي صفة الاستعجال، بغية ضمان استقلاله التام". وبعد مرور اثني عشر عاماً على هذه التوصية، لا ترى منظمة العفو الدولية أن أياً من ذلك قد تحقق.


  • وفي الماضي القريب، سلطت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في اغتيال رفيق الحريري الضوء على عدم استقلالية القضاء اللبناني. وشكَّل إنشاء "لجنة التحقيق الدولية" التابعة للأمم المتحدة لاحقاً في 7 أبريل/نيسان 2005 وتأليف "المحكمة الخاصة بلبنان" في 30 مايو/أيار 2007 اعترافاً واضحاً بأن نظام العدالة اللبناني لا يتمتع بالحيْدة السياسية الكافية للتحقيق في مثل هذه الجرائم التي ارتكبت بدوافع سياسية.


  • كما أعربت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أيضاً عن بواعث قلقها بشأن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية. إذ من الممكن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية بتهم محددة تتصل بالأمن، بيد أن هذا قد تم تأويله على نحو فضفاض واستخدم لإسكات حرية التعبير. وأوصت اللجنة بتقييد الولاية القضائية للمحاكم العسكرية، وبنقل جميع القضايا التي تخص المدنيين أو تتعلق بانتهاكات لحقوق الإنسان على أيدي عسكريين إلى المحاكم العادية. فالمحاكمات التي تتم أمام المحاكم العسكرية لا تلبي على الدوام وبشكل خطير مقتضيات المعايير الدولية للمحاكمات العادلة، ولا سيما بسبب كون الأغلبية الساحقة من قضاتها من العسكريين الخاضعين لشروط الخدمة العسكرية ممن لا يمكن اعتبارهم مستقلين ويفتقرون إلى التدريب القضائي الكافي، وكذلك بسبب عدم تقديم القرارات التي تصدر عن المحاكم العسكرية تعليلات وافية لما تنطوي عليه من أحكام.


  • يُنظر على نطاق واسع إلى "المجلس القضائيالعدلي"، الذي يتعامل مع قضايا أمن الدولة ويمثل أعلى سلطة قضائية في لبنان، بأنه يخضع لتأثير الاعتبارات السياسية؛ فهو لا يجيز حق الاستئناف، حتى في قضايا عقوبة الإعدام، بينما تخضع جلساته في كثير من الأحيان لتأجيلات مطولة تقوِّض الحق في المحاكمة دون تأخير لا مبرر له.


التوصيات

  • ينبغي مراجعة الإجراءات التي تحكم تعيين أعضاء الهيئة القضائية وضمان استقلالهم الكامل.


  • ينبغي تجريد المحاكم العسكرية من الولاية القضائية لنظر الجرائم المدنية، كما ينبغي نقل جميع القضايا التي يكون مدنيون طرفاً فيها أو تتعلق بانتهاكات لحقوق الإنسان على يد عسكريين إلى المحاكم العادية.


  • ينبغي إلغاء "المجلس القضائيالعدلي".


وضع حد للاعتقال التعسفي وللتعذيب

الحالة الراهنة

  • ما زال الأفراد يعتقلون ويحتجزون لفترات طويلة دون اتهام، وغالباً بمعزل عن العالم الخارجي، أي دونما فرصة للاتصال بالعالم الخارجي. فمازال شخصان رهن الاحتجاز رغم إعلان هيئة خبراء تابعة للأمم المتحدة، وهي "فريق العمل المعني بالاعتقال التعسفي"، في 2007 أن اعتقالهما –منذ 1994 و1998 على التوالي، هو اعتقال تعسفي وأنه ينبغي تصحيح أوضاعهما. وفي 29 إبريل/نيسان، تم الإفراج عن أربعة أشخاص آخرين، كان قد أعلن الفريق المذكور كذلك، في نفس العام، أن اعتقالهم كان تعسفياً. وقد احتجزوا دونما تهمة أو محاكمة منذ أغسطس/آب 2005.

