الفلسطينيون تحت الحصار في الضفة الغربية
لم يكن خالد داود الفقيه يتجاوز ستة أشهر عندما تُوفي يوم 8 مارس/آذار 2007، عند أحد نقاط التفتيش التابعة للجيش الإسرائيلي. وكان والداه، وهما من قرية كفر عين، يحاولان نقل طفلهما الرضيع بأسرع ما يمكن إلى مستشفى قريبة في مدينة رام الله بالضفة الغربية، ولكن الجنود الإسرائيليين أجبروهما على الانتظار عند نقطة التفتيش. وقد روى والده داود، وهو مدرس، تفاصيل ما حدث لمنظمة العفو الدولية، فقال:
"كان ابني خالد يعاني من صعوبة في التنفس. استنجدت بجاري الذي يملك سيارة، وعلى الفور تحركنا مع زوجتي والطفل إلى المستشفى في رام الله، لأن ذلك كان أسرع من انتظار سيارة الإسعاف لكي تقطع كل هذا الطريق إلى القرية. كان ذلك قبيل الساعة الثانية عشرة والنصف من منتصف الليل. وقد سبق لخالد أن أُصيب بأزمات مثل هذه وكنا ننقله إلى المستشفى وهناك يضعونه في خيمة الأوكسجين، وكان يتحسن دائماً.
"وصلنا إلى نقطة تفتيش عطارة حوالي الساعة الواحدة إلا الربع بعد منتصف الليل، ومن هناك لم يكن يفصلنا عن المستشفى سوى عشر دقائق. أوقفنا الجنود. كانوا خمسة. أخبرتهم أن ابني مريض وفي حاجة ماسة للنقل على وجه السرعة إلى المستشفى في رام الله. كنتُ أتحدث معهم بالعبرية. طلبوا بطاقات الهوية الخاصة بنا، فأعطيتهم بطاقتي وأعطاهم السائق بطاقته، ولكن زوجتي كانت قد نسيت بطاقتها في البيت وسط لهفتها. أخبرت الجنود بذلك، فقالوا إننا لا نستطيع المرور بدون بطاقتها. توسلت إليهم أن يسمحوا لنا بالمرور. نظروا في السيارة وتأكدوا أنه لا يوجد أي شيء وأن الطفل لديه مشاكل في التنفس وأن أطرافه ترتعش. قلت للجنود إن كل دقيقة وكل ثانية لها قيمتها، وأن الطفل في حاجة للأوكسجين على وجه السرعة، ولكنهم طلبوا منا الانتظار، فرحت أرجوهم وأتوسل إليهم. وعندئذ مات الطفل. كانت الساعة حوالي الواحدة وخمس دقائق فجراً. قلت للجنود إنه مات، فصوبوا كشافاً إلى داخل السيارة ورأوا أن الطفل لم يعد يتحرك، وعندئذ أخبرونا أن بوسعنا المرور. انطلقنا إلى المستشفى رغم ذلك، وهناك تأكد أن خالد قد مات".
ولم تكن حالة خالد جديدة أو فريدة من نوعها. فعلى مدى سنوات، ظلت مئات الحواجز ونقاط التفتيش تجبر الفلسطينيين الراغبين في التوجه إلى مواقع عملهم أو مدارسهم أو إلى المستشفيات كل يوم على الانتظار لفترات طويلة أو السير في طرق أخرى ملتفة تستغرق وقتاً أطول، مما أدى إلى الحد من سبل حصولهم على الخدمات الصحية الأساسية وتسببت في حدوث مضاعفات صحية وحالات ولادة بل وحالات وفاة عند نقاط التفتيش.
وتُعد الضفة الغربية، التي يركز عليها التقرير الحالي، منطقةً صغيرةً نسبياً، إذ تمتد حوالي 130 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب وحوالي 65 كيلومتراً من الشرق إلى الغرب عند أوسع نقطة فيها، وتبلغ مساحتها الكلية نحو 5600 كيلومتر مربع. وتنتشر في الضفة الغربية شبكة من الحواجز ونقاط التفتيش التي أقامها الجيش الإسرائيلي، ويبلغ عددها نحو 550، كما يقطعها جدار فاصل يمتد مسافة 700 كيلومتر من الشمال إلى الجنوب، ويطوِّق عدداً من القرى الفلسطينية وأحياء بكاملها في القدس الشرقية وحولها.
وتصر السلطات الإسرائيلية على أن نظام القيود وأوامر الإغلاق ضروري لمنع الفلسطينيين من دخول إسرائيل لتنفيذ تفجيرات انتحارية أو غيرها من الهجمات. إلا إن جميع نقاط التفتيش والبوابات وحواجز الطرق تقريباً، بالإضافة إلى معظم أجزاء الجدار، تقع داخل أراضي الضفة الغربية وليس بين إسرائيل والضفة الغربية. وهي تمنع أو تقيد التنقلات بين القرى والبلدات الفلسطينية، وتشتت التجمعات الفلسطينية وتعزلها، وتفصل بين الفلسطينيين وأراضيهم الزراعية، وتعرقل الوصول إلى مواقع العمل والمدارس والمنشآت الصحية ومنازل الأقارب، وتدمر الاقتصاد الفلسطيني. كما أن الجدار، بوضعه الحالي داخل أراض محتلة، يُعد غير قانوني، حسبما قضت محكمة العدل الدولية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن القيود الصارمة التي تفرضها السلطات الإسرائيلية منذ سنوات على تنقلات ما يزيد على مليوني فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية تُعتبر غير قانونية لأنها غير متناسبة وتنطوي على التمييز وتمثل انتهاكاً للحق في حرية التنقل. وتُفرض هذه القيود على جميع الفلسطينيين لا لشيء سوى أنهم فلسطينيون، وكذلك لخدمة مصالح المستوطنين الإسرائيليين الذي يمثل وجودهم في الضفة الغربية المحتلة انتهاكاً للقانون الدولي. ومن ثم، ينبغي رفع هذه القيود.
الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ يونيو/حزيران 1967، بما في ذلك القدس الشرقية
المساحة الكلية 5600 كيلومتر مربع: حوالي 130 كيلومتر من الشمال إلى الجنوب، و65 كيلومتر من الشرق إلى الغرب
عدد المستوطنات الإسرائيلية و"البؤر الاستيطانية" غير القانونية أكثر من 200
عدد نقاط التفتيش والحواجز التابعة للجيش الإسرائيلي أكثر من 500
هناك طرق بطول حوالي 700 كيلومتر يُحظر على الفلسطينيين السير عليها
يبلغ طول الجدار حوالي 700 كيلومتر، يقع 80 بالمئة منه على الأراضي الفلسطينية
خلفية: دوامة العنف المتواصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين
منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، في سبتمبر/أيلول 2000، تصاعد العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فقد قتلت القوات الإسرائيلية حوالي أربعة آلاف فلسطيني، ومعظمهم من المدنيين العزل وبينهم نحو 800 طفل. وقُتل كثيرون من هؤلاء في عمليات قصف جوي وقصف مدفعي وغير ذلك من الهجمات على مخيمات اللاجئين والمناطق المكتظة بالسكان في مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأُعدم آخرون خارج نطاق القضاء في هجمات أسفرت أيضاً عن مصرع عشرات من المارة. وخلال الفترة نفسها، قتلت جماعات مسلحة فلسطينية ما يزيد عن 1100 إسرائيلي، منهم نحو 750 مدني، بما في ذلك 120 طفلاً، في تفجيرات انتحارية وهجمات بالأسلحة النارية على حافلات ومطاعم ومراكز تجارية وغيرها من المناطق التي يرتادها المدنيون بكثرة.
وقد انخفضت أعمال القتل والهجمات على أيدي الطرفين بشكل ملحوظ خلال عام 2005، بعد أن أعلنت الجماعات المسلحة الفلسطينية تهدئة غير رسمية في مطلع ذلك العام. وفي عام 2006، انخفض عدد القتلى الإسرائيليين على أيدي الجماعات المسلحة الفلسطينية بمقدار النصف مقارنةً بعدد الذين قُتلوا في العام السابق، كما وصل إلى أدنى معدل له منذ بدء الانتفاضة. وبالرغم من ذلك، زاد عدد القتلى الفلسطينيين على أيدي القوات الإسرائيلية بمقدار ثلاثة أضعاف بالمقارنة مع عدد القتلى في العام السابق.(1)
وكان حوالي ثلث المدنيين الإسرائيليين الذين قُتلوا على أيدي جماعات مسلحة فلسطينية من المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويعتبر الفلسطينيون أن المستوطنين الإسرائيليين هم المسؤولون في المقام الأول عن مصادرة واغتصاب أراضيهم ومواردهم، وكذلك عن القيود التي يفرضها الجيش الإسرائيلي على تنقلاتهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقد أصبحت الفروق بين القوات المسلحة الإسرائيلية والمستوطنين المدنيين غير واضحة في نظر الفلسطينيين، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، من بينها تحويل بعض قواعد الجيش الإسرائيلي والمدارس في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى مستوطنات إسرائيلية، والدور الرئيسي الذي لعبه الجيش الإسرائيلي في إقامة المستوطنات والحفاظ عليها، بدءاً من الاستيلاء على الأراضي وبناء مرافق البنية الأساسية اللازمة وانتهاءً بإقامة مناطق عازلة حول المستوطنات الإسرائيلية لمنع الفلسطينيين من الوصول إليها. وهناك كثير من الفلسطينيين يعارضون استهداف المدنيين الإسرائيليين داخل إسرائيل، ولكنهم يرون أن المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة هم هدف مشروع شأنهم شأن الجنود الإسرائيليين.
وإذا كانت المستوطنات الإسرائيلية تُعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي، فإن ذلك لا يغير من وضع المستوطنين الإسرائيليين بوصفهم مدنيين لا يجوز استهدافهم. وقد أدانت منظمة العفو الدولية مراراً الهجمات التي شنتها جماعات مسلحة فلسطينية على مدنيين إسرائيليين، سواء داخل إسرائيل أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وحثتها على وقف هذه الهجمات فوراً.(2)
2. الجدار/السور: نزع الأراضي دون سند قانوني
يؤدي الجدار/السور الذي تبنيه إسرائيل في أراضي الضفة الغربية، ويمتد مسافة 700 كيلومتر من الشمال إلى الجنوب مروراً بأجزاء من القدس، إلى إلحاق أضرار واسعة النطاق وبعيدة المدى على حياة الفلسطينيين، ويقوِّض قدرة من يعيشون في عشرات القرى والتجمعات على التمتع بعدد كبير من حقوقهم الإنسانية.(3)
وقد اكتمل بناء ما يزيد عن نصف طول الجدار، ويجري العمل في بناء الجزء المتبقي. وقد اقتُلعت حتى الآن عشرات الألوف من أشجار الزيتون وغيرها من الأشجار، ودُمرت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، وهُدمت عشرات المنازل، وغدا عشرات الألوف من الفلسطينيين معزولين عن أراضيهم وعن سبل كسب العيش.
وتقول السلطات الإسرائيلية إن الجدار هو "إجراء دفاعي، يهدف إلى منع مرور الإرهابيين والأسلحة والمتفجرات إلى داخل دولة إسرائيل...".(4) والغرض الوحيد لبناء هذا الجدار، حسبما تقول السلطات الإسرائيلية، هو "توفير الأمن".(5)
ومع ذلك، فإن معظم أجزاء الجدار لا تُشيد بين إسرائيل والضفة الغربية بطول الخط الأخضر (وهو خط الهدنة في عام 1949 والذي يفصل بين دولة إسرائيل والضفة الغربية المحتلة). ويقع نحو 80 بالمئة من الجدار على أرض فلسطينية داخل الضفة الغربية، مما يؤدي إلى فصل بلدات وقرى وتجمعات وعائلات فلسطينية عن بعضها البعض، وعزل المزارعين الفلسطينيين عن أراضيهم، وإعاقة الوصول إلى المنشآت التعليمية والصحية وغيرها من الخدمات الأساسية، بالإضافة إلى عزل التجمعات الفلسطينية عن مستودعات ومصادر المياه النظيفة.(6)
حقائق عن الجدار(7)
في حالة اكتمال بناء الجدار وفقاً لأحدث مخطط لمساره، حسبما وُضع في عام 2006:
- سوف يعيش حوالي 60500 فلسطيني، في 42 قرية وبلدة في الضفة الغربية، محصورين بين الجدار والخط الأخضر أو في مناطق مغلقة؛ - سوف يطوِّق الجدار بالكامل 12 قرية من هذه القرى، يعيش فيها نحو 31400 فلسطيني؛ - سوف تكون أكثر من 10 بالمئة من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية واقعةً خلف الجدار، وتبلغ مساحتها نحو 57518 هكتاراً؛(8) - سوف يعيش أكثر من نصف مليون فلسطيني في شريط ضيق لا يزيد عرضه عن كيلومتر واحد بمحاذاة الجدار.
وإذا كانت السلطات الإسرائيلية ملزمةً بحماية أمن من يعيشون داخل حدود إسرائيل، بما في ذلك منع الأشخاص الذين يمكن أن يشكلوا خطراً على إسرائيل من دخولها، فإن أية إجراءات تتخذها في هذا الصدد يجب ألا تنتهك التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. ويجب أن تكون هناك ضرورة لإجراءات الأمن، وأن تتسم بالتناسب ولا تنطوي على التمييز. وقد تشمل هذه الإجراءات، مثلاً، بناء أسوار أو جدران أو حواجز أو غيرها من الأبنية على الأراضي الإسرائيلية وليس داخل الضفة الغربية المحتلة.
ويزيد طول الجدار عن ضعف طول الخط الأخضر، نظراً لتعرج مساره. وهو بناء معقد يتراوح سُمكه بين 50 متراً و100 متر، ويضم أسلاكاً شائكة وخنادق ومسالك لاقتفاء الأثر وممرات لعبور الدوريات العسكرية على الجانبين، بالإضافة إلى مناطق عازلة ومناطق متفاوتة العمق يُمنع فيها المرور. وقد صُمم مسار الجدار بحيث يضم أكثر من 50 مستوطنة إسرائيلية يعيش فيها قرابة 80 بالمئة من المستوطنين الإسرائيليين، فضلاً عن مساحات شاسعة حولها. ومن شأن ذلك أن يجعل أراضي هذه المستوطنات متصلة ومرتبطة بإسرائيل، بينما يعزل المنطقة تماماً عن باقي أراضي الضفة الغربية.
جدار الموت
"خطر الموت – منطقة عسكرية – كل شخص يعبر الجدار أو يلحق ضرراً به يعرض حياته للخطر". هذه العبارات مكتوبة باللغات العبرية والعربية والإنجليزية على لافتات بطول الجدار، كما يظهر في الصورة.
والواقع أن مجرد اقتراب الفلسطينيين من الجدار يعرض حياتهم للخطر. ففي 19 ديسمبر/كانون الأول 2006، قُتلت الطفلة دعاء ناصر عبد القادر، البالغة من العمر 14 عاماً، برصاص جنود إسرائيليين، وذلك بينما كانت تلعب مع صديقة لها، تبلغ من العمر 12 عاماً، بالقرب من الجدار في قرية فرعون الواقعة جنوب طولكرم. وليس هناك ما يشير إلى أن الطفلتين كانتا تشكلان خطراً على الجنود الإسرائيليين، الذين أطلقوا النار عليهما من برج مراقبة محصن على مسافة قريبة. وذكرت أنباء صحفية إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي أجرى تحقيقاً في الحادث، جاء فيه أن أحد الجنود اعترف بإطلاق النار على الطفلتين بينما كانتا تركضان بعيداً عن الجدار.(9) وقد عُزل قائد فرقة الجنود في الموقع عن منصبه ووُجه إليه اللوم، وبدأت الشرطة العسكرية تحقيقاً في الحادث، حسبما ورد. وحتى الآن، لم يُقدم أي من الجنود الضالعين في الحادث إلى ساحة العدالة، على حد علم منظمة العفو الدولية.
ولم يتضح مدى الآثار السلبية التي يخلفها الجدار/السور على الفلسطينيين في مختلف أنحاء الضفة الغربية إلا بعد وقت طويل من وقوع قدر كبير من الضرر. ويُذكر أن لجنة وزارية إسرائيلية قد أقرَّت، في عام 2001، بناء جدار في أجزاء من الضفة الغربية، وأقرَّت الحكومة الإسرائيلية مسار المرحلة الأولى من الجدار، في يونيو/حزيران 2002. ومع ذلك، لم تعلن السلطات الإسرائيلية خريطةً كاملةً للمسار المخطط إلا في أكتوبر/تشرين الأول 2003، أي بعد وقت طويل من بدء عمليات البناء.(10)
وقد خلص باحثو منظمة العفو الدولية، الذين زاروا الضفة الغربية في الفترة من منتصف عام 2002 إلى منتصف عام 2003، إلى أن الفلسطينيين الذين تضررت أراضيهم بشكل مباشر من جراء الجدار لم يحصلوا على معلومات تُذكر، أو لم يحصلوا على أية معلومات على الإطلاق، من السلطات الإسرائيلية. وقد وجد معظمهم أوامر بمصادرة الأراضي، ومرفق معها خرائط، وقد ثبتها الجيش الإسرائيلي على أشجار أو تركها تحت أحجار في المناطق التي تقرر أن يمر خلالها مسار الجدار. ولم تكن الخرائط واضحة، وكانت عموماً عبارة عن مستنسخات سيئة التصوير، ولا تحتوي على مقياس أو غير ذلك من التفاصيل اللازمة لمعرفة مسار الجدار على وجه الدقة. ولم يكن بوسع الفلسطينيين أن يستدلوا على موقع الجدار إلا عندما بدأت جرَّافات الجيش في اقتلاع الأشجار وأعمال الحفر.
وجدير بالذكر أنه يُحظر على قوة الاحتلال تدمير الممتلكات "إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتما هذا التدمير"،(11) حتى وإن كان هناك تحذير مسبق يتيح فسحةً من الوقت. والواقع أن "تدمير واغتصاب الممتلكات علي نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلي نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية" يمثل جريمة حرب.(12) وبالإضافة إلى ذلك، فإن الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين من أجل بناء الجدار دون إشعار كاف، ودون تشاور مع المتضررين واتباع الإجراءات القانونية الواجبة، يُعد بمثابة إجلاء قسري، وهو الأمر الذي يمثل انتهاكاً آخر للقانون الدولي،(13) كما يجعل من المستحيل تقريباً على كثير من الفلسطينيين المتضررين أن يطعنوا في مسار الجدار أو في اغتصاب أراضيهم.
وبعد عامين من موافقة الحكومة الإسرائيلية على المرحلة الأولى من الجدار، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية جميع الالتماسات التي قدمها فلسطينيون للاعتراض على مسار الجدار في الضفة الغربية. ولم تأمر المحكمة العليا بتعديل مسار الجدار في منطقة بيت سوريق، شمال القدس، بحيث يقتطع مساحة أقل من الأراضي الفلسطينية، إلا يوم 30 يونيو/حزيران 2004، عندما كان الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية على وشك أن يُعلن. ومع ذلك، فقد أقر حكم المحكمة العليا هذا بجواز الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وتدميرها وانتزاعها من ملاكها لمصلحة المستوطنات الإسرائيلية التي يُعتبر وجودها في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني.(14)
ولدى صدور الحكم الخاص بمنطقة بيت سوريق، نشرت الحكومة الإسرائيلية مخططاً يبين مساراً معدلاً للجدار. ومنذ ذلك الحين، أمرت المحكمة العليا بتعديل مسار أجزاء صغيرة من الجدار في مناطق معينة، ولكن هذه التعديلات لا تؤثر إلا على أقل من 10 بالمئة من مسار الجدار. وبالإضافة إلى ذلك، فإن بعض الأوامر بتعديل مسار الجدار لم تُنفذ بعد، وليس من شأنها على أية حال إلا أن تقلل جزئياً من الضرر الواقع على الفلسطينيين في المنطقة.
القدس الشرقية
يخلف الجدار/السور آثاراً سلبية أيضاً على زهاء 200 ألف فلسطيني يقيمون في القدس الشرقية المحتلة، التي ضمتها إسرائيل دون وجه حق، إذ يؤدي الجدار إلى عزل كثيرين منهم عن باقي الضفة الغربية. وقد انتهى الأمر ببعضهم، بما في ذلك من يعيشون في كفر عقب ومخيم شعفاط للاجئين، أن وجدوا أنفسهم في الجانب الآخر من الجدار، ومن ثم أصبح يتعين عليهم أن يمروا عبر نقاط تفتيش لكي يدخلوا القدس.(15)
ففي 15 سبتمبر/أيلول 2005، على سبيل المثال، أمرت المحكمة العليا الدولة بأن تدرس اختياراً يتعلق بجزء من الجدار بالقرب من مستوطنة ألفي منشي الإسرائيلية، الواقعة جنوب قلقيلية، بحيث لا يطوِّق الجدار أية قرى فلسطينية. وتضمن مخطط المسار المعدل وضع ثلاثة قرى، من بين القرى الخمس، بالإضافة إلى بعض الأراضي التابعة لها خارج نطاق الجدار، بينما ظلت القريتان الأخريان في محيط الجدار. وبحلول مايو/أيار 2007، لم تكن التعديلات على مسار الجدار قد نُفذت، وظلت القرى الخمس في محيط الجدار.
وفي المناطق التي اكتملت فيها أجزاء الجدار، أدى البناء إلى تخريب المزارع الفلسطينية، وهي المصدر الرئيسي لمعيشة التجمعات الفلسطينية هناك، كما خلف آثاراً لها وقع الكارثة على حياة الفلسطينيين.
وتُفرض قيود صارمة على الوصول إلى الأراضي الزراعية، حتى بالنسبة للمزارعين الذين تمكنوا من الحصول على تصاريح للوصول إلى أراضيهم. فالبوابات التي يمكن للمزارعين المصرح لهم أن يمروا منها بعيدة جداً، ولا تُفتح إلا مرتين أو ثلاث مرات يومياً (في الصباح وبعد الظهر) لمدة نصف ساعة تقريباً. وكثيراً ما يتأخر الجنود المكلفون بفتح البوابات.
ولا يُسمح للمزارعين بالوصول إلى أراضيهم إلا سيراً على الأقدام ومن خلال البوابة المحددة التي حصلوا على تصريح بالمرور منها، ثم يتعين عليهم بعد ذلك أن يسيروا من البوابة إلى أراضيهم. ولا يُسمح بمرور الجرارات إلا في حالات استثنائية، وبشرط أن يكون المزارعون قد حصلوا على تصاريح خاصة إضافية لهذا الغرض. ومن شأن هذه القيود والشروط أن تجعل الأمر بالغ الصعوبة بالنسبة للمزارعين. وبالإضافة إلى ذلك، يميل الجيش الإسرائيلي إلى عدم منح تصاريح المرور عبر البوابات الخاصة بالأراضي الزراعية إلا للمزارعين الأكبر سناً. ونتيجةً لذلك، لا تستطيع معظم العائلات زراعة أراضيها على النحو الكافي، أو لا تستطيع زراعتها على الإطلاق، حيث أصبحت ظروف العمل شديدة الصعوبة، كما أن كبار السن من أفراد العائلة لا يمكنهم وحدهم النهوض بجميع أعباء العمل.
وتدعي الحكومة الإسرائيلية أن الجدار ليس مزمعاً أن يكون "حداً سياسياً". ومع ذلك، أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت وغيره من المسؤولين الإسرائيليين مراراً إلى أن إسرائيل تعتزم الإبقاء على الكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية المحتلة، أي تلك المستوطنات التي تقع حالياً على الجانب الغربي من الجدار. كما تشير أقوال مسؤولي الادعاء الإسرائيليين أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، في معرض الرد على التماسات الفلسطينيين المطالبين بتغيير مسار الجدار، إلى أن هذا الجدار سوف يضم المستوطنات الإسرائيلية ومناطق واسعة من الأراضي المحيطة بها.
ففي عام 2003، على سبيل المثال، تقدم فلسطينيون من سكان قريتي عزون والنبي إلياس، الواقعتين شمال قلقيلية بالضفة الغربية، بالتماس إلى المحكمة العليا يطلبون فيه إزالة الجدار من تلك المنطقة. وفي معرض الرد على الالتماس، أكد مكتب المدعي العام الإسرائيلي أنه يتعين بناء الجدار على طول المرسوم الذي تم اختياره "من أجل حماية الأجزاء الجنوبية والشرقية من [مستوطنة تسوفيم]"، وأضاف قائلاً" "عند تخطيط المسار في هذه المنطقة، أُخذ في الاعتبار وجود خطة يجري إعدادها، ولكنها لم تحصل بعد على الموافقة الرسمية"، وكان يشير بذلك إلى خطة لإجراء توسعات كبيرة في مستوطنة تسوفيم، بما في ذلك بناء منطقة صناعية هناك. (16) ويتوغل الجدار حوالي سبعة كيلومترات داخل الضفة الغربية من أجل ضم مستوطنة تسوفيم ومساحة شاسعة من الأراضي حولها. وتُعد مستوطنة تسوفيم في الوقت الراهن صغيرة المساحة، ويسكنها نحو ألف مستوطن، ولكن رسوم البناء التي حصلت عليها اثنتان من المنظمات الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان، وهما "بتسليم" (مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة) و"بمكوم" (مخططون من أجل حقوق التخطيط)، تبين أن هناك خطة لإجراء توسعات كبيرة في المستوطنة.