  • في تطور يلقى منا الترحيب، صدَّق لبنان في 22 ديسمبر/كانون الأول 2008 على "البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، كما بدأت السلطات اللبنانية بمناقشات حول إمكان إنشاء آلية وطنية مستقلة لزيارة مراكز الاعتقال في البلاد بغرض منع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة فيها.


  • بيد أن التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة ما زالا متفشين في لبنان ويرتكبان، فيما يبدو، على أيدي طيف واسع من قوات الأمن المختلفة ضد المعتقلين المتهمين بجرائم تتعلق بأنشطة سياسية أو بالأمن القومي أو بالاتجار بالمخدرات، بين جملة أمور. وتتضمن أساليب التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة التي جرى الحديث عنها في السنتين الأخيرتين "الشبْح" (أي التعليق من الرسغين بعد تكبيلهما خلف الظهر)، والفروج (أي وضع قضيب خلف ركبتي الشخص وتعليقه)، والصعق بالكهرباء، وإدخال قنينة زجاجية في شرج الشخص، والضرب المتواصل. ولا تُجرى تحقيقات في مزاعم التعذيب، حتى عندما يدعي المعتقلون في المحكمة أنهم قد أدلوا "باعترافات" كاذبة نتيجة لمثل هذا الإكراه، بينما يستمر اعتماد مثل هذه "الاعترافات" كأدلة في المحاكمات. وبينما تحرِّم المادة 401 من قانون العقوبات العنف الجسدي ضد المعتقلين وتنص على تدابير عقابية ضد الموظفين الرسميين الذين يتبين أنهم مسؤولون عن مثل هذه الأفعال، ليس ثمة تجريم في القانون لجميع أشكال التعذيب، كما إنه لا ينص على عقوبات تتناسب مع جسامة الجريمة.


توصيات

  • ينبغي عرض جميع الأشخاص على سلطة قضائية مستقلة على وجه السرعة إثر اعتقالهم، كما ينبغي إخطارهم فوراً بأسباب القبض عليهم، وإما توجيه الاتهام إليهم رسمياً أو الإفراج عنهم خلال فترة زمنية معقولة. وينبغي وقف الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي وحظره، كما ينبغي إفساح المجال سريعاً أمام المعتقلين للاتصال بالعالم الخارجي، بما في ذلك بالعائلة والمحامين والأطباء، وإتاحة الفرصة لهم لتلقي كل رعاية طبية مناسبة.


  • ينبغي تعديل المادة 401 من قانون العقوبات لتجريم جميع أشكال التعذيب، بغض النظر عن غايتها، وللنص على العقوبات المناسبة لجسامة جرم التعذيب. وينبغي إدانة التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة بلا تحفظ وعلناً، كما ينبغي عدم التساهل بشأنهما تحت أي ظرف من الظروف. وينبغي فتح تحقيقات فعالة على وجه السرعة في جميع مزاعم التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة من جانب هيئة مستقلة ومحايدة، وتقديم الأشخاص المسؤولين عن التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة إلى ساحة العدالة في محاكمات نزيهة لا يتم اللجوء فيها إلى فرض عقوبة الإعدام. إن على السلطات اللبنانية، وقد وقعت على "البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، أن تسرِّع من أمر إنشاء آلية وطنية قوية ومستقلة تتمتع بصلاحية زيارة جميع مراكز الاعتقال في لبنان.


وضع حد لإفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من العقاب

الحالة الراهنة

  • يشكِّل إنشاء "المحكمة الخاصة بلبنان"، التي باشرت أعمالها في 1 مارس/آذار 2009، قطعاً له أهميته مع نمط الإفلات من العقاب الذي ظل متفشياً لفترة طويلة في لبنان. وتملك المحكمة الولاية القضائية للتحقيق في مقتل رفيق الحريري و22 شخصاً آخر في 14 فبراير/شباط 2005، وكذلك لمقاضاة الجناة المزعومين، كما تتمتع بالولاية القضائية على عمليات قتل ومحاولات اغتيال أخرى ارتكبت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2004 إذا ما وجَدت أن لها صلة باغتيال رفيق الحريري وتتشابه معه من حيث طبيعتها وجسامتها. بيد أن ما كُرس لهذه المبادرة من تصميم وموارد كبيرة يتناقض بصورة صارخة مع عدم تحقيق أي تقدم نحو التصدي لحالات إفلات أخرى من العقاب.