الرصاص في مواجهة المتظاهرين المناهضين لبناء الجدار
في كثير من الأحيان، لجأ الجنود الإسرائيليون إلى الإفراط في استخدام القوة المفرطة وغير المبررة ضد الفلسطينيين، وكذلك ضد دعاة السلام الإسرائيليين والدوليين، الذين تظاهروا احتجاجاً على بناء الجدار. ففي قرية بلعين وحدها، حيث تُنظم مثل هذه المظاهرات كل جمعة منذ عامين، أُصيب مئات المتظاهرين بجروح. وفي 8 ديسمبر/كانون الأول، شاهد مندوب من منظمة العفو الدولية بعض الجنود الإسرائيليين، الذين تمركزوا على سطح منزل أحد المدنيين في القرية، وهم يطلقون النار في اتجاه أطفال في منطقة قريبة كانوا يلقون الحجارة على الجنود ولكنهم لا يشكلون خطراً جسيماً. وفي داخل المنزل، كان أفراد الأسرة، وبينهم أطفال صغار، يرتعدون خوفاً، وقالوا لمندوب منظمة العفو الدولية إن وجود الجنود على سطح بيتهم يعرضهم للخطر.
وكان معظم الذين جُرحوا في مظاهرات مناهضة للجدار قد أُصيبوا بعيارات معدنية مغطاة بطبقة من البلاستيك، وكثيراً ما أُطلقت عليهم من مسافة قريبة. كما شاع تعرض المتظاهرين للضرب بأعقاب البنادق. فعلى سبيل المثال، أُصيب ماتان كوهين، وهو إسرائيلي يبلغ من العمر 17 عاماً، في عينه بعيار معدني مغطى بالبلاستيك أطلقه جنود من شرطة الحدود الإسرائيلية، بينما كان يشارك في مظاهرة مناهضة للجدار، يوم 24 فبراير/شباط 2006، في قرية بيت سيرا، الواقعة جنوب غرب رام الله، في الضفة الغربية.(17)
وفي بعض الأحيان، استخدم الجيش الإسرائيلي الذخيرة الحية ضد المتظاهرين بالقرب من الجدار. فعلى سبيل المثال، أُصيب متظاهر إسرائيلي يبلغ من العمر 22 عاماً، ويُدعى غيل نعماتي، بجراح جسيمة في ساقه إثر إطلاق عدة عيارات عليه من القوات الإسرائيلية بالقرب من الجدار في قرية مسحة، يوم 26 ديسمبر/كانون الأول 2003. وقال غيل نعماتي، وهو جندي سابق:
"كنتُ في الجيش، وأعرفُ جيداً قواعد الاشتباك. وما فعلته لم يكن حتى يمت بصلة لأي شيء يمكن أن يبرر إطلاق النار... إنه شيء لا يصدقه عقل".(18)
وقد اكتمل بناء الجدار في تلك المنطقة منذ فترة طويلة. ومنذ عام 2003، أصبح سكان أربع قرى فلسطينية وبلدة حول مستوطنة تسوفيم معزولين عن معظم أراضيهم، والتي تُقدر بنحو 12 ألف دونم (حوالي 12 كيلومتر مربع)، بالإضافة إلى تدمير نحو ألفي دونم لإفساح الطريق لبناء الجدار. وفي الوقت الحالي، يقع نحو ثلثي الأراضي الزراعية في قرية جيوس ونصف الأراضي في قريتي فلامية وعزون في الجانب الإسرائيلي من الجدار، ولا يمكن لمعظم أهالي القرى الوصول لتلك الأراضي.
وقد أسفرت المساعي المكثفة والمعارك القانونية الطويلة التي خاضها المزارعون الفلسطينيون من سكان قرية جيوس عن فتح بوابات الجدار من الصباح إلى المساء للسماح لهم بالعبور إلى أراضيهم. وقد اقتصر هذا الإجراء الفريد على تلك المنطقة الصغيرة ولم يتكرر في أية منطقة أخرى. ومع ذلك، لم يدم هذا التحسن طويلاً. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2006، تقرر أن يقتصر فتح البوابات على ثلاث مرات يومياً (في الصباح، وفي الظهر، وبعد الظهر) لمدة نصف ساعة في كل مرة. وبالإضافة إلى ذلك، قام الجيش الإسرائيلي في نهاية عام 2006 بإغلاق البوابتين اللتين يستخدمهما المزارعون في جيوس، مما يضطرهم إلى استخدام بوابة في جهة الشمال بالقرب من قرية فلامية، وهو الأمر الذي يضيف عقبة أخرى إلى الأوضاع الصعبة القائمة التي يواجهها المزارعون.
ويتعين على المزارع الذي يرغب في الحصول على تصريح لعبور البوابة من قرية جيوس أن يكون لديه شهادة بخلو سجله الأمني من السوابق، وبطاقة هوية، و"إخراج قيد"، وهو صك يثبت ملكيته للأرض أو غيرها من الممتلكات، وعليه بعد ذلك أن يملأ استمارة الطلب. ويُعد الحصول على "إخراج القيد" أمراً بالغ الصعوبة، لأن الأمور المتعلقة بميراث الممتلكات تُسوى وفقاً للشريعة الإسلامية المتعارف عليها، ولا يتم تسجيل هذه الممتلكات. ويتطلب استخراج هذا الصك الإعلان عن الأمر في أحد المساجد، ونشر إعلان في الصحف، والحصول على توقيعات جميع الأشقاء والشقيقات وغيرهم من الورثة، ثم المثول أمام إحدى محاكم المواريث مع شاهدين.
وينبغي تصوير جميع هذه المستندات واعتماد النسخ المصورة رسمياً، وهو الأمر الذي يكلف مالاً. وبعد استيفاء جميع المستندات اللازمة، ينبغي على مقدم الطلب القيام بثلاث زيارات منفصلة أيام الخميس إلى "مكتب التنسيق"، وهو فرع للجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة ويقع في مستوطنة كدوميم الإسرائيلية، لاستكمال الإجراءات. ويتعين على الأشخاص العاملين في وظائف أن يحصلوا على تصريح بالتغيب في الأيام التي يتوجهون فيها للمكتب.
وبشكل عام، لا يجوز أن يتقدم بالطلب إلا من ورد اسمه في "إخراج القيد". ويمكن للطفل أن يتقدم بطلب استناداً إلى "إخراج القيد" الخاص بوالده، إلا إن هذا لا ينطبق عادةً على أبناء وبنات الأشقاء والشقيقات وأبناء وبنات الأعمام والأخوال. ولا تُمنح التصاريح مطلقاً لمن لا يملكون أرضاً وراء الجدار، بالرغم من أن الفلسطينيين يعملون عادةً كأسرة واحدة، وينضم إليهم الأقارب والأصدقاء في العمل خلال موسم الحصاد.
تدمير الأمل
في قرية عزبة سلمان، الواقعة جنوب قلقيلية، أصبحت عائلة قزمار منذ نهاية عام 2002 معزولة عن معظم الأراضي التي تمتلكها من جراء بناء الجدار، ولم يعد بمقدورها زراعتها. ولم تُمنح لصغار السن من أفراد العائلة تصاريح للوصول إلى أراضي العائلة، أما كبار السن الذين يمكنهم الحصول على تصاريح فليس بوسعهم قطع المسافة من منزل العائلة إلى البوابات ثم من البوابات إلى الأراضي.
وتقع أراضي العائلة على مقربة من المنزل، ولكن على الجانب الآخر من الجدار. وحتى يمكن الوصول إلى الأراضي، يتعين على أفراد العائلة السير لنحو ساعة من المنزل إلى البوابة، ثم السير لمدة ساعة أخرى من البوابة إلى الأرض، وعليهم أن يسيروا المسافات نفسها مرة أخرى عند العودة، وأحياناً ما يكون ذلك وهم يحملون المحاصيل والأدوات وغير ذلك من المعدات الثقيلة.
وكان أفراد العائلة، قبل وقت قصير من معرفتهم بأمر الجدار، قد استثمروا مدخراتهم في تلك المزارع لتطويرها وزيادة إنتاجيتها، فأقاموا شبكة متطورة للري وعدداً كبيراً من الصِّوَب الزراعية، والتي دُمر جزء منها لتمهيد الطريق لبناء الجدار.
وقد احتج أفراد العائلة لدى السلطات وتقدموا بدعاوى للمحاكم، ولكن دون جدوى، ومن ثم باتوا يشعرون بأن كل آفاق المستقبل قد سُدَّت في وجوههم. وكما هو الحال في المناطق الأخرى، فقد بُني الجدار في هذه المنطقة من الضفة الغربية بحيث يضم في محيطه مستوطنة أورانيت الإسرائيلية ومساحات إضافية من الأراضي حولها لتوسيع المستوطنة مستقبلاً. وقد فقدت قرية عزبة سلمان معظم أراضيها عندما بُنيت مستوطنة أورانيت في عام 1984، وهاهي الآن قد فقدت في واقع الأمر معظم ما تبقى من الأراضي.
وبالقرب من قلقيلية، حُصرت خمس قرى فلسطينية في جيب ضيق يطوِّقه الجدار، وهي قرى الضبعة ووادي الرشا وراس الطيرة ورمادي الجنوبي وعرب أبو فردة. وقد صُمم مسار الجدار على هذا النحو بحيث يضم في محيطه مستوطنة ألفي منشي الإسرائيلية، الواقعة في الضفة الغربية على بعد حوالي خمسة كيلومترات من الخط الأخضر، بالإضافة إلى مساحة واسعة من الأراضي حول المستوطنة، حيث توجد خطة لإجراء توسعات كبيرة فيها.
ويعيش ما يربو على ألف فلسطيني في هذه القرى الخمس في وضع أشبه ما يكون بالحصار، إذ تقع أراضيهم وكذلك المدارس والعيادات الطبية خارج الجيب المُطوَّق، وهم يحتاجون إلى تصاريح للبقاء في بيوتهم، وتصاريح للخروج من الجيب المُطوَّق إلى باقي مناطق الضفة الغربية والعودة إلى بيوتهم، وتصاريح للخروج من الجيب المُطوَّق والدخول إليه بسياراتهم. ويخضع أهالي القرى والبضائع التي يحضرونها للتفتيش على أيدي الجنود الإسرائيليين عند البوابات، وكثيراً ما يرفض الجنود بضائع بعينها، مثل أواني الطهي البخارية. كما يحتاج الأهالي إلى تصاريح لاستقبال زوار فلسطينيين، وهي تصاريح يُعد الحصول عليها أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً. ولا يُسمح حتى بدخول سيارات الإسعاف بدون تصريح مسبق من الجيش الإسرائيلي. ويلزم أيضاً استخراج تصاريح لبناء المنازل، ولكن يكاد يكون من المستحيل الحصول عليها. وقد هُدمت بعض المنازل، وهناك منازل أخرى مهددة بالهدم لأنها بُنيت، قبل تشييد الجدار، بدون التصاريح اللازمة، والتي لم يعد لدى الأهالي أي أمل في الحصول عليها.
وفي أعقاب معركة قضائية طويلة، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية، في سبتمبر/أيلول 2005، حُكماً يأمر الدولة بتعديل مسار الجدار في تلك المنطقة بما يقلل الآثار السلبية على الفلسطينيين الذين يعيشون في القرى القريبة. ووفقاً للخطة الجديدة للمسار المعدل، لن تكون ثلاث من القرى الخمسة (وهي الضبعة ووادي الرشا وراس الطيرة) محصورة داخل الجيب المُطوَّق. ومع ذلك، فلا يزال مسار الجدار حتى الآن على وضعه دون تغيير. وحتى إذا ما عُدل مسار الجدار على النحو المقترح، فلن يكون أمام سكان القريتين الفلسطينيتين الباقيتين داخل الجيب المُطوَّق في نهاية المطاف سوى الرحيل، لأن ظروف المعيشة هناك لا تُحتمل.
وقد بحثت محكمة العدل الدولية مسألة قيام إسرائيل ببناء الجدار في الضفة الغربية المحتلة، وخلصت المحكمة، في يوليو/تموز 2004، إلى أن هذا الإجراء يمثل انتهاكاً للقانون الدولي. وقضت المحكمة، في الرأي الاستشاري الذي أصدرته، بأن إسرائيل ملزمة بوقف بناء الجدار داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وتفكيك الأجزاء التي بُنيت فعلاً وتقديم تعويضات إلى الفلسطينيين الذين تضرروا من البناء.(19) وقد رفضت الحكومة الإسرائيلية توصيات محكمة العدل الدولية.
غور الأردن يصبح جيباً مطوَّقاً
منذ مايو/أيار 2005، أخذ الجيش الإسرائيلي يضع قيوداً متزايدة على غور الأردن (وهو المنطقة الشرقية من الضفة الغربية)، مما جعل هذه المنطقة الشاسعة من الأراضي الخصبة تتحول في واقع الأمر إلى جيب مُطوَّق. ونظراً لطبيعة التضاريس في غور الأردن، فلا يمكن الوصول إليه من باقي مناطق الضفة الغربية إلا عبر طرق قليلة، وجميعها تخضع لنقاط التفتيش التابعة للجيش الإسرائيلي. وقد أُضيفت خنادق وجسور لإغلاق المنطقة بشكل أكثر إحكاماً.