  • إذ قُتل مئات المدنيين في سياق العنف السياسي في لبنان منذ أكتوبر/تشرين الأول 2004، تاريخ بدء الصلاحيات المؤقتة "للمحكمة الخاصة بلبنان". وأدى هذا العنف السياسي إلى وفاة: عشرات المواطنين السوريين ممن قتلوا في سياق رد الفعل على اغتيال رفيق الحريري؛ وما لا يقل عن 40 مدنياً أثناء الاشتباكات المسلحة في مخيم نهر البارد للاجئين في 2007؛ وثلاثة محتجين قتلوا أثناء مظاهرة سلمية عقدت في 29 يونيو/حزيران 2007 ما بين مخيمي نهر البارد والبداوي للاجئين. غير أن السلطات اللبنانية ما زالت غير قادرة أو غير راغبة في مقاضاة الجناة. فبالعلاقة مع اشتباكات نهر البارد المسلحة، على سبيل المثال، أثارت منظمة العفو الدولية مع السلطات اللبنانية بواعث قلقها بشأن ما تلقته من تقارير عن القصف المدفعي العشوائي للمناطق المدنية من قبل الجيش اللبناني، وعن مقتل مدنيين عُزَّل، وتعذيب مدنيين ومقاتلين مشتبه فيهم وإساءة معاملتهم، وكذلك عن نهب وسلب وإحراق منازل في المخيم إثر استيلاء الجيش اللبناني عليه. وتلقت المنظمة رداً من السلطات اللبنانية يشير إلى أن الجيش اللبناني قد قام بالتحقيق ببعض الانتهاكات المزعومة التي ارتكبها جنود، من قبيل النهب والسلب وإشعال الحرائق، وخلص التحقيق إلى أن هؤلاء لم يرتكبوا خطأ. بيد أن الجيش، وطبقاُ لمعلومات منظمة العفو الدولية، لم ينشر ما توصل إليه من معطيات في هذه التحقيقات على الملأ، كما إن السلطات تقاعست عن إصدار أوامر بفتح تحقيق من جانب هيئة غير متحيزة في أي من الانتهاكات المزعومة.


  • لقد ولَّد النـزاع المسلح في لبنان على مدار العقود الأخيرة عدداً هائلاً من الانتهاكات الجسيمة. فإبان الحرب الأهلية للفترة 1975 – 1990، ارتكب مختلف أطراف النـزاع آلاف عمليات القتل غير المشروعة، بينما اختفى ما لا يقل عن 17,000 شخص. ووقعت مئات أخرى من عمليات القتل غير القانوني والاختفاء القسري في سياق الوجود السوري ما بين 1975 و2005. وقتل نحو 20,000 شخصاً في لبنان، معظمهم من المدنيين، على أيدي القوات الإسرائيلية المسلحة خلال السنوات الثلاثين الماضية؛ وبخاصة أثناء هجمات 1978، وإبان الغزو الإسرائيلي في 1982 وما تلاه من احتلال عسكري لجنوب لبنان حتى عام 2000، وأثناء نزاع 2006 بين إسرائيل وحزب الله.


  • ولم تتخذ السلطات اللبنانية خطوات تذكر نحو كشف الحقيقة وتحقيق العدالة للضحايا. وعلى العكس من ذلك، فقد رسَّخت الإفلات من العقاب بسنها قوانين للعفو عن مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي. إذ منح قانون العفو لسنة 1991، على وجه الخصوص، عفواً عاماً، باستثناءات قليلة، عما ارتكب من جرائم قبل 28 مارس/آذار 1991. وزاد الوضع تفاقماً حقيقة أنه لا السلطات السورية ولا السلطات الإسرائيلية قامت على نحو مُرض بالتحقيق في أي من الحالات التي زُعم فيها أن قواتها كانت مسؤولة عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولي، وحقيقة أن المجتمع الدولي لم يبدِ أي اهتمام بفتح تحقيقات دولية.


  • وفيما يتعلق بحالات الاختفاء القسري، لا يزال مصير آلاف اللبنانيين وغير اللبنانيين الذين اختفوا في لبنان منذ 1975 مجهولاً رغم الحملات التي قام بها أهالي الضحايا والمنظمات غير الحكومية لسنوات عديدة. ولم يجرِ الكشف أبداً بالكامل عن المعطيات التي توصل إليها تحقيقان لبنانيان في حالات الاختفاء القسري أجريا في 2000 و2001، كما لم تتم مقاضاة أي من الجناة بالعلاقة معهما. ولم تُنشر كذلك أية معطيات ذات مغزى للتحقيق الذي قامت به لجنة سورية – لبنانية مشتركة أنشئت في 2005 للتحقيق في مصير ما يربو على 600 لبناني اختفوا، على ما يبدو، أثناء وجودهم في حجز القوات السورية. وعلى خلفية هذا الواقع الكئيب، يبدو مشجعاً ملاحظة أن "اللجنة البرلمانية لحقوق الإنسان" قد قدمت مقترحاً، حسبما ذُكر، بإنشاء لجنة تقصٍ في حالات الاختفاء القسري التي وقعت فيما مضى. وقد توفِّر حالة التحسن في العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا في الآونة الأخيرة فرصة لمتابعة هذه القضية.


  • وظهر إلى حيز الوجود في السنوات الأخيرة عدة معاهدات دولية جديدة تكمِّل ترسانة الضمانات الموجودة في القانون الدولي ضد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من قبيل قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. بيد أن لبنان لم ينضم بعد إلى هاتين الاتفاقيتين.


توصيات

  • ينبغي مباشرة تحقيقات وافية ومستقلة في جميع مزاعم أعمال القتل السياسي والاعتداءات السياسية التي لا يشملها نطاق صلاحيات "المحكمة الخاصة بلبنان"، كما ينبغي تقديم من يُزعم أنهم مسؤولون عن هذه الانتهاكات إلى ساحة العدالة في محاكمات نزيهة لا تلجأ إلى فرض أحكام بالإعدام. وينبغي لمثل هذه التحقيقات أن تشمل الانتهاكات المزعومة التي ارتكبت في سياق اشتباكات نهر البارد في 2007.


  • ينبغي إنشاء لجنة مستقلة للتقصي كي تحقق في مزاعم الجرائم المرتكبة بمقتضى القانون الدولي وغيرها من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ارتكبت إبان حقبة الحرب الأهلية وما بعدها، وكي تقدم توصياتها لمعالجة إرث جرائم وانتهاكات الماضي، مع الأخذ في الحسبان مقتضيات حق الضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة وفي العدالة والانتصاف. وينبغي لهذا الغرض إلغاء قوانين العفو الصادرة في 1991 و2005، حتى يكون بالإمكان التحقيق في انتهاكات الماضي ومقاضاة مرتكبيها. ولا يجوز أن يعتبر أحد محصناً من المقاضاة عما ارتكب من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بغض النظر عن منصبه أو رتبته.


  • ينبغي للبنان الانضمام إلى قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ولاتفاقية الامتيازات والحصانات الخاصة بالمحكمة، وكذلك التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.


وضع حد للتمييز والعنف ضد المرأة والجماعات المهمشة

الحالة الراهنة

  • يستمر التمييز ضد المرأة في لبنان في القانون والممارسة. فقوانين الأحوال الشخصية المتعددة في البلاد تتضمن أحكاماً تمييزية فيما يخص الزواج والطلاق والأبوة والأمومة والميراث. وتقضي قوانين الجنسية بأن يحصل الأطفال على جنسيتهم من آبائهم فقط، دون أمهاتهم. وقد أعربت هيئة خبراء تابعة للأمم المتحدة هي "لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة"، المسؤولة عن الإشراف على تنفيذ "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة"، والتي انضم إليها لبنان كدولة طرف، عن بواعث قلقها مجدداً في السنة الماضية بشأن هذه القضايا.