وفي الوقت الراهن، يلزم الحصول على تصاريح للذهاب إلى غور الأردن، وهو الأمر الذي يقيد وصول الفلسطينيين إلى المنطقة، إذ يتعين عليهم أن يثبتوا أنهم يقيمون في المنطقة أو يعملون أو يملكون أرضاً فيها. أما الذين سُجلت محال إقامتهم في مناطق أخرى من الضفة الغربية فُيمنعون من المرور عبر نقاط التفتيش ويتعرضون للمضايقة والطرد من المنطقة، بما في ذلك الأشخاص الذين عاشوا أو عملوا هناك لسنوات عدة.
فعلى سبيل المثال، تعيش مجيدة فوزي، وهي أم لسبعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 15 عاماً وما دون ذلك، في قرية عين البيضاء في شمال غور الأردن. وقد أبلغت مندوبي منظمة العفو الدولية أن جنوداً إسرائيليين حضروا إلى منزلها في مساء أحد أيام فبراير/شباط 2006 واقتادوها هي وأطفالها إلى الجانب الآخر من نقطة التفتيش، إذ لم تكن قد غيرت محل الإقامة في بطاقة الهوية، بالرغم من أنها تعيش في غور الأردن منذ سنوات. وفي نهاية المطاف، أصبح بمقدور الأسرة أن تعود إلى منزلها بعد أن تمكنت مجيدة فوزي من تغيير بيانات بطاقة الهوية، حيث استطاعت أن تثبت أنها كانت تقيم منذ فترة طويلة في غور الأردن. ومع ذلك، فإن هذا الخيار ليس متاحاً للقادمين الجدد إلى المنطقة.
وعادةً ما يميل أولئك الذين يملكون أرضاً في غور الأردن أو يقيمون أو يعملون فيه إلى قضاء أشد شهور السنة حراً خارج المنطقة، وعادةً ما يتوجهون إلى نابلس أو القرى القريبة، وهي محال الإقامة المسجلة في بطاقات كثيرين منهم.
وكثيراً ما يعتمد المزارعون على عمال موسميين من خارج غور الأردن، ويعتمد هؤلاء العمال بدورهم على العمل الزراعي الموسمي في المنطقة من أجل إعالة أسرهم. ومن شأن القيود الجديدة أن تمنع العمال الباحثين عن عمل من دخول المنطقة لأنهم غير مسجلين في وظائف هناك، ولا يمكنهم الحصول على عمل لأنهم غير مقيمين في المنطقة.
في 15 ديسمبر/كانون الأول 2006، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم A/ES-10/L.20، الذي ينص على إقامة "سجل الأمم المتحدة للأضرار الناجمة عن بناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة"، وفقاً لتوصية محكمة العدل الدولية، في يوليو/تموز 2004، وبناءً على طلب الأمين العام للأمم المتحدة.
وينص قرار الجمعية العامة على أن يكون مقر "سجل الأضرار" في العاصمة النمساوية فيينا، وأن تكون له هيئة مؤلفة من ثلاثة أعضاء، لم يتم تعيينهم بعد، على أن يكون بمثابة "سجل توثيقي شامل للأضرار التي لحقت بجميع الأشخاص الطبيعيين أو القانونيين المعنيين نتيجة الجدار الذي تبنيه إسرائيل، باعتبارها سلطة الاحتلال، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك داخل القدس الشرقية وحولها". وبحلول إبريل/نيسان 2007، لم يكن هذا قد تحقق.
وقد أشارت محكمة العدل الدولية، في الرأي الاستشاري الذي أصدرته، إلى أن عملية التعويض يجب أن تشمل إزالة تبعات الإجراء غير القانوني، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه، وتقديم تعويضات كافية في حالة تعذر إعادة الوضع على الصعيد المادي، ومنح ما يلزم من تعويضات عن الخسائر التي نجمت ولا تشملها عملية إعادة الوضع أو التعويض المادي. وقالت المحكمة:
"بناء على ذلك، فإن إسرائيل ملزمة بإعادة الأراضي والبساتين، وحقول الزيتون وغيرها من الممتلكات غير المنقولة التي استولت عليها من أي شخص طبيعي أو قانوني لأغراض بناء الجدار في المناطق الفلسطينية المحتلة. وفي حال تعذّر القيام بمثل ذلك التعويض على الصعيد المادي، فإن إسرائيل ملزمة بالتعويض على الأشخاص المعنيين عن الضرر الذي عانوه. كما تعتبر المحكمة إسرائيل ملزمة كذلك بالتعويض، انسجاماً مع قواعد القانون الدولي القابلة للتطبيق، على جميع الأشخاص الطبيعيين أو القانونيين الذين عانوا أي شكل من أشكال الأذى المادي نتيجة بناء الجدار".
ويعني هذا الرأي أنه يتعين على إسرائيل إزالة الجدار من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإعادة الممتلكات التي تم الاستيلاء عليها، وتقديم تعويضات وغير ذلك من صور الإنصاف عن الأضرار المادية التي حدثت، كما يتعين على إسرائيل تعويض الفلسطينيين الذين تضرروا من فقدان مصدر دخلهم نتيجة بناء الجدار.
ومع ذلك، فليس من الواضح ما إذا كانت صلاحيات "سجل الأضرار" تشمل الأضرار التي لحقت بالأراضي العامة للقرى ومرافق البنية الأساسية المدنية ومصادر المياه وغيرها من المصادر الطبيعية، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالبيئة.
وإذا كان تأسيس "سجل الأضرار" يُعد خطوة مهمة، فمن الضروري أيضاً، بعد مرور نحو خمس سنوات على بدء الأضرار الناجمة عن بناء الجدار، أن تُوضع الآليات اللازمة لتوفير الإنصاف والتعويض الفعالين لعشرات الألوف من الفلسطينيين الذين تضرروا وما زالوا يتضررون بسبب بناء الجدار.
3. حواجز في كل اتجاه
في 17 فبراير/شباط 2007، تُوفي عادل عمر، البالغ من العمر 21 عاماً، بعدما أخَّر الجنود الإسرائيليون مروره من البوابة التي تفصل قرية عزون عتمة وبلدة قلقيلية القريبة. وكان عادل عمر قد أُصيب في حادث جرَّار داخل القرية التي يحيطها الجدار ولا يوجد طريق للخروج منها إلا عبر بوابة تُغلق الساعة العاشرة مساءً. وقد وصل عادل عند نقطة التفتيش بعد الساعة العاشرة، ولم يفتح الجنود البوابة إلا بعد أكثر من ساعة، وكان لا يزال حياً عندما سُمح له بالمرور ولكنه تُوفي قبل أن يصل إلى المستشفى التي لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن البوابة.
في 12 ديسمبر/كانون الأول 2006، تُوفي إسماعيل سعيد إبراهيم الصيفي، البالغ من العمر 44 عاماً، في طريقه من قريته تل إلى مستشفى نابلس، التي لا تبعد سوى كيلومترات قليلة. وقد تُوفي قبل دقائق من وصوله إلى المستشفى بعد أن أُجبرت السيارة التي يستقلها على أن تسلك مساراً طويلاً على طريق غير ممهد عبر التلال. وكان الجنود الإسرائيليون قد أغلقوا الطريق الرئيسي ولم يسمحوا للسيارة بالمرور بالرغم من أن إسماعيل كان غائباً عن الوعي وفي حاجة ماسة للرعاية الطبية. ولا تستغرق المسافة بين مستشفى نابلس ونقطة التفتيش سوى عشر دقائق، ولكن الرحلة على الطريق الوعر عبر التلال استغرقت أكثر من نصف ساعة.
ولا تُعد حالات الوفاة هذه ظاهرة جديدة. فعلى سبيل المثال، اضطُرت رولا عشطية إلى أن تلد على الأرض، على طريق قذر بالقرب من نقطة تفتيش بيت فوريك، بعد أن رفض الجنود الإسرائيليون السماح لها بالمرور عبر نقطة التفتيش في الساعات الأولى من فجر يوم 26 أغسطس/آب 2003، ولم يمض وقت طويل حتى تُوفيت طفلتها الوليدة. وكانت رولا تعاني آلام الوضع، وهي في طريقها إلى مستشفى نابلس التي لا تبعد سوى دقائق قلائل. ولم يراع الجنود المشرفون على نقطة التفتيش حالتها والألم الواضح الذي تعانيه، كما لم يراعوا حالة زوجها الذي كان ينزف، ولم يطلبوا الاطلاع على بطاقات الهوية الخاصة بهما، واكتفوا بالقول بأنه لا يمكنهما المرور. ولم يسمح الجنود لرولا وزوجها وطفلتهما المتوفاة بالمرور عبر نقطة التفتيش إلا بعد أن كانت رولا قد وضعت وكانت الطفلة الوليدة قد تُوفيت.(20)
وليس بوسع أحد أن يعرف على وجه اليقين ما إذا كان بالإمكان إنقاذ عادل وطفلة رولا وغيرهما من الفلسطينيين الذين تُوفوا وهم في طريقهم إلى المستشفيات لو لم يؤخر الجنود الإسرائيليون مرورهم عبر نقاط التفتيش، ولكن المؤكد أنه كان بالإمكان أن يصلوا إلى المستشفيات بصورة أسرع، وهو الأمر الذي كان من شأنه أن يتيح لهم فرصة أفضل للنجاة. ومن الواضح أيضاً أنه ما كان يمكن لأحد من هؤلاء الذين تُوفوا أن يشكل خطراً على أمن إسرائيل، حيث لم يكن أي منهم يحاول دخول إسرائيل، بل كانوا جميعهم يحاولون السفر من قراهم إلى بلدات قريبة داخل الضفة الغربية المحتلة.
وتؤدي نقاط التفتيش وأوامر الإغلاق وغيرها من العوائق إلى إرباك جميع جوانب الحياة بالنسبة للفلسطينيين، بما في ذلك المناسبات الاجتماعية والعائلية المهمة. فعلى سبيل المثال، لم يتمكن محمد فودة من حضور حفل زفافه، يوم 8 فبراير/شباط 2007، لأن الجنود الإسرائيليين رفضوا عبوره من نقطتي تفتيش بينما كان يحاول مع بعض أقاربه المدعوين إلى حفل الزفاف الوصول إلى قرية قريبة كان سيُقام فيها الحفل. وقد قال لمندوبي منظمة العفو الدولية:
"غادرت منزلي في مخيم نور الشمس للاجئين في طولكرم مع بعض أقاربي في طريقنا إلى حفل زفافي في قرية بيت ليد، وهي لا تبعد كثيراً ولم نكن نتوقع أن نواجه أية مشاكل في طريقنا عند نقاط التفتيش... ولكن عندما وصلنا عند نقطة تفتيش عنبتا، رفض الجنود الإسرائيليون هناك السماح لي ولعدد من أقاربي الشبان بالمرور، حيث لم يكن مسموحاً للشبان من طولكرم بالمرور. وحاول قريب لي يتحدث العبرية بطلاقة أن يوضح للجنود أننا في طريقنا لحضور حفل زفافي في قرية بيت ليد، ولكنهم قالوا إنه لا يمكننا الذهاب إلى بيت ليد. ولهذا، قررنا أن نتوجه إلى نقطة تفتيش أخرى عند قرية الراس، ولكنهم رفضوا هناك أيضاً أن يسمحوا لي ولبعض أقاربي بالمرور، وطلبوا منا العودة إلى طولكرم لأنه لن يُسمح لنا بالذهاب إلى بيت ليد.
"وحاول قريبي مرة أخرى أن يوضح للجنود أننا في طريقنا لحضور حفل زفافي في بيت ليد، ولكنهم رفضوا وقالوا إنه غير مسموح بالمرور للشبان والشابات ممن تتراوح أعمارهم بين 16 عاماً و30 عاماً. وكانت هناك بعض النساء الإسرائيليات اللاتي يراقبن نقاط التفتيش [جماعة "ماخسوم ووتش"]، وتحدثن أيضاً مع الجنود، ولكن ذلك لم يغير في الأمر شيئاً. وبعد حوالي ساعة، سُمح لبعض أقاربي الصغار جداً والكبار جداً بالذهاب إلى بيت ليد، بينما عدت مع الآخرين الذين تبقوا إلى طولكرم ومنها إلى نقطة تفتيش عنبتا، وعندئذ كان الوقت قد تأخر، واضطُررنا لتأجيل الزفاف إلى اليوم التالي. وأخيراً تمكنت من الذهاب إلى بيت ليد من خلال طريق ملتف وتزوجت".
وقد سجلت السيدات من جماعة "مراقبة نقاط التفتيش" (ماخسوم ووتش)، وهي جماعة نسائية إسرائيلية لحقوق الإنسان، اللائي كن متواجدات آنذاك عند نقطة تفتيش الراس، ما يلي:
الساعة 13.50: جميع الأشخاص (الذكور والإناث) الذين تتراوح أعمارهم بين 16 عاماً و30 عاماً من المقيمين في طولكرم ونابلس وجنين والقرى المحيطة بهذه البلدات لا يُسمح لهم بالمرور إلى جهة الجنوب.
الساعة 14.44: وصلت سيارة تقل العريس عند نقطة التفتيش. ويُقام حفل زفافه في بيت ليد، ولكنه شاب ومن طولكرم وقد أُبلغ بأنه لا يمكنه المرور. حاول أحد أقاربه، وهو من قرية الطيبة ويتحدث العبرية بطلاقة، أن يتحدث مع جميع الجنود لإقناعهم بالسماح له بالمرور.
الساعة 14.50: وصلت عند نقطة التفتيش حافلة لا تقل سوى سيدات وأطفال، وهن متوجهات إلى بيت ليد لحضور الزفاف. فُحصت بطاقات الهوية. طُلب من خمس سيدات صغيرات مغادرة الحافلة، وبعضهن معهن أطفال صغار.
الساعة 14.59: لم يُسمح لهن بالمرور. توجهن إلى الجانب الآخر من الشارع وركبن سيارة أجرة للعودة. ما زال العريس منتظراً ولم يُسمح له بعد بالمرور، وقد التف حوله عدد من العمات والخالات والأعمام والأخوال وغيرهم من الأقارب يحاولون جميعاً التفكير فيما يمكن عمله. ظل القريب الذي من الطيبة يتنقل من جندي إلى آخر طالباً مساعدتهم.
الساعة 15.10: أُبلغ العريس أنه لا يمكنه المرور. ووقف على جانب.
الساعة 15.37: أُعيد العريس إلى الجهة التي جاء منها.
وقد سجل "مكتب منسق الشؤون الإنسانية" التابع للأمم المتحدة عدد نقاط التفتيش والحواجز في الضفة الغربية. ففي مارس/آذار 2007، بلغ عدد نقاط التفتيش والحواجز 549، من بينها 84 نقطة تفتيش مزودة بجنود و465 حاجزاً بدون جنود، مثل البوابات المغلقة والأكوام الترابية أو الخنادق التي تحول دون المرور على الطرق، والكتل الإسمنتية وغيرها من العوائق التي تسد الطرق.(21)
وبالإضافة إلى ذلك، تقيم دوريات الجيش الإسرائيلي كل عام آلافاً من نقاط التفتيش المؤقتة، التي تُعرف باسم "نقاط التفتيش الطائرة"، على الطرق في شتى أنحاء الضفة الغربية، وذلك لفترة محددة تتراوح بين نصف ساعة وعدة ساعات. وقد سجل "مكتب منسق الشؤون الإنسانية" وجود 624 من نقاط التفتيش الطائرة في فبراير/شباط 2007، و455 خلال الشهر السابق. وفي عام 2006، بلغ إجمالي عدد نقاط التفتيش الطائرة المسجلة 7090 نقطة.(22)
وقد تضاعف عدد نقاط التفتيش خلال السنوات الأخيرة. فخلال الفترة من منتصف عام 2005 إلى نهايته، وهي الفترة التي كانت فيها القيود التي يفرضها الجيش الإسرائيلي على التنقل أقل صرامةً مما اتسمت به عموماً منذ أواخر عام 2000، كانت هناك نحو 375 من نقاط التفتيش أو الحواجز الدائمة، بينما كان عدد نقاط التفتيش الطائرة الإضافية يتراوح بين 260 نقطة و494 نقطة شهرياً.(23)
تفاوتت درجات القيود التي فرضتها السلطات الإسرائيلية على تنقل الفلسطينيين منذ أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967. وقد تزايدت هذه القيود خلال عقد التسعينات من القرن العشرين ووصلت إلى مستوى غير مسبوق منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر/أيلول 2000. ولم يقتصر أثر القيود على حرمان الفلسطينيين من حريتهم في التنقل، بل امتد أيضاً إلى حرمانهم من عدد آخر من حقوق الإنسان، وبالأخص الحق في العمل وفي إعالة أنفسهم وعائلاتهم والحق في الرعاية الصحية وفي التعليم.
كما تعلن إسرائيل من حين لآخر أوامر "إغلاق عام" في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعادةً ما يكون ذلك في المناسبات الإسرائيلية القومية أو الدينية. وعندما يُفرض مثل هذا الإغلاق العام، لا يُسمح بتنقل الفلسطينيين من خلال نقاط التفتيش إلى القدس الشرقية وإسرائيل، كما لا يُسمح بالتنقل عبر نقاط التفتيش الأخرى فيما بين المناطق الفلسطينية القريبة لإسرائيل، باستثناء الحالات الطارئة. إلا إنه عند إغلاق نقاط التفتيش يصبح من الصعب على الفلسطينيين الاتصال بمسؤولي الجيش الإسرائيلي المعنيين لإبلاغهم بالحالات الطارئة والحصول على إذن بالمرور، فضلاً عن أن ذلك يستغرق وقتاً طائلاً.
السير وسط متاهات الحواجز
"نادراً ما أزور عائلتي لأن الرحلة تستغرق عدة ساعات للذهاب إلى القرية التي يعيشون فيها بالقرب من جنين في شمال الضفة الغربية، ثم عدة ساعات أخرى للعودة إلى رام الله حيث أعيش. ولو لم تكن هناك نقاط تفتيش ولا طرق مغلقة، ولو كان بإمكاننا أن نسافر على الطريق الرئيسي طوال الوقت، لما استغرقت الرحلة سوى ساعة أو أكثر قليلاً. ولكنها تستغرق أربع أو خمس ساعات، بل وسبع ساعات أحياناً. ويعتمد ذلك على يوم السفر، ولكنها لا تستغرق أبداً الوقت العادي الذي يجب أن تستغرقه، ولا حتى وقتاً قريباً منه. ويكون الأمر صعباً بصفة خاصة عند العودة، لأن التنقل من شمال الضفة الغربية إلى جنوب نابلس يخضع لقيود مشددة، وفي كثير من الأحيان لا يُسمح بالتنقل مطلقاً. ولا يُسمح بالتنقل لمعظم الذكور الذين تقل أعمارهم عن 30 أو 35 أو حتى 40 عاماً، وفي بعض الأحيان لا يُسمح للنساء بالتنقل أيضاً. الأمر يعتمد على اليوم.
محل إقامتي في رام الله، وسني أكثر من 30 عاماً، ولهذا فالمفترض أن يكون الأمر أسهل بالنسبة لي، ونظرياً ينبغي أن يُسمح لي بالمرور، معظم الوقت على الأقل. ولكن الواقع أن الأمر ليس بهذه السهولة. فأولاً، ليس لدي سيارة وليس من السهل أن أجد سيارة أجرة بحيث يكون جميع ركابها مستوفين للشروط المطلوبة. وحتى بالنسبة للذين يُسمح لهم بالمرور من المعبر من الشمال إلى جنوب زعترة (طبوه)، فعادةً ما يكون هناك طابور طويل، وقد يستغرق الأمر عدة ساعات للعبور من نقطة التفتيش.
"ولهذا، اعتدت كلما أردت أن أزور أسرتي أن أغادر حوالي الساعة الثانية أو الثالثة فجراً لكي أتمكن من العودة إلى رام الله، لأنه من المرجح ألا تكون هناك نقاط تفتش طائرة في هذا الوقت المبكر من الصباح. وتتجنب السيارة الأجرة المرور على الطريق الرئيسي وتسير على طرق جانبية صغيرة، وهي طرق غير ممهدة، ولهذا تسير ببطء شديد. وأحياناً ما تخرج السيارة في بعض المواضع حتى عن الطرق الجانبية وتسير عبر الحقول مع إبقاء أنوار السيارة مطفأة حتى لا تشاهدها المواقع الإسرائيلية من على بعد.
"وأصعب منطقة هي الوصول إلى جنوب معبر زعترة. ومن هناك، يكون الوصول إلى رام الله أسهل.
"وفيما يتعلق بموضوع تصاريح السفر عبر الضفة الغربية، فإن الأمر ملتبس. فكثير من الناس لا يقبلون فكرة التقدم بطلبات للحصول على تصاريح. وهناك آخرون يتوجهون إلى "مكتب التنسيق" في سالم للحصول على تصاريح، فيخبرهم الجيش الإسرائيلي بأنهم لا يمكنهم الحصول على التصاريح أو أنهم ليسوا في حاجة للحصول على مثل هذه التصاريح، ولكن عندما يحاولون العبور من نقاط التفتيش للوصول إلى جنوب نابلس، لا يُسمح لهم بالعبور ويُبلغون بأنه يتعين عليهم الحصول على تصاريح".
أحد العاملين في مجال حقوق الإنسان من سكان رام الله(24)
إشعاران من الجيش الإسرائيلي، مارس/آذار (25)2007
الجمعة 2/3/2007 الساعة 00:15
بناء على قرار القيادة السياسية، وعلى ضوء التقديرات الأمنية، سوف يتم فرض إغلاق عام على يهودا والسامرة [الضفة الغربية] وعلى قطاع غزة، على أن يبدأ سريانه الليلة ويستمر طوال عطلة عيد النصيب (البوريم).
الجمعة 5/3/2007 الساعة 22:35
سوف يتم رفع الإغلاق العام المفروض على قطاع غزة ومنطقة يهودا والسامرة خلال عطلة عيد النصيب (البوريم) اعتباراً من منتصف الليلة بناء على تقديرات أمنية.
4. المستوطنات الإسرائيلية: سبب القيود
منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي في عام 1967، أُقيمت في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، نحو 135 مستوطنة إسرائيلية معترف بها رسمياً بالإضافة إلى 100 "بؤرة استيطانية" (غير مرخص لها ولكنها تحظى برعاية الدولة وتتلقى تمويلاً من وزارات حكومية)، وذلك في مخالفة للقانون الدولي وفي تحد لقرارات الأمم المتحدة. ويبلغ عدد المستوطنين الإسرائيليين حوالي 450 ألف مستوطن، من بينهم نحو 200 ألف مستوطن يعيشون في مستوطنات في القدس الشرقية وحولها. وهناك مستوطنات يقل عدد سكانها عن 100 شخص، وهناك مستوطنات أخرى، مثل أرييل ومعالي أدوميم وبيسغات زئيف، يتراوح عدد سكانها ما بين 15 ألف و30 ألف نسمة، وقد أصبحت هذه المستوطنات بمثابة بلدات راسخة وجيدة المرافق والموارد.(26)
وتُعد إقامة مستوطنات إسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، بما في ذلك حظر التمييز، وهي مبادئ أرستها عدة معاهدات دولية صدقت عليها إسرائيل، ومن ثم أصبحت ملزمة بتعزيزها.
وتتسم سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالتمييز على أساس الجنسية والعرق والديانة. فالمستوطنات مخصصة لليهود فقط، والذين يحق لهم الحصول على الجنسية الإسرائيلية والتمتع بحماية القانون الإسرائيلي، حتى لو كانوا من المهاجرين القادمين من بلدان أخرى ممن يتوجهون للإقامة في المستوطنات القائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، دون أن يكون قد سبق لهم حتى الإقامة في دولة إسرائيل. أما الفلسطينيون، الذين يخضعون للقانون العسكري وليس للقانون المدني الإسرائيلي، فلا يُسمح لهم بدخول المستوطنات الإسرائيلية أو الاقتراب منها أو استخدام طرق المستوطنين، وهو الأمر الذي يحد من حركتهم. كما يتلقى المستوطنون إعانات مالية كبيرة ومزايا أخرى، ويُسمح لهم باستغلال الأراضي والموارد الطبيعية الخاصة بالسكان الفلسطينيين.
وقد كان من شأن الاستيلاء دون وجه حق على الأراضي الفلسطينية لبناء المستوطنات الإسرائيلية والطرق "الالتفافية"، وكذلك الاستيلاء على موارد حيوية مثل المياه، أن يخلف أثاراً مدمرة على السكان المحليين الفلسطينيين، بما في ذلك حقهم في التمتع بمستوى معيشي ملائم وحقهم في الحصول على ما يكفي من الطعام والماء، وحقهم في السكن الملائم، وحقهم في الحصول على أعلى مستوى صحي يمكن بلوغه، فضلاً عن حقهم في التعليم والعمل.