  • وتتضمن الأحكام التي تميز ضد المرأة المادة 562 في قانون العقوبات، التي تسمح بتخفيف العقوبة المفروضة على مرتكبي العنف ضد المرأة عندما يتعلق ذلك بقتل الزوجات أو القريبات من الدرجة الأولى أو بإلحاق الأذى بهن. وبالنسبة لهذا الجانب من التمييز، أعربت "لجنة مناهضة التعذيب ضد المرأة" في السنة الماضية عن بواعث قلقها بشأن "استمرار العنف ضد النساء والفتيات، بما فيه العنف في محيط الأسرة والاغتصاب والجرائم التي ترتكب باسم الشرف، وبشأن غياب المقاربة الشاملة للتصدي للعنف ضد المرأة".


  • وتظل أوضاع العمال المهاجرين في لبنان مبعث قلق مستمر. ففي 2005، أعربت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، هي "لجنة القضاء على التمييز العنصري"، المسؤولة عن الإشراف على تنفيذ "الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري"، والتي انضم إليها لبنان كدولة طرف، عن بواعث قلقها "بشأن أوضاع العمال الأجانب في الممارسة، ولا سيما العاملات في المنازل، الذين لا يستفيدون استفادة كاملة من الحماية التي يوفرها قانون العمل".


  • وفي تطور إيجابي، أقرت وزارة العمل اللبنانية في وقت سابق من العام صيغة "عقد موحد" يهدف إلى حماية العمال المهاجرين عن طريق فرض مجموعة من المعايير العامة للعمل. ويعترف العقد، الذي يقدَّم إلى العامل المهاجر باللغة العربية وبلغة يفهمها، بحقوق العمال المهاجرين في ظروف معيشة كريمة، بما في ذلك توافر مكان للنوم تُحترم فيه خصوصية العامل، وفي كفاية المأكل والملبس. كما ينص على حقهم في يوم راحة أسبوعي وإجازة سنوية، ويحدد يوم العمل بعشر ساعات في اليوم. بيد أن هذا الترتيب لا يفي بمتطلب توفير الحماية الكاملة في القانون، كما هو الحال في الأردن، حيث لم يكن لمثل هذه العقود تأثير إيجابي يذكر.


  • وتجد العاملات المنـزليات المهاجرات أنفسهن في وضع صعب على نحو خاص، نظراً لأنهن يواجهن تمييزاً متعدد الأوجه بسبب افتقارهن إلى الجنسية اللبنانية، ونتيجة لجنسهن، ولوضعهن الاقتصادي والقانوني الأدنى. حيث يتعرضن للإساءة والاستغلال في مكان العمل. فجميع العاملات المنـزليات مستثنيات من حاكمية قانون العمل، الذي يمكن لو طبق عليهن أن يمنحهن طيفاً من أشكال الحماية الضرورية للغاية. ولكن نظراً لكونهن يشكلن أغلبية قوة العمل في مجال الخدمة المنـزلية، فهن يبقين الأكثر تأثراً على نحو غير متناسب بسبب هذا الاستثناء. فقد لقي ما لا يقل عن 45 امرأة مصرعهن لأسباب غير طبيعية خلال 2008 في حالات شابتها شكوك بأن الوفيات كانت ناجمة عن إساءات لهن من جانب مخدوميهن. ولكن كثيراً ما لا يفتح أي تحقيق مناسب في مثل هذه الحالات، ولا يقدم الجناة بصورة عامة إلى ساحة العدالة.