ويتم تحديد مواقع نقاط التفتيش والحواجز التي تحد من حرية الفلسطينيين في التنقل داخل الضفة الغربية بناءً على مواقع المستوطنات الإسرائيلية والطرق التي تربط المستوطنات ببعضها البعض (وهي التي تُسمى الطرق "الالتفافية"، وكثيراً ما يُحظر على الفلسطينيين استخدامها). ومع استمرار المستوطنات الإسرائيلية والطرق "الالتفافية" في التزايد والانتشار في شتى أنحاء الضفة الغربية، تتزايد وتتوسع الطرق والمناطق التي يُحظر على الفلسطينيين السير عليها. وقد أدت مواقع المستوطنات إلى عدم وجود اتصال جغرافي بين التجمعات الفلسطينية في مختلف مناطق الضفة الغربية.
الخضراء تتوقف والصفراء تمر
تبلغ المسافة بين منطقة الخليل في جنوب الضفة الغربية ومنطقة نابلس في شمال الضفة نحو 100 كيلومتر، وهي تستغرق ألف من ساعتين بالسيارة بالنسبة للمستوطنين الإسرائيليين. أما بالنسبة للفلسطينيين، فقد تستغرق الرحلة معظم ساعات اليوم، هذا إن أمكن القيام بها أصلاً.
ولا يختلف الأمر حتى بالنسبة للفلسطينيين الذين تتوفر فيهم جميع الشروط التي وضعها الجيش الإسرائيلي، مثل السن، وخلو السجل "الأمني" من السوابق، ومحل الإقامة، والغرض من السفر، إذ لا يمكنهم المرور على معظم الطرق الرئيسية في الضفة الغربية. فهذه الطرق مخصصة للمستوطنين الإسرائيليين، الذين يسهل التعرف على سياراتهم بلوحات أرقامها الصفراء، بينما تُميز سيارات الفلسطينيين بلوحاتها الخضراء.
ويتعين على الفلسطينيين أن يقطعوا مسافات طويلة عبر طرق جانبية وكثيراً ما تكون غير ممهدة في التلال، ويتعين عليهم الانتظار عند نقاط التفتيش التابعة للجيش الإسرائيلي، وقد لا يُسمح لهم بالعبور في نهاية المطاف. وتتباين مواعيد الفتح من نقطة تفتيش إلى أخرى، ويُغلق كثير منها ليلاً. وكثيراً ما تُغلق نقاط التفتيش بشكل غير متوقع خلال النهار، ويستمر الإغلاق لفترات غير محددة. ويحجم الجنود القائمون بالخدمة في نقاط التفتيش عن إبلاغ الفلسطينيين الذين ينتظرون العبور بمواعيد إعادة فتح نقاط التفتيش، مما يجعل من الصعب عليهم أن يعرفوا إن كانت هناك جدوى من انتظارهم.
وفي المقابل، لا يصادف المستوطنون الإسرائيليون إلا عدداً قليلاً من نقاط التفتيش لدى تنقلهم في الضفة الغربية، وإذا ما صادفتهم إحدى هذه النقاط يُسمح لهم بالمرور بسرعة دون أن يتعين عليهم الانتظار لفحص وثائقهم وسياراتهم.
ويُحظر على الفلسطينيين المرور بسياراتهم على الطريق 60، وهو الطريق الرئيسي الذي يمتد من الجنوب إلى الشمال في وسط الضفة الغربية، ويمر ببلدات رئيسية مثل يطا والخليل في الجنوب وجنين في الشمال. ويرجع سبب الحظر إلى أن المستوطنين الإسرائيليين يستخدمون هذا الطريق، بل إن بعض أجزاء الطريق كثيراً ما تُغلق تماماً أمام الفلسطينيين. فعلى سبيل المثال، ظل نحو 60 ألف فلسطيني، ممن يعيشون في 16 قرية تقع على طول جزء صغير من الطريق 60 جنوب الخليل، محرومين من المرور بسياراتهم على الطريق 60 لسنوات عدة، لأن الجيش الإسرائيلي أغلق مداخل الطريق. وفي فبراير/شباط 2007، تقدمت "جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل"، وهي منظمة إسرائيلية معنية بحقوق الإنسان، بطلب إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية لفحص قانونية تلك الإجراءات.
كما تُفرض قيود مماثلة على التنقل بين عشرات القرى الفلسطينية الواقعة على جانبي جزء من الطريق 60، يبلغ نحو 50 كيلومتراً، ويمتد بين مدينتي رام الله ونابلس، وذلك بسبب قرب هذا الجزء من المستوطنات الإسرائيلية.
وبالمثل، يخضع تنقل الفلسطينيين على الطريق 443، وهو الطريق السريع الرئيسي الذي يربط مدينة رام الله بالقرى الفلسطينية الواقعة جنوب غرب المدينة، لقيود منذ فترة طويلة نظراً لأن المستوطنين الإسرائيليين يستخدمون هذا الطريق. وفي مارس/آذار 2007، تقدمت "جمعية الحقوق المدنية الإسرائيلية" بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لإزالة الحواجز التي تمنع سكان ست قرى فلسطينية من استخدام الطريق 443.(27)
وتتزايد القيود المفروضة على القرى والبلدات الفلسطينية كلما ازداد قربها من المستوطنات الإسرائيلية والطرق "الالتفافية". ففي جنوب نابلس، تُفرض قيود مشددة على عبور الفلسطينيين عبر تقاطع الطريق 60 مع الطريق 505، الممتد من الشرق إلى الغرب، والذي يستخدمه المستوطنون الإسرائيليون أيضاً ويُحظر على الفلسطينيين استخدام معظمه. تتخذ القيود أشكالاً متنوعة مثل طلب تصاريح خاصة للمرور، أو منع الفلسطينيين من أعمار معينة، وعادةً ما يكونون من الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 16 عاماً و30 أو 35 عاماً، أو منع الفلسطينيين الذين يقيمون في مناطق بعينها، وعادةً ما يكونون من المقيمين في شمال الضفة الغربية. وفي بعض الأحيان، يُغلق هذا التقاطع تماماً أمام الفلسطينيين.
وتحيط المستوطنات الإسرائيلية بمنطقة تضم مدينة نابلس واثنين من مخيمات اللاجئين وعدة قرى حول المدينة، ويربو عدد سكان هذه المنطقة على 200 ألف فلسطيني. ولهذا السبب، تُفرض قيود مشددة على تنقل الفلسطينيين في هذه المنطقة. ونتيجةً لذلك، أُصيب النشاط الاقتصادي في مدينة نابلس بالشلل تقريباً، بعد أن كان يتسم بالحيوية فيما مضى.
أما المناطق التي تحيط فيها المستوطنات الإسرائيلية والطرق "الالتفافية" وأجزاء الجدار بقرى فلسطينية قريبة، فقد أعلنتها السلطات الإسرائيلية "مناطق عسكرية مغلقة". ويقتصر التنقل في هذه المناطق، التي تُعد بمثابة جيوب مطوَّقة، على المسجلين بأنهم من المقيمين فيها، وهو الأمر الذي يعني أن الفلسطينيين المقيمين هناك يحتاجون إلى تصاريح خاصة لمواصلة العيش في ديارهم وللخروج من تلك الجيوب المطوَّقة والدخول إليها، وكثيراً ما يكون ذلك سيراً على الأقدام وفي مواعيد محددة فقط. وهناك كثير من المناطق القريبة من المستوطنات محظورة على الفلسطينيين في الواقع الفعلي، بالرغم من أن هذه المناطق لم تُعلن رسمياً مناطق عسكرية مغلقة.
وعن طريق بناء شبكة من المستوطنات وشبكة من الطرق "الالتفافية" حول جميع البلدات والقرى الفلسطينية، قضت إسرائيل على إمكان وجود اتصال جغرافي بين المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية، كما حدَّت من نمو البلدات والقرى الفلسطينية، وضمنت إحكام سيطرتها التامة على الضفة الغربية بأكملها، وعلى حياة ما يزيد على مليوني فلسطيني يعيشون هناك.
"فرصة تاريخية"
للمرة الأولى في التاريخ، أصبح بوسع اليهود أن يشتروا يهودا والسامرة. فعن طريق شراء 1 بالمئة فقط من أراضي السكان العرب في يهودا وشومرون، يمكن لليهود أن يحصلوا على 58 بالمئة من الأرض، لأن 99 بالمئة من العرب يعيشون في مناطق كثيفة على باقي الأراضي التي تبلغ مساحتها 42 بالمئة. ومع مقولة حصر الفلسطينيين في مناطق محددة معزولة عن بعضها (كانتونات)، يظل الخيار متاحاً أمامهم بأن يبيعوا أراضيهم ويبحثوا عن حياة أفضل في أماكن أخرى.
موقع جمعية المستوطنين الإسرائيليين على شبكة الإنترنت (28)
5- "بؤر استيطانية" غير قانونية ترعاها الدولة
بالإضافة إلى المستوطنات الإسرائيلية المعترف بها رسمياً، والبالغ عددها 135 مستوطنة، أُقيمت نحو 100 مستوطنة أخرى متفاوتة الحجم بموافقة ضمنية وليست رسمية من السلطات الإسرائيلية. وعادةً ما يُشار إلى هذه المستوطنات باسم "البؤر الاستيطانية"، وقد أُقيم أكثر من نصفها خلال السنوات الست الماضية. وبالرغم من عدم حصول هذه "البؤر الاستيطانية" على ترخيص رسمي، فإن الجيش الإسرائيلي يوفر لها الحماية على مدار ساعات اليوم، وسُمح لكثير منها بأن تتصل بشبكات الكهرباء والهاتف والمياه، وبأن تُشيد طرقاً تربطها بالطرق الرئيسية وبمستوطنات أخرى. والملاحظ أن كثيراً من المستوطنات المعترف بها رسمياً بدأت بوصفها "بؤراً استيطانية" غير مرخص لها، ثم حصلت على الوضع الرسمي لاحقاً، بينما بدأت مستوطنات أخرى كمدارس دينية أو مواقع للجيش.
ويُذكر أن الحكومة الإسرائيلية وعدت مراراً، في سياق خطة السلام التي طُرحت عام 2003 وتُعرف باسم "خارطة الطريق" وتحظى برعاية دولية، بأن تقوم بتفكيك وإخلاء جميع "البؤر الاستيطانية" غير المرخص لها والتي أُقيمت منذ عام 2001. ومع ذلك، لم تُتخذ إجراءات تُذكر، أو لم تُتخذ أية إجراءات، في هذا الصدد فيما عدا محاولات قليلة وفاترة لإزالة بعض "البؤر الاستيطانية"، التي سرعان ما أُعيد تشييدها. وفي الوقت نفسه، استمر بناء "بؤر استيطانية جديدة" فوق أراض فلسطينية تم الاستيلاء عليها دون وجه حق.
وفي عام 2004، كلف أرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، المدعية العامة السابقة تاليا ساسون بإعداد تقرير عن "البؤر الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد نُشر ملخص للتقرير في مارس/آذار 2005. وقد توصلت تاليا ساسون إلى أن سلطات الدولة كانت ضالعة بالمخالفة للقانون في إقامة "البؤر الاستيطانية" غير المرخص لها، وقد حُجبت الأدلة ولم يُطبق القانون. ورغم مرور عامين على هذا التقرير، لم تطرأ تغيرات تُذكر، على ما يبدو، إذ يستمر انتشار "البؤر الاستيطانية" بشكل سريع. بل إن أحد المسؤولين، الذين شاركوا في إقامة "بؤر استيطانية"، حسبما ذكر تقرير تاليا ساسون، قد عُين مؤخراً في منصب نائب رئيس الوزراء.
تقرير تاليا ساسون عن "البؤر الاستيطانية: مقتطفات(29)
لقد قادني التحقيق الأولي إلى نتيجة مؤداها أن السلطات الأساسية المعنية بمسألة البؤر الاستيطانية غير المرخص لها هي وزارة الدفاع والجيش الإسرائيلي، بما في ذلك الإدارة المدنية؛ ووزارة التعمير والإسكان؛ وقسم الاستيطان في المنظمة الصهيونية العالمية؛ ووزارة الداخلية... ومع ذلك، فهناك هيئات أخرى تشارك في إقامة بؤر استيطانية غير مرخص لها، ومن بينها مجالس إقليمية في يهودا والسامرة وغزة، ووزارات حكومية أخرى...
ويمكن الاطلاع على جانب من المعلومات في هذا الصدد، ولكن الجانب الأكبر منها قد حُجب...
والواقع أن ظاهرة البؤر الاستيطانية غير المرخص لها هي استمرار للمشروع الاستيطاني في الأراضي... وقد بُني عدد كير من البؤر الاستيطانية بمشاركة سلطات عامة وهيئات تابعة للدولة...
وقد أقام قسم الاستيطان [في المنظمة الصهيونية العالمية] بؤراً استيطانية غير مرخص لها، متجاهلاً الحاجة إلى وجود خطة مفصلة صالحة للتطبيق. ولم يكن هذا أمراً عارضاً بمحض الصدفة، بل كان بالأحرى نظاماً ثابتاً...
وفي عام 2001، أضافت وزارة التعمير والإسكان بنداً خاصاً في الميزانية أُطلق عليه اسم "نفقات متفرقة خاصة بالتنمية العامة"، واستخدمته لتمويل إقامة بؤر استيطانية غير مرخص لها... وخلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2004، أنفقت الوزارة مبلغ 71 مليون و870 ألف شيكل إسرائيلي [حوالي 17.2 مليون دولار أمريكي] على البؤر الاستيطانية غير المرخص لها.
وعلى مدى سنوات، تجنبت وزارة الدفاع إصدار توجيهات بتنفيذ أوامر الهدم، باستثناء حالات فردية محدودة...
وقد توصلت إلى أن مساعد وزير الدفاع لشؤون الاستيطان قد بعث برسائل إلى قسم الاستيطان يؤكد فيها أن بؤراً استيطانية معينة، وهي بؤر استيطانية غير مرخص لها، تُعد مستوطنات مستقلة ويحق لها الحصول على ميزانيات واتخاذ شعارات ورموز خاصة بها.
وقد توصلت إلى ثلاثة أسباب رئيسية للفشل في تنفيذ القانون فيما يتعلق بالبؤر الاستيطانية غير المرخص لها، وهي:
أ. ضلوع بعض سلطات الدولة ومسؤولي الدولة والسلطات العامة في إقامة بؤر استيطانية غير مرخص لها. ب. عدم فاعلية عملية تنفيذ القانون. ج. الافتقار إلى تشريع ملائم وآليات قانونية ملائمة للتعامل مع مسألة بناء بؤر استيطانية غير مرخص لها.
ويبدو أن انتهاك القانون أصبح أمراً راسخاً ذا طابع مؤسسي. فنحن لا نواجه مجرماً فرداً، ولكن مجموعة من المجرمين الذين ينتهكون القانون. وتتمثل الصورة العامة في وجود انتهاك صارخ للقوانين على أيدي بعض سلطات الدولة، والسلطات العامة، والمجالس الإقليمية في يهودا والسامرة وغزة، فضلاً عن المستوطنين، في نفس الوقت الذي يُقدم فيه زوراً نظام قانوني متسق.
ويُعد هذا بمثابة رسالة إلى الجيش الإسرائيلي وجنوده وقادته، وإلى الشرطة الإسرائيلية وضباط الشرطة، وإلى مجتمع المستوطنين والجمهور العام.
وفحوى هذه الرسالة أن الاستيطان في بؤر استيطانية غير مرخص لها هو عمل صهيوني، بالرغم من أنه غير قانوني. ومن هنا، تصبح القاعدة هي التجاهل و"غض الطرف" واتباع المعايير المزدوجة...
[التشديد في كل المواضع لمنظمة العفو الدولية]
ولطالما كانت المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة مثاراً للتوتر، وكثيراً ما تقع مواجهات بين المستوطنين الإسرائيليين والسكان الفلسطينيين المحليين. وقد أدى انتشار المستوطنات والطرق "الالتفافية" على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية إلى تزايد عوامل التوتر هذه.
ويفقد الفلسطينيون المزيد والمزيد من أراضيهم الزراعية الأكثر خصوبة فضلاً عن معظم الموارد المائية الخاصة بهم، والتي تستولي عليها إسرائيل لمصلحة المستوطنات الإسرائيلية. ولم يعد يُسمح للفلسطينيين بالحصول على وظائف في سوق العمل الإسرائيلي، بعد أن ظلوا يعتمدون على مثل هذه الوظائف بشكل كبير خلال العقود الماضية. كما أن فرص الفلسطينيين في تحقيق تنمية اقتصادية تواجه عقبات شديدة نظراً لسيطرة إسرائيل على مواردهم وعلى حركتهم. والنتيجة النهائية لهذه العناصر مجتمعة هي زيادة الفقر واليأس في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
"بؤرة" هرشا : غير مصرَّح بها لكنها تحظى بمساندة الدولة
في قضية يُنظر فيها حالياً، قدمت المنظمة غير الحكومية الإسرائيلية السلام الآن التماساً في سبتمبر/أيلول 2005 طلبت فيه من المحكمة العليا أن تأمر الجيش بتفكيك "بؤرة" هرشا (أوهراشا) الاستيطانية المقامة في شمال رام الله بالضفة الغربية. وخلال الجلسة التي عُقدت في مارس/آذار 2007، طلب المحامي الذي وكَّله المستوطنون الإسرائيليون بأن تُمنح "البؤرة" اعترافاً رسمياً وتراخيص بناء. وزعم أن : "دولة إسرائيل قامت بدور نشط في إنشاء البؤرة عبر سلسلة من الشُعب والسلطات – لاسيما الأموال التي قدمتها وزارة الإسكان لإقامة البنية التحتية في "البؤرة" (600,000 شيكل إسرائيلي جديد – حوالي 143,000 دولار أمريكي – في العام 1999. و500,000 شيكل إسرائيلي جديد في العام 2001 و650,000 شيكل إسرائيلي جديد في العام 2002)؛ وعبر مبادرة الوزارة في العام 2004 إلى إعداد خطة لتقسيم "البؤرة" إلى مناطق، بما فيها المدارس. كذلك أقامت الدولة محطة لدراسة الأرصاد الجوية في الموقع. وقدَّم المستوطنون رسائل من مجلس بنيامين الإقليمي (مجلس المستوطنة المجاورة) مؤرخة في مايو/أيار 2002 تأذن للمستوطنين بالمباشرة في بناء حوالي 25 وحدة سكنية.(30) ولاحظ تقرير تاليا ساسون (انظر أعلاه) بأن "بؤرة" هرشا أُنشئت في العام 1995 بدون الحصول على إذن من السلطات لاستخدام الأرض أو لبناء أية إنشاءات؛ وأن وزارة الإسكان قدمت 1560,000 شيكل إسرائيلي جديد (372,000 دولار أمريكي) لتمويل إنشاء بنية تحتية و100,000 شيكل إسرائيلي جديد لإنشاء مبانٍ عامة، وأن السلطات الإسرائيلية اعتمدت وصل "البؤرة" بالشبكة الكهربائية مع إيصال المياه إليها من مستوطنة تالمون القريبة؛ وأن حمام المناسك العام (ميكفه) قد اعتمده إفريم سنيه الذي يشغل منصب نائب وزير الدفاع الآن.
6. أنقاض ليس إلا : هدم منازل الفلسطينيين
لا تسمح إسرائيل للفلسطينيين بالبناء خارج البلدات الرئيسية أو خارج حدود المناطق المأهولة أصلاً في القرى. وغالباً ما يهدم الجيش الإسرائيلي المنازل والممتلكات العقارية التي بناها الفلسطينيون على أراضيهم في القرى وحولها في جميع أنحاء الضفة الغربية. وفي الأشهر الستة الأخيرة وحدها، دمرت جرافات الجيش الإسرائيلي المنازل وحظائر الحيوانات العائدة لعشرات العائلات الفلسطينية في القرى التي تشمل فندق وحاجا وجنسافوط وحارس في منطقة سلفيت وقلقيلية)؛ والقواوس وأم نزيل وأم الخير وغيرها من القرى القريبة (تلال الخليل الجنوبية) وصواحرة ونعمال والولاجة (في منطقة بيت لحم والقدس الشرقية). ويتعرض آلاف الفلسطينيين الآخرين لخطر هدم منازلهم والإخلاء القسري من دون إنذار كاف وإجراءات قانونية مرعية (بما في ذلك إتاحة فرصة لهم للطعن في أمر الإخلاء أو الهدم) أو تعويض أو ضمانات بتقديم سكن بديل.
تدمير المنازل وحياة الناس
"عندما وصلنا إلى قريتي فندق وسلفيت، كانت آثار هدم المنـزل الأول بادية للعيان فعلاً. فقد وقفت عائلة على كومة من الركام صامتة ومشدوهة. وكانت عملية هدم المنـزل الثاني قد بدأت تواً، حيث كانت جرافتا كاتربيلر وفولفو تمزقان الدور العلوي من المنـزل الذي شارف على الانتهاء. ووقف أفراد العائلة الذين ظل اثنان منهما مكبلين بالأصفاد طوال عملية الهدم، عاجزين عن فعل شيء في هذا الموقف. وخلال ساعة محا الجيش الإسرائيلي سنوات من الكد والعمل والمال. و"بدون توقف توجهت جرافات الجيش إلى موقع عملية الهدم الثالثة، وهو منشأة زراعية. ومن الواضح أنه تم استثمار المال فيها ولا شك فيها أن دخلها كان سيسد رمق أفواه عديدة.
و"جرت عملية الهدم الرابعة في قرية حاجا القريبة. وأودعت العائلة أوراقاً مع محاميها كانت تأمل بأن تمنع عملية الهدم ... واتصلنا بكل الأشخاص الذين يمكن أن يُكسِبونا بعض الوقت. وحدث ما كنا نتوقعه. لم ينتظر الجيش وصول الأوراق وبدأت عملية الهدم. واستغرق هدم هذا المبنى المؤلف من عدة طوابق ساعتين...
"في صباح اليوم التالي، في 23 نوفمبر/تشرين الثاني (2006)، كانت عمليات هدم مزيد من المنازل تجري على قدم وساق في قرية قروات بني حسن. ووصلنا بعد ذلك بقليل، لكن الجيش والجرافات كانت قد غادرت، تاركة في أعقابها مزيداً من الدمار : وباتت عائلة، تضم سبعة أطفال، تتراوح أعمارهم من ثلاثة إلى أربعة عشر عاماً مشردة بلا مأوى. وبعد ثلاث سنوات من البناء وسنوات عديدة من الادخار، انتقلت العائلة أخيراً إلى منـزلها قبل شهرين فقط...
"وفي صباح اليوم نفسه، 23 نوفمبر/تشرين الثاني، في كفر حارس، هُدم مغسل للسيارات ومرآب. وكانت هذه المؤسسة التجارية التي تتقاسمها ثلاث عائلات تعمل طوال ست سنوات. وقال المالكون إنهم لم يتلقوا إنذاراً مسبقاً." مقتطفات من شهادة عضو في خدمة السلام النسائية الدولية.(31)
وتبني إسرائيل سياستها المتمثلة في منع الفلسطينيين من البناء خارج حدود المناطق الآهلة على قوانين أردنية قديمة تتعارض كلياً مع القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ومن الواضح أنها لم تعد تفي بالاحتياجات السكنية الراهنة للشعب الفلسطيني. وبموجب هذه القوانين، فإن الأراضي الفلسطينية التي صنفتها السلطات الإسرائيلية "كأراضٍ خضراء" لا يمكن استخدامها إلا للأغراض الزراعية.
بيد أن السلطات الإسرائيلية لم تطبق قط هذه القوانين على المستوطنات الإسرائيلية، التي بُنيت جميعها فعلياً على أراضٍ زراعية تمت مصادرتها من الفلسطينيين، في انتهاك للقانون الدولي. وبينما يتواصل هدم المنازل في القرى الفلسطينية أسبوعياً، تستمر المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في التوسع عبر التلال والحقول المنتشرة في كافة أنحاء الضفة الغربية. ويعلن الموقع الإلكتروني لإينامار، وهي مستوطنة إسرائيلية صغيرة تقع على بعد خمسة كيلومترات تقريباً إلى جنوب – شرقي نابلس في قلب الضفة الغربية أن : "إيتامار تطل من تلالها المتعددة على آلاف الدونمات المخصصة لتطويرها المستقبلي".(32)
موقع إلكتروني يعرض عقارات في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية في معرض إشارته إلى مستوطنة تشاشمونيم الواقعة في غرب رام الله يتباهى :
"بأن إمكانيات البناء واسعة في تشاشمونيم. ويجري إنشاء أبنية يتألف كل منهما من وحدتين على قطع أرض مساحة كل منها 300 متر فضلاً عن عقارات منفصلة كل منها لعائلة واحدة على قطع أرض مساحة كل منها 600 متر. وليست هناك حدود تقيد عملية صنع القرار المتعلقة بالتصميم والبناء."(33)
7. الحصانة للمستوطنين
يُحال الفلسطينيون المتهمون بشن هجمات ضد المستوطنين الإسرائيليين للمحاكمة أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية وتُنـزل بهم عقوبات قاسية. وفي بعض الحالات تغتالهم القوات الإسرائيلية. وعلى النقيض من ذلك، يكاد المستوطنون الإسرائيليون الذين يهاجمون الفلسطينيين ويدمرون ممتلكاتهم لا يتعرضون للمقاضاة أبداً، وفي المناسبات النادرة التي تعرضوا فيها للمقاضاة، لم ينالوا العقوبات التي تتناسب مع خطورة الجرم.(34)
وفي 26 يونيو/حزيران 2006 أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الجيش والشرطة الإسرائيليين بحماية المزارعين الفلسطينيين وممتلكاتهم من الهجمات التي يشنها المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية، وباتخاذ خطوات لوضع حد لهذه الهجمات. وجاء الأمر استجابة لالتماس قدمته منظمتان إسرائيليتان لحقوق الإنسان، هما جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل وحاخامات من أجل حقوق الإنسان، ضد التقاعس المستمر لقوات الأمن الإسرائيلية عن أداء واجباتها في إنفاذ القانون في الحالات التي تتعلق بهجمات عنيفة يشنها المستوطنون الإسرائيليون على الفلسطينيين وممتلكاتهم في خمس قرى بالضفة الغربية.