  • وتشمل الجماعات المهمشة الأخرى في لبنان نحو 300,000 لاجئ فلسطيني، وقرابة 50,000 لاجئ عراقي، ولاجئين وطالبي لجوء آخرين وعدداً غير معروف من النساء اللاتي وقعن ضحية للاتجار بهن. فاللاجئون الفلسطينيون، على وجه الخصوص، يعيشون في حالة من التيه وعدم الاستقرار. فبينما يملك الفلسطينيون الذين فروا أو أجبروا على النـزوح قسراً من ديارهم وأراضيهم في فلسطين الخاضعة للانتداب (الآن إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين من قبل إسرائيل)، بمقتضى القانون الدولي، الحق في العودة، يستمر حتى اليوم حرمانهم من ممارسة هذا الحق. بينما تستمر معاناة من نزحوا من فلسطين إلى لبنان، الذي استضافهم 60 عاماً، بسبب القوانين والممارسات التي تميز ضدهم، ولا سيما فيما يتعلق بحقهم في الحصول على العمل والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والتعليم والسكن. ولم يساعد قرار وزاري صدر في 2005 بالسماح للاجئين الفلسطينيين بالعمل في العديد من القطاعات التي كانت محرمة عليهم، وليس جميعها، على تغيير الأوضاع كثيراً. وفي 2007، قالت "وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" (الأنروا)، التي تقدم الخدمات والمعونات لما يربو على 4.5 مليون لاجئ فلسطيني يعيشون في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا، إن لبنان، بالمقارنة مع المناطق الأخرى لعمليات الأنروا، يضم "أعلى نسبة من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في حالة من الفقر المدقع".


توصيات

  • ينبغي تعديل التشريعات التي تميز ضد المرأة. وكما أوصت "لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة"، ينبغي سن تشريع على وجه السرعة لضمان اعتبار العنف ضد المرأة، بما في ذلك العنف العائلي، جريمة جنائية، وتمكين ضحايا العنف من الاستفادة من سبل للانتصاف والحماية، ومقاضاة الجناة وتلقيهم العقاب. وعلى وجه الخصوص، ينبغي تعديل قانون العقوبات لضمان "عدم إفلات مرتكبي جرائم الشرف بجرائمهم، وتجريم الاغتصاب الزوجي وتأكيد أن الزواج من الضحية لا يعفي المعتدي الجنسي من العقاب".


  • ينبغي شمول العاملين والعاملات في المنازل بأحكام قانون العمل. كما ينبغي إقامة الآليات الكافية لحماية العاملات المنـزليات المهاجرات من انتهاك حقوقهن.


  • ينبغي إلغاء التقييدات التمييزية في القانون والممارسة للحقوق الاجتماعية والاقتصادية للاجئين الفلسطينين في لبنان بلا إبطاء.





إلغاء عقوبة الإعدام

الحالة الراهنة

  • باستثناء إعدام ثلاثة رجال في يناير/كانون الثاني 2004، لم تنفَّذ في لبنان أي أحكام بالإعدام منذ 1998. وثمة آمال بأن لبنان ربما يكون بصدد وضع حد لعقوبة الإعدام منذ تقديم وزير العدل مشروع قانون إلى مجلس الوزراء في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي يقضي بإلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بعقوبة أقصاها السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة. بيد أن ما يربو على 40 شخصاً يقبعون حالياً في سجون لبنان تحت وطأة أحكام بالإعدام صدرت بحقهم، بينما يواصل بعض المسؤولين اللبنانيين دعم الاستمرار في فرض عقوبة الإعدام.


  • تأكد في الآونة الأخيرة تحقيق تقدم ثابت نحو إلغاء عقوبة الإعدام على نطاق العالم بأسره عندما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في ديسمبر/كانون الأول، وبأغلبية كبيرة، قراراً ثانياً يدعو إلى فرض حظر على عقوبة الإعدام بغية إلغائها في نهاية المطاف. وكان امتناع لبنان عن التصويت على هذا القرار، كما على القرار الذي سبقه في 2007، علامة إيجابية على أن السلطات لم تناهض على الأقل هذه المبادرة.


توصيات

  • في انتظار إلغاء عقوبة الإعدام في القانون، ينبغي فرض حظر على تنفيذ أحكام الإعدام. وينبغي تخفيف جميع أحكام الإعدام التي صدرت إلى أحكام بالسجن.


  • وينبغي أن يصوت لبنان، عندما تُعيد الجمعية العامة للأمم المتحدة النظر في قرارها بحظر عقوبة الإعدام في 2010، إلى جانب قرار الحظر.