ولاحظت المحكمة أن ممارسة الجيش الإسرائيلي المتمثلة بإعلان الأرض الفلسطينية "مغلقة" في وجه أصحابها لحمايتهم من المستوطنين الإسرائيليين تصل إلى حد مكافأة الأخيرين على هجماتهم العنيفة. وقبلت زعم مقدمي الالتماس بأن المزارعين الفلسطينيين حُرموا بصورة غير مشروعة من الوصول إلى أراضيهم الواقعة بالقرب من المستوطنات الإسرائيلية و"البؤرة الاستيطانية" غير المصرَّح بها.
وبعث هذا الحكم برسالة واضحة للجيش وقوات الأمن الإسرائيلية التي أبدت عموماً تسامحاً إزاء العنف الذي مارسه المستوطنون وتواطأت أحياناً معهم. وبرغم هذا، واصل الجنود الإسرائيليون الموجودون على الأرض تجاهل أوامر المحكمة العليا في حالات عديدة.
في حالة نادرة أُحيلت فعلاً إلى المحكمة، أُدين المستوطن الإسرائيلي يهوشوا إليتزور في أغسطس/آب بقتل سايل جبارة، وهو فلسطيني عمره 46 عاماً، في سبتمبر/أيار 2004. وبرغم أن الشهود اتفقوا على أن يهوشوا إليتزور كان مسلحاً ببندقية هجومية من طراز أم 16 وأردى عمداً رجلاً أعزل بدون سبب ظاهر، إلا أن المحكمة زعمت أنه ليس هناك دليل على أنه كان ينوي قتل سايل جباره، وأدانته بالقتل الخطأ وليس القتل العمد. ويهوشوا إليتزور الذي كان طليقاً بكفالة منذ اليوم الذي تلا إلقاء القبض عليه لم يمثل أمام المحكمة للاستماع إلى الحكم. ولا يُعرف بأنه أُعيد اعتقاله أو أنه أمضى أية عقوبة في السجن.
ما يقرره الجيش هو القانون – عدم حماية المزارعين الفلسطينيين
في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2006، منع الجيش الإسرائيلي عائلة فلسطينية كان يرافقها نشطاء دوليون لحقوق الإنسان من قطاف الزيتون بالقرب من مستوطنة براها الإسرائيلية الواقعة في جنوب – غرب نابلس. وبعد مخابرات هاتفية عديدة من نشطاء دوليين وإسرائيليين، قال الجيش في النهاية إن المزارعين يمكنهم قطف الزيتون.
وفي قرية كفر قليل المجاورة، كان المزارعون الفلسطينيون يقطفون الزيتون برفقة نشطاء إسرائيليين ودوليين لحقوق الإنسان على مدى عدة أيام. بيد أنه في 7 أكتوبر/تشرين الأول، أرغم الجنود الإسرائيليون عائلة فلسطينية على التوقف عن العمل ظهراً. وقال نشطاء حقوق الإنسان لمنظمة العفو الدولية إنه عند حوالي الساعة 12,30 بعد الظهر وصل الجنود في مركبة هامر تابعة للجيش الإسرائيلي وتكلموا مع المزارع بطريقة عدائية. وأبلغوه أنه وفقاً للقانون كان يجب أن يغادر عند الظهر. وأمروا العائلة بالمغادرة فوراً. وعندما قالت إحدى الناشطات الدوليات إن قرار المحكمة العليا أعطى المزارعين حق العمل في أرضهم بدون قيود، أبلغها الجنود أنهم لا يأبهون لذلك وأن الموعد الأخير الذي ينتهي عند الظهيرة هو "ما قرره الجيش، لذا فهو القانون."
واتصلت الناشطة الدولية بالحاخامات من أجل حقوق الإنسان الذين تحدثوا إلى مكتب التنسيق في المقاطعة، وهو شعبة للجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فأكد المكتب المذكور أن المزارعين يملكون الحق في مواصلة العمل ووعد بالاتصال بالجنود الموجودين على الأرض. بيد أن الجنود استمروا في تهديد المزارع، زاعمين أن مكتب التنسيق في المقاطعة هو الذي قال إن على المزارعين المغادرة عند الظهر. وفي نهاية الأمر غادرت العائلة لأنها خشيت من أن المواجهة ستزيد من صعوبة متابعتها لقطاف الزيتون في صباح اليوم التالي الذي قطفت فيه الزيتون دون توقف.(35)
وعندما أُرسل الجنود الإسرائيليون لحراسة الأراضي الفلسطينية الواقعة بالقرب من المستوطنات الإسرائيلية خلال قطاف الزيتون لمنع الهجمات التي يشنها المستوطنون الإسرائيليون، اقتصرت هذه الحماية على مناطق صغيرة وعلى بضعة أيام فقط في السنة.(36) وتم التوصل إلى هذه الترتيبات نتيجة الضغط الذي مارسته جماعات حقوق الإنسان على الجيش. كذلك ضمن عمل المجموعات وجود النشطاء الإسرائيليين والدوليين في المناطق الأكثر عرضة لهجمات المستوطنين الإسرائيليين – وجود النشطاء كشهود محتملين يمكن أن يشكل رادعاً ضد هذه الهجمات.
وأدت هذه الجهود إلى تحسن الوضع. بيد أن وجود النشطاء الدوليين والإسرائيليين محدود، وقد استمر المستوطنون الإسرائيليون في مهاجمة الفلسطينيين وممتلكاتهم عندما لم يكن هناك شهود. وحتى الآن، تقاعس الجيش وقوات الأمن الإسرائيلية عن تخصيص موارد كافية وتوخي اليقظة الواجبة لمنع وقوع الهجمات من جانب المستوطنين الإسرائيليين والتحقيق فيها وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة.
تعرض محمد شحاده عطية صلاح وشقيقه صلاح وأطفال صغار لاعتداء من جانب مستوطنين إسرائيليين بالقرب من "البؤرة" الاستيطانية نيف دانييل نورث الواقعة بالقرب من قرية الخضر في منطقة بين لحم في 9 فبراير/شباط 2007. وأبلغ محمد صلاح منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية بتسليم أن المستوطنين اقتلعوا النباتات التي كان هو وشقيقه قد زرعاها تواً، ورشقوهم بالحجارة بصورة متكررة ووجهوا إليه لكمة على وجهه. واستدعى أقرباؤه سيارة إسعاف وأبلغوا الشرطة. بيد أن الشرطة لم تتوجه إلى المكان الذي كان ينتظر فيه في مسرح الهجوم بل ذهبت إلى المستوطنة بدل ذلك. وفي الطريق إلى المستشفى أخَّر الجيش الإسرائيلي سيارة الإسعاف لمدة 10 دقائق. وفيما بعد ذهب محمد صلاح إلى مركز الشرطة لتقديم شكوى، لكن لم يمكن هناك شخص يتكلم العربية، لذا اضطر إلى تقديم شكوى في مركز شرطة قرية عربا في الخليل.(37) ولا يوجد مؤشر على أن المستوطنين الإسرائيليين المسؤولين عن الهجوم قُدِّموا إلى العدالة.
8. الاعتداء على المدافعين عن حقوق الإنسان
في السنوات الأخيرة رافق المدافعون الإسرائيليون والدوليون عن حقوق الإنسان المزارعين الفلسطينيين إلى العمل في أراضيهم الواقعة بالقرب من المستوطنات الإسرائيلية. كذلك قاموا بحراسة الأطفال الفلسطينيين الذاهبين إلى المدرسة في المناطق الواقعة بالقرب من المستوطنات الإسرائيلية. وفي بعض القرى الصغيرة والمعزولة، احتفظ نشطاء السلام الدوليون بوجود دائم. وتضم هذه القرى يانون الواقعة شمال شرق نابلس، حيث هاجم المستوطنون الإسرائيليون القرية في العام 2002 وأرغموا جميع سكانها على الفرار، وتواني وغيرها من القرى الصغيرة الواقعة على تلال جنوب الخليل. كذلك أقام المدافعون عن حقوق الإنسان وجوداً لهم في بلدة الخليل، حيث تعرض الفلسطينيون بصورة متكررة لاعتداءات في منازلهم على أيدي المستوطنين الإسرائيليين.
ورداً على ذلك صعَّد المستوطنون الإسرائيليون حملتهم العنيفة ضد نشطاء حقوق الإنسان الدوليين، وفي بعض الحالات ضد نشطاء حقوق الإنسان الإسرائيليين في محاولة لثنيهم عن البقاء وحرمان الفلسطينيين حتى من هذا الشكل المحدود للحماية والتضامن. وقد ركز المستوطنون هجماتهم على الأشخاص الذين يصورون أفلاماً أو يلتقطون صوراً لاعتداءاتهم، وسرقوا آلات التصوير ومسجلات الفيديو.
تعرض إريك موهلن، وهو مندوب سويدي في بعثة المراقبة الدولية المسماة الوجود الدولي المؤقت في الخليل، لاعتداء من جانب مستوطن إسرائيلي في الخليل بينما كان داخل سيارة تابعة للبعثة بالقرب من المستوطنة الإسرائيلية بيت هداسه في 5 مارس/آذار 2007. وألقى مستوطن شاب حجراً كبيراً على الزجاج الأمامي للسيارة التي توقفت بعد ذلك عند نقطة تفتيش إسرائيلية قريبة. وبينما كان إريك موهلن يتحدث إلى الجندي عند نقطة التفتيش، يبدو أن المستوطن ألقى حجراً آخر عليه. ونُقل إريك موهلن الذي كان ينـزف بغزارة إلى المستشفى للمعالجة الطبية. وصرَّح رئيس بعثة الوجود الدولي المؤقت في الخليل أن هذا الاعتداء هو الأحدث في عدد من الاعتداءات الخطيرة على مراقبي البعثة في هذه المنطقة.
وفي اليوم ذاته، تعرض عضوان آخران من فرق صانعي السلام المسيحية في الخليل – المواطن الكندي آرت آربر والمواطنة البريطانية جانيت بنفي – للبصق والركل والرشق بالحجارة من جانب مستوطنين إسرائيليين شبان بينما كانا ينتظران تدقيق الجنود الإسرائيليين في أوراقهما عند نقطة تفتيش للجيش الإسرائيلي تقع بالقرب من مستوطنة بيت هداسه في الخليل. وأُصيب آرت آربر بحجر في أذنه تسبب له بنـزيف حاد. وقال عضوان في فرق صانعي السلام المسيحية إنهما عندما سألا الجندي الإسرائيلي لماذا لم يتدخل، رد بأنه غير مكلف بأن يفعل ذلك.
وفي سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2004، اعتدى المستوطنون الإسرائيليون الذين يرتدون القلنسوات ويحملون الحجارة والهراوات الخشبية والسلاسل المعدنية على عضوين أمريكيين في فرق صانعي السلام المسيحية وعلى عضو إيطالي في منظمة السلام المسماة عملية اليمامة وعلى مندوبي منظمة العفو الدولية بينما كانوا يرافقون الأطفال الفلسطينيين إلى مدرستهم الابتدائية الكائنة بالقرب من قربة تواني في تلال جنوب الخليل. وقدم ضحايا هذه الاعتداءات شكاوى إلى الشرطة الإسرائيلية، لكن حتى الآن لا يُعرف بأنه تم تقديم أحد إلى العدالة.
وفي الهجوم الأول، أُصيبت عضو فرق صانعي السلام المسيحية كيم لامبرتي بكسر في ذراعها وركبتها، فضلاً عن رضوض، وأُصيب زميلها كريس براون بثقب في رئته وبكدمات متعددة. وفي الاعتداء الثاني، أصيب عضو عملية اليمامة بخلع في رسغه، وبجرح في كليته وبكدمات أخرى؛ وأصيب أحد مندوبي منظمة العفو الدولية بجرح في عضلة الكتف وبكدمات متعددة. كذلك سرق المهاجمون آلة تصوير فيديو من عضو عملية اليمامة الذي صوَّر المهاجمين الذين قدموا من البؤرة الاستيطانية القريبة هوفات ماؤن، ثم رشقوا النشطاء الدوليين لحقوق الإنسان بالحجارة، وعاد المهاجمون إلى بؤرة هوفات ماؤن عقب الاعتداءات.
وبعيد الهجوم مباشرة، أبلغ حارس الأمن في مستوطنة ماؤن القريبة، والمعروف جيداً في المنطقة، النشطاء الدوليين لحقوق الإنسان أن وجودهم &q